|
وممن قال من العامه باستقلال كل ولى بالقصاص مطلقا المذهب الظاهرى. قال فى المحلى بعد مناقشه ادله المذاهب والاراء الاخرى مفصلا: (قال ابو محمد: فصح بقول النبى(ص) ان من قتل نفسا فقد خرج دمه من التحريم الى التحليل بنفس قتله من قتل، فاذ صح هذا فالقاتل متيقن تحليل دمه والداعى الى اخذ القود داع الى ما قد صح بيقين وذلك له، والعافى مريد تحريم دم قد صح تحليله بيقين فليس له ذلك الا بنص او اجماع، ومريد اخذ الديه دون من معه مريد اباحه اخذ مال، والاموال محرمه بقول رسول الله(ص): (ان دماءكم واموالكم عليكم حرام) والنص قد جاء باباحه دم القاتل كما قلنا بيقين قتله، ولم يات نص باباحه الديه الا باخذ الاهل لها. وهذا لفظ يقضى اجماعهم على اخذها، فالديه ما لم يجمع الاهل على اخذها، لا يحل اخذها اذ لم يبحها نص ولا اجماع فبطل بيقين، وصح ان من دعا الى القود فهو له، وهو قول مالك فى البنات مع العصبه الا انه ناقض فى ذلك مع البنين والبنات وفى بعض البنين مع بعض، قال ابو محمد: والذى نقول به ان كل ذلك سواء، وان الحكم للاهل، وهم الذين يعرف المقتول بالانتماء اليهم، كما كان يعرف عبدالله بن سهل بالانتماء الى بنى حارثه، وهم الذين امرهم النبى(ص) بان يقسم منهم خمسون ويستحقون القود او الديه، وان من اراد منهم القود -سواء كان ولدا او ابن عم او ابنه او اختا او غير ذلك من ام او زوج او زوجه او بنت عم او عمه فالقود واجب، ولا يلتفت الى عفو من عفا ممن هو اقرب او ابعد او اكثر فى العدد لما ذكرنا، فان اتفق الورثه كلهم على العفو فلهم الديه حينئذ ويحرم الدم، فان اراد احد الورثه العفو عن الديه فله ذلك فى حصته خاصه، اذ هو مال من ماله، وبالله تعالى التوفيق).((52)) ونفس الموقف له فى ما اذا كان فى الاولياء صغير او مجنون فانه بعد ان شنع على المذاهب الاخرى خصوصا الاحناف قال: (قال ابو محمد: والذى نقول به قد قدمنا فى الباب الذى قبل هذا ان القول قول من دعا الى القود، فللكبير وللحاضر العاقل ان يقتل، ولا يستانى بلوغ الصغير ولا افاقه المجنون ولا قدوم الغائب، فان عفا الحاضرون البالغون لم يجز ذلك على الصغير ولا على الغائب ولا على المجنون، بل هم على حقهم فى القود حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون، فاذا كان ذلك فان طلب احدهم القود قضى له به، وان اتفقوا كلهم على العفو جاز ذلك حينئذ لما ذكرنا فى الباب الذى قبل هذا، وبالله تعالى التوفيق)((53)). ومراده من الباب الذى قبل هذا: المساله السابقه التى نقلنا عن ذيلها كلامه السابق وقد عنونها بعنوان: (مساله: فيمن له العفو عن الدم ومن لا عفو له: اختلف الناس فى هذا فقالت طائفه: العفو جائز لكل احد ممن يرث وللزوجه والزوج وغيرهما، فان عفا احد ممن ذكرنا فقد حرم القصاص ووجبت الديه لمن لم يعف. وقال آخرون: العفو للرجال خاصه دون النساء. وقالت طائفه: من اراد القصاص فذلك له، ولا يلتفت الى من اراد الديه او العفو ما لم يتفقوا على ذلك )((54)). هذا حال فتاوى العامه، واما رواياتهم فليس لهم فى هذا الباب الا روايه واحده عن ابن مسعود وعمر بن الخطاب بسند منقطع قال محمد بن الحسن الشيبانى فى كتابه (الحجه على اهل المدينه): (اخبرنا ابو حنيفه عن حماد عن ابراهيم ان عمر بن الخطاب اتى برجل قد قتل عمدا فامر بقتله فعفا بعض الاولياء فامر بقتله، فقال ابن مسعود: كانت لهم النفس، فلما عفا هذا احيا النفس فلا يستطيع ان ياخذ حقه حتى ياخذ غيره، قال: فما ترى؟ قال: ارى ان تجعل الديه عليه فى ماله، وترفع عنه حصه الذى عفا فقال عمر: وانا ارى ذلك )((55)). وابراهيم هذا هو النخعى، وهو ممن لم يدرك عمر وابن مسعود، ومن هنا قالوا فيه: ان السند منقطع. نعم، هناك روايه اخرى ينقلها البيهقى ايضا فى نفس الباب عن زيد بن وهب الجهنى قال: (وجد رجل عند امراته رجلا فقتلها، فرفع ذلك الى عمر بن الخطاب، فوجد عليها بعض اخوتها فتصدق عليه بنصيبه، فامر عمر لسائرهم بالديه)((56)). الا انها غير ظاهره فى محل الكلام لقوه احتمال ان موردها ما اذا وجد الرجل امراته تفجر وفى مثله يجوز له قتلها، والتعبير بالتصدق عليه بنصيبه ظاهر فى التصدق بالديه لا العفو عن القصاص. ومن هنا نرى ان القائلين من العامه بالسقوط استدلوا عليه بوجوه استحسانيه، وتمسك بعضهم بما ورد عن النبى(ص) من الامر بالعفو فى القصاص وانه يقتضى تغليب العفو على القود، او ان القصاص لا يقبل التجزاه، او انه شبهه يدرا به القتل ونحو ذلك من الاستدلالات. وما ذكره الشيخ(قدس سره) من دعواهم اجماع الصحابه لم اجده فى كتبهم، وانما الموجود فيها استظهار الاجماع على اعطاء من لم يعف نصيبه من الديه من عدم انكار احد من الصحابه على ما فعله عمر، قال فى البدايع: (فاما اذا كان حق اثنين او اكثر فعفا احدهما سقط القصاص عن القاتل، لانه سقط نصيب العافى بالعفو، فيسقط نصيب الاخر ضروره انه لا يتجزا، اذ القصاص قصاص واحد فلا يتصور استيفاء بعضه دون بعض، وينقلب نصيب الاخر مالا باجماع الصحابه الكرام، فانه روى عن عمر وابن مسعود وابن عباس انهم اوجبوا فى عفو بعض الاولياء الذين لم يعفوا نصيبهم من الديه، وذلك بمحضر من الصحابه، ولم ينقل انه انكر احد عليهم، فيكون اجماعا)((57)). وقد تقدم عن الماوردى استظهار اجماع الصحابه على جواز تفرد الولى الكبير مع وجود الصغير بالقصاص من فعل الامام الحسن(ع) مع ابن ملجم (عليه اللعنه والعذاب) وعدم انكار الصحابه عليه. والمتحصل من مجموع ما تقدم ان القول