الاستصناع

آية اللّه السيد محمود الهاشمى

من المسائل التي سلطت عليها الاضواء اخيرا هي مشروعية وصحة عقد الاستصناع .. وقد عكس استاذنا (دام ظله) بهذا الصدد خمس طرق لتكييف عقد الاستصناع فقهيا.. لكنها لم تصمد امام النقد .. و عليه فلم يبق ثمة وجه للزوم هذا العقد بناء على راي الباحث ..

حقيقة الاستصناع:

الاستصناع هو اتفاق مع ارباب الصنائع على عمل شي‏ء معين للمستصنع كالثوب والسرير والباب ونحوها، و يكون العين والعمل كلاهما على الصانع، فاذا كانت العين من المستصنع كان اجارة، وان كان ما يريده المستصنع جاهزا بالفعل ياخذه منه كان بيعا وشراء.

وهذا يعني ان الاستصناع يشبه بلحاظ المادة البيع والشراء، وبلحاظ العمل المطلوب من الصانع الاجارة. ومن هنا يقع البحث عن صحته وكيفية تخريجه.

وقد اختلفت كلمات فقهاء العامة فيه، بعد اتفاق اكثر المذاهب الاربعة على صحته، وقد جعله اكثرهم من باب بيع السلم. و الاصح عند الحنفية كونه بيعا للمعدوم صح على خلاف القاعدة ، من باب تعارف الناس عليه او من باب الاستحسان. و من خرجه منهم على اساس عقد السلم اشترط فيه ما يشترط في السلم من تسليم تمام الثمن في مجلس العقد ومن لزوم العقد وغير ذلك . ومن جعله بيعا للمعدوم لم يشترط فيه تلك الشروط، وكانت صفة العقد عنده عدم اللزوم، فاذا صنع الصانع الشي‏ء كان للمستصنع الخيار ان شاء اخذه و ان شاء تركه وفسخ العقد، لانه اشترى شيئا لم يره فكان له خيار الرؤية.

مع كلمات الاصحاب:

ظاهر كلمات الشيخ (قدس‏سره) في الخلاف كتاب السلم الحكم بالبطلان عند فقهائنا حيث قال: «استصناع الخفاف والنعال والاواني من الخشب والصفر والرصاص والحديد لايجوز، وبه قال الشافعي. وقال ابو حنيفة : يجوز، لان الناس قد اتفقوا على ذلك. دليلنا على بطلانه : انا اجمعنا على انه لا يجب تسليمها وانه بالخيار بين التسليم ورد الثمن، والمشتري لايلزمه قبضه، فلو كان العقد صحيحا لما جاز ذلك، و لاءن ذلك مجهول غير معلوم بالمعاينة ولا موصوف بالصفة في الذمة، فيجب المنع منه‏».

وقال في المبسوط كتاب السلم : «استصناع الخف و النعل والاواني من خشب او صفر او حديد او رصاص لا يجوز، فان فعل لم يصح العقد، وكان بالخيار ان شاء سلمه وان شاء منعه، فان سلمه كان المستصنع بالخيار ان شاء رده وان شاء قبله‏».

واما سائر فقهائنا بعد الشيخ(قدس‏سره) فلم اجد من تعرض للمسالة بعنوان الاستصناع، وان كان قد يستفاد البطلان من بعض كلماتهم في ابحاث عقد السلف و شروطه، وما يصح فيه وما لا يصح.

ولا شك في ان ما يقع بين المستصنع والصانع لو كان مجرد وعد بالشراء على تقدير الصنع كما يتفق فليس هذا عقدا و لا امرا واجب الوفاء، الا ان هذا المطلب ليس هو المطابق مع المرتكز العرفي و العقلائي، لا اقل فى بعض موارد الاستصناع التي يرى فيها الالتزام والتعاقد والمسؤولية بينهما بان يصنع الصانع له و ياخذه المستصنع ويضمنه، وهذا واضح في اكثر موارده ، خصوصا مع ما اتسع اليوم من نطاق مثل هذه المعاملة، وما فيها من الخسارة والخطورة على الصانع لو لم يلتزم المستصنع باخذ المصنوع لكثرته او لكونه على ذوق وسليقة خاصة قد لا يقبلها الاخرون، فيتضرر الصانع لو لم يكن المستصنع ملزما باخذه. فيقع البحث فى انه هل يمكن تخريج الاستصناع على اساس عقد من العقود الملزمة ولو في الجملة ام لا يمكن ذلك، كما هو ظاهر كلمات الشيخ (قدس سره)؟

تخريجات الاستصناع:

 وبهذا الصدد يمكن ان نصور تخريجات عديدة لصحة الاستصناع:

1- ان يكون الاستصناع عقدا مستقلا براسه ملزما للطرفين على حد سائر العقود اللازمة.

2- ان يكون الاستصناع من اقسام عقد البيع.

3- ان يكون الاستصناع من اقسام عقد الاجارة و شبهه كالجعالة.

4- ان يكون الاستصناع مركبا من اكثر من عقد.

