بحث في تحديد موضوع حد المحارب

 

والمقصود بالبحث تشخيص حدود ما هو موضوع الحد لثابت شرعا للمحارب بنص الكتاب الكريم في آية المحاربة -وهي قوله تعالى:(انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم× الاالذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم فاعلموا ان الله غفور رحيم) وبالروايات المتواترة، حيث وقع الكلام كثيرا في تنقيح ما هو موضوع هذا الحد، وانه خصوص من شهر السلاح للاخافة، او مطلق المحارب لله والرسول ولو بنحو البغي مثلا، او انه مطلق المفسد في الارض ولو لم يكن بنحو المحاربة اصلا.

والاصل في هذا البحث ما هو المستظهر من الآية المباركة والروايات الخاصة المتعرضة لهذا الحد؛ فان الوارد فيها عنوان المحاربة لله والرسول والافساد في الارض.

فهل الموضوع عنوان المحارب او عنوان المفسد في الارض او مجموعهما او كل منهما مستقلا بناء على انهما قد يفترقان؟ ولاجل تنقيح البحث نورد الكلام في ثلاث جهات:

الجهة الاولى:فيما يستفاد من الآية المباركة في نفسها والوارد فيها قيدان (محاربة الله والرسول) و(الافساد في الارض) فلا بدمن الحديث عن كل منهما.

القيد الاول : محاربة الله والرسول :

اما قيد المحاربة فهو من الحرب، وهو نقيض السلم، واصله السلب، ومنه حرب الرجل ماله اي سلبه فهو محروب وحريب، واطلاقه على المجرد للسلاح من اجل القتال او الاخافة باعتبار انه يريد ان يسلب النفس او المال او السلطان والملك من الطرف الآخر.

وايا ما كان فاضافته الى الله والرسول في الآية المباركة قرينة على عدم ارادة معناه الحقيقي في حقهم؛ لانه في حق الله سبحانه وتعالى ممتنع، وفي حق الرسول(ص) وان كان ممكنا الا انه غير مراد قطع؛ اذ ليس المقصود من الآية خصوص من يحارب شخص رسول الله(ص) والا لاختصت بزمان حياته، مع ان من كان يقاتلهم الرسول(ص) في حروبه انما هم الكفار في زمانه وهم خارجون عن الآية جزما، على ما سياتي.

بل نفس سياق اضافة المحاربة الى الله والرسول معا قرينة على ارادة معنى اوسع من المقاتلة بالمباشرة والشخصية.

وهذا المعنى مردد بين امرين:

1 - ارادة مطلق العصيان ومخالفة حكم الله والرسول -كما ذكره في لسان العرب في ذيل الآية، وهو ظاهر العلامة الطباطبائي قدس سره في تفسيره، فيكون كالمجاز في الكلمة ومن استعمال المحاربة في مطلق العصيان والمخالفة.

2 - ان يراد به محاربة المسلمين غاية الامر اضيف الى الله والرسول تعظيماللفعل واشعارا باهمية الامة الاسلامية وان محاربتها بمثابة محاربة الله والرسول؛ لان الامة منتسبة اليهما وتحت ولايتهما، فيكون كالمجاز في الاسناد. وهذا هو ظاهر الفاضل المقداد في تفسيره.

والظاهر ان المتعين من الاحتمالين هو الثاني منهم؛ لانه مقتضى اخذ عنوان الحرب في الكلام فلا وجه لالغاء معناه كليا، ولان عناية المجاز في الاسناد اخف وابلغ في المقام؛ لان كون الامة الاسلامية من صنع الله والرسول ومنتسبة اليهما بحيث تكون محاربتها محاربة لوليها نكتة عرفية بليغة وواضحة بخلاف استعمال مادة المحاربة في مجرد المعصية ومخالفة الامر والنهي.

وعنذئذ لا بد من ملاحظة ان اية محاربة للمسلمين هي المنظورة في هذا المعنى العنائي؟ اذ المسلمون قد يحاربون من ق بل الكفار، وقد يحارب بعضهم بعضا بغيا وخروجا على الحكم، وقد يحارب بعضهم بعضا لسلب الامن والاخافة واخذ المال او النفس، فكل هذا من المحاربة التي يمكن ان تضاف بالعناية الى الله والرسول فيكون مصداقا للآية الكريمة.

الا انه لا ينبغي الشك في خروج محاربة الكفار لكفرهم عنه؛ لاكثر من قرينة اوضحها الاستثناء الوارد في الآية التالية: (الا الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم).

فان ظاهرها ان التوبة انما هي من المحاربة دون الشرك فيكون قرينة على انهم مسلمون يجري عليهم سائر احكام المسلمين بمجرد التوبة عن المحاربة قبل الظفر بهم -كما في الحدود الالهية الاخرى والا فلو كانوا كفارا والمحاربة لكفرهم لاحتاج شمول الغفران لهم الى ان يدخلوا في حصن الاسلام ولا يكفي مجرد رفع يدهم عن المقاتلة، بل التعبير بالتوبة بنفسه شاهد على النظر الى المسلمين لا الكفار؛ فان التوبة تكون من المسلم، لا من الكافر فانه يؤمن ويدخل في الاسلام، ولا يعبر عنه بالتوبة، وعلى كل حال فلا شك في عدم شمول الآية لمحاربة الكافر للمسلمين لكفره، نعم لو حاربهم لاجل الاخافة والسلب والنهب كان مشمولا للآية باعتباره مصداقا للمحاربة بالنحو الثالث، وانما المقصود ان المحاربة الواقعة بين الكفار والمسلمين من اجل الاسلام والكفر او من اجل اسقاط الحكم الاسلامي لا تكون مشمولة للآية جزما، فيدور الامر بين النوعين الثاني والثالث اي المحاربة مع المسلمين بنحو البغي والتي هي محاربة مع امام المسلمين وحاكمهم، والمحاربة بنحو اخافة السبيل والعدوان على الاموال والنفوس ونحوهما.

وقد يقال: بان ظاهر الآية ان موضوع الاحكام المذكورة فيها خصوص المسلمين الذين يقومون بالسلاح في وجه الدولة، ولا يعم من شهر السلاح لاخافة الناس او اخذ اموالهم ولا من عصى الله تعالى بمعاصي كبيرة؛ لان من قام بوجه الدولة التي اسسها الرسول(ص) يكون محاربا للرسول حقيقة باعتباره هو المؤسس والصانع لها، واما المحارب لطائفة من المسلمين لسلب مالهم فلا يكون محاربا للرسول حقيقة. نعم ان قام دليل خاص على ارادة ذلك فلا باس به؛ فانه من المصاديق الادعائية للموضوع المذكور في الآية، ومصحح الادعاء فيه موجود، فان من قام بالسلاح بصدد رفع الامن الذي تقيمه الدولة الاسلامية كانه حارب الدولة ايضا، الا ان شمول العموم للمصاديق الادعائية خلاف الظاهر لا يمكن القول به الا بدليل وقرينة، ولا قرينة على ذلك في الآية، فلو بقينا ونفس الآية فهي لا تشمل موارد شهر السلاح لاخافة السبيل.

ونلاحظ على هذا الكلام:

اولا: ما اشرنا اليه من ان الاضافة الحقيقية للمحاربة الى الله والرسول غير صادقة حتى في مورد البغي والخروج على الحكم الاسلامي، ومجرد ان الدولة الاسلامية مؤسسها الاول في عهدها الاول كان رسول الله(ص) لا يكفي لصدق المحاربة والمقاتلة للرسول لمن يخرج عليها اليوم حقيقة، فلا بد من فرض العناية في الاسناد او الكلمة على كل تقدير، وتلك العناية كما تصح في حق الخروج والمحاربة للدولة الاسلامية، كذلك تصح في حق محاربة المسلمين لسلب امنهم واخافتهم، فان الامة الاسلامية ايضا من صنع الرسول وتحت ولايته، وهذا واضح.

وثانيا: قد ثبت في شان نزول الآية المباركة بروايات الفريقين وكتب التفسير والتاريخ انها نزلت في قصة العرنيين او قوم من بني ضبة قدموا على رسول الله(ص) مرضى فقال لهم رسول الله(ص): «اقيموا عندي فاذا برئتم بعثتكم في سرية، فقالوا:

اخرجنا من المدينة، فبعث بهم الى ابل الصدقة يشربون من ابوالها وياكلون من البانها، فلما برئوا واشتدوا قتلوا ثلاثة ممن كانوا في الابل، فبلغ رسول الله(ص) الخبر فبعث اليهم عليا عليه السلام وهم في واد قد تحيروا ليس يقدرون ان يخرجوا منه قريبا من ارض اليمن فاسرهم وجاء بهم الى رسول الله(ص) فنزلت هذه الآية عليه (انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله ...)...الخ».

وما في روايات الفريقين وذكره ارباب التواريخ بشان هذه القصة وان كان مختلفا فيه بلحاظ بعض التفاصيل والخصوصيات من قبيل كونهم من بني سليم او عرينة ناس من بجيلة او ان النبي كان قد صلب وقطع وسمل الاعين منهم لانهم كانوا قد فعلوا ذلك بالراعي لابل الصدقة -وقد ورد في بعض رواياتهم ورواياتنا تكذيبه وان النبي لم يسمل عينا قط ولم يزد على قطع اليد والرجل الا ان اصل القصة وورود الآية بشانها لعله من المسلمات، كما ان كون محاربتهم من نوع السلب ونهب المال وقتل راعي الصدقة لا من نوع البغي والخروج على الحكم الاسلامي من الواضحات، وعليه فلا ينبغي الاشكال في نظر الآية المباركة الى المحاربة بالنحو الثالث؛ لكونه المتيقن من موردها.

وثالثا: انه خلاف ظاهر ما سياتي من الروايات الخاصة؛ لانها تشرح وتفصل ما هو موضوع الآية المباركة، ولا تذكر فيما تفصله الا اقسام المحارب من النوع الثالث اي الذي شهر السلاح للاخافة مع السكوت عن البغاة، فكيف يمكن ان تحمل على بيان الفرد الادعائي مع عدم التعرض للفرد الحقيقي من موضوع الآية اصلا؟! وهل مثل هذا بيان عرفي؟ وهكذا يتضح ان نظر الآية المباركة الى المحاربة بنحو الاخافة وسلب الامن من الناس مما لا ينبغي التشكيك فيه، كما فهمه كل الفقهاء والمفسرين.

دعوى شمول الآية للباغي :

نعم، قد يدعى اطلاق الآية وشمولها للباغي ايضا رغم ان المتيقن منها او موردها المحاربة بنحو الاخافة وسلب الامن، بتقريب: ان عنوان المحاربة المضافة الى الله والرسول ولو بالعناية تصدق في النوعين، فلا وجه لتخصيصها باحدهما وان كان موردا له؛ فان المورد لا يكون مخصصا، فيتمسك باطلاق الآية لمن يحارب الدولة الاسلامية ويخرج عليها المعبر عنه في الفقه بالبغي لاثبات نفس الحد عليه ايضا.