بان القصاص حق واحد لمجموع الورثه وانه لا يستقل به كل واحد منهم لم يكن موقفا فقهيا واحدا وواضحا عند العامه لا على مستوى فتاوى فقهائهم ومذاهبهم ولا على مستوى رواياتهم واحاديثهم، ولم يكن عليه عمل من الصحابه واضح ايضا، بل الامر بالعكس بمعنى ان القول باستقلاليه حق القصاص لمن يريده من الاولياء مطلقا او فى الجمله هو المشهور فى المذاهب الرائجه فى عصر الامام الصادق(ع) وفى المدينه بالخصوص، فكيف يمكن ان تحمل كل تلك الروايات العديده الصحيحه الصادره من ائمه متعددين على انها صادره تقيه للعامه خصوصا فى مساله ليست سياسيه ولا منشا فيها للتقيه، بل لعل موقف بعض المذاهب العامه متاثر برواياتنا خصوصا ما صدر منها عن الامام على(ع) كما فى معتبرتى ابى مريم واسحاق بن عمار المتقدمتين، ولعل ابن عباس وابن مسعود الذى اسند اليهما هذا الحكم فى عصر عمر بن الخطاب قد اخذاه وتعلماه من الامام على(ع) وانه لولاه كان يحكم عمر بالقصاص فى ذلك المورد. فالحاصل: اصاله هذا الموقف فى رواياتنا الصادره عن ائمتنا المعصومين(ع) بنحو آكد واوضح مما كان عند العامه امر بين، فلماذا تحمل كل هذه الروايات على التقيه؟! فانه ان كان من جهه ان موقف العامه كان ذلك -فيستظهر لمجرد ذلك الجزم صدورها تقيه فقد عرفت ان هذا الموقف لم يكن واضحا عندهم فى ذلك العصر لا على مستوى الفتاوى ولا الاحاديث ولا عمل الصحابه، وان كان من جهه التعارض مع صحيح ابى ولاد الاولى والترجيح بمخالفه العامه فقد اتضح ان هذا المرجح الى جانب هذه الروايات لا صحيح ابى ولاد، لانه الموافق والمتطابق مع المذهب العامى الذى كان رائجا فى المدينه فى عصر صدور هذا الحديث. ولعمرى هذه المساله من الغرائب، ولا ادرى كيف اتفقت فتاوى فقهائنا على عدم السقوط والاخذ بهذه الصحيحه فى قبال تلك الصحاح لمجرد ذهاب مشهور المتاخرين من مذاهب العامه الى السقوط! نكته ترجيح صحيح ابى ولاد : والمظنون قويا ان الاصحاب(قدس الله اسرارهم) انما رجحوا العمل بصحيح ابى ولاد فى قبال تلك الطائفه من الروايات على اساس احدى نكتتين على سبيل منع الخلو: 1 - انه يتضمن الجمع بين الحقين حق العافى وحق المطالب بالقصاص حيث انه يلزم الذى يريد القصاص بدفع حصه العافى الى ورثه القاتل وكذلك حصه من يريد سهمه من الديه ثم يقتل، وهذا فيه نحو جمع بين الحقين، نظير ما ثبت عندنا فى قتل جماعه لواحد وانه يحق لولى المقتول ان يقتلهم جميعا، ولكن يدفع ديه ما زاد على الواحد الى ورثتهم او يقتل واحدا منهم ويعط ى الاخرون لورثه من قتل بقيه الديه بنسبه الباقين. ومن هنا جمع الشيخ(قدس سره) فى الاستبصار بينهما بحمل روايات السقوط بعفو بعض الاولياء على فرض عدم اداء شى ء الى ورثه المقتص منه، فكان الصحيحه فيها تفصيل وتفسير لابد وان تحمل عليه تلك الطائفه من الروايات او تقيد به. 2 - ذهاب ثلاثه من المذاهب الاربعه للعامه فى زمان تدوين الفقه الاستدلالى عند الشيعه الى القول بالسقوط مما جعل هذا القول هو الاشهر فيما بينهم عند تدوين فقهائنا لكتبهم الاستدلاليه، فوجدوا ان الروايات الداله على السقوط رغم تعددها وصحه اسانيدها هى الموافقه مع اكثر العامه والمشهور عندهم فحملوها على التقيه تقديما لما يعارضها ويخالف اكثرهم وهو صحيح ابى ولاد. الا ان كلتا النكتتين مما لا يمكن المساعده عليهما فى ضوء ما تقدم. اما الاولى فلما لاحظناه من صراحه روايات السقوط بحيث لا تقبل المحامل المذكوره حيث عبر فيها بسقوط الدم او درء القتل ونحو ذلك . وكيف يمكن ان يحمل هذا اللسان على عدم سقوط القصاص غايه الامر يضمن سهم العافى لورثه المقتص منه او سهم المطالب للديه، او انه لا يجوز له استيفاء حقه الا بعد رد سهم العافى او المطالب بالديه؟! كما ان الثانيه اعنى حمل كل تلك الروايات على التقيه بعيد جدا مع تعددها ونقاء اسانيدها وصدورها عن معصومين متعددين وبعضها ينقل فيه الامام الصادق(ع) الحكم بالسقوط والانتقال الى الديه عن امير المومنين(ع). ومثل هذا الحكم فى باب القصاص ليس من الاحكام السياسيه الراجعه الى الحكام والساسه ولا من الاحكام العباديه العامه التى قد تصبح شعارا وعنوانا لمذهب او طائفه من المسلمين مما قد يستوجب التقيه، فلا منشا واضح للتقيه فيه. كيف ومن يراجع روايات العامه وكتبهم فى ابواب القصاص والديات والحدود يجد ان فتاواهم ورواياتهم متاثره جدا باقضيه امير المومنين(ع) واحكامه وسيرته وما صدر عنه فيها، وقد راينا انهم نقلوا واستندوا فى مساله وجود بعض الاولياء الصغار مع الكبار الى عمل الامام الحسن(ع) مع ابن ملجم(عليه اللعنه)، بل الخلفاء والصحابه كانوا يراجعون غالبا فى هذه الاحكام والابواب الدقيقه من الفقه الى امير المومنين(ع) ويروون عنه او ياخذون عن تلامذته كابن عباس وابن مسعود، فافتراض ان كل هذه الروايات المعتبره والصادره عن ائمه متعددين -فى مساله لا منشا فى امثالها للتقيه، وليست للعامه فيها روايات غير ما نقلناه عن ابن مسعود فى قبال راى عمر بعدم السقوطصادره تقيه بعيد غايته. بل المظنون ى ى ى ى قويا ان الموقف المتبلور لدى العامه فى هذه المساله كان بتاثير الروايات الصادره عن ائمه اهل البيت(ع) وعن امير المومنين(ع) بصوره خاصه ولو بواسطه رواتهم كابن عباس وابن مسعود، والا فالذوق العرفى الاولى لعله يقتضى ما افتى به عمر وذهب اليه باصرار وتاكيد امثال ابن حزم من عدم سقوط القصاص لمن يريده من الاولياء ولو عفا بعضهم. هذا، مضافا الى ما تقدم من ان صحيح ابى ولاد لم