5- ان لا يكون الاستصناع عقدا، بل امر بالصنع على وجه الضمان.

التخريج الاول:

اما التخريج الاول الذي مال اليه بعض الكتاب المحدثين، وهو ان يكون الاستصناع عقدا مستقلا فيمكن تقريره باحد نحوين:

النحو الاول:

ان يقال بان الاستصناع عقد مستقل ينشا فيه مفهومه المميز عن البيع والايجار، وبموجبه يكون الصانع مسؤولا عن ايجاد الصنعة وتسليمها للمستصنع. كما ان المستصنع مسؤول عن تسليم الثمن الذي اتفق عليه بينهما في قبال مايصنعه له الصانع.

ويمكن الملاحظة على هذا البيان:

بان الاستصناع ليس الا بمعنى طلب الصنع، وهو مفهوم تكويني لا انشائي اعتباري كالبيع او الايجار او غيرهما من عناوين المعاملات ، فلا معنى لان يكون الاستصناع بمفهومه ومعناه اللغوي هو المنشا المعاملي في هذا العقد المستقل، بل لابد وان يرجع الى انشاء مفهوم آخر اعتباري، وهو اما تمليك العين المصنوعة فيكون بيعا، او العمل فيكون اجارة او شبهها، فيرجع الى احد الاحتمالات الاخرى.

النحو الثاني:

ان يكون المنشا المعاملي بينهما هو الاتفاق على ان يهيئ الصانع ما يريده المستصنع ويعرضه عليه ليشتريه منه في الموعد المقرر وبالقيمة المتفق عليها مسبقا او فيما بعد، فيكون عقد البيع فيما بعد، اي بعد اعداد المصنوع .

واما عقد الاستصناع الواقع فعلا فهو اتفاق بين الصانع و المستصنع على التزام كل منهما بعمل في قبال الاخر يكون فيه غرض ونفع له، فالصانع يلتزم باعداد الصنعة وعرضها على المستصنع في الوقت المتفق عليه ليشتريه منه، والمستصنع يلتزم بشرائها منه بعد اعدادها وعرضها بالقيمة المتفق عليها بينهما مسبقا او عند الشراء.

وهذا يكفي في صدق العقد، ولا يشترط ان يكون بيعا او تمليكا، اذ ليس العقد الا الالتزام والتعهد المربوط بالتزام آخر، او المتفق عليه بين اثنين.

فيقال بلزوم الوفاء به تمسكا بعموم ( اوفوا بالعقود) ونحوه من ادلة الصحة والنفوذ، واثره وجوب الصنع على الصانع ووجوب الشراء على المستصنع عند اتمام الصنع وجوبا تكليفيا.

ويمكن ان يلاحظ على هذا الوجه:

بان العقد ليس مطلق الالتزام الجازم بفعل للاخر مطلقا او مع التزام في مقابله، و الا كان كل تعهد جازم بفعل للاخر عقدا واجب الوفاء به، كما اذا التزم ان يخرج في اليوم الفلاني في قبال ان يخرج الاخر ايضا في نفس اليوم او يوم آخر، او التزم بان يسافر الى زيارة صديقه او غير ذلك مما لا اشكال فقهيا في كونه من الوعد غير الواجب.

ودعوى: خروج ذلك بالاجماع والسيرة والا كان مشمولا لعموم (اوفوا بالعقود) كما ترى. ولو فرض فلماذا لا يقال به في المقام ايضا؟!

والذي يخطر بالبال فعلا وقد ياتي مزيد بحث عنه ايضا ان العقد ليس مجرد الالتزام الجازم بفعل ، والا كان كل وعد جازم بفعل عقدا . وليس الفرق بين العقد والوعد او الشرط الابتدائي بكون الاول جزميا والثاني مرددا ومشكوكا. كما انه ليس الفرق بان الاول مشتمل على التزامين والثاني التزام من طرف واحد، كيف ! وفي العقود ما يكون الالتزام فيه بمعنى من عليه الشي‏ء من طرف واحد كالهبة.

وانما العقد هو الالتزام بعلقة ورابطة اعتبارية تنشا بذلك الالتزام او الاتفاق القائم بين اثنين، كالتزام بالتمليك، او اعطاء حق للاخر، او الزوجية، او الولاية ، او اية علقة وضعية قانونية اخرى، فليست العلاقة الوضعية تنشا من الالتزام باداء عمل تكليفا، بل لا بد وان تكون هناك علقة وضعية متعلقة له و يكون الالتزام انشاء لها بنحو المسبب الشخصي الذي يقع موضوعا للامضاء والاعتبار القانوني العقلائي او الشرعي.

وعلى هذا الاساس لايكون التزام الصانع بان يصنع المتاع في قبال التزام المستصنع بان يشتريه منه بعد صنعه عقدا ما لم يرجع الى تمليك العين او العمل او اعطاء حق له عليه، و الذي يرجع الى البيع او الايجار ونحوهما.

واما التمسك بمثل «المؤمنون عند شروطهم‏» فسياتي انه لا يمكن ان نثبت به اكثر من صحة الشرط ونفوذه في ضمن عقد صحيح، لا صحة اصل العقد الجديد.