وقد يستشهد له بما ورد في معتبرة طلحة بن زيد عن ابي عبدالله (ع)قال: سمعته يقول: «كان ابي يقول: ان للحرب حكمين، اذا كانت قائمة لم تضع اوزارها ولم يثخن (تضجر) اهلها فكل اسير اخذ في تلك الحال فان الامام فيه بالخيار ان شاء ضرب عنقه وان شاء قطع يده ورجله من خلاف بغير حسم وتركه يتشحط في دمه حتى يموت، فهو (وهو) قول الله عز وجل: (انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون فى الارض فسادا ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم و ارجلهم من خلاف) الا ترى ان المخير الذي خير الله الامام على شيء واحد وهو الكفر (الكل) وليس هو على اشياء مختلفة، فقلت لابي عبدالله(ع): قول الله عز وجل: (او ينفوا من الارض) قال:

ذلك الطلب (للطلب) ان تطلبه الخيل حتى يهرب فان اخذته الخيل حكم عليه ببعض الاحكام التي وصفت لك. والحكم الآخر: اذا وضعت الحرب اوزارها واثخن اهلها، فكل اسير اخذ على تلك الحال فكان في ايديهم فالامام فيه بالخيار ان شاء من عليهم، وان شاء فاداهم انفسهم، وان شاء استعبدهم فصاروا عبيدا».

مناقشة هذه الدعوى :

وهذه الدعوى ايضا لا يمكن المساعدة عليها، بل الصحيح ما عليه مشهور الفقهاء والمفسرين من اختصاص الآية المباركة بالنحو الثالث من المحاربة، اعني محاربة المسلمين بقصد الافساد والاخافة وعدم شمولها لمحاربة البغاة ولا الكفار.

التعرض لكلمات الفقهاء :

ولنستهدي اولا بكلمات فقهائنا الابرار قدس الله اسرارهم في تفسير الآية الكريمة وفهمهم منها ثم نعود الى توضيح وجه هذا الاستظهار، فنقول:

ذكر شيخنا الصدوق قدس سره في الهداية - باب الحدود:

«والمحارب يقتل او يصلب او تقطع يده ورجله من خلاف او ينفى من الارض كما قال الله عز وجل. وذلك مفوض الى الامام ان شاء صلب وان شاء قطع يده ورجله من خلاف وان شاء نفاه من الارض».

وقال شيخنا المفيد   في المقنعة في كتاب الحدود والآداب:

«واهل الدغارة اذا جردوا السلاح في دار الاسلام، واخذوا الاموال، كان الامام مخيرا فيهم: ان شاء قتلهم بالسيف، وان شاء صلبهم حتى يموتوا، وان شاء قطع ايديهم وارجلهم من خلاف، وان شاء نفاهم عن المصر الى غيره ...».

وصريح كلام العلمين دخول المحارب بالمعنى المصطلح اعني من شهر السلاح لاخافة الناس والدغارة -وهي السلب والنهب في الآية.

واما اختصاص الآية بذلك وعدم شمولها لمحاربة الكفار او البغاة فاستفادته من كلامهما مبني على استظهار ذلك من سكوتهما عن ايراد ذلك فيمن يجري عليه حكم هذا الحد واقتصارهما على المحارب بالمعنى المصطلح فقهيا، مع انهما كانا بصدد بيان الحدود المقررة شرعا، فلو كان هذا الحد حكما وحدا شرعيا ثابتا في كل محارب بالمعنى الاعم لكان ينبغي ذكر حرب الباغي او الكافر في موضوعه ايضا وعدم الاقتصار فيه على ذكر خصوص المحاربة بالمعنى الاخص.

وقال شيخ الطائفة قدس سره في المبسوط - كتاب قطاع الطريق: قال الله تعالى: (انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله...) واختلف الناس في المراد بهذه الآية فقال قوم:

المراد بها اهل الذمة اذا نقضوا العهد ولحقوا بدار الحرب وحاربوا المسلمين فهؤلاء المحاربون الذين ذكرهم الله في هذه الآية وحكمهم فيما ارتكبوه من المعصية هذه العقوبة التي ذكرها الله.

وقال قوم: المراد بها المرتدون عن الاسلام اذا ظفر بهم الامام عاقبهم بهذه العقوبة لان الآية نزلت في العرنيين لانهم دخلوا المدينة فاستوخموها فانتفخت اجوافهم واصفرت الوانهم فامرهم النبي(ص) ان يخرجوا الى لقاح ابل الصدقة فيشربوا من البانها وابوالها ففعلوا ذلك فصحوا فقتلوا الراعي وارتدوا واستاقوا الابل فبعث النبي(ص) في طلبهم فاخذهم وقطع ايديهم وارجلهم وسمل اعينهم وطرحهم في الحرة حتى ماتوا فالآية نزلت فيهم.

وقال جميع الفقهاء: ان المراد بها قطاع الطريق وهو من شهر السلاح واخاف السبيل لقطع الطريق.

والذي رواه اصحابنا ان المراد بها كل من شهر  السلاح واخاف الناس في بر كانوا او في بحر وفي البنيان او في الصحراء ورووا ان اللص ايضا محارب، وفي بعض رواياتنا ان المراد بها قطاع الطريق كما قال الفقهاء».

وكلامه صريح في اختصاص الآية بالمحارب بالمعنى الاخص غاية الامر ذكر ان جميع الفقهاء -ويقصد بهم العامة جعلوها خاصة بقطاع الطريق وهو من شهر السلاح واخاف السبيل لقطع الطريق، واما الذي رواه اصحابنا فهو ان المراد بها كل من شهر السلاح واخاف الناس في بر كانوا او في بحر، وفي المدينة كانوا او في الصحراء، بل رووا ان اللص ايضا محارب، فلا يختص بمن يقطع الطريق والذي يكون خارج المصر.

ثم نقل ان في بعض رواياتنا ان المراد بها قطاع الطريق كما قال الفقهاء.

وذكر في كتاب الخلاف تحت عنوان (كتاب قطاع الطريق)، مسالة 1: «المحارب الذي ذكره الله تعالى في آية المحاربة هم قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح ويخيفون السبيل، وبه قال ابن عباس وجماعة الفقهاء.

وقال قوم: هم اهل الذمة اذا نقضوا العهد ولحقوا بدار الحرب وحاربوا المسلمين.

وقال ابن عمر: المراد بالآية المرتدون لانها نزلت في العرنيين.

دليلنا: اجماع الفرقة واخبارهم وايضا قوله تعالى في سياق الآية: (الا الذين تابوا من قبل اان تقدروا عليهم...) فاخبر ان العقوبة تسقط بالتوبة قبل القدرة عليه ولو كان المراد بها اهل الذمة واهل الردة كانت التوبة منهم قبل القدرة وبعد القدرة سواء، فلما خص بالذكر التوبة قبل القدرة وافردها بالحكم دلت الآية على ما قلناه».

وظاهر كلامه في صدر هذه المسالة اختصاص الآية بقطاع الطريق والذي ذهب اليه فقهاء العامة، ومن هنا تصور بعض ان هذا الكلام منه خلاف مختاره في المبسوط حيث جعل المحارب فيه اعم من قاطع الطريق.

الا ان هذا الكلام غير صحيح فان نظره الشريف في صدر هذه المسالة الى نفي الاقوال الاخرى في الآية بان يكون المراد بها اهل الذمة او المرتدون، وانما ذكر عنوان قطاع الطريق لانه المعروف المعهود في اصل هذا المعنى، ولكنه اراد المعنى الاعم منه، ولهذا فسره بالذين يشهرون السلاح ويخيفون السبيل، فلم يقيده بان يكون ذلك لقطع الطريق، ففي هذه المسالة ينظر الشيخ الطوسي قدس سره الى اصل هذا القول في قبال القولين الآخرين الذين يخرجان الآية عن هذا المعنى للمحاربة الى معنى آخر مباين، واما تحديد هذا المعنى بالدقة من حيث الاختصاص بمن يشهر السلاح ويخيف الناس لقطع الطريق او الاعم منه فهذه من التفاصيل التي تعرض لهاقدس سره في ضمن المسائل التالية لهذه المسالة حيث ذكرقدس سره في المسالة الثامنة: «حكم قطاع الطريق في البلد والبادية سواء، مثل ان يحاصروا قرية ويفتحوها ويغلبوا اهلها ويفعلوا مثل هذا في بلد صغير او في طرف من اطراف البلد او كان بهم كثرة فاحاطوا ببلد كبير واستولوا عليهم، الحكم فيهم واحد. وهكذا القول في دعار البلد اذا استولوا على اهله واخذوا اموالهم على صفة لا غوث لهم، الباب واحد.

وبه قال الشافعي وابو يوسف.

وقال مالك: قطاع الطريق من كان من البلد على مسافة ثلاثة اميال. فان كان دون ذلك فليسوا قطاع الطريق.

وقال ابو حنيفة ومحمد: اذا كانوا في البلد او في القرب منه مثل ما بين الحيرة والكوفة، او بين قريتين لم يكونوا قطاع الطريق.

دليلنا: اجماع الفرقة واخبارهم وايضا قوله تعالى: (انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله) الى آخر الحكم، ولم يفصل بين ان يكونوا في البلد او غير البلد».

وهكذا يتضح اتحاد مختاره في الخلاف والمبسوط من هذه الناحية، وقال قدس سره في التبيان ذيل الآية المباركة:

«المحارب عندنا هو الذي اشهر السلاح واخاف السبيل، سواء كان في المصر او خارج المصر؛ فان اللص المحارب في المصر وغير المصر سواء، وبه قال الاوزاعي...وقال قوم: هو قاطع الطريق في غير المصر. ذهب اليه ابو حنيفة واصحابه وهو المروي عن عطاء الخراساني. ومعنى (يحاربون الله) يحاربون اولياء الله ويحاربون رسوله (و يسعون فى الارض فسادا) وهو ما ذكرناه من اشهار السيف واخافة السبيل، وجزاؤهم على قدر الاستحقاق».

وكلماته قدس الله نفسه الزكية صريحة في اختصاص المحاربة في الآية المباركة بالمعنى الثالث للمحاربة وهو من اشهر السلاح لاخافة الناس وسلب الامن، كما انها صريحة -في الكتب الثلاثة في عدم اختصاص ذلك بمن يفعل ذلك خارج المدن لقطع الطريق، بل يعم مطلق من اشهر السلاح واخاف الناس. وقال في النهاية: «المحارب هو الذي يجرد السلاح ويكون من اهل الريبة في مصر كان او غير مصر، في بلاد الشرك كان او في بلاد الاسلام، ليلا كان او نهارا، فمتى فعل ذلك كان محاربا...».

