الفقه الاسلامي وتحديات التجديد
هذا هو بالضبط ما حصل مع التيار النهضوي في الفكر
الاسلامي، ومن اعلامه الشهيد الشيخ مرتضى مطهري
(1979م)،رحمه اللّه تعالى، لقد حمل المطهري الى الفقه مناخا
جديدا، وليس مسائل جديدة او التماعات موردية صرفة، وكان
هذاالمناخ هو الكفيل ببعث روح جديدة في الموضوعات
القديمة، وخلق افق جديد يفيد من مسائل مستجدة لوضعها
علىبساط البحث وتحت مجهر النقد والتقويم.
ولكي نوجز معالم المنهج عند مطهري نرصد محاور ثلاثة
تتصل بالبعد المعرفي، كما تتناول البعد العملاني ايضا:
1 ## اول محاور المنهج، عند مطهري، هو القراءة التاريخية للفقه
الاسلامي، تلك القراءة الغائبة او المغيبة في التراث الفقهي،عدا
محاولات محدودة جدا ومتباعدة زمانا. ان محاولة مطهري
رصد تطور مفهوم الاجتهاد، او مفهوم الفقه مثلا، من
الزاويةالتاريخية،
الفقه الاسلامي وتحديات التجديد عند الشهيد مرتضى
مطهري
5
وكذلك رصده ولادة علم اصول الفقه، او مسار الجهد الفقهي
عبر التاريخ ... كان محاولة لفهم الفقه بوصفه ظاهرة في
الزمانوالمكان، لم تولد # هي وظواهرها المتصلة بها # من عدم او
عماء، ولم تنزل # بجميع تمظهراتها # من افق اعلى
يمنحهاسكونية او ثباتا.
لقد شق مطهري # ومعه جماعة من رواد النهضة والاحياء # طريقا
جديدا ولو كان في بداياته الاولية، طريقا لا تحيا فيهالافكار او
المقولات الفقهية خارج السياج الزمكاني، بل تتفاعل معه في
علاقة جدلية ثائرة.
كان الدرس التاريخي للفقه واصوله # وما زال # حاجة ماسة لرفع
مختلف اشكال تزييف الواقع او الوعي به، في ما يرجعالى هذا
العلم المقدس والمبارك.
2 ## اما ثاني محاور المنهج عند مطهري، وهو من اهمها، فكان
ثنائي العقل ### النقل، تلك القصة الطويلة في التاريخالاسلامي،
لقد كان مطهري امتدادا للفلسفة الصدرية عبر رائدها في
القرن العشرين العلامة الطباطبائي، وكان طبيعيا انيكسر # بما
يعطيه من قيمة للعقل # جميع الحواجز الموصدة او النوافذ
المغلقة التي تريد اذلال العقل، من هنا، كان موقفهمن الفكر
الاخباري بمظاهره المتطرفة # وهو يمارس قراءة جلمودية
صلدة للنص الديني # موقفا سلبيا جدا، ذاك الفكرالذي ما زال
مختبئا في بعض زوايا عقولنا كما يراه مطهري نفسه، لقد بعث
المطهري في قراءة النص الروح المتحركة عبرادخاله في سياق
الزمان والمكان، وربط مجمل العملية الاجتهادية بالبناءات
المسبقة للباحث الديني، في خطوة تبدو لناذات دلالة على
مدى نفوذ الاحكام العقلية والوعي المسبق في نتائج الفقه
الاسلامي، من دون ان نحسب المطهري علىالتيارات
المفرطة في هذا المجال.
وبتحطيم قيود العقل الاخباري، بالمعنى الواسع للكلمة، ذاك
العقل السلفي المنشد على الدوام الى الظواهر التاريخية
بوصفهاكائنات جامدة يمكن استنساخها بصورها المطابقة في
اي زمان ومكان، بهذا التحطيم... حاول المطهري اعادة
تكوينمفهوم الاجتهاد، فربطه بالواقع، ليجعله خطوة تعيش
حراكا دائما، بدل ربطه بمن مضى في الزمان فحسب، كما
حاولتالاتجاهات الاخبارية في الفكر الديني، وهذا ما دفع
المطهري الى نقد الفقه الفرضي الذي يستن#زف ذاته في
موضوعاتلا تمت الى الواقع بصلة تذكر، تحت ستار المعطيات
العلمية النظرية او تمرين العقل على العمليات الاجتهادية
البالغةالتعقيد. وكان هذا الابداع النظري لدى هذه التيارات
بمثابة تعويض عن نقصها في الحضور الميداني امام تحديات
الفكروالثقافة والعمل في الواقع السياسي والاجتماعي
للمسلمين.