اشكال ورد:

ان قلت: اي مانع في ان يملك المستصنع فى المقام على الصانع ان يصنع المتاع ويهيئه في قبال ان يملك ويستحق عليه الصانع ان يشتريه منه، اي لا يتركه عنده يكون ثقلا عليه، فكل منهما له ان يلزم الاخر بما يستحقه عليه، فيكون الالتزام المذكور متعلقا بعلقة وضعية او مستتبعا لها، فيكون عقدا.

قلت: هذا فرع ان يكون كل من العملين المملكين في قبال الاخر له مالية لكي يعقل تمليكه، فيكون عندئذ اجارة ، كما اذا آجره لخياطة ثوبه في قبال ان يعلم ابنه مثلا، فان التمليك او الاختصاص انما ينشاان في الاموال.

و تطبيق ذلك في المقام فيه اشكال على ما سنشرحه عند التعرض للتخريج الثالث او الرابع.

وعلى كل حال فيرجع هذا الوجه بهذا التطوير الى تركب الاستصناع من ايجار وبيع، لا عقد آخر خارج عنهما. وسياتي مزيد بحث عن لزوم مثل هذه الالتزامات في بعض الفروع القادمة.

دعوى ومناقشة:

ثم انه قد يقال : بان المستفاد من بعض الروايات الواردة في النهي عن بيع ما ليس عندك ان اية معاقدة ومقاولة على شراء متاع يحصله البائع في المستقبل اي غير مهيا عنده فعلا لاتصح شرعا، الا اذا كان كل من الطرفين بعد حصول ذلك المتاع بالخيار ان شاء باعه و اشتراه الاخر، وان لم يشاءا لم يتعاقدا عليه، فوجوب الشراء على المستصنع للمتاع بعد صنعه بنفس المقاولة الاولى خلاف مفاد تلك الاخبار، ومحكوم بالفساد والبطلان.

ففي صحيح معاوية بن عمار قال: «قلت لابي عبداللّه(ع): يجيئني الرجل يطلب [مني] بيع الحرير وليس عندي منه شي‏ء، فيقاولني عليه واقاوله في الربح والاجل حتى نجتمع على شي‏ء ثم اذهب فاشتري له الحرير فادعوه اليه؟ فقال:

ارايت ان وجد بيعا هو احب اليه مما عندك ايستطيع ان ينصرف اليه ويدعك او وجدت انت ذلك اتستطيع ان تنصرف اليه وتدعه؟ قلت: نعم . قال: فلا باس‏». وهناك غيرها من الروايات بنفس المضمون او ما يشبهه.

وظاهرها ان المعيار والميزان في الصحة هو ذلك، بحيث لو كان ملزما كان باطلا وفيه باس. ولا فرق في ذلك بين ان يكون الاتفاق على بيع وشراء شي‏ء غير موجود عنده بان يحصله مصنوعا من السوق او يحصل مادته من السوق ويصنعه ثم يكون الاخر ملزما باخذه.

مناقشة هذه الدعوى:

الا ان الانصاف بطلان هذا الكلام، وذلك: اولا: بالنقض بما اذا كان قد اشترط في ضمن عقد لازم ان يشتري منه ما سيصنعه فلان، فانه لا اشكال في وجوب الشراء عليه اذا صنعه، وصحة شرائه، حيث لايتوهم فقهيا بطلانه او بطلان الشرط او النذر بذلك.

وثانيا: بالحل، وذلك بالفرق بين مفاد الروايات المذكورة وما نحن فيه على القول بوجوب الوفاء بالالتزام بالشراء على تقدير الصنع، فان مفاد تلك الروايات ان المشتري لا يكون ملزما بذلك المتاع بنفس المقاولة الاولى، بان تكون هي البيع والشراء بينهما، بل لا بيع بينهما. وانما البيع لابد وان يقع بينهما بعد ان يشتريه من السوق، اما لما ذكره المشهور من بطلان البيع والشراء قبل الملك، او لما نحن احتملناه بل قويناه في جملة من الروايات من بطلان جعل الصفقتين صفقة واحدة، لانه من ربح ما لم يضمن ، بان يقع المتاع بمجرد شرائه من السوق للمشتري الاول بالمقاولة السابقة معه.

وكلا هذين المطلبين اجنبيان عن محل الكلام، وكذلك عن موارد اشتراط الشراء في ضمن عقد لازم، لعدم تحقق الشراء بالشرط او النذر او التعاقد المذكور في المقام، وانما مؤدى الشرط او التعاقد المذكور مجرد الالتزام بعمل الشراء المستلزم لوجوبه عليه تلكيفا، فما لم يشتر منه لا يقع له، ويكون تلفه وهلكته على الصانع لا المستصنع. وقد ورد في تلك الروايات عطف ذلك على قوله (ع): «ان شاء اشترى وان شاء لم يشتر» فراجع وتامل.

هذا تمام الكلام في التخريج الاول.