والتعبير بكونه من اهل الريبة يقصد به ان يكون المجرد للسلاح من اهل الفساد والسلب والنهب نظير ما ورد في عبارة المقنعة (اهل الدغارة) اي الفساد والرقة والنهب وقد فسر (اهل الريبة) بالاشقياء ايضا. وعلى كل حال فقد عدل الشيخ قدس سره في النهاية عن ذكر عنوان تجريد السلاح لاخافة السبيل او اخافة الناس او قطع الطريق الى عنوان تجريد السلاح ويكون من اهل الريبة وبين العنوانين فرق؛ فان الاخافة اعم من كونه من اهل الريبة، ومن هنا اعتبره المتاخرون تقييدازائدا فنفاه بعضهم باطلاق الادلة على ما سياتي شرحه في محله.

وقال الراوندي في فقه القرآن ذيل الآية المباركة:

«من جرد السلاح في مصر او غيره وهو من اهل الريبة على كل حال كان محاربا وله خمسة احوال، فان قتل ولم ياخذ المال وجب على الامام ان يقتله وليس لاولياء المقتول العفو عنه ولا للامام، وان قتل واخذ المال ... الى ان قال: وقد اخبر الله في هذه الآية بحكم من يجهر بذلك مغالبا بالسلاح ثم اتبعه بحكم من ياتيه في خفاء في قوله: (و السارق و السارقة) الآية».

وقال الفاضل المقداد في تفسيره ذيل الآية المباركة:

«واصل الحرب السلب ومنه حرب الرجل ماله اي سلبه فهو محروب وحريب، وعند الفقهاء كل من جرد السلاح لاخافة الناس في بر او بحر، ليلا او نهارا، ضعيفا كان او قويا، من اهل الريبة كان او لم يكن، ذكرا كان او انثى، فهو محارب ويدخل في ذلك قاطع الطريق والمكابر على المال او البضع».

وقال ابن ادريس قدس سره في كتاب الحدود من السرائر:

«قال الله تعالى: (انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون فى الارض فسادا ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم و ارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض) ولا خلاف بين الفقهاء ان المراد بهذه الآية قطاع الطريق، وعندنا كل من شهر السلاح لاخافة الناس في بر كان او في بحر في العمران والامصار او في البراري والصحاري، وعلى كل حال فاذا ثبت ذلك فالامام مخير فيه بين اربعة اشياء -كما قال تعالى بين ان يقطع يده ورجله من خلاف او يقتل او يصلب او ينفى هذا بنفس شهره السلاح واخافة الناس».

وظاهره مطابق مع ما تقدم عن الشيخ قدس سره في المبسوط من ان الموضوع من اشهر السلاح لاخافة الناس، والذي هو اعم من شهره لقطع الطريق بالخصوص كما عليه فقهاء العامة.

لكنه قدس سره في كتاب الجهاد -باب قتال اهل البغي والمحاربين قال: «والمحارب هو كل من قصد الى اخذ مال الانسان وشهر السلاح في بر او بحر او حضر او سفر فمتى كان شيء من ذلك جاز للانسان دفعه عن نفسه وماله».

فقيده بان يكون قاصدا اخذ مال الانسان ونهبه، الا ان الظاهر ان هذا منه قدس سره ليس بقصد التقييد، بل لتعميم الحكم للفرد الاخفى من موضوع جواز الدفع والمحاربة ولو ادى الى قتله -الذي هو المناسب مع حكم باب الجهاد ولهذا ذكر في ذيل كلامه (جاز للانسان دفعه عن نفسه وماله) فعطف المال على النفس.

وفي مجمع البيان في تفسير الآية المباركة:

«(النزول): اختلف في سبب نزول الآية، فقيل: نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي(ص) موادعة فنقضوا العهد وافسدوا في الارض عن ابن عباس والضحاك. وقيل: نزلت في اهل الشرك عن الحسن وعكرمة. وقيل: نزلت في العرنيين لما نزلوا المدينة للاسلام واستوخموها واصفرت الوانهم فامرهم النبي(ص) ان يخرجوا الى ابل الصدقة ... عن قتادة وسعيد بن جبير والسدي.

وقيل: نزلت في قطاع الطريق عن اكثر المفسرين وعليه جل الفقهاء.

(المعنى): لما قدم تعالى ذكر القتل وحكمه، عقبه بذكر قطاع الطريق والحكم فيهم فقال: (انما جزاء الذين يحاربون الله) اي اولياء الله ...الخ».

وذكر سيدنا العلامة الطباطبائي قدس سره في تفسيره القيم الميزان:

«قوله تعالى: (انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون فى الارض فسادا) «فسادا» مصدر وضع موضع الحال، ومحاربة الله -وان كانت بعد استحالة معناها الحقيقي وتعين ارادة المعنى المجازي منها ذات معنى وسيع يصدق على مخالفة كل حكم من الاحكام الشرعية وكل ظلم واسراف، لكن ضم الرسول اليه يهدي الى ان المراد بها بعض ما للرسول فيه دخل، فيكون كالمتعين ان يراد بها ما يرجع الى ابطال اثر ما للرسول عليه ولاية من جانب الله سبحانه، كمحاربة الكفار مع النبي(ص) واخلال قطاع الطرق بالامن العام الذي بسطه بولايته على الارض، وتعق ب الجملة بقوله: (و يسعون فى الارض فسادا) يشخص المعنى المراد وهو الافساد في الارض بالاخلال بالامن وقطع الطريق دون مطلق المحاربة مع المسلمين.

على ان الضرورة قاضية بان النبي(ص) لم يعامل المحاربين من الكفار بعد الظهور عليهم والظفر بهم هذه المعاملة من القتل والصلب والمثلة والنفي.

على ان الاستثناء في الآية التالية قرينة على كون المراد بالمحاربة هو الافساد المذكور، فانه ظاهر في ان التوبة انما هي من المحاربة دون الشرك ونحوه.

فالمراد بالمحاربة والافساد على ما هو الظاهر هو الاخلال بالامن العام، والامن العام انما يختل بايجاد الخوف العام وحلوله محله، ولا يكون بحسب الطبع والعادة الا باستعمال السلاح المهدد بالقتل طبعا، ولهذا ورد فيما ورد من السنة تفسير الفساد في الارض بشهر السيف ونحوه».

والفقهاء عموما فسروا المحارب بمن شهر السلاح لاخافة الناس -مع اخذ قيد كونه من اهل الريبة تارة وعدمه اخرى وجعلوا هذا المعنى الخاص للمحاربة هو موضوع هذا الحد في كتاب الحدود، واما غيره من المحاربين كالكفار والبغاة فقد ذكروا لهم احكاما اخرى غير هذا الحد. وهذا وان لم يكن تصريحا منهم بانهم يفهمون اختصاص الآية المباركة بالمحارب بهذا المعنى الخاص الا من قبل من تعرض منهم لذكرها وتفسيرها -كما تقدم عن جملة منهم الا انه يستفاد من كلماتهم بانهم يعتقدون بان المراد الجدي من الآية المباركة التي هي المصدر لتشريع هذا الحد الالهي انما هو المحارب بهذا المعنى الخاص لا مطلق من حارب الاسلام والمسلمين ولو لكفره او بغيه، فالآية المباركة عندهم لا تشمل غير المحارب الاصطلاحي، اما لاختصاصها في نفسها وبحسب ظاهرها الاولي بذلك -كما ذكره المفسرون ونسبوه الى الفقهاء او بضميمة الروايات الواردة عن اهل البيت: بشان هذا الحد والتي جعلوها تفسيرا للآية المباركة.

ويشهد لذلك ويؤكده ما نجده في كلماتهم وتحديداتهم لموضوع هذا الحدمن البحث عن اعتبار بعض القيود من قبيل كونه -اي المحارب قاصدا للاخافة او كونه من اهل الريبة او كونه خارج البلد او غير ذلك من القيود، فلو لم يكن اصل الاخافة للناس شرطا وكان الموضوع للحد مطلق من يحارب الدولة الاسلامية ولو بنحو البغي من دون افساد واخلال بامن الناس ولا تعد عليهم. او كان ذاك هو الموضوع الحقيقي للآية والمحارب الاصطلاحي فرد ادعائي والحاق تعبدي بموضوع الآية -كما قيل لم يكن مجال عندئذ لكل تلك الابحاث، اللهم الاان يكون بحثهم عن الفرد التعبدي مع السكوت بل نفي الحكم عن فرده وموضوعه الحقيقي من دون تعرض ولا ذكر وجه له ولا اشارة، وهو كما ترى!

فتحديد الفقهاء وتعريفهم للمحارب بمن شهر السلاح لاخافة الناس يكون شاهداايضا على انهم يرون ان المراد من المحاربة في الآية الكريمة خصوص هذا القسم، لا المعاني الاخرى ولا المعنى الاعم منها، وان اختلفت تعريفاتهم في اعتبار بعض القيود لهذا المعنى. وقد تقدم عن النهاية وغيره اخذ قيد كونه من اهل الريبة.

واليك بعض مكلمات الآخرين:

قال ابو الصلاح الحلبي: «وان كانوا محاربين وهم الذين يخرجون عن دار الامن لقطع الطريق واخافة السبيل والسعي في الارض بالفساد فعلى سلطان الاسلام او من تصح دعوته ان يدعوهم الى الرجوع الى دار الامن ويخوفهم من الاقامة على المحاربة من تنفيذ امر الله فيهم، فان انابوا ووضعوا السلاح ورجعوا الى دار الامن فلا سبيل عليهم ... وفرضه في الاسرى ان كانوا في محاربتهم قتلوا ولم ياخذوا مالا ان يقتلهم، وان ضموا الى القتل اخذ المال صلبهم بعد القتل، وان تفردوا باخذ المال ان يقطعهم من خلاف، وان لم يقتلوا ولم ياخذوا مالا ان ينفيهم من الارض بالحبس او النفي من مصر الى مصر».

وقد ذكر هذا الكلام في كتاب الجهاد في احكام الحرب والمحاربين وسيرة الجهاد، فذكر اولا حكم جهاد الكفار من الكتابيين والمشركين ثم حكم جهاد المرتدين ثم المتاولين البغاة ثم المحاربين. وجعل الحد المذكور مخصوصابالاخير منهم، وهذا كالصريح في اختصاص هذا الحد بالمحارب بالمعنى الخاص وعدم جريانه في غيره من اقسام المحاربة مع الدولة الاسلامية.

وقال سلار: «المجرد للسلاح في ارض الاسلام والساعي فيها فسادا ان شاء الامام قتله وان شاء صلبه وان شاء قطع يده ورجله من خلاف وان شاء نفاه من الارض».

وقال القاضي ابن البراج: «من كان من اهل الريبة وجرد سلاحا في بر او بحر، او في بلده او في غير بلده في ديار الاسلام او في ديار الشرك ليلا او نهاراكان محاربا ... فان اخذ المال ولم يقتل احدا ولا جرحه كان عليه القطع ثم النفي من البلد الذي هو فيه، وان جرح ولم ياخذ مالا ولا قتل احدا كان عليه القصاص والنفي بعد ذلك ...الخ».