3 ## وهذا، ايضا، ما جعل المطهري داعية الى فقه قادر على
التنقل بين المدارس الفقهية المختلفة الانتماء، فقه
يستوعباتجاهات الدرس الفقهي عند المذاهب الاسلامية
جميعها، بدل تهديم جسور الاتصال في ما بينها، فقه لا ينظر
الى نتاجالاخر من نظارة سوداء معتمة، بل يحاول توظيفه
لخدمة العملية الاجتهادية واكتشاف الحقيقة الفقهية.
وهذا، هو ايضا، ما دعا المطهري الى اطلاق صرخة لتكوين
مجالس فقهية تعتاش على التخصص في الفروع الفقهية،
كماتقتات على الحوار الجاد والاصيل بين الباحثين والفقهاء،
فقد آمن المطهري بعدم جدوى البحث عن فرد واحد
يستجمعجميع التخصصات الفقهية فضلا عن الدينية، ليكون
استثناء على الدوام، ووعى هذا الشيخ الشهيد حقيقة تطور
العلوم فيالقرون الاخيرة وحقيقة واقع التحديات التي باتت
تثقل كاهل الفقيه وتعوقه عن استيعاب هذا التراكم الهائل
للمستجداتالفكرية والعملية.
4 ## ولم يبق المطهري # في تحليله لبنية الاجتهاد الفقهي # عند
حدود المكونات المعرفية له، بل تعدى ذلك الى مطاولةالعلاقة
بين الاجتهاد ونتائجه من جهة وبين تاثيراته وعلاقاته المؤثرة
بالواقع الخارجي الحياتي الضاخ بالحراك منجهةاخرى، فكانت
دراسته لظاهرة الفتوى وثلاثية: الواقع والمصلحة والاحتياط،
في خطوة بدت منه معبرة عن حاجة الفقهالاسلامي الواقعي
غير الفرضي لاعادة مد جسور العلاقة بين المجتهد والمقلد،
فليست هذه العلاقة علاقة صامتة او تلقينية،بل هي # عند
المطهري # علاقة جدلية، تتكون من:
ا # علاقة انفعال، تتبدى في نقد القاعدة الواعية للمرجعية نقدا
امينا وخلوقا، ليعقب ذلك اخذ المرجعية هذا النقد
بعينالاعتبار وعدم الكشح بالوجه عنه ابدا.
ب # وعلاقة فعل، تفعل فيها الفتوى التاثير في الواقع وحياة
الناس على اساس المصلحة الملتزمة لا المصلحة
النفعيةالبراغماتية، ولا يفعل فيها الواقع التاثير في الفتوى عبر
تكوين سيول من الاحتياطات المتكاثرة التي نقدها مطهري
ومعهالشهيد مصطفى الخميني والشيخ محمد جواد مغنية،
وهي احتياطات يراها مطهري ضرورية ما دامت ضمن الحد
المعقولالذي لا يربك الواقع ولا سيرورة الحياة.
انها العقلية التي تؤمن بالشفافية والوضوح عند مطهري، عقلية
تنقد # باخلاص # جميع اشكال التعتيم او التجهيل تحتذرائع
كثيرة، لتعيد تكوين علاقة محبة ورافة بين المرجعية
والمقلدين، لا علاقة لا تعرف مراعاة الواقع او تتعالى عن
همومالانسان البسيط.
5 ## وفي المحور الثالث والاخير الذي عمل عليه المطهري، تبدو
لنا فلسفة الاحكام وتحديات الحداثة، فلسفة تؤمنبالسؤال
الذي بات يطرحه العقل الانساني اليوم حول جدوى التشريعات
الدينية، ان الاعتراف بهذا العقل في سؤاله هو مادفع مطهري
لممارسة تحليل، لجملة من الاحكام الشرعية وفلسفتها بدءا
من اشكاليات فقه المراة وصولا الى الارث والفقهالاقتصادي.
لم يعد العقل الحداثي مستعدا لهضم مقولة التعبدية في
الاحكام، فكان على المطهري الناهض بمسؤولية الدفاع عن
الاسلامان يقدمه هذه المرة بلغة عقلانية تقوم على خطاب
هادئ في تسويغ الاحكام، وعلى مفاهيم متناسقة تعطي
منظومةالتشريع في محور معين # كمحور المراة # قدرة التناغم
الداخلي الذي يحميها من هزات او ارتجاجات عنيفة قدتصيبها.