التخريج الثاني:

اما التخريج الثاني : فهو ان يكون الاستصناع بيعا، وهذا له حالتان:

الحالة الاولى: ان يكون بيعا لشي‏ء حالي، وذلك فيما اذا كان هناك شي‏ء موجود بالفعل، اما قسم من المصنوع كمقدار من السجاد قبل اكماله او مادة له كالحديد والخشب فيشتريه المستصنع ويشترط على الصانع ان يجعله سريرا مثلا او ان يكمل صنع السجاد. وهذا من البيع الشخصي، والذي لا يشترط فيه شرائط السلم كاقباض الثمن في مجلس العقد.

ولكن هذا خلاف الارتكاز العرفي في موارد الاستصناع، اذ لازمه انه لو لم يصنع الباقي ويكمله كان المستصنع مالكا للناقص، غايته ان له خيار الفسخ. مع انه ليس كذلك، بل الباقي كالمصنوع قيد للمبيع، وليس غرض المستصنع الا في المصنوع النهائي بلا حاجة الى فسخ.

كما ان لازمه ان تلفه بلا تعد او تفريط يكون من مال المستصنع قبل اتمام الصنع لا الصانع، لانه كالاجير تكون العين في يده امانة. وهذا ايضا خلاف المرتكز من ان الصانع ما لم يصنع ما يريده المستصنع له لايكون له حق عليه.

كما انه اذا ظهر بطلان البيع لم يكن المستصنع مسؤولا عن عمل الصانع لو خسر ببقاء المصنوع عنده، لكونه على ذوق المستصنع خاصة مثلا.

اللهم الا ان يتمسك بقاعدة الغرور مثلا او ضمان الاضرار بالغير ونحو ذلك لاثبات ضمان المستصنع ما تضرر به الصانع نتيجة طلبه وعقده ولو كان باطلا، وهو لا يخلو من اشكال.

الحالة الثانية : ان يكون بيعا كليا في الذمة، فيشتري المستصنع من الصانع متاعا كليا بمواصفات معينة ولتكن احداها انه من صنعه لا صنع غيره.وهذا هو الغالب في موارد الاستصناع، اذ قد لا يكون هناك عين بالفعل لدى الصانع.

وهذا هو التخريج الذي ذكره بعض العامة، وعلى اساسه يكون من‏السلم، واشترطوا فيه ما يشترط في السلم كقبض الثمن في مجلس العقد.

وهذا بنفسه يوجب محدودية عقد الاستصناع خارجا، حيث لا يسلم فيه شي‏ء من الثمن او اكثره عادة ، فلو كان من السلم كان اللازم فساده.

محاولة للتصحيح:

وقد يحاول دفع ذلك بانه لا دليل على اشتراط تسليم الثمن في مجلس بيع السلم، وذلك:

ا - لو كان مدركه عدم صدق عنوان السلم عليه من دون اقباض الثمن فان السلم و السلف مقابل للنسيئة لغة وعرفا فلا تشمله روايات السلم فهذا لايوجب بطلان بيع الكلي فى الذمة نسيئة او بلا اقباض الثمن ، اذ غاية عدم صدق بيع السلم عليه وعدم شمول تلك الروايات له عدم صحته، فحينئذ تكفي لاثبات الصحة عمومات (احل اللّه البيع) و(تجارة عن تراض) ونحو ذلك.

هذا مضافا الى منع تقوم التسليف بذلك لغة او عرفا، وانما صدقه بلحاظ التسليف فى المبيع، كما ان روايات السلف لا تدل على ذلك. نعم قد يظهر من بعضها ان ثمن السلف لم يكن دينا في ذمة المشتري، بل كان مدفوعا للبائع الا انه اعم من الاقباض في المجلس.

ب - وان كان مدركه ما ذكره في التذكرة من شمول النهي عن بيع الدين بالدين اذا اجل الثمن ولم يقبض في المجلس، ففيه:

اولا: الدين غير عدم الاقباض وبينهما عموم من وجه، اذ قد يكون الثمن مالا خارجيا من دون اقباض في المجلس بل يقبضه بعد ذلك، وقد يكون الثمن دينا ويقبضه في المجلس، فكيف يصح الاستدلال على شرطية اقباض الثمن في صحة السلف بالنهي عن بيع الدين بالدين.

وثانيا: قد يكون ظاهر بيع الدين بالدين ما اذا كان المبيع والثمن او المبيع على الاقل دينا بقطع النظر عن ذلك البيع، فلا يشمل ما يصبح دينا بنفس البيع كما في المقام، ولا اقل من الاجمال كما يظهر من كلمات الفقهاء وفتاواهم في مسالة بيع الدين بالدين، على ان في روايات السلم ما قد يستظهر منه صحة السلف بالدين، فراجع وتامل.