وقال السيد ابن زهرة: «واسرى من عدا من ذكرنا من المحاربين على اخذ المال ان كانوا قتلوا ولم ياخذوا مالا قتلوا، وان اخذوا مع القتل مالا صلبوا بعد القتل، وان تفردوا باخذ المال قطعوا من خلاف، فان لم يقتلوا ولم ياخذوا مالا نفوا من الارض بالحبس او النفي من مصر الى مصر كل ذلك بالاجماع من الطائفة عليه».

وهذا الفقيه ايضا ذكر المحاربين في كتاب الجهاد فيمن يجب على الامام دفعهم ومقاتلتهم ثم فسر عنوان المحارب:

بمن قصد الى اخذ مال المسلم وما هو في حكمه من مال الذمي واشهر السلاح في بر او بحر او سفر او حضر، ثم خص اسراهم بالحكم عليهم بالحد المذكور في الآية دون اسرى غيرهم من البغاة او الكفار. وهذا ايضا كالصريح في اختصاص حكم الآية المباركة بهذا القسم من المحاربة وعدم عمومه للاقسام الاخرى.

ونحوه ما عن علاء الدين الحلبي (ابوالحسن) في كتاب الجهاد قال: «فكل من اظهر الكفر او خالف الاسلام من سائر فرق الكفار يجب -مع تكامل ما ذكرناه من الشروط جهادهم، وكذا حكم من مرق عن طاعة الامام العادل او حاربه او بغى عليه، او اشهر سلاحا في حضر او سفر او بر او بحر او تخطى الى نهب مال مسلم او ذمي ... (الى ان قال): والمفسدون في الارض كقطاع الطريق والواثبين على نهب الاموال يقتلون ان قتلوا، فان زادوا على القتل باخذ الاموال صلبوا بعد قتلهم ... الخ».

وقال ابن حمزة في كتاب الجهاد من الوسيلة:

«فصل في بيان احكام البغاة وكيفية قتالهم: الباغي كل من خرج على امام عادل، وقتالهم على ثلاثة اضرب: واجب وجائز ومحظور ... - ثم ذكر حكمه وانهم يقاتلون حتى يفيئوا الى الطاعة او يقتلوا عن آخرهم، ثم قال: فصل في بيان حكم المحارب: المحارب كل من اظهر السلاح من الرجال او النساء في اي وقت واي موضع يكون ولم يخل حاله من ثلاثة اوجه اما يتوب قبل ان يظفر به او يظفر به قبل ان يتوب او لا يتوب ولا يظفر به».

ثم بدا ببيان حكم كل قسم وانه في الاول يعفى عن حد المحاربة عليه دون ما اذا كان قد جنى جناية في غير المحاربة فانها لوليه، وفي الثاني لا يعفى بل لا بد من القتل او الصلب او النفي على حسب الجناية، وفي الثالث يطلب حتى يظفر به ويقام عليه الحد.

وهذا البيان صريح في ان المحارب لا يشمل الباغي بل يختص بمن شهر السلاح لاخذ مال او نفس، نعم لم يذكر في التعريف صريحا ان اشهاره للسلاح من اجل الاخافة او سلب المال او النفس، ولكنه اخذ ذلك حينما بدا بتشقيق شقوق هذا الحد حيث قال: وان لم يجن واخاف نفي عن البلد، وعلى هذا حتى يتوب، وان جنى وجرح اقتص منه ونفي عن البلد، وان اخذ المال قطع يده ورجله من خلاف ونفي وان قتل وغرضه في اظهار السلاح القتل...الخ».

فما قيل من ان عبارة ابن حمزة تعم ما اذا كان اظهار السلاح بغاية القيام بوجه الحكومة الاسلامية -وهو الباغي مما لا ماخذ له، كيف وقد ذكر الباغي وتعريفه وحكمه في الفصل السابق لهذا الفصل -كما اوردناه فكيف يحتمل ان يكون مراده من المحارب الاعم فضلا من ان يقال بانه يستفيده من الآية؟!

ونفس الشيء نجده عند يحيى بن سعيد الحلي قدس سره في جامعه، فانه ذكر اولااحكام قتال الكفار من المشرك والكتابي والمرتد ثم ذكر احكام الباغي فقال:

«الباغي من لم يدخل فيما دخل فيه المسلمون من بيعة الامام او نكث بيعته، فعلى من استنفره الامام لقتالهم النفور معه ... واذا قوتل الباغي لم يرجع عنه حتى يدخل فيما دخل المسلمون فيه او يقتل. فان كان له فئة يرجع اليه، قتل مقبلا او مدبرا واجهز على الجرحى، والا لم يتبع المدبر ...».

ثم ذكر احكام المحارب فقال:

«والمسلم المحارب من شهر السلاح في بر او بحر، سفرا او حضرا، ليلا او نهارا، رجلا او امراة، فان اخاف ولم يجن نفي من الارض بان يغرق - على قول او يحبس -على آخر او ينفى من بلاد الاسلام سنة حتى يتوب، وكوتبوا انه منفي محارب فلا تئووه ولا تعاملوه، فان آووه قوتلوا وان قتل...الخ».

وقال المحقق قدس سره في الشرائع: «المحارب كل من جرد السلاح لاخافة الناس في بر او بحر ليلا كان او نهارا في مصر وغيره، وهل يشترط كونه من اهل الريبة؟ فيه تردد اصحه انه لا يشترط مع العلم بقصد الاخافة، ويستوي في هذا الحكم الذكر والانثى ان اتفق، وفي ثبوت هذا الحكم للمجرد مع ضعفه عن الاخافة تردد اشبهه الثبوت، ويجتزا بقصده».

وذكر ايضا في المختصر النافع «في المحارب: وهو كل مجرد سلاحا في بر او بحر ليلا او نهارا لاخافة السابلة وان لم يكن من اهلها على الاشبه ... وحده القتل او الصلب او القطع مخالفا او النفي...».

وقال العلامة قدس سره في التبصرة: «كل من جرد السلاح للاخافة في بر او بحر ليلا او نهارا تخير الامام بين قتله وصلبه وقطعه مخالفا ونفيه...».

وفي التحرير: «المحارب من جرد السلاح لاخافة الناس في بر او بحر، ليلا كان او نهارا، في مصر وغيره، وسواء كان في العمران او في البراري والصحاري، وعلى كل حال، وهل يشترط كونه من اهل الريبة؟ الظاهر من كلامه -في النهاية الاشتراط، والوجه المنع اذا عرف انه قصد الاخافة...».

وفي القواعد: «كل من اظهر السلاح وجرده لاخافة الناس في بر او بحر ليلا كان او نهارا في مصر او غيره ... ولا يشترط كونه من اهل الريبة على اشكال».

وعلق عليه ولده فخر المحققين بقوله: «منشاه من اختلاف الاصحاب، فالمشهور من فتاويهم ما ذكره الشيخ في النهاية، فقال: المحارب هو الذي يجرد السلاح ويكون من اهل الريبة.

وقال المفيد: اهل الدغارة اذا جردوا السلاح في دار الاسلام ...

وذكر احكام المحارب، وعموم الآية يدل على عدم الاشتراط، وهو الاقوى عندي».

وقال في الارشاد في كتاب الحدود - المقصد السابع في المحارب: «وفيه بحثان: الاول: في ماهيته، وهو كل من جرد السلاح لاخافة الناس في بر او بحر، ليلا او نهارا، في مصر وغيره، ذكرا او انثى، ولو اخذ في بلده مالابالمقاهرة فهو محارب».

وقال الشهيد الاول في الدروس - كتاب المحارب:

«وهو من جرد السلاح للاخافة في مصر او غيره، ليلا او نهارا، وان كان امراة بشرط الريبة ولو ظنا».

وقال الشهيد الثاني قدس سره في الروضة:

«وهي تجريد السلاح برا او بحرا، ليلا او نهارا لاخافة الناس في مصر وغيره من ذكر او انثى قوي او ضعيف، من اهل الريبة ام لا، قصد الاخافة ام لا...».

وفي الجواهر وافق التعريف المتقدم عن الشرائع وجعله مما لا خلاف فيه.

وفي تحرير الوسيلة لسيدنا واستاذنا الامام الراحل قدس سره: «مسالة 1: المحارب هو كل من جرد سلاحه او جهزه لاخافة الناس وارادة الافساد في الارض في بركان او في بحر، في مصر او غيره، ليلا او نهارا».

لسيدنا الاستاذ الخوئي قدس سره: وفي تكملة المنهاج الخامس عشر - المحاربة: «مسالة 2 : من شهر السلاح لاخافة الناس نفي من البلد... الخ».

هذه نبذة من كلمات فقهائنا الابرار (قدس الله اسرارهم) في تعريف المحاربة التي هي موضوع هذا الحد المشرع في هذه الآية المباركة.

وبعد هذا التطواف في كلمات الاصحاب (قدس الله اسرارهم) والاطلاع على انظارهم التي استعرضناها بهذا التفصيل للاستفادة منها في اكثر البحوث القادمة نرجع الى ما ذكرناه في تفسير المحاربة في الآية وان المراد بها خصوص المحاربة بنحو الافساد في الارض واخافة الناس -كما عبر الفقهاءفلا يشمل محاربة البغاة لبغيهم ولا المشركين لكفرهم، والوجه في ذلك مجموع نكات وقرائن:

1 - منها: ظهور الآية -خصوصا مع ملاحظة الاستثناء الوارد في ذيلها في كون الجريمة الملحوظة في موضوع هذا الجزاء -والتي يدور استحقاق الجزاء مدارها اثباتا ونفيا، ويكفي التوبة عنها وتركها قبل الاخذ لسقوطه والمغفرة لفاعلهاانما هي نفس المحاربة لله والرسول لا امر آخر قد يستلزم المحاربة، ومن الواضح ان المحاربة بنحو الافساد في الارض نفسها الجريمة، واما محاربة الكفار والبغاة فالجريمة فيهما هي الكفر والارتداد او البغي ونكث البيعة والخروج عن طاعة ولي الامر. كما ان العفو او المغفرة عنها انما يكون بالاسلام والدخول في طاعة الامام لا مجرد ترك الحرب. والمحاربة لو حصلت فهي من توابع الجريمة لا نفسه؛ لانها نتيجة طلب الحاكم لهم لاجبارهم على الدخول في الاسلام او الطاعة فيحاربون على ذلك.

والحاصل: ان لم يكن صدر الآية ظاهرا في المحاربة بالمعنى المصطلح فلا اقل من ان الآية التالية لها ظاهرة في النظر الى محاربة يكون تركها كافيا للغفران والتوبة بلا حاجة الى ضم ضميمة اخرى، وهذا لا يصدق لا في محاربة الكفار ولا البغاة؛ لان توبتهم لا تكون الا بالدخول في الاسلام عن طاعة الامام وقبول البيعة.