ان مطهري لم يكن يرضى بقمع عقول الشباب السؤول عن ان
يدرك فلسفة هذا
الحكم الشرعي او ذاك، رغم اننا لاحظنا انه كان يعتقد
بالتفسير النمطي في اصول الفقه الشيعي، والقاضي بعدم
امكانيةكشف ملاكات الاحكام وعللها، ولهذا تصدى لمحاولة
عقلنة التشريعات الاسلامية ليسد ثغرة حقيقية في الفكر
الديني فيالعصر الحديث.
ان مطهري بالنسبة الينا اليوم ضرورة... وليس خيارا،
انه حاجة... وليس ترفا،
انه عزيمة وليس رخصة.
6 ## ما احوجنا، اليوم، في عصر العولمة والغزو الثقافي، بل
والتطهير الثقافي الشرس الذي يتعدى بشراسته
التطهيرالعرقي... ما احوجنا الى مطهري جديد، كما احتاج
الفقه الشيعي بعد الطوسي (460ه#) الى ابن ادريس الحلي
(598ه#)ثائرا على نزعة التقليد والاتباع وموت الانتاجية الخلاقة
والابداع... الى نهضة توازن بين نقد الذات ونقد الاخر... بين
بناءالذات، وتقويم الاخر... حتى لا نستغرق في نقد الذات
فتغيب ذواتنا عنا ونفقد اصالتنا وهويتنا، او نستغرق في نقد
الاخرحتى نغلق الدنيا علينا من حولنا، فنموت في شرنقة نحن
صنعناها لانفسنا.
لن يموت المطهري عندما نواصل في انفسنا ضخ روح
التحديث والتجديد والنقد البناء، من دون خوف او وجل،
لكنهسيموت حتما عندما نرضخ من جديد لنزعة سلفية
اخبارية تقتلنا جميعا من دون رحمة، وهي تتحالف اليوم تحالفا
غيرمعلن مع الاخر، مع الغرب المستعمر، مع الاستكبار
العالمي.
××× قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون$$$
[الزمر/ 9].
حيدر حب اللّه
النص العربي للكلمة التي القيت في المؤتمر العالمي للشهيد
مرتضى مطهري # القسم الجامعي # في طهران، نيسان2004م.
مبدا المودة في المفهوم القرآني
آية اللّه السيد محمود الهاشمي الشاهرودي#
تمهيد
يقول اللّه تعالى: ×××قل لا اءساءلكم عليه اءجرا الا المودة في
القربى$$$ [الشورى/ 23].
وقعت هذه الاية مثارا للبحث والمناقشة عند المفسرين، وقد
لوحظ عليها انها ربما تكون منافية لظاهر بعض الاياتالاخرى
التي تقول×××لا اءساءلكم عليه اءجرا$$$ [الانعام/90]، حيث
تنفي المجموعة الثانية من الايات اءن يكون للنبي(ص)اءجر
على الرسالة، بل لقد ادعى بعضهم انها منسوخة بتلك الايات
التي تنفي مطلق الاجر.
ان هذه الاية المباركة في ما يفهمه الانسان العرفي واللغوي
الاعتيادي منها، لا تناسب مقام النبوة، اذ كيف يطلب
النبي(ص)وهو في قمة الاخلاص والفناء في اللّه سبحانه
وتعالى، على رسالته وتبليغه اجرا هو المودة في قرباه؟! الامر
الذي قديعطي نوعا من الاهتمام بالاهل والعشيرة ونحو ذلك،
وهي امور نعلم ان
النبي(ص) ابعد الناس عنها، وعن السعي لتحقيق مكاسب من
قبيلها.