يرد فى مطلق عفو الولى، بل ورد فى عفو الاب مع مطالبه الابن بالقصاص، والذى هو مورد فتوى مالك بعدم السقوط، فيكون هو الموافق مع المذهب العامى الذى كان رائجا فى المدينه فى عهد الامام الصادق(ع)، فمقتضى صناعه الترجيح بمخالفه العامه ان لم يكن ترجيح ما يعارضه عليه بمخالفه العامه فلا اقل من انه لا موجب للعكس، لان كل واحد من المتعارضين فى عصر الصدور يخالف مذهبا ويوافق آخر، فتكون النتيجه التعارض والتساقط والرجوع الى الاصل الاولى القاضى بعدم جواز القصاص اذا عفا بعض الاولياء مجانا او بعوض. هذا اذا لم نطمئن بصدور بعض روايات عدم السقوط لتعددها ونقاء اسانيدها وتوفر القرائن على صحتها. والا كان صحيح ابى ولاد معارضا مع الدليل القطعى الصدور، فيسقط عن الحجيه، لان الدليل الظنى اذا عارض الدليل القطعى سقط عن الحجيه. هذا كله اذا لم نحتمل التفصيل بين مورد صحيح ابى ولاد وسائر موارد عفو بعض الاولياء، اى بين عفو الابعد او الاقل استحقاقا من الاولياء وغيره، والا بان كان هذا محتملا عرفا وفقهيا -كما ذهب اليه بعض مذاهب العامه كان المتعين التخصيص والاخذ بكلا الطرفين، لان النسبه بينهما نسبه الخاص الى العام، فلا يستقر التعارض ولا يسرى الى السند كما هو واضح ومقرر فى محله. والنتيجه : ان الحكم بسقوط القصاص فى مورد عفو بعض الاولياء خصوصا اذا كان العافى اقرب للميت او مساويا من غيره هو المتعين عملا بروايات الطائفه الداله على السقوط او من باب القاعده الاوليه بعد فرض تعارضها مع صحيح ابى ولاد وتساقطهما والرجوع الى ما هو مقتضى الاصل اللفظ ى والعملى المقتضيين للسقوط كما تقدم. وما ذهب اليه جل الاصحاب او كلهم من القول بعدم السقوط لا يشكل اجماعا تعبديا فى المساله بعد ما عرفت. وقد وجدت ذهاب بعض الاعلام ممن عاصرناه (قدس الله اسرارهم) الى مخالفه المشهور فى المساله منهم السيد الحكيم(قدس سره) فى منهاجه حيث ذكر فى المساله (14) من مسائل الفصل الثانى من كتاب الارث (ولو عفا بعض الورثه عن القصاص قيل: لم يجز لغيره الاستيفاء، وقيل: يجوز له مع ضمان حصه من لم ياذن، والاظهر الاول). وعلق عليه السيد الشهيد الصدر(قدس سره): (ويمكن القول بالتفصيل بين ان يكون من عفا غير الولد ومن يطلب القصاص الولد كما فى شخص مات عن اب وابن فعفا الاب دون الابن، وبين ما اذا عفا احد الاولاد جمعا بين الروايات. ولكن مع هذا فالاحوط وجوبا ما فى المتن، لقوه احتمال ان يكون العموم فى الروايات الموافقه له غير قابل عرفا للتخصيص)((58))، فهو ايضا وافق السيد الحكيم فى الحكم بالسقوط وان كان من باب الاحتياط فى فرض عفو غير الولد ومطالبه الولد بالقصاص. ومنهم السيد الخوانسارى(قدس سره) فى جامع المدارك حيث علق على قول الماتن بعدم سقوط القصاص بعفو بعض الاولياء او اخذهم الديه بقوله: (مقتضى ما ذكر من وحده الحق وعدم جواز استيفاء الحق الواحد بالنسبه الى الاولياء بدون توافقهم عدم جواز استقلال بعض الاولياء فى القصاص الا ما دل عليه النص، والاخبار الوارده: منها صحيحه ابى ولاد -وذكر الطائفتين المتعارضتين للروايات ثم قال: ولا يخفى عدم امكان الجمع، ومجرد اشهريه ما دل على جواز الاقتصاص لا يوجب رفع اليد عما دل على عدم القصاص مع ان عدم القصاص موافق للقاعده، لانه حق واحد واستيفاوه بدون اجازه غير المستوفى على خلاف القاعده، وعفو بعض الاولياء يوجب الدرء كما فى بعض اخبار المقام)((59)). ثم انه ممن استشكل فى المساله العلامه المجلسى فى مرآته فانه بعد ان نقل حمل الشيخ(قدس سره) للروايات على صوره عدم رد سهم العافى وكذلك الحمل على التقيه قال: (والمساله لا تخلو من اشكال)((60)). وبناء على القول بالسقوط يتعين على الجانى دفع حصه من لم يعف من الاولياء اليهم من الديه عملا بما ورد فى ذيل روايات الطائفه الداله على سقوط القصاص بالعفو -بناء على العمل بها او من باب قاعده ان دم المسلم لا يذهب هدرا وانه كلما سقط القصاص عن الجانى فى مورد ثبتت الديه عليه. وبهذا يثبت فرق بين القولين فى استحقاق الباقين للديه، فانه على القول بعدم سقوط القصاص بعفو بعض الاولياء ليس للاخرين المطالبه بحصصهم من الديه الا فى طول رضا الجانى بدفعها، بناء على ما هو المشهور من ان الحق فى قتل العمد متعلق بالقصاص لا بالجامع بينه وبين الديه، فلو امتنع الجانى عن دفعها لم يكن للاولياء اجباره عليه، بخلافه على القول بالسقوط فانه يثبت للباقين حصصهم من الديه ولا يحق للجانى الامتناع عن دفعها كلا او بعضا. وهذا يعنى ان لكل من القولين جهه الزام زائد على الجانى كما لا يخفى. ثم ان حكم فرض مطالبه بعض الاولياء بالديه وموافقه الجانى عليها ودفع حصته اليه يظهر ايضا مما تقدم، لانه عفو مشروط بحسب الحقيقه، فيكون مشمولا او مفهوما بالفحوى من روايات سقوط القصاص بعفو بعض الورثه، وان كان ظاهر عبائر الشرائع التفصيل بين المسالتين والحكم بعدم السقوط فى صوره العفو والسقوط على روايه فى صوره اخذ الديه كما تقدم عند نقل الاقوال. ولهذا وقع محل الاشكال خصوصا وان الروايات الداله على السقوط وارده فى العفو. قال صاحب مفتاح الكرامه فى تعليقاته على باب القصاص من كتاب كشف اللثام بعد استظهار الاجماع من كلمات الاصحاب فى المسالتين: (قال فى المسالك : انه مذهب الاصحاب، والمسالتان من سنخ واحد، كما نص عليه جماعه. وفى مجمع البرهان: ان الحكم فى المسالتين ظاهر. والحاصل: انى لم اجد احدا خالف او تامل او احتمل السقوط قبل الصدوق، حيث قال: وروى