2 - ومنها: عطف الافساد في الارض على المحاربة، واخذه في موضوع الحد -سواء افترضناه تمام الموضوع او جزءه، وهذا سنبحث عنه فيما ياتي فانه قرينة على تعيين محاربة الله والرسول فيما يكون بنحو الافساد في الارض وسلب الامن؛ لانه بذلك يختل وضع الناس والحياة، فيكون افسادا في الارض، بخلاف البغي ونكث بيعة الحاكم ولو ادى الى القتال والمحاربة فان مطلق الحرب والقتال ليس فسادا في الارض، وقد اعتمد على هذه القرينة بعض المفس رين منهم سيدنا العلامة الطباطبائي قدس سره في تفسيره القيم على ما تقدم حيث قال: «وتعقب الجملة بقوله (و يسعون فى الارض فسادا) يشخص المعنى المراد وهو الافساد في الارض بالاخلال بالامن وقطع الطريق دون مطلق المحاربة مع المسلمين».

3- ومنها: بعض القرائن الارتكازية واللبية ومناسبات الحكم والموضوع الواضحة من سياق الآية، فان شدة العقوبة والتاكيد عليها المفاد بصيغة التفعيل في الآية واضافة الصلب وقطع اليد والرجل من خلاف او النفي من الارض كل هذه العقوبات تناسب سنخ جريمة يكون فيها افساد في الارض بقتل وسلب ونهب ويكون لها مراتب تناسب مراتب العقوبات الاربع المجعولة فيها، ولا تناسب مجرد البغي ونكث طاعة الحاكم الذي هو جريمة سياسية لا يطلب فيها الا رجوع الباغي الى الطاعة ودخوله في الجماعة. كما يظهر ذلك من خلال مراجعة لسان الآية المتعرضة للباغين (و ان طائفتان من المومنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغي حتى تفيء الى امر الله فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل و اقسطوا ان الله يحب المقسطين).

بل ظاهر آية المحاربة ان الجريمة المذكورة فيها من سنخ الجرائم التي تقوم بالافراد بحيث قد يقوم بها شخص واحد، ومن هنا ذكر الفقهاء انه لا يشترط فيها وجود فئة ولا اخافة جماعة، بل يكفي محاربة واحد لواحد، وهذا بخلاف محاربة البغاة فان المناسب لها ان يكون الخطاب فيها متوجها الى الجماعة والطائفة والفئة؛ لانها تكون قائمة بين فئتين بحسب الحقيقة.

هذا مضافا الى ما ذكره العلامة الطباطبائي في الميزان من ان الضرورة قاضية بان النبي(ص) لم يعامل المحاربين من الكفار -بعد الظهور عليهم والظفر بهم هذه المعاملة من القتل والصلب والمثلة والنفي، ومحاربة الباغي ليست باشد من محاربة الكافر قطعا من الناحية الفقهية، كما هو مقرر في محله.

4 - ومنها: الروايات الخاصة الواردة عن الائمة المعصومين: لتشريح هذه العقوبة ذات المراتب المختلفة، وسوف ياتي التعرض لها في جهة قادمة من البحث، فان نفس تصديها لشرح مراتب هذه العقوبة، بل والتصريح في بعضها بانها على حسب الجناية، وكذلك التصريح في بعضها بذكر الآية قرينة على نظرها جميعا الى تفسير ما هو المراد من الآية، وتوزيع الموضوع فيها وهو المحاربة بنحو الافساد في الارض حسب المراتب على العقوبات الاربع المبينة فيها.

فاذا سكت فيها عن غير ذلك فهم منه ان الموضوع في الآية ذلك ايضا لا غير.

ودعوى: ان قصارى مفاد الروايات شمول الآية للمحاربة بنحو الافساد في الارض وشهر السلاح لاخافة الناس، واما ان المحاربة منحصرة في شهر السلاح لاخافة الناس ومراتبها ايضا منحصرة في الاقسام المذكورة فمما لا دلالة للروايات الخاصة عليه.

مدفوعة: بان ظاهر الروايات تفسير تمام مراتب واقسام المحاربة المندرجة في الآية، فلو كان منها الحرب مع الكفار او البغاة والذي لا يكون التعبد فيها لا اخذ المال ولا القتل او الاخافة بل تمام الغرض فيه غرض سياسي وهو طلب الحكم والسلطان كان ينبغي ذكره ضمن الاقسام جزما، فسكوت الروايات المفصلة للآية عن ذكر هذا النوع من المحاربة فيه دلالة واضحة على خروجه عن موضوع الحكم والجزاء المشرع في هذه الآية المباركة.

ولو فرض عدم دلالتها وحدها على ذلك فلا اشكال في دلالتها على ذلك بعد ضمها الى ما ورد في حكم جهاد البغاة والمشركين من الادلة والروايات على ان حكم اسيرهم ليس ما ذكر في هذه الآية، فراجع وتامل.

واما معتبرة طلحة بن زيد المتقدمة التي استشهد بها على عموم الآية وتطبيق الامام 7 لها على باب الحرب والجهاد، فيلاحظ عليه:

اولا: انها واردة في تطبيق الآية على جهاد الكفار والمشركين لا البغاة بقرينة ما ورد فيها من الحكم بان الاسير اذا اخذ وقد وضعت الحرب اوزارها كان الامام فيه مخيرا بين المن والفداء والاستعباد فيصيروا عبيدا. ولهذا نجد الشيخ قدس سره قد اورد الرواية تحت عنوان باب: كيفية قتال المشركين ومن خالف الاسلام، وقد تقدم ان الآية المباركة في نفسها لا شك في عدم عمومها لمحاربة الكفار والمشركين بما هم كفار، فلو فرض صحة الاستدلال بالحديث المذكور كان الحاقا تعبديا لابد من الاقتصار فيه على مورده وهو محاربة الكفار والمشركين قبل ان تضع الحرب اوزارها، فلا يمكن التعدي منهم الى محاربة الباغي والذي يكون مسلما وحكمه اخف من حكم المشرك.

وثانيا: ان ظاهر الرواية مما لا يمكن الالتزام به فقهيا ولم يعمل به احد من الفقهاء؛ لانها تفسير الآية بارجاع العقوبات الاربع فيها الى عقوبة واحدة هي الكفر -وهو بمعنى الاهلاك او الكل -وهو بمعنى السيف وهذا يعني ان الجزاء واحد وهو القتل وان ما التخيير للامام في كيفيته ليس الا، وهذا مضافا الى انه خلاف ظاهر الآية مما لم يفت به احد من الفقهاء في حد المحارب الذي هو القدر المتيقن من الآية، فلا بد من طرحها او تاويلها وحملها على بعض المحامل، وبذلك يسقط الاستدلال بها في المقام.

وهكذا يتضح ان عنوان المحارب في الآية المباركة مختص بمن يشهر السلاح للافساد في الارض، وهو الاخلال بامن الناس واخافتهم والتعدي على اموالهم او اعراضهم او انفسهم، ولا شمول له للباغي او الكافر اذا حارب الدولة الاسلامية وقام بوجهها، ما لم تصدر منه المحاربة بالمعنى المذكور، فيكون مصداقا للآية من تلك الناحية، وهو مما لا كلام فيه.

و يكفي لصحة هذا الاستظهار والركون اليه ما نجده من تطابق فهم الفقهاء من العامة والخاصة وكذلك المفسرين من الآية وتفسيرهم للمحاربة بذلك -وان اختلفوا في خصوصيات مورد النزول كما تقدم مما يكشف عن عدم وجود ظهور في الآية على ارادة مطلق المحارب والا كيف يخفى على كل هؤلاء، وهم جميعا من اهل اللغة والادب والمحاورة. والظهورات ليست مسائل عقلية دقية لكي يمكن خفاؤها على السابقين جميعا، كما ان الانواع الاخرى للمحاربة وشمول المعنى اللغوي لمادة الحرب والمحاربة لها كانت على مراى ومسمع اولئك الاعلام، وقد تعرضوا لاحكامها ايضا فلم تكن مصاديق جديدة غير معروفة وقتئذ ليكون عدم استظهارهم التعميم من جهة احتمال عدم معروفية تلك الاقسام عندهم او عدم تحقق مصاديق لها في زمانهم.

بل المتتبع في الروايات واسئلة الرواة واصحاب الائمة : عن حكم المحارب يجد انه لم يقع حتى استشكال وسؤال من قبل الرواة عن احتمال شمول المحارب للكفار او الباغين والا لكان ينعكس عادة فيما وصلنا من الروايات، فكان اختصاص الآية كان امرا واضحا وبديهيا عندهم وان الامام( ع) عندما كان يذكر الآية او تذكر له فيفصل العقوبات الاربع فيها على مراتب المحاربة بالمعنى المصطلح فقط لم يكن يخطر غير ذلك المعنى من الآية على بال الاصحاب، والا لاستفسروا وسالوا عنه، فمجموع هذه الامور توجب الاطمئنان بصحة هذا الاستظهار.

هذا تمام الكلام في عنوان المحاربة الوارد في الآية المباركة، وهو القيد الاول فيها.

القيد الثاني: الافساد في الارض: واما القيد الثاني، وهو الافساد في الارض المستفاد من قوله تعالى: (و يسعون فى الارض فسادا) فالبحث عنه يقع في ثلاث نقاط:

النقطة الاولى: في المراد بالافساد في الارض.

والفساد ضد الصلاح، وفسر بخروج الشيء عن الاعتدال ايضا، فيكون في كل شيء بحسبه، ولا شك ان كل جرم ومعصية يرتكبها الانسان هو فساد في جانب من جوانب الحياة الا ان عنوان الفساد والافساد حينما يضاف الى الارض يتقيد معناه ويختص بما يقع من الفساد في الارض، وهذا التقييد بالوقوع في الارض فيه احتمالات:

الاول: ان يكون لمجرد الظرفية وان الفساد يقع في الارض، فيشمل كل المفاسد التي تقع في الارض.

الا ان هذا الاحتمال بعيد للغاية، بل غير وارد للزوم اللغوية وان يكون قيد (فى الارض) زائدا لوضوح ان كل ما يصدر من الانسان الكائن في الارض من الاعمال الصالحة او الفاسدة تقع في الارض لا محالة، فاي فائدة في ذكر القيد؟! بل يكون ذكره مضرا او غير مناسب؛ لان المجازاة على الجرم ليس الميزان فيه صدوره من الفاعل في الارض او في ظرف آخر، فلا اثر للظرف في استحقاق العقوبة ليؤخذ قيدا في موضوعه.

الثاني: ان يكون للدلالة على سعة الفساد وكثرته وشيوعه بين الناس في قبال الفساد الفردي الجزئي.