ج - وان كان مدركه نهي النبي (ص) عن بيع الكالي بالكالي، فهذا لم يثبت بطرقنا، بل في طرق العامة . على ان المراد بالكالي لعله الدين لا مطلق المبيع المتاخر بالثمن المتاخر عن مجلس العقد. والكالي من الكلاءة بمعنى الحفظ والمراقبة، والكالي كما ذكره في المسالك «اسم فاعل، كان كل واحد من المتبايعين يكلا صاحبه اي يراقبه لاجل ماله الذي في ذمته، وفيه حينئذ اضمار اي بيع مال الكالي بمال الكالي، او اسم مفعول كالدافق فلا اضمار» فيرجع هذا الحديث الى ما هو منقول عندنا من النهي عن بيع الدين بالدين.

د - وان كان مدركه الاجماع الذي ذكره اكثر الفقهاء، فيحتمل فيه المدركية واستناد المجمعين الى بعض الوجوه المتقدمة، فلا يمكن ان يكشف عن قول المعصوم(ع).

وعليه، فلا يشترط في صحة بيع المبيع الكلي في الذمة اي السلم ان يكون ثمنه مقبوضا في مجلس العقد، وعليه فيصح شراء المصنوع في مورد الاستصناع بنحو السلف ولو لم يسلم فيه ثمنه الا بعد تسليمه بعنوان كونه بيعا ولو لم يسم سلفا.

مناقشة هذه المحاولة:

والانصاف: ان هذه المحاولة غير تامة، لان الاجماع المذكور بدرجة من الوضوح عند فقهاء الامامية والعامة بحيث لا يحتمل استناد كل المجمعين فيه الى مثل تلك الوجوه التي لم ترد الا في بعض اشارات العلامة وتعبيراته.

بل يمكن دعوى قيام سيرة المتشرعة بل سيرة المسلمين عملا على ذلك، و ان ارتكازهم العملي كان على ان من يشتري شيئا سلفا في ذمة الغير لا يصح منه ذلك مالم يقبضه ثمنه في المجلس.

بل لعل سيرة العقلاء ايضا لا تساعد على تحقق البيع والمعاوضة اذا كان كلا العوضين فى الذمة او مؤجلين، فكانه مواعد على البيع فيما بعد عند تحقق احد العوضين وقبضه، واما البيع عند العرف فعلا فلابد فيه من فعلية وجود احد العوضين من الثمن او المثمن.

نعم، قد يصح ان يقال: ان القدر المتيقن من مثل هذا الدليل اللبي شرطية فعلية احد العوضين في تحقق المعاوضة وعدم كونهما معا مؤجلين ، وهو اعم من شرطية الاقباض في المجلس. وتمام الكلام في ذلك موكول الى محله.

وهكذا يظهر: ان تخريج الاستصناع على اساس السلم يوجب تحديد عقد الاستصناع بخصوص ما اذا كان الثمن مقبوضا في المجلس او نحوه.

نعم، يمكن تخريجه لا على اساس السلم و بيع الكلي، بل بيع الشخصي حتى في الحالة الثانية على اساس بيع المعدوم كما نقل عن اكثر الاحناف من العامة بان لا يكون المبيع كليا في ذمة الصانع، بل المبيع شخصي، اي يشتري المصنوع الذي يصنعه الصانع خارجا والذي هو متعين خارجا ولو بمادته، او بنحو الكلي في المعين الذي هو خارجي ايضا اذا كان ما يصنعه اكثر مما يريده المستصنع، وباعتبار تعارفه والاطمئنان بتحققه من جهة التزام الصانع بالصنع لا يكون باطلا، فان وجه البطلان ليس عقليا، بل هو لزوم الغرر ونحو ذلك مما يرتفع بالتعارف المذكور والاطمئنان بالصنع.

و بهذا يخرج عن السلف، لاختصاصه بما اذا كان المبيع كليا في الذمة. كما انه لاتشمله روايات بطلان بيع المعدوم كالعبد الابق ونحوه، لانصرافها الى موارد عدم التعارف الخارجي وعدم الاطمئنان بتحققه في ظرفه بنحو يرتفع الغرر والخطر.

الا ان هذا التخريج لو تم وكذلك التخريج على اساس بيع السلم لم يكن وجه لالزام الصانع بالصنع ما لم يرجع الى شرط ضمني عليه، كما هو واضح.

كما ان لازم اصل تخريج الاستصناع على اساس البيع انه لو ظهر بطلان البيع بعد ان صنع الصانع ما عليه ان لا يكون المستصنع مسؤولا عن خسارته اذا كسدت السلعة المصنوعة في يده نتيجة كونها قد صنعت‏حسب رغبة المستصنع وذوقه، مع انه في العرف الخارجي يعتبر المستصنع مسؤولا عن ذلك.

وهذا يناسب مع تخريج الاجارة وشبهها لا البيع وان عمل الصانع كانه مضمون على المستصنع حيث كان بامره ، وهذا ما سنبحثه في التخريج القادم.

التخريج الثالث:

اما التخريج الثالث فهو ان يكون الاستصناع ايجارا للصانع من قبل المستصنع، او شبه الايجار كالجعالة في قبال ما يتفق عليه بينهما، ويكون المصنوع عندئذ للمستصنع تبعا لتملكه عمل الصانع وصنعه بالاجارة.