انه اذا عفا بعض الاولياء ارتفع القود، وهذا قد يشعر اشعارا ما بالتامل. وفى الشرائع: اذا اختار بعضهم الديه واجاب القاتل جاز، فاذا سلم سقط القود على روايه، والمشهور انه لا يسقط. وابو العباس احتمل السقوط فى المهذب والمقتصر وايده فى المهذب حتى كانه اعتمده، لكنه فى المقتصر قال: المعتمد عدم السقوط كما حكينا عنه. ويظهر من النافع واللمعه حيث قيل فيهما الاشهر ان هناك مخالفا كما انه قد يظهر ذلك من الكتب السته التى قيل فيها انه المشهور، وشى ء من ذلك لم يكن، واعتذر فى الروضه عن الشهيد فقال: وانما نسبه المصنف(رحمه الله) الى الشهره، لورود روايات بسقوط القود، ويظهر من جماعه ان مساله العفو لا خلاف فيها، وانما الشبهه او الخلاف فيما اذا اختار احدهما الديه، واول من فتح ذلك المحقق فى الشرائع فانه قال ما اسمعناكه فيما اذا اختار احدهما الديه، وجزم فيما اذا عفا البعض بعدم سقوط القصاص من غير تامل ولا نسبه الى روايه، وتبعه على ذلك المصنف فى المنتهى والشهيد الثانى فى المسالك والروضه وغيرهما. فنسب فى المسالك مساله العفو الى الاصحاب ومساله اختيار الديه الى المشهور. والحاصل: ان المحقق فى الشرائع فى مساله ما اذا اختار بعضهم الديه واجاب القاتل نسب سقوط القود الى الروايه، وتبعه على ذلك المصنف فى المنتهى والشهيد الثانى فى المسالك والروضه. ونحن قد تتبعنا اخبار الباب فوجدنا الاخبار الداله على سقوط القود انما هى فى صوره ما اذا عفا بعضهم، وليس فى الباب خبر ولا اثر يدل على سقوط القود اذا اختار بعضهم الديه بمنطوقه ولا بمفهومه، فكان الواجب على المحقق وغيره ان يعكسوا الامر كما هو واضح. واخبار الباب الوارده فى سقوط القود خمسه... -ثم ذكر الاخبار، ثم قال: وهذه الاخبار قد اعرض عنها الاصحاب، وفيها الصحيح، وحملها جماعه على التقيه. قال فى ملاذ الاخيار: هو الاظهر، لاشتهار ذلك بين العامه، وحملت ايضا على الاستحباب. وحملها الشيخ فى الاستبصار على ما اذا لم يرد من يريد القود الى اولياء المقاد منه مقدار ما عفى عنه، لانه متى لم يود ذلك لم يكن له القود على حال، وستسمع حمل الشارح -وهو الفاضل الهندى فى كشف اللثام، وقد حملها على سقوط القود بالنسبه للعافى بالخصوص، فلا يحق له القود وهو جيد جدا. وقد يعتذر عن المحقق ومن وافقه بان طلب الديه عفو عن القود، سواء دفع له العوض او عفا مطلقا، وفيه: -على بعده انه لعله لا ينطبق الا على القول بان الواجب احد الامرين، ولا يقولون به، وان اخبار الباب اربعه منها صريحه فى العفو مجانا وانه يطرح عن القاتل ويرفع عنه بقدر حصه من عفا والخامس ظاهر فى ذلك . نعم، يمكن ان يقال كما هو الحق ان المسالتين من سنخ، فدليل احداهما دليل الاخرى، لكنه لا وجه حينئذ للتفرقه بينهما)((61)). وما استظهره من الاجماع فى المساله قد عرفت حاله. واما دعوى اعراض الاصحاب عن العمل بروايات السقوط فهو ممنوع، كيف! وقد تقدم عن الشيخ فى الاستبصار الجمع بينها وبين صحيح ابى ولاد، بل صريح الاستبصار العمل بها من ناحيتين: من ناحيه ما ورد فى بعضها من ان عفو كل ذى سهم جائز حيث استند اليها غايه الامر قيدها فى النساء بروايه ابى العباس الداله على انه ليس للنساء عفو ولا قود. ومن ناحيه سقوط القصاص بعفو بعض الاولياء ايضا غايه الامر قيده بصحيح ابى ولاد بما اذا لم يرد من يريد القصاص سهم العافى من الديه الى ورثه المقتص منه. قال بعد ذكر الاخبار: (فلا تنافى بين هذه الاخبار والخبر الاول -يقصد خبر ابى العباس انه ليس للنساء عفو ولا قود من وجهين: احدهما: انه يجوز لنا ان نخص هذه الاخبار بان نقول: يجوز عفو من كان له حظ من الديه الا ان يكون امراه فانه لا يجوز لها عفو ولا قود. والثانى: ان هذه الاخبار انما تضمنت جواز عفو الاولياء، والمراه ليست بولى المقتول، لان الولى هو الذى له المطالبه بالقود او الديه، وليس للمراه ذلك ، واذا لم يكن وليا لم يناف ما قدمناه. فاما ما تضمنته هذه الروايات من انه اذا عفا بعض الاولياء درى عنه القتل وانتقل ذلك الى الديه، فالوجه فيها انه انما ينقل الى الديه اذا لم يود من يريد القود الى اولياء المقاد منه مقدار ما عفا عنه، لانه متى لم يود ذلك لم يكن له القود على حال)((62)). فمع صراحه كلام الشيخ(قدس سره) فى العمل بهذه الروايات كيف يمكن ان يحرز اعراض الاصحاب عنها؟! واما الجموع المذكوره فقد عرفت عدم امكان المساعده على شى ء منها، وكذلك الحمل على التقيه. واما ما نقله عن بعضهم فى توجيه كلام المحقق فى الشرائع ومن وافقه بان طلب الديه عفو عن القود، فهذا وان كان صحيحا فى نفسه -اذ المطالبه بالديه خصوصا اجابه القاتل ودفعه لها متضمن لا محاله للعفو عن القصاص او مستلزم له، فيكون مشمولا لروايات العفو ولو بالفحوى الا انه لا يمكن ان يكون هو مقصود المحقق، لوضوح ان الروايات لا يمكن تخصيصها بمورد المطالبه بالديه، بل بعضها كما افاد صاحب مفتاح الكرامه كالصريح فى العفو المجانى، فكيف خص الروايه بفرض اخذ بعض الاولياء للديه دون العفو مجانا؟! واما ما افاده من الاشكال فى هذا الحمل والتفسير لمرام المحقق من انه لا ينطبق الا على القول بان الواجب احد الامرين ولا يقولون به، فلم افهم وجهه، اذ على القول الاخر المشهور عند فقهائنا من تعلق الحق فى القتل العمدى بالقصاص تعيينا ايضا يكون طلب الديه مستلزما او متضمنا للعفو عن القصاص غايته فى قبال عوض وهو الديه او اقل او اكثر. نعم، هو مبنى على موافقه الجانى بخلافه على القول