وهذا الاحتمال بهذا المقدار ايضا مما لا يمكن المساعدة عليه؛ اذ مضافا الى انه لا يبين كيفية الربط والنسبة بين الفساد والارض، ان الافساد في الارض قد يصدق على جريمة جزئية غير شائعة كما اذا شهر احد السلاح في مكان او طريق محدود لا يتطرقه الا شخص او شخصان ولو اتفاقا، فانه ايضاافساد في الارض وداخل في اطلاق الآية مع انها جريمة من واحد، وقد تكون على واحد لا اكثر فلا شيوع في الفساد ولا انتشار. نعم، لو اريد من الشيوع ان يكون الجرم والفساد ظاهرا في الارض او عاما غير موجه الى شخص خاص فهذا المعنى قد يستفاد من هذا التركيب لنكتة سياتي الحديث عنها في الاحتمال القادم.

الثالث: ان يكون للدلالة على وقوع الفساد على الارض وقيامه فيها نظير قولك: يعمل في الارض، اي يوقع العمل عليها، فيكون الافساد في الارض بمعنى افسادها ولكن لا بلحاظ ذاتها بل بلحاظ ما فيها من حالة الصلاح، فلا يراد بالارض التراب والصخور ونحوها، بل يراد بها الارض بما هي محل ومكان لحياة الانسان واستقراره؛ فيه لان هذه الحيثية هي المطلوبة للانسان من الارض والمكان، فيكون صلاحها بذلك وفسادها بزوال هذه الصلاحية، وانما عبر بالافساد في الارض لا افسادها للدلالة على انه افساد لما فيها من حالة الصلاح واقامة الفساد فيها لا افساد ذاتها.

والحاصل: المستفاد من الظرف في مثل هذا التركيب تقييد الفساد بالارض ونسبته اليها بالنسبة الحلولية، فتكون الارض هي الفاسدة والفساد حالا فيها. وهذا ما يشهد به الوجدان العرفي وتؤكده ملاحظة موارد استعمال هذا التركيب في الآيات الكريمة.

فقد ورد في بعضها المقابلة بين الافساد في الارض وبين صلاح الارض، كما في قوله تعالى: (و لا تفسدوا فى الارض بعد اصلاحها و ادعوه خوفا و طمعها) و قوله تعالى:

(ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها ذلكم خير لكم ان كنتم مؤمنين).

مما يشعر ان المراد بالافساد في الارض ما يقابل اصلاح الارض اي افسادها، لا مجرد الظرفية، بل الظرفية تستلزم اللغوية والتكرار المخل في مثل قوله تعالى: (واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لايحب الفساد)، وقوله تعالى:

(اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدما)، فتكرار القيد لا يناسب الظرفية، بل لا بد لافادة نكتة وخصوصية زائدة وهي ايقاع الفساد على الارض واحلاله فيها، بل هذا هو المتبادر من هذا التركيب في كل مورد لوحظ فيه الظرف -في الارض قيدا للفساد ووصفا له في المرتبة السابقة على اسناده لفاعله.

لاحظ قوله تعالى: (ولا تبغ الفساد في الارض) وقوله تعالى:

(ام نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض) وقوله تعالى: (من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الارض) وقوله تعالى: (لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض) الى غير ذلك من موارد استعمال هذا التركيب في القرآن الكريم مما يستفاد منه ان الفساد الملحوظ فيها فساد خاص مقيد بكونه في الارض، بما هو محل استقراره وسكونته، كما يشعر به قوله تعالى: (و يهلك الحرث و النسل) مةفي آية متقد.

دعوى ورد:

 وقد يقال: ان هذا يتوقف على ان يكون الظرف لغوا، اي متعلقا بالافساد، وهو خلاف الظاهر او ليس معهودا، بل الظرف مستقر ومتعلق بالسعي في مثل قوله تعالى: (و يسعون فى الارض فسادا) فيكون ظرفا للفعل والفاعل لا محالة.

ويلاحظ عليه:

اولا: لا شاهد على اصل هذه الدعوى، فان كون الظرف لغوا ومتعلقا بالافساد مما يساعد عليه الذوق والقواعد العربية نظير قولنا: يعمل في الارض.

وثانيا: يمكن ان يكون الظرف مستقرا او متعلقا بالسعي، ومع ذلك نستفيد نفس المعنى وه و وقوع الفساد على الارض؛ لان السعي بالفساد عبارة اخرى عن نفس عمل الفساد، فتقييده بكونه في الارض يساوق كون الفساد فيها، كما انه اذا كان متعلقا بالمقدر وظرفا مستقرا فالمستفاد منه انه ظرف ملحوظ للفساد لا للمفسد، فيكون قيدا له وانه فساد في الارض لا في شيء آخر يصدر من الفاعل.

وتمام النكتة ان استفادة هذا المعنى غير مربوط بالنكتة الادبية في تشخيص متعلق الظرف، بل مربوط بنكتة معنوية دلالية هي رجوع الظرف بحسب النتيجة النهائية قيدا ووصفا وتخصيصا للفساد بان يلحظ الفساد المقيد بكونه في الارض منسوبا الى الفاعل، او انه قيد وظرف لنفس النسبة وصدور الفعل، فعلى الاول يستفاد كون الفساد حالا في الارض وواقعا عليه -حتى اذا كان الظرف متعلقا بالمقدر او بالسعي وعلى الثاني لا يستفاد اكثر من صدور الفعل والنسبة في الارض حتى اذا كان الظرف لغوا.

قيود تحقق الافساد في الارض :

ثم ان هذا المعنى -اعني فساد الارض وزوال صلاحها المستفاد من هذا التركيب هل يختص بما اذا كان الفساد من نوع الظلم والتعدي على اموال الآخرين وحقوقهم بالسلب والنهب والقتل ونحوها او يعم مطلق ارتكاب المفاسد والمعاصي الشرعية؟ هذا من ناحية ومن ناحية اخرى هل يشترط في صدق الافساد في الارض ظهور الفساد او شيوعه وانتشاره بين الناس ام لا يشترط شيء من ذلك؟ 

1 - اختصاص الافساد بالظلم والتعدي:

اقول: لا يبعد بالنسبة الى الامر الاول دعوى الاختصاص، فلا يصدق الفساد في الارض في غير موارد الظلم والتعدي على الاموال والنفوس والاعراض وان كانت معاصي كبيرة كالفواحش، بل من اكبرها كالشرك بالله سبحانه فانه وان كان فسادا كبيرا، وقد يشكل خطرا على مستقبل ذلك المجتمع الا انه مع ذلك لا يسمى ذلك بالفساد في الارض، والوجه في ذلك ما اشرنا اليه من ان صدق هذا المعنى بحاجة الى اخذ عناية وخصوصية في الارض بملاحظتها تتصف بالصلاح والفساد، والا فالارض بذاتها لا معنى لاتصافها بالصلاح والفساد، وتلك الخصوصية لا بد وان تكون من اوصاف الارض وشؤون مطلوبيتها للانسان وهي حيثية مكانيتها لاستقرار الانسان وحياته وامنه. فاذا كان الفساد والجرم بنحو يوجب سلب هذه الصفة عن الارض والاخلال بها صح اعتباره وصفا للارض فيكون فسادا لها، واما اذا لم يكن كذلك بل كان من شؤون سلامة وصحة حياة الانسان من غير ناحية محل السكنى والاستقرار والامن فزواله وان كان فسادا الا انه ليس افسادا للارض بل للمجتمع والانسان، اللهم الا باخذ عناية اوسع مما ذكرناه واعتبار الارض كناية عن مطلق جوانب حياة الانسان، وهي عناية فائقة بحاجة الى ما يدل على لحاظها فمن دونه لا تكون الحيثية، والعناية الملحوظة في الارض اكثر من حيثية مكان الاستقرار والامن، ولا اقل من الاجمال المانع عن التمسك بالاطلاق؛ لانه من الشك في سعة المفهوم الملحوظ وضيقه لا في تقييد مفهوم واسع، كما هو مقرر في محله.

وان شئت قلت: ان صدق الافساد  في الارض يتوقف على تحقق امرين:

1 - ان يكون الجرم اخلالا بالصفة القائمة بالارض، بما هي محل لاستقرار الانسان وسكناه وامنه، لا بصفة قائمة بالانسان او المجتمع، كما اذا نشر العقائد الباطلة او اجبر الناس عليها فاصبحوا مشركين بالله -والعياذ بالله فانه بمجرده ليس افسادا في الارض وان كان افسادا للانسان والمجتمعات.

2 - ان يكون الاخلال بصفة الاستقرار والامن في الارض ناشئا من التعدي والظلم والتجاوز على الآخرين لا ان تختل حياتهم واستقرارهم في الارض بفعل صادر باختيارهم ورغبتهم كما اذا ارتكبوا افعالا قد توجب تدريجا ضعفهم وهلاكهم فان هذا ايضا ليس افسادا في الارض وان كانت نتيجته واحدة.

فكان الفساد اخذ فيه التجاوز والظلم، وقد فسره صاحب القاموس باخذ مال الغير ظلما، فهو منصرف الى ما يكون فسادا بالذات اي مستنكرا وقبيحا بالذات وهو الظلم والتجاوز على الآخرين، لا مطلق المعصية او الفساد ولو بمنظار خاص.

ومما يقرب دعوى الاختصاص ما نشاهده في الآيات الكريمة من استعمال هذا التركيب في موارد العدوان على الاموال والنفوس ونحوه دون ارتكاب سائر المعاصي والكبائر حتى الكفر والشرك بالله، فراجع وتامل.

2 - عدم الاختصاص بموارد شيوع التعدي:

واما الاختصاص بما اذا كان التعدي وسلب المال او النفس ظاهرا مشهورا او شائعا منتشرا بين الناس فهو ممنوع، بل العدوان على واحد ايضا يكون فسادافي الارض لو كان بحيث يخل بالامن في ذلك المكان.

3 - عدم كون التعدي لعداوة شخصية:

نعم، قد يعتبر في صدق العنوان ان يكون التعدي غير موجه الى شخص معين لعداوة معه مثلا بل الى كل من يسكن تلك الارض وان اتفق انه واحد لا اكثر، فالشيوع او الظ هور اذا اريد به العمومية بهذا المعنى فهو معتبر في صدق الافساد في الارض، لانه في غير هذه الحالة لا يناسب اضافة الفساد الى الارض، فلا بد من عمومية الفساد بهذا المعنى.

هذا تمام الكلام في النقطة الاولى التي عقدناها لتحديد معنى الافساد في الارض.

النقطة الثانية :

في المستفاد من الجمع بين العنوانين في الآية المباركة.