الاتجاهات في تفسير آية المودة
ومن هنا اتجه بعض المفسرين الى تفسير الاية وتاويلها بشكل
آخر:
ا فقد فسروها، تارة، بان المقصود من المودة في القربى
التودد في القرب الى اللّه سبحانه وتعالى، وهذا معناه ان
كلمةالقربى هنا تعني التقرب الى اللّه سبحانه، وعليه يغدو
معنى الاية: لا اسالكم عليه اجرا الا ان تتوددوا في ما يقرب
الى اللّهتعالى وتلحوا في الدنو منه((1))
ب وفسروها، تارة اخرى، بان هذا الخطاب كان موجها الى
المشركين القرشيين الذين
#رئيس السلطة القضائية واحد ابرز الفقهاء في ايران
كانوا معارضين للنبي(ص) في مكة، وسورة الشورى من السور
المكية، فكان الاية خطاب لهؤلاء بالقول: لا اسالكم عليه مناجر
الا ان تحفظوا قرابتي منكم، فلا تكون الاية على هذا خطابا
للمؤمنين بل هي خطاب للمشركين((2)) .
هذا، وقد ذكرت تفسيرات اخرى نعرض عنها، فعلا، رجاء
للاختصار، وقد استوعبتها الكتب الكلامية والتفسيرية
بالبحثوالنقد، ورد عليها العلماء بما لا مزيد عليه.
وقفة نقدية مع بعض التفاسير
ومن الواضح ان هذه التفاسير تخالف الظاهر القرآني:
اما التفسير الاول فيناقش:
اولا: ان كلمة القربى غير مستعملة في اللغة العربية بمعنى
التقرب الى اللّه، وانما استعملت فقط بمعنى الاقرباء، فلو
راجعناالمعاجم اللغوية لما وجدنا لهذا التفسير فيها لكلمة
القربة من عين ولا اثر((3)) .
ثانيا: ان سياق الاية سياق الاجر، فلا معنى لتفسيرها بالتقرب
الى اللّه، لان هذا ليس اجرا بحسب الحقيقة، بل الذي
يؤديللتقرب الى اللّه، سبحانه وتعالى، هو الرسالة نفسها
واحكامها، وعليه فلا يمكن ان يكون الاجر هو الماجور عليه
نفسه.
اما التفسير الثاني الذي كان يتبنى افتراض ان الاية تخاطب
قريشا فهو تفسير ركيك اذ:
اولا: من الناحية التاريخية، هذا الافتراض غير صحيح، لان هذه
الاية بالذات من الايات المدنية التي نزلت في اواخر الايامفي
المدينة ابان وجود النبي(ص) فيها، نعم اكثر آيات سورة
الشورى آيات مكية، الا ان هذه الاية بالذات عدها الكثير
منالمؤرخين والقراء من الايات المدنية، ولا تنافي بين ان
تكون السورة في نفسها مكية في ما تكون بعض آياتها مدنية،
وهذاما حصل في الكثير من السور القرآنية، فلتراجع كتب
التفاسير المتخصصة بهذا الشان((4)) .
ثانيا: لا معنى لمخاطبة النبي(ص) قريشا، وهم غير مؤمنين
برسالته، فيطلب منهم اجرا، ان هؤلاء الذين كانوا اعداء
النبي(ص)،يعارضونه ويمنعونه لا معنى لان يقال لهم: لا
اسالكم عليه من اجر الا المودة في القربى.
فهذه التفاسير للاية في الواقع ليست سوى محاولات يسعى
اليها بعض من لا يروق له تفسيرها الصحيح، وذلك بابعادها
عنالمعنى الحقيقي الظاهري، سيما اذا لاحظنا ان الروايات
الواردة في كتب الفريقين السنة والشيعة معا في تفسير هذه
الاية او منفصلة عنها لعلها متواترة((5)) ، بحيث لا
يمكنالخدش والمناقشة فيها، فالروايات الواردة كثيرة
والمحاججات التي وقعت بين الائمة وبين بعض المخالفين،
نظير قضيةالامام زين العابدين(ع) في الشام عندما يقول لذلك
الشامي: هل قرات القرآن؟ يقول: نعم، فيتلو عليه الامام هذه
الايةويقول: نحن القربى((6)) .
ان هذه المحاورات وامثالها كثيرة في حياة الائمة، وهذه ايضا
من الامور المسلم بها، فمجموع الروايات الواردة والفهم
الذيكان يستدل به الامام(ع) شاهدان على ما ندعيه، اذ لو لم
تكن لهذه الاية مثل هذه الدلالة كيف يستطيع الامام(ع)
مخاصمةخصمه بها والاحتجاج عليه؟! ومعنى ذلك ان الطرف
الاخر كان يفهم من الاية هذا المعنى لا التقرب الى اللّه تعالى،
فهذهفي الواقع تمحلات وتعسفات ليس الا.