بالتخيير، الا ان الماخوذ فى كلام المحقق ومن وافقه اجابه القاتل له بل تسليمه لحصته من الديه، فلعله لهذا اخذ هذان القيدان فى الحكم بالسقوط من قبل من قال به فى صوره مطالبه بعض الاولياء بالديه. ثم ان ما فى مورد صحيح ابى ولاد -وافتى به المشهور مطلقا وفى تمام الموارد على خلاف القاعده من ناحيتين: اولاهما: ان الحق فى قتل العمد متعلق عند المشهور بالقصاص لا بالجامع منه ومن الديه، فلا يكون الولى مخيرا بينهما، وانما ينتقل اليها فى طول رضا الجانى بها، وعندئذ فكيف يحكم للمطالب بالديه ابتداء؟! بان له ذلك وان من يريد القصاص يقتل ولكنه يدفع للمطالب سهمه من الديه -كما هو ظاهر الصحيحه، وهو الغالب ايضا حيث ان الجانى اذا راى انه يقتل بحق بعض الاولياء على كل حال فلا يرضى عاده بدفع شى ء الى سائر الورثه، بل حتى بناء على ان الحق هو التخيير بين القصاص والديه لا وجه لضمان من له حق القصاص من الاولياء سهم الولى الاخر. ثانيتهما: ان الصحيحه لم ترد فيمن يستحق القصاص ويطالب بالديه، وانما وردت فى مطالبه الام بالديه، وهى لا تستحق القصاص بناء على قبول ما دل على ان النساء ليس لهن عفو ولا قود، فكيف يكون لها حق المطالبه بالديه، ثم كيف يمكن استفاده الحكم فى غير مورد الروايه بنحو عام؟! وقد قرب الاستدلال بها على التعميم فى مبانى التكمله باحد تقريبين قال: (الاول: انه قد صرح فيها باعطاء حق من عفا لورثه الجانى فانه يدل على ان الحق حقه غايه الامر انه يعط ى فى فرض العفو الى ورثه الجانى، ففى صوره المطالبه لا بد من اعطائه له. الثانى: ان ضمان حصه الام -مع ان حق الاقتصاص غير ثابت لها يدل بالاولويه القطعيه على ضمان حصه من له حق الاقتصاص، فلابد من اعطائه له اذا طالب به. بقى شى ء، وهو: انه لا يمكن التعدى عن مورد الصحيحه -وهو الام الى غيرها من النساء من الموارد، بل لابد من الاقتصار على موردها، فلو كان للمقتول اخ واخت فليس للاخت مطالبه الديه اذا اقتص الاخ من القاتل، لما ثبت من انه ليس للنساء حق الاقتصاص ولا العفو، ولهم الحق من الديه فى فرض عدم الاقتصاص والتراضى بها)((63)). ويلاحظ على التقريب الاول بانه لا وجه له، اذ لعل العافى ليس له فى فرض عدم قبول الجانى بدفع سهمه من الديه -كما هو الغالب فيما اذا علم ان بعض الاولياء يريد القصاص على كل حال الا القصاص او العفو مجانا، بل هذا هو المتعين على المبنى المشهور، واما الحكم بدفع المقتص لورثه المقاد منه سهم الذى عفا مجانا فلا يدل بوجه اصلا على ان العافى كان يستحق ذلك السهم، وانما وجهه ان المقاد منه ملك نفسه بهذا المقدار فى طول العفو عنه مجانا من قبل العافى، فيكون قتله قصاصا من قبل الولى الاخر اكثر من حقه من حيث الماليه ومقدار الديه نظير قتل الرجل بالمراه قصاصا حيث يجب فيه رد نصف الديه الى ورثه المقاد منه لكون ديه الرجل اكثر من المراه، فالحاصل لا تلازم بين الامرين، ولا وجه لهذه الاستفاده خصوصا على المبنى المشهور من ان الحق متعلق بالقصاص تعيينا وان ما يدفع فى قباله وعوضا عنه لا يكون مستحقا للولى الا فى طول التوافق مع الجانى، ولهذا قد يتفقان على ما هو اكثر من ذلك مع انه، لا اشكال فى عدم استحقاق المطالب بالديه ولا ورثه الجانى لو عفى عنه مجانا اكثر من الديه. وعلى التقريب الثانى بان الروايه اذا كانت على خلاف القاعده فى موردها -وهو مطالبه الام بالديه لانها لا تستحقها فتكون داله على حكم تعبدى محض، فكيف يمكن ان يحرز المناط فيه ليتعدى الى سائر الموارد بالاولويه القطعيه؟! بل كما لم يتعد -هو ايضا الى سائر النساء ممن ليس لهن حق الاقتصاص كالاخت كذلك لا يمكن التعدى منها الى من له حق الاقتصاص، اذ لعل هذا حكم تعبدى خاص بمورد الام لاحترام او خصوصيه لها، ولو اريد التعدى كان اللازم التعدى الى كل من يصيبه سهم من الديه بلا فرق، سواء كان له حق من القصاص ام لا، والله العالم. خلاصه البحث فى المساله الاولى : وبهذا ننهى البحث عن المساله الاولى مستخلصين فيها النتائج التاليه: 1 - ان مقتضى صناعه الجمع بين الروايات المتعارضه فى المقام هو الحكم بتخصيص اطلاق روايات سقوط القود بعفو بعض الاولياء بصحيحه ابى ولاد الوارده فى طلب الابن للقصاص وعفو الاب او الام. فاما ان يحكم بعدم السقوط فى خصوص هذا المورد فقط او يعمم الى كل مورد كان الطالب للقصاص اقرب الى المقتول من العافى. الا ان ارتكازيه عدم احتمال الفرق فقهيا -وان الحق اما مجعول لمجموع الورثه او لكل وارث مستقلا، ولا احتمال ثالث يمنع عن مثل هذا الجمع، بل يكون من التعارض. هذا، ويمكن ان يقال: بان المراد بالولى فى باب القصاص ليس مطلق الوارث، بل الوارث المتولى شرعا شوون الميت، والذى هو الولد بالدرجه الاولى ثم الاب والجد ثم سائر طبقات الارث. فمع وجود الولد لا يكون سائر الورثه اولياء وان كانوا يرثون سهما من الديه، وهذا قد يمكن استفادته من الارتكاز العرفى والمتشرعى ومن مجموع ما دل فى باب القصاص من التعبير تاره بان النساء ليس لهن عفو ولا قود، وما ورد من انه اذا مات من له القصاص قام ولده مقامه مع ان الوارث لا ينحصر بالولد عاده الى غير ذلك من التعبيرات، وبناء عليه لا تكون صحيحه ابى ولاد معارضه اصلا مع روايات سقوط القود بعفو بعض الاولياء، لان العافى فى موردها وهو الاب والام ليس وليا مع وجود الابن وان كانا وارثين للديه معه، وبناء على هذا يكون مفاد الصحيحه مطلبا آخر هو: ان الولى اذا اراد القصاص فعليه ان يضمن سهم سائر الورثه -ان كان من يرث معه الديه اما له او للمقاد منه اذا عفا عنه مجانا، فكانه روعى حقهم فى الارث من الديه على تقدير ثبوتها واخذها وجعل ذلك مضمونا على الولى الذى يطلب الاقتصاص، وهذا لا ربط له بعفو بعض الاولياء كما اذا كان له اولاد فعفا بعضهم. 