فهل هناك موضوعان مستقلان لهذا الحد احدهما عنوان المحارب والآخر عنوان المفسد؟ او ان هناك موضوعا واحدا؟ وهذا الموضوع الواحد هل هو عنوان المحارب -كما جاء في كتب الفقه وتعبيرات الفقهاء او هو عنوان المفسد في الارض وعنوان المحارب تطبيق من تطبيقاته او هو مجمع العنوانين والقيدين بحيث يكون الافساد في الارض بنحو المحاربة؟ وجوه واحتمالات تنشا عن الاختلاف في كيفية فهم العلاقة بين العنوانين الواردين في موضوع الآية المباركة. وعلى هذا الاساس نقول:

الاحتمال الاول :

اما افتراض ان يكون هناك موضوعان مستقلان للحد احدهما عنوان المحاربة والآخر عنوان المفسد في الارض، فغير متجه؛ لوضوح ظهور الآية المباركة في بيان العقوبة والمجازاة لنوع جريمة واحدة ولسنخ مجرمين من نوع واحد وهم الذين يكونون مجمعا للعنوانين اي الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا.

لا يقال: العطف ليس للجمع بل لاعطاء حكم المعطوف عليه واسرائه الى المعطوف، فيكون مقتضى ذلك ان كل واحد من المحارب والساعي في الارض فسادا يثبت له الحكم والجزاء مستقلا نظير قوله تعالى: (واطيعوا الله والرسول و اولي الامر منكم) او قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير).

فانه يقال: العطف وان كان لاسراء حكم المعطوف عليه على المعطوف الا انه لا بد من تعيين حكم المعطوف عليه بلحاظ موقعه في الجملة، فاذا كان المعطوف عليه موضوعا للحكم بان كان طرفا للنسبة الحكمية التامة كان مقتضى العطف عليه ان المعطوف ايضا موضوع مستقل للحكم كما في المثالين المتقدمين، واما اذا كان موقع المعطوف عليه موقع الوصف والقيد للموضوع اي طرفا للنسبة التقييدية الناقصة كما في قولك: اكرم الرجل اذا كان عالما وعادلا وقرشيا، ومن قبيل قوله تعالى: ( قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى)، وقوله تعالى: (قد افلح المؤمنون × الذين هم في صلاتهم خاشعون × والذين هم عن اللغو معرضون × والذين هم للزكاة فاعلون × والذين هم لفروجهم حافظون)، ففي هذا الحال يكون مقتضى صناعة العطف اسراء حكم المعطوف عليه وهو الطرفية للنسبة التقييدية الناقصة الى المعطوف فيكون المعطوف كالمعطوف عليه قيدا ووصفا لموضوع الحكم، لا موضوعامستقل؛ لانه لم يعطف على الموضوع للحكم ليكون كذلك. وهذا واضح.

ومقامنا من قبيل الثاني حيث ان جملة  (ويسعون في الارض فسادا) عطف على جملة ( حاربون الله ورسوله) الرافع قيدا وصلة لموضوع الحكم، وهو الموصول في قوله تعالى: (الذين يحاربون...).

نعم لو كانت الآية بالنحو التالي: «انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله والذين يسعون في الارض فسادا ان يقتلوا ... الخ» كان للاحتمال المذكور وجه -مع قطع النظر عن قرائن اخرى فاحتمال تعدد الموضوع ساقط جزما.

الاحتمال الثاني:

واما احتمال ان يكون احد العنوانين هو تمام الموضوع للحكم دون الآخر فقد ادعاه بعض واستقربه في الآية بان جعل الموضوع هو الافساد في الارض، واما المحاربة فجعلها من تطبيقات ومصاديق الافساد في الارض، وجعل ذلك احد الوجوه لتعميم هذا الحد الى كل مفسد في الارض.

وما يمكن ان يذكر في وجه هذا الاستظهار احد تقريبين:

التقريب الاول: ان ما هو الموضوع في الآية انما هو الافساد في الارض، واما التعبير بمحاربة الله والرسول فقد جيئ به في الآية توطئة وتمهيدا لذلك اظهارالفداحة الذنب وشناعته نظير ما وقع في آية الربا (فان ام تفعلوا فاذنوا بحرب من الله و رسوله) والوجه في ذلك ان المحاربة لا تكون مع الله والرسول حقيقة، وهذا امر واضح، فيكون وضوح ذلك بنفسه قرينة على ارادة تهويل الذنب والتشديد فيه وتشبيهه بمحاربة الله والرسول في درجة المعصية، فيكون مفاد الآية هكذا: «انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله بالافساد في الارض ان...».

ونلاحظ على هذا التقريب:

 اولا: انه خلاف الظاهر جدا، وقياسه بالآية الاخرى مع الفارق؛ لان عنوان المحاربة اخذ في موضوع الآية مفروغا عنه حيث قال تعالى: (انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله) وهو في قوة قولنا: «المحارب لله ورسوله جزاؤه كذا ...» وهذا لا يناسب التشبيه والتنزيل، فان المناسب له عقد الحمل بان يقال من فعل كذا فهو محارب لله والرسول او فلياذن بحرب من الله ورسوله، كما ان التعبير عن العنوان الثاني بقوله تعالى:

(و يسعون فى الارض فسادا) لا يناسب ان يكون هو تمام الموضوع بخلاف ما اذا قيل: «يفسدون في الارض» لان السعي ناظر الى مرحلة النية والقصد ايضا فكانه قال: ويطلبون او يبغون في الارض فسادا، فيساوق قصد الافساد في الارض، ومثل هذا العنوان لا يناسب، ان يكون هو العنوان الاصلي، بل يناسب ان يكون وصفا وقيدا ووجها للفعل الصادر منهم، وهو المحاربة وان القصد منها الافساد في الارض وسلب الامن عن اهلها.

واما كون المحاربة الحقيقية مع الله والرسول ممتنعة او غير حقيقية فلا يوجب حملها على التشبيه والتنزيل، بل كما اشرنا في شرح العنوان الاول في الآية تكون العناية فيه عرفا من حيث الاسناد وان من يحارب المسلمين كانه محارب لله والرسول، فيستفاد منه فداحة وشناعة الجرم ايضا، فلا يلغى اصل المحاربة ولا يرفع اليد عن ظهور اخذها في موضوع الحكم، وانما يقيد بما اذا كان بقصد الافساد في الارض على ما سياتي، فالحاصل قياس هذه الآية بآية الربا وما فيها من تنزيله منزلة المحاربة لله والرسول خلاف الظاهر جدا.

وثانيا: ما تقدم من ان الافساد في الارض لا يشمل كل عمل فاسد ولا كل افساد لاوضاع الناس، بل يختص بما اذا كان ظلما وتجاوزا على اموال الآخرين وانفسهم وامنهم، نعم قد لا يكون مختصا بشهر السلاح والمحاربة، فالنسبة بينهما عموم من وجه، وهذا ما يؤكد لزوم تقييد احدهما بالآخر على ما سياتي ايضا.

التقريب الثاني: دعوى ان الموضوع هو الافساد في الارض، لان الجملة الثانية (و يسعون فى الارض فسادا) بمثابة التعليل للاولى، فيكون المدار على العلة. وقد افاد بعض المعاصرين في توضيح ذلك: «فذكر المحاربة اولا وعطف السعي في الفساد في الارض عليه ثانيا في مقام بيان سر جعل هذه الانواع من المجازاة يدل على ان الدور الاساسي في مقام العلية انما هو لعنوان (السعي في الارض فسادا) وانه هو الموجب التام لترتب الانواع المذكورة من المجازاة عليه، فاذا تحقق هذا العنوان ولو مجردا عن عنوان المحاربة كفى في ترتب الحدود المذكورة عليه.

ان قلت: هذا انما يتم لو اقتصر على عنوان (السعي في الارض فسادا) واما اذا لم يقتصر عليه، بل ذكر اولا عنوان (المحاربة لله والرسول) ثم عطف عليه السعي في الفساد في الارض بواو العطف الدالة على الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، فقد كان مفاده ان علة هذه المجازاة وسرها اجتماع الامرين: المحاربة لله ورسوله، والسعي في الارض فسادا، فلا يكفي في ترتبها مجرد الافساد في الارض.

قلت: انما كان الى ما ذكرت سبيل لو كان بين العنوانين تباين ولو جزئيا، واما اذا كان العنوانان اعم واخص مطلقا وكان العطف من باب عطف العام على الخاص فلا محالة ليس المقام من باب الجمع بين امرين، بل من باب ذكر ما هو السر الحقيقي الواضح العام بعد ذكره بمصداق منه خاص.

توضيحه: ان المخاطب بالآية المباركة والملقى اليهم هذه الآية حيث كان العقلاء وعامة الناس فذكر الصلة الاولى اعني محاربة الله ورسوله وان كان كافيا في بيان علة المجازاة المذكورة، فانه اي عمل اشنع واوجب للمجازاة والعذاب من محاربة الله تعالى؟! الا ان عامة الناس لا يلتفتون الى عظم هذا الذنب، فاذا عطف عليه السعي في الارض فسادا - الذي هو في مرتكز العقلاء كاف لانواع المجازاة المذكورة - اذعن الناس بان عمل هؤلاء بلغ مبلغا يستحقون به المجازاة المذكورة، فهذا هو ما نفهمه من السر لعطف هذا العام على الخاص».

ونلاحظ عليه:

اولا: تارة نحمل المحاربة في صدر الآية على المعنى العنائي المجازي اي المعصية العظيمة التي تكون بمثابة محاربة الله ورسوله كما في قوله تعالى: (فاذنوا بحرب من الله ورسوله)، واخرى نحملها على معناها الحقيقي وتكون العناية في الاسناد فقطي شهر السلاح ومحاربة حقيقية لله والرسول ولكن من خلال محاربة اوليائهم واتباعهم وهم المسلمون.

فعلى الاول لا محالة يكون العنوان الاول توطئة ومقدمة للعنوان الثاني، وهو الافساد في الارض، ويكون المدار عليه، لانه الفعل والعنوان الحقيقي فيكون هو الجرم، واما العنوان الاول فهو ادعائي تنزيلي لمجرد ابراز فظاعة ذلك الجرم وشناعته وكونه بمثابة محاربة الله والرسول. الا ان هذا رجوع الى التقريب السابق، والذي قد عرفت عدم تماميته، وانه لا موجب لالغاء المحاربة وحملها على المعنى العنائي التنزيلي، بل لا يناسب السياق والتركيب على ما بينا.

وعلى الثاني تكون المحاربة الحقيقية -اي شهر السلاح ماخوذة في موضوع الحكم، وواضح ان هذا العنوان عندئذ يكون هو الجرم الحقيقي؛ لكونه محاربة حقيقية مع امة الله والرسول، وشناعته وفضاعته وجرميته واضحة لا تحتاج الى التنزيل والتشبيه، نعم التشبيه والتنزيل قد يكون في الاسناد الى الله والرسول ولكن المحاربة متحققة بالفعل خارجا، ومثل هذا اوضح جرمية من عنوان اجمالي قد يختلف فيه بحسب الوجوه والاعتبارات كعنوان الافساد في الارض، فلا يناسب ان يجعل ذلك تعليلا لجرمية ذلك العنوان البسيط الواضح جرميته واستحقاق العقوبة الشديدة على ارتكابه، فهل يصح عرفا ان يقال مثلا لا تحارب الله والرسول لانه افساد في الارض؟!