التفسير الصحيح للاية
ومعنى الاية: المودة في قربى النبى، اي لا اسالكم اجرا على
الرسالة التي عملت على تبليغها الا ان تحفظوا مودتكملقرباي،
يعني اقرباء النبي.
هذا، وقد فسر النبي(ص) بنفسه القربى ايضا بروايات كثيرة
واردة عنه، ويطلق هذا العنوان على اصحاب الكساء الخمسة،
ايعلى الائمة المعصومين، وهو ما ورد ايضا في روايات
الطرفين، اذن فلا ينبغي النقاش في ان ظاهر الاية وسياقها
يدلانتاريخيا، على هذا المعنى، وهذا هو الذي يناسب ان يكون
اجرا على الصدع بالرسالة كما تؤكده الروايات ايضا، وهيروايات
واردة من قبل الشيعة والسنة، يعززها تاريخ تعامل الائمة في
مجتمع المسلمين وفي محاججاتهم مع الاشخاصالمخالفين
ايضا، حيث يدل على ان هذا المعنى هو الظاهر والمتفاهم عليه
من قبل عامة المسلمين وعلمائهم في ذلك الزمن،ولم يرد من
احد منهم في هذه المباحثات والمحاورات الاشكال في ان هذه
الاية ليس معناها ذلك، بل كانوا يسلمونبمعناها هذا.
اما ما قيل، او يقال، من ان هذا لا يناسب النبي(ص) ومقامه
ومنزلته فهو واضح الجواب باعتبار ان هذا الاجر في الواقع،
وانكان بحسب الظاهر والصورة اجرا للنبي، حيث ان القربى
قرباه، الا انه اجر يعود في واقعه على المستاجر لا على
الماجور،على الطرف الاخر الذي يريد ان يدفع هذا الاجر، لان
المقصود من التودد للقربى ليس تعظيم الجانب العشائري
للنبي(ص)،سيما
لو لاحظنا انهغ كانت له قرابة مع كل بطن من بطون قريش
كما ورد في بعض التواريخ.
لقد كان النبي(ص) من اسرة عريقة واسعة العلاقات
والارتباطات، ذات قرابة مع اكثر الطوائف، ولم يلتفت
النبي(ص) اليهماصلا، وقد ورد في ذم كثير من من اعمامه او
بني اعمامه آيات واحاديث.
قال تعالى: ×××تبت يدا اءبي لهب وتب # ما اءغنى عنه ماله وما
كسب # سيصلى نارا ذات لهب # وامراءته حمالة الحطب #في
جيدها حبل من مسد $$$.
اذن فهذه الشبهة مندفعة موضوعا، لانها انما تتسنى لو كان
المقصود واقعا تثبيت الارحام والاقرباء، بينما ليس هذا
هوالمقصود، وانما تثبيت خصوص اناس معينين، وهم من
عبرت عنهم الاية المباركة باهل البيت الذين اذهب اللّه
عنهمالرجس وطهرهم تطهيرا
قال تعالى: ×××انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اءهل البيت
ويطهركم تطهيرا$$$ [الاحزاب/33]
فهذه المحبة للقربى ليست لكونهم قربى فحسب، والا فعم
النبي(ص) كان ايضا قريبا له، وابن عباس كان كذلك
وزوجاتالنبي(ص) ايضا.
بل لقد ثار النبي(ص) ضد هذه الاعراف والتقاليد التي كانت
في المجتمعات الجاهلية القديمة والحديثة معا بمختلف
الاشكالوالصور، كما كان هناك ومنذ البداية رفض تام لهذه
القضايا وشجب عنيف لها، وجعل المبدا والعقيدة والتقرب الى
اللّهتعالى والالتزام بطاعته هو الاساس البديل، والتقوى هي
الميزان في كرامة الانسان وفي القرب والبعد، حتى جعل
سلمانالفارسي الاصل محمديا ليصفهغ بقوله: ;ژرسز÷سلمان منا
اهل البيت;ژرسز÷((7)) .
ويؤكد ما قلناه انه عندما نزلت هذه الاية لم يقع المسلمون في
التناقض بينها وبين تلك التربية والمبادئ التي عهدوها،
ولميستشكلوا على النبي! كيف تطلب اجرا على رسالتك، وهو
تعظيم اقربائك وتقديرهم؟! كما ان الروايات الواردة في
التواريخالعامة والخاصة تؤكد ان النبي كان حريصا على الدوام
لتخصيص هذا العنوان [عنوان القربى وعنوان اهل
البيت]باهلالبيت(عليهم السلام) يعني بفاطمة الزهراء والامام
علي بن ابي طالب والحسنين عليهم السلام، وكانه صار علما
لهم، فكمايقولون في علم اصول الفقه: ;ژرسز÷الحقيقة الشرعية;ژرسز÷ صار
هذا ;ژرسز÷حقيقة نبوية;ژرسز÷.