وامتياز هذا التخريج انه يخرج لنا وجه ضمان المستصنع لعمل الصانع اذا ظهر بطلان العقد، وان المصنوع يكون للمستصنع، ويضمن للصانع اجرة مثل عمله التي تساوي قيمة ذلك المصنوع بخصوصياته لا محالة.

ولعله لهذا جعله بعضهم من عقود الاجارات وقد يقال: ان لازم ذلك ان يكون تلف المصنوع قبل تسليمه من مال المستصنع لا الصانع، و هو خلاف الارتكاز في باب الاستصناع.

والجواب: انه يمكن اعتبار تسليم مثل هذا العمل بتسليم المصنوع لا مجرد الصنع، فمع عدم تسليمه تنفسخ الاجارة.

الا ان الاشكال عندئذ في وجه تملك المصنوع الذي هو عين خارجية ، مع ان الاجارة تمليك للمنافع لا الاعيان، فانها بحاجة الى البيع بشروطه.

ويمكن في المقام ان يذكر وجهان لتقريب تملك المستصنع الذي هو المستاجر للعين المصنوعة بالاجارة او شبهها تبعا:

الوجه الاول: ان يقال بان العين المصنوعة تعتبر بمثابة نتيجة العمل وثمرته ونمائه، فتكون ملكا لمالك العمل بقانون التبعية وان من ملك الاصل ملك النماء، نظير ما يقال في الاجير على الحيازة من ان ما يحوزه يكون ملكا للمستاجر، او في ثمار البستان والشجرة المستاجرة و التي تكون للمستاجر تبعا لملك منفعة البستان.

ويلاحظ على هذا الوجه: بان قانون التبعية لا دليل لفظي فيه ليتمسك باطلاقه، وانما يثبت بالسيرة العقلائية و الارتكاز العرفي الممضى شرعا في مثل الثمر و الشجر ونحو ذلك مما يكون احد المالين متولدا من الاخر ذاتا وامتدادا له. وفي المقام ليست المادة المصنوعة متولدة من العمل جزما، واما الهيئة المصنوعة فهي حيثية تعليلية في العين و المادة عرفا وشرعا، ولهذا لا تكون مالا مستقلا في قبال المادة.

وعدم التبعية في المقام اولى منه في مورد الحيازة، وان كان الصحيح فيها ايضا عدم التبعية على ما حققناه في محله، ووجه الاولوية ان المادة المصنوعة هنا كانت مالا مملوكا للصانع في المرتبة السابقة، فيحتاج انتقالها في الملكية من الصانع الى المستصنع الى سبب ناقل لا محالة، وهذا بخلاف المال المحاز الذي لا يكون مملوكا الا بعمل الحيازة نفسه.

و اما تملك الثمرة لمن يستاجر الشجرة فهو على اساس عناية اخرى عرفية غير التبعية، وهي ان الثمرة تعتبر بالنسبة للشجرة منفعة لها ايضا ، فيكون ايجارها بمعنى تمليك منفعتها والتي منها ثمرتها. ومن هنا اشترط بعضهم ان يكون ذلك قبل حصول الثمرة.

واما في المقام فليست العين المصنوعة منفعة لا لعين اخرى ولا لعمل الصانع. نعم الهيئة المصنوعة قد تلحظ منفعة لعمل العامل الا انها ليست مالا مستقلا في العين، بل هي حيثية تعليلية لازدياد مالية العين المصنوعة كما ذكرنا، فيحتاج انتقال ملكيتها من الصانع الى المستصنع الى سبب ناقل غير الاجارة.

الوجه الثاني: ان يكون تملك المادة المصنوعة بالتبع، بمعنى الشرط الضمني على الاجير ان يعطيها للمستصنع، نظير ما يقال من تملك المستاجر ضمنا الخيوط التي يستخدمها الخياط في عمله او الصبغ الذي يستخدمه الصباغ مقدمة لعمل الصباغة ونحو ذلك، حيث انها تكون على الاجير ما لم يشترط خلافه.

وفيه: ان هذا قد يصح في مثل الخيوط والصبغ ونحوه مما يستهلك ويتلف مقدمة للعمل الواقع على مال الغير بحيث لا يكون له بقاء معتد به مستقلا عما هو مال المستاجر عنده، والا كان بحاجة الى سبب آخر غير الاجارة كالتوكيل في الشراء له مثلا. فيكون هناك عقدان، بيع و اجارة، ومثاله ما يحتاجه الخياط من قماش آخر (البطانة) فيشتريه الخياط للمالك وكالة.

هذا، مضافا الى ان هذا انما يصح فيما اذا فرض وجود عين اخرى زائدا على العمل الذي يصبه الاجير على مال المستاجر كالبطانة للقماش.

واما في المقام فالعين المصنوعة بتمامها للصانع، وليس شي‏ء منها للمستصنع، وعندئذ يكون عمل ايجادها مقدمة لها، وليس للمستصنع غرض في ايجادها بقطع النظر عنها، بل ولا مالية لايجادها مع قطع النظر عنها ، فلا يوجد مالان احدهما عمل الصانع والاخر الشي‏ء المصنوع، بل هناك مال واحد اما هو المصنوع او هو العمل والايجاد بلحاظ ما له من نتيجة ونماء وفائدة.