وما جاء في التقرير من الاستناد الى المرتكز العقلائي وانهم يرون بحسب ارتكازهم ان السر لانواع المجازاة المذكورة في الآية انما هو الافساد في الارض وانه بعطف ذلك على المحاربة يذعن الناس بان عمل هؤلاء -وهو محاربتهم بحسب الفرض وقتالهم للمسلمين بلغ مبلغا يستحقون به المجازاة المذكورة، ممنوع جد؛ اذ اي مرتكز عقلائي في باب الفساد في الارض يقضي بان حكمه وجزاءه القتل، بل بالعكس كون الحرب والمحاربة جزاؤها ذلك اوضح في المرتكز العقلائي، والظاهر ان هذه ارتكازات متشرعية ناشئة من الاحكام الشرعية وفي طولها، فلا ينبغي جعلها منشا للاستظهار من الآيات الكريمة، كما هو واضح.

وثانيا: ان مبنى الاستظهار المذكور  -كما اعترف به كون الافساد في الارض المعطوف على المحاربة اعم منه مطلقا، وانه من عطف العام على الخاص، فلا يكون من باب الجمع بين امرين، بل من باب ذكر العلة والنكتة العامة بعد ذكر مصداق منه خاص.

الا ان هذا الكلام مما لا يمكن المساعدة عليه؛ لما تقدم من انه ليس كل معصية افسادا في الارض كما انه ليس كل محاربة سعيا في الارض فسادا، ولهذا تقدم عن المفسرين ان الجملة الثانية مقيدة ومخصصة للمحاربة بما يكون للافساد في الارض، فيخرج قتال الكفار والبغاة عن المحاربة.

الاحتمال الثالث :

وهكذا يتعين الاحتمال الثالث، وهو ان يكون الموضوع للمجازاة في الآية مجمع العنوانين والقيدين كما هو مقتضى واو العطف. ولكن ليس المقصود اشتراط فعلين وصدور جريمتين خارجا بان يحارب الله ورسوله ويسعى فسادا في الارض، بل الموضوع فعل واحد يكون مصداقا للعنوانين.

وان شئت قلت: ان السعي في الارض فسادا قيد للمحاربة لا للمحارب وان المحاربة قيد للافساد في الارض لا للمفسد، فكما لا يكون في الآية فاعلان مستقلان كذلك ليس فيها فعلان كذلك بل فعل واحد يتصف بانه محاربة وسعي للفساد في الارض في نفس الوقت.

ومنشا هذا الاستظهار -مضافا الى ظهور سياق الآية في التصدي لبيان مجازاة واحدة تخييرية او مرتبة على جريمة واحدة لا مجموع جريمتين والا كان الانسب بيان مجازاة كل واحد منهما مستقلا ايضا - ان الجملة الثانية اعني قوله تعالى: (و يسعون فى الارض فسادا) بمعنى يبغون ويطلبون ويستهدفون في الارض الفساد، فيكون ناظرا الى حيثية النية والقصد او الغرض والاتجاه من المحاربة لا اضافة فعل آخر اليه؛ فان المحاربة قد تكون للافساد في الارض، وقد تكون للخروج عن طاعة السلطان او الدفاع عن مذهب ومعتقد -كما في محاربة البغاة والكفار فلا يكون من اجل الفساد في الارض.

فالحاصل التعبير بقوله تعالى: (و يسعون...) ظاهر في النظر الى ما هو الغاية والقصد والهدف من المحاربة، فيكون تحديدا وبيانا لجهتها وانها محاربة وشهر السلاح بقصد الافساد في الارض لا غير، وهذا مطابق مع ما جاء في الروايات المفسرة للآية ومع ما فهمه الفقهاء وذكروه في موضوع هذا الحد من انه من شهر السلاح لاخافة الناس وارادة الافساد في الارض، فشهر السلاح مستفاد من الجملة الاولى، وارادة الافساد في الارض من الثانية، كما هو واضح.

ويترتب على هذا: ان من حارب اي شهر السلاح واخاف الناس وقصد الافساد في الارض بسلب مال او نفس او نحو ذلك ولكنه لم يتحقق منه الافساد في الارض خارجا مع ذلك يكون موضوعا لهذا الحد، فليس تحقق الافساد في الارض منه خارجا بتحقق تجاوز منه وسلب مال او قتل نفس شرطا في شمول الحد، بل يكفي شهر السلاح لاجل ذلك وبقصد الافساد والتجاوز.

ولعله لذلك جعل الفقهاء سنة وشيعة موضوع هذا الحد عنوان المحاربة بقصد الافساد كما هو المستفاد من الآية، لا عنوان المفسد في الارض الذي قد يقال بتوقفه على تحقق العدوان بسبب مال او نفس وعدم كفاية مجرد شهر السلاح من اجله في صدقه.

ثم انه لو فرض ان عنوان الافساد في الارض كان في نفسه عاما يشمل كل ما يكون، افسادا لاوضاع الناس والمجتمع ولو لم يكن بنحو الظلم والتعد ي على الاموال والانفس، بل بافساد اخلاقهم او توزيع الافيون والمخدرات بينهم او ايجاد الفتنة والارجاف بينهم او غير ذلك -خلافا لما استظهرناه في البحث السابق مع ذلك قلنا في المقام حيث ان جملة (و يسعون فى الارض فسادا) جعلت في الآية بيانا لكيفية المحاربة والغرض منها، فلا محالة يتقيد معناها بالافساد الخاص بقرينة المحاربة؛ لان المحاربة التي تكون بقصد الافساد في الارض تساوق لا محالة من يشهر السلاح للاخلال بالامن وسلب المال او النفس او نحوهما، فلا يعم الانحاء الاخرى من الافساد التي لا تناسب المحاربة وشهر السلاح ولا تكون غاية لها عادة. وهذا يعني ان كل واحد من القيدين في الآية المباركة يقيد اطلاق الآخر، فكما ان ارادة الافساد في الارض يقيد اطلاق المحاربة ويخرج منها المحاربة بنحو البغي والخروج عن الاسلام او طاعة الحاكم الاسلامي كذلك المحاربة يقيد اطلاق الافساد في الارض -لو فرض اطلاق فيه عن سائر انحاء الافساد في المجتمع ويعينه في سلب الامن ونهب المال والنفس ونحوهم؛ لانه الذي يكون في المحاربة وشهر السلاح.

والمتحصل من مجموع ذلك: انه لا يستفاد من هذه الآية المباركة اكثر مما دلت عليه الروايات الخاصة -على ما سياتي التعرض لها في الجهة القادمة وافتى به فقهاء الاسلام من اختصاص هذا الحد والجزاء المذكور فيها بالمحارب الاصطلاحي، وهو من شهر السلاح واخاف الناس بقصد الافساد في الارض.

النقطة الثالثة: قد يستدل بالآية السابقة لهذه الآية وهي قوله تعالى: (من قتل نفسا بغير نفس او فساد فى الارض...) على ان عنوان الافساد في الارض بنفسه موضوع لجواز القتل.

ويلاحظ عليه:

 او لا: ان عنوان الافساد في الارض لم يقع في هذه الآية موضوعا للحكم بالقتل ليتمسك باطلاقه، وانما اخذ عدمه قيدا في موضوع حرمة القتل وان من قتل نفسا بغير افساد منه في الارض كانما قتل الناس جميعا. وهذا غايته الدلالة بالمفهوم على ان من قتل نفسا لكونه مفسدا في الارض فليس كمن قتل الناس جميعا، ولكن قد تحقق في محله ان مفهوم القيد ليس باكثر من السالبة الجزئية اي في الجملة، وان المفسد في الارض قد يستحق القتل ولو في صورة كونه محاربا.

وان شئت قلت: ان جملة (بغير نفس او فساد فى الارض) جاءت قيدا لموضوع القتل المحرم، وقصارى مفاد القيد ان الحكم غير ثابت لتمام موارد انتفائه والاكان ذكره واخذه لغوا، فلا بد من انتفاء الحكم في الجملة ولو في بعض موارد انتفاء القيد. وهذا ليس المفهوم المصطلح بل هو قاعدة احترازية القيود والتي لا تقتضي اكثر من السالبة الجزئية، ومن هنا لا تدل الآية على اكثر من انتفاء حرمة القتل في الجملة في موارد قتل النفس بالنفس او الافساد في الارض بحيث لا بد من استيضاح ذلك المورد وشروطه وقيوده من الادلة الاخرى لا من مفهوم هذه الآية، فلعله يشترط زائدا على ذلك قيد المحاربة، كما استفدناه من الآية وياتي في الروايات ايضا.

لا يقال: هذا لو لم يكن هذا الحكم وهو قتل المفسد في الارض امرا مركوزاعند العقلاء بان كان امرا تعبديا محضا، واما اذا كانت مسالة عقلائية مرتكزة فالاشارة اليها في لسان الشارع يفهم منها امضاء ما عليه العقلاء بحيث لو كان بناء الشارع على خلافه لوجب بيانه.

فانه يقال: نمنع وجود ارتكاز عقلائي بان كل مفسد في الارض يجوز قتله ولو لم يكن قاتلا ولا محاربا، بل لعل المركوز خلافه في غير موارد الافساد بالقتل.

على ان وجود ارتكاز كذلك لا يكفي لاستفادة الاطلاق من القيد المذكور في الآية؛ لانها ليست بصدد بيان حكم المفسد ومن يجوز قتله ليحمل عرفا على امضاء ذلك الارتكاز بعرضه العريض، بل بصدد بيان حكم من يحرم قتله وهو قتل نفس بغير نفس ولا افساد في الارض.

فالحاصل الارتكازات العرفية قد توجب ظهورا في الدليل في امضائها اذا كان الدليل ناظرا الى بيان نفس الحكم المرتكز لا حكم آخر.

وثانيا: ما تقدم من عدم الاطلاق اساسا في عنوان المفسد في الارض في نفسه لغير موارد العدوان والتجاوز على الآخرين بسلب مال او عرض او نفس، وعندئذ يكون الظاهر من قوله تعالى: (من قتل نفسا بغير نفس او فساد فى الارض) من قتل نفسا من غير ان يكون قصاصا ولا ان يكون من جهة افساده وتجاوزه وعدوانه على ماله او عرضه او نفسه، فيكون ظاهرا في جواز قتله في قبال تجاوزه دفاعا عن نفسه ودفعا لتجاوزه، ومما يؤيد ان النظر الى ذلك -لا الى عقوبة المفسد في الارض ان هذه الآية ناظرة الى فعل المكلفين وحرمة القتل عليهم. وجواز قتل المفسد عقوبة لو فرض ليس مربوطا بعامة المكلفين، بل هو تكليف الحاكم ومن مسؤوليات الولاة، فالآية اجنبية عن محل البحث. التتمة في العدد القادم