2 - لو فرض التعارض وعدم امكان جمع عرفى فقد يرجح صحيحه ابى ولاد باعتبارها موافقا للكتاب الكريم، وهو اطلاق قوله تعالى: (فقد جعلنا لوليه سلطانا) والترجيح بموافقه الكتاب مقدم على الترجيح بمخالفه العامه كما هو مقرر فى محله، فيثبت ما هو المشهور. الا ان هذا العلاج مبنى على تماميه دلاله الايه على استقلال كل ولى بالقصاص، وقد تقدم الاشكال فيها، هذا مضافا الى الاشكال فى اصل الترجيح بمجرد الموافقه مع دلاله اطلاقيه للكتاب لو تمت الدلاله، على ما حقق فى محله. 3 - بعد التعارض يحكم بتقديم روايات السقوط على صحيحه ابى ولاد وحملها على التقيه لموافقتها مع الفتوى الفقهيه المعاصره زمانا ومكانا مع الصحيحه وهى فتوى مالك فى المدينه، فان الميزان فى الترجيح بمخالفه العامه وحمل الموافق على التقيه بملاحظه زمان الصدور وما يقرب منه لا فتاوى العامه فى الازمنه المتاخره عن صدور النص. 4 - مع التنزل عما تقدم فى النقطه السابقه يكون كل من الطرفين موافقا لمذهب من العامه، فلا ترجيح لاحدهما على الاخر، فيتساقطان ويرجع الى مقتضى الاصل الاولى، وهو حرمه القتل ما لم يثبت جوازه بدليل. هذا لو لم يطمان بصدور بعض روايات الحكم بالسقوط، لتعددها ونقاء سند اكثرها، وكون ابى ولاد بنفسه ينقل عن الامام الصادق(ع) ايضا روايه داله على السقوط، فهو ينقل كلا الطرفين عن نفس الامام مما قد يضعف كاشفيه نقله وخبره فى مقام المعارضه او يجعله معارضا مع الدليل قطعى الصدور، فيسقط عن الحجيه. المساله الثانيه فى استيفاء بعض الاولياء للقصاص مع غياب الاخرين وعدم اذنهم. ونسب الى المشهور فى المقام عدم جواز استيفاء القصاص الا باجتماعهم على التوكيل او الاذن، وفى قباله قول بالجواز لكن مع ضمان حصص من لم ياذن من الديه، اختاره الشيخ(قدس سره) وجمله من القدماء. قال المحقق فى الشرائع: (وان كانوا جماعه لم يجز الاستيفاء الا بعد الاجتماع اما بالوكاله او بالاذن لواحد، وقال الشيخ: يجوز لكل منهم المبادره، ولا يتوقف على اذن الاخر لكن يضمن حصص من لم ياذن)((64)). وقال فى الجواهر -معلقا على القول الاول -: (عند الفاضل والشهيدين والمقداد والاردبيلى والكاشانى، بل فى غايه المرام انه المشهور على معنى استيفائهم اياه اجمع اما بالوكاله لاحد خارج عنهم او بالاذن لواحد منهم لا ان المراد ضرب كل واحد منهم اياه، نعم قد يتصور فى بعض الافراد ضرب الجميع اياه بالسيف ضربه واحده. فان وقعت المنازعه فى الاذن لمن يستوفيه منهم وكانوا كلهم من القادرين على استيفائه اقرع، ولو كان فيهم من لا يحسنه كالامراه والمريض والضعيف فالاقرب ادخاله فى القرعه ايضا ولو بان يوكل فى استيفائه). وعلق على القول الثانى بقوله: (وهو المحكى عن ابى على وعلم الهدى والقاضى والكيدرى وابنى حمزه وزهره، بل فى مجمع البرهان نسبته الى الاكثر، بل عن المرتضى والخلاف والغنيه وظاهر المبسوط الاجماع عليه، بل عن الخلاف نسبته الى اخبار الفرقه ايضا. وهو الحجه بعد تاييده ببناء القصاص على التغليب، ولذا اذا عفا الاولياء الا واحدا كان له القصاص مع ان القاتل قد احرز بعض نفسه، وبانه اذا جاز القصاص مع عفو الباقين واحراز القاتل بعض نفسه فمع السكوت او الجهل وعدم الاحراز اولى، وبان ثبوت السلطان للولى يقتضى تسلط كل واحد منهم على ذلك منفردا كما هو مقتضى الاضافه والا لم يتم له السلطان، وبان الباقين اما ان يريدوا قتله او الديه او العفو، والفرض ان الاول قد حصل والديه مبذوله من القاتل والعفو باق فى محله فان المقصود به المثوبه وهى موجوده، وبانه مخالف لما اجمع عليه العامه او معظمهم الذين جعل الله الرشد فى خلافهم، وبان اشتراك الحق المزبور ليس على حسب غيره من الاموال التى لا يجوز التصرف فيها بدون اذن الشريك ، بل المراد من اشتراكه ان لكل واحد منهم استيفاءه، لا كونه بينهم على الحصص، ولا انه حق للمجموع من حيث كونه كذلك ، ضروره عدم تعقل الاول، ومنافاه الثانى لبقائه مع عفو البعض، وغرم الديه انما هو لدليله لا لاشتراكه، بل لعل ذلك ظاهر كل ما يستفاد من كون القصاص لاوليائه من كتاب او سنه بعد العلم بعدم اراده المجموع من حيث كونه كذلك ، ولعله لذا نسبه فى ما سمعته من الخلاف الى اخبار الفرقه. ومن ذلك يعلم ما فى دليل الاول الذى هو الاشتراك فى حق لا يقبل التبعيض فلا بد من اتفاق الجميع على استيفائه بل لا دليل لهم غيره، اذ قد عرفت ان ذلك يقتضى استبداد كل واحد منهم نحو الخيار والشفعه الموروثين، لا اعتبار الاجتماع فى استيفائه الذى قد يترتب عليه ضرر لو كان الشريك غائبا او قاصرا، ولذا حكى عن ظاهر المبسوط الاجماع ايضا على عدم اعتبار الاذن فيه، بل هو مندرج فى معقد اجماع الغنيه، بل عن الخلاف دعوى اجماع الفرقه واخبارهم عليه ايضا، وستسمع الكلام فيه ان شاء الله. ومن الغريب بعد ذلك كله معارضه ما سمعت بما عن غايه المرام من الشهره التى ان لم تحتمل اراده المتاخره كانت خطا قطعا، مضافا الى معارضتها بما سمعته من الاردبيلى من دعواها على خلافه، بل والى ما يظهر من كلمات القدماء واجماعاتهم من كون ذلك معلوما من مذهبهم فى مقابله العامه وانه مفروغ منه عندهم حتى ردوهم بكونه مجمعا عليه عندنا ، فلو سلم