فلا يصح ان يتحقق سببان وانشاءان معامليان احدهما تمليك عمل الايجاد بالاجارة والاخر تمليك المصنوع الناتج منه بالشرط. بل اما ان يكون المصنوع بمثابة النماء والمنفعة للعمل فيصح ايجار العمل على اساس الوجه السابق، والا كما هو كذلك فلا تصح الاجارة على الايجاد وتمليك المصنوع بالشرط، لعدم تعدد المال، بل وعدم صحة الاجارة على ما لا مالية له، وهو الايجاد بعد ان لم يكن مستتبعا لتملك المال المصنوع، فترجع المعاملة لبا وروحا الى تمليك المصنوع بصيغة الشرط. ومنه يظهر ايضا بطلان تخريج الاستصناع على اساس الاجارة او الجعالة في قبال تمليك المصنوع للمستصنع، فان عمل التمليك لا مالية له مستقلا عن العين المملكة والا امكن ارجاع كل بيع الى اجارة.

التخريج الرابع:

واما التخريج الرابع فهو ان يكون الاستصناع مركبا من اكثر من عقد واحد. و تصويره المتعارف بان يكون مشتملا على توكيل الصانع بشراء مادة الصنع له، فيشتمل على وكالة اولا ثم شراء للمادة بالوكالة للمستصنع ثانيا، ثم هو اجير على صنعها بالنحو الذي يريده المستصنع بالاجرة المتفق عليها بينهما.

الا ان هذا التخريج وان كان معقولا في بعض الموارد، كمورد الخياطة ونحوها مما يحتاج العمل في مال المستاجر الى بعض التوابع الاخرى، ولكنه خلاف المرتكز في موارد الاستصناع، لانه مضافا الى بعده في نفسه عن المركوز العرفي فيه حيث لا يوكل المستصنع الصانع في ان يشتري له المادة جزما ان من لوازم ذلك ان تكون المادة المشتراة قبل الصنع ملكا للمستصنع وعليه تلفها وخسارتها، وان المستصنع لو رجع عن قصده قبل بدء الصانع بالصنع لزمه ان ياخذ المادة التي اشتراها الصانع لانها اشتريت له، وان لا يحق للصانع التصرف فيها بدون اذنه واعطاؤها للغير وصنع فرد آخر للمستصنع، الى غير ذلك مما لا يناسب هذا العقد جزما.

كما ان هذا التخريج لا يجعل المستصنع ضامنا لعمل الصانع لو ظهر بطلان التوكيل في شراء المادة، او بطلان شرائها للمستصنع. فهو كالتخريج الثاني لا يفسر ذلك الارتكاز الذي اشرنا اليه فيما سبق.

التخريج الخامس:

اما التخريج الخامس فهو ان يكون الاستصناع امرا بالصنع على وجه الضمان للمصنوع، نظير الامر بالعمل على وجه الضمان، او الامر باتلاف المال كذلك، فيكون الصانع مامورا بان يصنع له على وجه الضمان وهو الذي يتفقان عليه، فاذا صنعه للمستصنع كان ضامنا لتلك القيمة في قبال تملك المصنوع.

وهذا التخريج ينسجم مع المرتكزات العرفية في باب الاستصناع، حيث يفسر لنا بقاء المصنوع على ملك الصانع ما لم ياخذه المستصنع، ولهذا يجوز للصانع ان يعطيه لغيره بعد صنعه لا للمستصنع، غاية الامر لا يكون المستصنع عندئذ ضامنا له، لاءن التخلف منه. كما انه يفسر لنا ضمان المستصنع للمصنوع بعد صنعه وعرضه عليه من قبل الصانع بحيث يكون له بما اتفقا عليه من القيمة او القيمة السوقية بلا حاجة الى بيع وشراء ومعاملة اخرى.

الا ان هذا التخريج‏يتوقف صحته على ان يدعى توسعة في باب الضمان بالامر. وتوضيح ذلك: انه لا اشكال في ضمان الامر للعمل، كما اذا امره بان يخيط ثوبه، وكذلك لا اشكال في الضمان بالامر بالاتلاف، كما اذا قال له: الق مالك في البحر وعلي ضمانه، او اعطه الحيوان لياكله وعلي ضمانه.

كما لا اشكال عقلائيا في تعين ضمان المسمى اذا اتفقا عليه، ولعل من هذا الباب الجعالة ايضا.

الا ان هذه الموارد كلها من باب الاتلاف للعمل او المال، فيكون الامر بالاتلاف على وجه الضمان موجبا للضمان، اما ضمان الغرامة او حتى للمسمى الذي يتفقان عليه.

وفي المقام لا يوجد اتلاف للمال المصنوع، وانما نقل للمال وتمليك، وعندئذ قد يقال: بان القاعدة المذكورة انما هي توسعة لقاعدة ضمان الاتلاف، فلا تشمل الا موارد الاتلاف لمال الغير بالامر، واما التمليك والتملك فبحاجة الى سبب ناقل من بيع او ايجار، فلا يتم هذا التخريج في المقام.

الا انه يمكن ان يقال: بان القاعدة المذكورة اوسع من ذلك عند العقلاء، فتشمل موارد الاتلاف على المالك ولو لم يكن اتلافا للمال. وهذه التوسعة لها تطبيقان:

احدهما: ما اذا كان اتلافا للملكية وسيطرة المالك على المال، اما حقيقة وشرعا كما اذا قال له اوقف او تصدق بمالك او اعتق عبدك وعلي ضمانه، او عرفا كما اذا امره بان يري ماله للسلطان فاخذه منه غصبا، فانه يضمن الامر قيمة ماله جزما، لانه اتلفه عليه عرفا.

الثاني: ما اذا لم يكن اتلافا حتى للملكية وسيطرة المالك على ماله، ولكنه كان اتلافا للهيئة التي كان عليها المال ومتعلقة لغرض مالكه التي كان يريده بها، كما اذا قال لبائع اللحم: اشو هذا اللحم لي فشواه له، فانه خرج بذلك عن كونه لحما، فيكون ضامنا لقيمة اللحم او ما اتفقا عليه، ويكون المشوي له ولو بعد دفع بدله، وليس للامر ان يتركه ويذهب.

وهذا نقوله في مورد الغصب ايضا، فمن اخذ مال الغير غصبا وغيره ولم تنزل قيمته السوقية بذلك ولكنه كان بنحو لا يفيد مالكه كان من حق المالك المطالبة بقيمة اصل ماله او بمثله في قبال ما غيره عليه . بل قال الفقهاء في مثل حمل متاع الغير ونقله الى مكان آخر : ان الغاصب ضامن لنقله الى مكانه الاول لو اراده المالك فيه و لو لم تتغير قيمة المتاع في المكانين. فضمان ما يتغير من خصوصيات مال المالك بالتصرف او بالامر على وجه الضمان مطابق مع الارتكاز العقلائي.

نعم، يبقى هنا لمالك اللحم الحق في ابقاء المشوي لنفسه، لان تملك الامر له انما كان من باب الضمان لقيمته السوقية او المتفق عليها بينهما بدلا عن السوقية اذا اراد المالك ذلك لا المبادلة والتمليك الفعلي. وهذا هو الذي يفسر لنا وجه بقاء الاختيار بيد الصانع ما لم يعط العين المصنوعة للمستصنع ان يعطيه لغيره ما لم يلزم منه اضرار على المستصنع وانتظاره، والا امكن ان يقال بضمانه له من باب التغرير في نفس الوقت الذي لو كان من اجله واعطاه له كان المستصنع ضامنا لقيمته ، فلا يمكنه التخلف بعد الصنع واعداده له، لانه يكون من اتلاف العمل والمادة عما كان غرض المالك عليه بامره على وجه ضمان المادة والعمل معا.

اشكال ورد:

لا يقال: لو سلمنا هذه التوسعة مع ذلك لا يمكن تفسير كل المرتكزات العرفية في باب الاستصناع ، فان لازم ما ذكر انه لو صنعه الصانع على وجه الضمان اصبح المصنوع ملكا للمستصنع واصبحت ذمته مشغولة بقيمته للصانع، فلو تلف قبل ايصاله الى المستصنع بلا تعد وتفريط كان من مال المستصنع، مع ان المرتكز العرفي انه من مال الصانع، بخلاف ما اذا كان من باب المعاملة كالبيع او الاجارة حيث‏يكون عدم التسليم موجبا للانفساخ.

فانه يقال: يمكن تفسير عدم ضمان المستصنع في المقام على اساس ان الامر كان مقيدا من اول الامر بصنعه وتسليمه له، فاذا لم يسلمه له ولو لتلفه عنده لم يكن وجه للضمان.

والانصاف: ان التخريج المذكور مما لا يمكن المساعدة عليه، لان ضمان الامر في باب الاعمال لا يكون اكثر من ضمان ما اتلف واهدر من العمل المصبوب خارجا، ولا يتضمن بوجه من الوجوه ضمان الاعيان الموجودة، وفي مثال الامر بشوي اللحم لا نقبل اكثر من ضمان عمل الشوي بعد فرض تملك المادة وهو اللحم من قبل المشتري اولا ولو بالمعاطاة والمراضاة، فيكون من ضمان نفس العمل بالامر.

وهذا يعني ان المادة المصنوعة تبقى في المقام ملكا للصانع ما لم يتسبب الى تمليكه للمستصنع بعقد ناقل كالبيع ونحوه، ولا يكفي مجرد الامر بصنعه لتمليكه. نعم، يمكن قبول ان الامر بالصنع يوجب ضمان الاضرار و الخسائر التي تقع على الصانع اذا ما لم يقبل المصنوع، لانها بحكم الاتلاف عليه بامره.

واللّه العالم بحقائق الامور.