اقتضاء قاعده الشركه ذلك كان المتجه الخروج عنها ببعض ما عرفت فضلا عن جميعه) ((65)). ولا ينبغى الشك فى انه على القول فى المساله السابقه بسقوط حق القصاص بعفو بعض الاولياء وانه حق واحد قائم بمجموعهم كارث الخيار، فلا وجه لتوهم استقلال كل ولى باستيفاء القصاص من دون اذن الاخرين، لان اصل الحق غير ثابت له بالخصوص بل لمجموعهم، فلا يكون وحده وليا، وهذا واضح، ولعله لهذا كان المشهور او المتفق عليه عند العامه عدم استبداد كل ولى بالاستيفاء، لان الاشهر عندهم فى المساله السابقه سقوط القصاص. واما اذا قلنا هناك بالسقوط تعبدا -لا لقيام الحق بالمجموع او بناء على القول الاخر المشهور او المتفق عليه عند فقهائنا ما عدا بعض المتاخرين من عدم سقوط القصاص بعفو البعض من الاولياء وان لكل ولى حق الاقتصاص مستقلا، فيتجه البحث عندئذ فى كيفيه الاستيفاء، وانه هل له الاستبداد بالاستيفاء من دون حضور سائر الاولياء ولا اذنهم ام ليس له ذلك ؟! وقد عرفت نسبه كل من القولين الى المشهور عند فقهائنا وذهاب جمله من كبار الاصحاب الى كل من القولين، خلافا للمساله السابقه. وان اصر جمله من المتاخرين كالسيد العاملى فى مفتاحه وصاحب الجواهر على ان المشهور او المجمع عليه عند المتقدمين هو القول بالاستقلال ايضا وان القول باستقلال الولى فى المساله السابقه يستلزم بالفحوى والاولويه استقلاله فى هذه المساله ايضا، بل استدلوا على الاستقلاليه فى المسالتين معا بالايه المباركه (فقد جعلنا لوليه سلطانا...). وتحقيق الكلام فى هذه المساله يقتضى الحديث فى جهتين: الجهه الاولى: فيما تقتضيه القاعده الاوليه عند الشك وعدم قيام دليل على الاستقلاليه فى مقام الاستيفاء. الجهه الثانيه: فيما ذكر او يمكن ان يذكر من الوجوه لاثبات استقلال كل ولى فى مقام الاستيفاء. اما الجهه الاولى: فربما يقال فيها بان مقتضى الاصل بناء على ثبوت حق الاقتصاص لكل ولى مستقلا جواز الاستيفاء لكل واحد منهم وعدم اشتراط الاستئذان من الاخرين، لان لزوم الاستئذان اما ان يرجع الى حكم تكليفى فى حق كل منهم بحرمه المبادره الى الاستيفاء من دون مشاركه الاخرين او الى ثبوت حق وضعى لكل منهم فى المنع عن مبادره الاخر، ومع الشك فى ثبوت شى ء منهما يكون مقتضى الاصل عدمه، ومرجعه الى اصاله البراءه عن التكليف المشكوك ثبوته او استصحاب عدم حق المنع. فيكون مقتضى الاصل هنا -على العكس من المساله السابقه تغليب القصاص. الا ان هذا الكلام غير تام، بل الصحيح ان مقتضى الاصل هنا ايضا هو المنع عن جواز المبادره والاستقلاليه فى الاستيفاء لاحتمال ان يكون الحق الثابت لكل ولى من اول الامر هو الاقتصاص غير المفوت على الاخرين حقهم، فيرجع الشك الى مقدار الحق الثابت من اول الامر لكل ولى وانه مطلق وفى تمام الحالات او مقيد بمشاركه الاخرين وعدم فوات حقهم فى الاستيفاء. وحيث ان اصل هذا الحق على خلاف الاصل الاولى فمع الشك فى حدوده ومقداره لا بد من الاقتصار على القدر المتيقن ثبوته، واما المقدار الزائد عليه فهو منفى بالاصل اللفظ ى او العملى. وان شئت قلت: ان الحرمه كانت ثابته من اول الامر مطلقا، ودليل جواز الاقتصاص مخصص له، فاذا شك فى مقداره وحدوده كان المرجع فى الزائد على المتيقن جوازه عموم العام، كما ان مقتضى الاستصحاب بقاء الحرمه. لا يقال: ان دليل حرمه دم المسلم يعلم فى المقام بسقوطه حيث لا شك فى ثبوت حق القصاص للولى مستقلا وان الجانى مهدور الدم فى قباله على كل حال اى رضى الاخرون بالقصاص ام لا، وانما الشك فى شرائط الاستيفاء لا فى اصل حق القصاص، وبناء عليه لا يمكن التمسك بعموم دليل الحرمه للعلم بسقوطها، وانما الشك فى ثبوت حرمه اخرى من جهه حق سائر الاولياء فى القصاص ايضا. وهذا على تقدير ثبوته تكليف آخر غير تلك الحرمه التى كانت ثابته اولا، فيكون منفيا بالاصل. فانه يقال: ان دليل حرمه القتل او قطع العضو يدل على حرمه شرعيه من غير ان يقيدها بكونها من جهه حق الغير فقط او حق الله او الحق العام او اى جهه اخرى، فان هذه حيثيات وملاكات للحكم ولا يتقيد الحكم بها ولا يتحصص، وهذا الدليل اطلاقه محكم لا يخرج عنه الا بما يدل على الجواز، وهو دليل القصاص، فاذا دار امر المخصص او المقيد بين الاقل والاكثر سواء كان من ناحيه احتمال دخل عدم عفو بعض الاولياء فيه -كما فى المساله السابقه او من ناحيه دخل اذن من يريد القصاص منهم فيه -كما فى هذه المساله كان المرجع عموم العام فى مورد الشك لا محاله ، كما ان مقتضى الاستصحاب بقاء الحرمه وعدم جعل حق مطلق كما اشرنا اليه آنفا. وان شئت قلت: ان مرجع الشك فى المقام الى ان حق القصاص بعد ان لم يكن مجعولا لمجموع الورثه كحق واحد بل لمن لم يعف منهم ايضا حق القصاص فهل هو مجعول لمجموع من لم يعف عن القصاص فلا يمكن ان ينفرد ويستقل به احدهم او لكل واحد منهم مستقلا؟ ولا شك ان الثانى فيه تقييد وتخصيص اكثر لدليل حرمه دم المسلم، فيكون منفيا باطلاقه ما لم يثبت التخصيص كما هو فى سائر موارد الرجوع الى عموم العام عند دوران المخصص بين الاقل والاكثر. فلا فرق بين المسالتين من ناحيه ان مقتضى الاصل اللفظ ى والعملى فيهما معا عدم الجواز. واما الجهه الثانيه: ففى ما استدل به على الاستقلاليه فى الاستيفاء، وهو امور: منها: ما ذكره جمله من الفقهاء كصاحب الجواهر ومفتاح الكرامه وغيرهما من الاجماع المدعى فى كلمات بعض وذهاب جل القدماء او كلهم الى القول بالاستقلال غايه الامر يضمن سهم من لم يحضر اذا حضر وطالب بالديه. وفيه: -مضافا الى انه لم يرد ذكر الاجماع الا فى كتابى الغنيه والخلاف، ولا يراد بالاجماع فيهما المعنى المصطلح، كما ان اكثر كتب القدماء لا تعرض فيها لهذه المساله اصلا ان مثل هذا الاجماع لو سلم ثبوته فهو محتمل المدركيه، لان من ادعاه كابن زهره فى الغنيه عطف عليه الاستدلال بظاهر الايه المباركه وقال: ان من ذهب الى الخلاف خالف الظاهر، فالمساله اجتهاديه وليس فيها اجماع تعبدى كما لا يخفى، ويشهد له ذهاب مشهور المتاخرين الى خلافه. ومنها: التمسك بظاهر الايه المباركه ( ومن قتل المظلوما) بدعوى ظهورها فى الانحلاليه وان ثبوت السلطان للولى يقتضى تسلط كل واحد منهم على ذلك منفردا والا لم يتم له السلطان. وهذا الاستدلال قد تقدم ايضا فى المساله السابقه وتقدم الاشكال فيه. ونضيف هنا بانه لو فرض دلاله الايه على الانحلاليه وجعل الولايه على القصاص لكل وارث مستقلا فغايته ثبوت اصل حق القصاص لكل منهم مستقلا عن الاخر اى عدم قيامه بالمجموع بل بكل وارث وارث، اما كيفيه الاستيفاء وانه هل يشترط فيه الاستئذان من الاخرين وعدم تفويت حقهم فى القصاص ايضا او لا؟ فهو امر آخر اجنبى عن مفاد الايه، لان ظاهرها بيان اصل جعل حق القصاص للورثه وانه مجعول لكل وارث وولى، واما مقام الاستيفاء وشروطه فهو اجنبى عن هذه الجهه، ولهذا لا يمكن ان ننفى بالايه مثلا اشتراط ان يكون الاستيفاء باذن الامام او مع حضوره او ان يكون بالسيف لا بنحو آخر او اى شرط آخر من شروط الاستيفاء. ومنها: ما ذكره فى الجواهر من ان بناء القصاص على التغليب، ولذا اذا عفا الاولياء الا واحدا كان له القصاص مع ان القاتل قد احرز بعض نفسه. وفيه: ان اريد به انه مقتضى الاصل عند الشك فقد عرفت ما فيه وان مقتضاه عدم جواز الانفراد بالاستيفاء، وان اريد به قاعده خاصه فى باب القصاص نظير ما يقال فى باب العتق من ان البناء على تغليب العتق فهذا بحاجه الى اثبات بدليل خاص او من مجموع ادله الباب ولو بالفحوى والملازمه، وليس لنا مثل ذلك فى المقام، بل لعل الامر على العكس من ذلك ، لابتناء باب الدماء والحدود على الاحتياط. ومنها: استفاده ذلك بالملازمه مما تقدم عن المشهور فى المساله السابقه، فانه اذا كان حق القصاص ثابتا لكل ولى مستقلا، ولا يسقط بعفو الاخرين او مطالبتهم بالديه، بل غايته ان من يريد القصاص يضمن سهم العافى او المطالب بالديه، فلا محاله يحق لكل ولى الانفراد بالاستيفاء فى هذه المساله، لان الباقين -على حد تعبير صاحب الجواهر اما ان يريدوا قتله او الديه او العفو، والفرض ان الاول قد حصل والديه مبذوله من القاتل والعفو باق فى محله فان المقصود به المثوبه وهى موجوده. وفيه: اولا: ما تقدم من احتمال ان يكون المجعول حق القصاص لمجموع من يريد القتل لا لكل واحد. وثانيا: لو فرض ثبوت الحق لكل واحد مع ذلك لا يتم ما ذكره، لان الحق المجعول للولى انما هو ان يقتص من الجانى -مباشره او بالتسبيب لا ان يرى الجانى مقتولا ولو بسبب آخر كما اذا قتل بافه سماويه او قتله غير الولى عدوانا. وبعباره اخرى: ان حيثيه انتساب القتل الى الولى وكونه قصاصا من قبله وما يترتب على ذلك من الاثر كالتشفى وغيره ملحوظ للولى ومجعول له فى باب القصاص، والاستبداد بالاستيفاء مفوت لهذا الحق عليه لا محاله. وهكذا يتضح انه لا ملازمه بين المسالتين، نعم فى فرض كون بعض الاولياء صغيرا او مجنونا او غائبا لا يمكن الاستئذان منه ولا يعلم قدومه فى وقت قريب يكون لزوم الانتظار على الولى الرشيد الحاضر تفويتا لحقه فى القصاص، فقد ينفى لزوم ذلك حينئذ باطلاق الايه المباركه -على القول به او بحديث لا ضرر، بل قد يقال بعدم صدق ولى الميت على الصغير والمجنون وان كانا وارثين. وهذه جهه اخرى من البحث خارجه عما نحن فيه. والنتيجه انه على كلا المبنيين فى المساله السابقه لا يجوز الاستبداد بالقصاص فى مقام الاستيفاء من قبل كل ولى مع وجود سائر الاولياء ورشدهم وامكان الاستئذان منهم، اذ لااقل من ان هذا خلاف متقضى الاصل الاولى كما ذكرناه . هذا حاصل ما اردنا ايراده فى هاتين المسالتين. والحمد لله اولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين. تقرير بحث سيدنا الشهيد السعيد آيه الله العظمى السيد محمد باقر الصدر (قدس سره الشريف) القاه فى ليالى شهر رمضان سنه 1390 ه. ق القسم الاول الشهيد آيه الله السيد محمدباقر الصدر(قدس سره) تقرير: سماحه السيد على رضا الحائرى وقد عدد لها فى العروه عشرين فرعا او ما يقاربها، ونحن سوف لا نتعرض للفروع جميعها بحسب تعدادها الترتيبى بحيث نذكر فرعا بعد آخر، بل ننسق البحث فى ترتيب بحيث تتحفظ فيه الفروع وتنطبق عليه، ويتشكل هذا الترتيب فى فصول ثلاثه((66)): الفصل الاول: فى بيان حقيقه الحواله وتكييفها الفقهى والانحاء المتصوره لهذه المعاوضه مع الموازنه فيه بين الفقه الجعفرى وسائر المذاهب الاسلاميه وغيرالاسلاميه، وهذا الفصل سوف يشكل القواعد الاساسيه لفقه الحواله بحيث ينطوى تحته ما يستنبط فى الحواله. الفصل الثانى: فى بيان مقومات الحواله واركانها، وهى ثلاثه: ا - العقد المقوم للحواله. ب - المتعاقدان اللذان يقعان طرفى الحواله. ج - المال الذى يقع موضوعا للحواله. الفصل الثالث: فى بيان احكام الحواله وآثارها، وفيه ثلاثه بحوث: ا - فى احكامها وآثارها بلحاظ المحيل مع المحال. ب - فى احكامها وآثارها بلحاظ المحال مع المحال عليه. ج - فى احكامها وآثارها بلحاظ المحيل مع المحال عليه. |