ونتيجة لما اسلفناه نرى ان هذه الاية تدل على ان اجر الرسالة
انما هو مودة اهل البيت ومحبتهم، وهو ما يعود الخير فيهعلى
الناس انفسهم بازدياد ارتباطهم بالنبي ورسالته، وعليه،
فصورته اجر وواقعه ليس باجر.
لماذا عبرت الاية بالاجر؟!
وانما عبرت الاية بالاجر لعنصرين:
الاول: انهم قربى النبي(ص)، فمن المناسب ادبيا ولفظيا ان
يصطلح على مودتهم بكلمة ;ژرسز÷اجر;ژرسز÷، والا فهو واقعا ليس اجرا.
ومن هنا نعرف انه لا منافاة بين هذه الاية وبين الايات التي
تقول: لا اسالكم عليه اجرا، لان الاخيرة تريد ان تقول: انابلغت
رسالة ربي، وقمت بواجبي، ولا اسالكم عليه اجرا. ان اجري الا
على اللّه كما في آية اخرى. فالمنفي فيها الاجرالحقيقي، بينما
المنفي هنا هو الاجر اللفظي فقط، وذلك بمناسبة لفظية.
الثاني: ان هذا الفعل، اي محبة القربى، انما هو بحسب صورته
وظاهره من فعل الناس والمجتمع تجاه النبي(ص) واهل
بيته،بل قد يكلف الناس ثمنا باهظا، كما كلفت مودة القربى
المسلمين والمؤمنين ثمنا باهظا، فقد كلفتهم حياتهم، كما
كلفتاصحاب الائمة والمحبين لهم كثيرا، فلعل القرآن الكريم
اسماه اجرا لان اللّه سبحانه وتعالى يعلم ان هذه المودة
تكلفهؤلاء ثمنا باهظا، فالمسالة سوف تتطور وتدخل في ما
دخلت فيه، وسوف تكلف من يريد التودد الى الائمة اثماناواثمانا
اذن، فمودة القربى، وان كانت تعود على الامة بالفائدة، الا انها
حيث اختلطت بالجهد والنصب والتضحية، جاء التعبير
عنهاباجر الرسالة او الرسول. فانت تجعل اجر الرسالة تحمل
المسيرة الى النهاية، بان تود القربى وتحبهم وتتعلق بالائمة،
وسمياجرا لانه سوف يكلفك نصبا وعناء وجهدا، وبذل الدم
والمال.
اذن، فالاية دالة على النظرية القرآنية الاسلامية التي تعد من
اصول معتقداتنا نحن الشيعة، وهي انه لابد من مودة
قربىالنبي(ص)، لا بمعنى مطلق القريب الذي له رحمية او
صلة بسبب او نسب معهغ، بل خصوص اهل البيت : كما طبق
النبي(ص)مصداق القربى ومصداق اهل البيت في هؤلاء.
معطيات مبدا المودة
وبعد تحديد هذا المبدا واثباته في الجملة، ينبغي التعرض
لجوانب اخرى وابعاد جديدة له،
فمثلا: ما هو مضمون هذا المبدا؟ وما هي معطياته؟ ولماذا هذه
المودة في القربى؟ وماذا تتضمن من معان وابعاد؟
هذا هو السؤال المهم فعلا.
المعطى الاول: اول معطى من معطيات هذا الاصل هو تثبيت
الامامة، ولهذا يمكن ان تجعل هذه الاية دليلا على امامة
اهلالبيت : باعتبار حصرها المودة الواجبة بالقربى بسبب
الاستثناء الحاصر فيها.
وهنا نلاحظ ان الاية لم تقل: الا المودة للقربى، بل قالت: الا
المودة في القربى، وهذا التبديل، اي تبديل اللام بفي، كان
بغيةالشعور بان هذه المودة لكم وليست لهم، فليست المودة
لهم بل لكم، اي ان فوائدها ونتائجها لكم، ولكنها فيهم فهم
محلها،هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى، تشعر الاية بالحصر، اي ان المودة لابد من ان
يكون محلها وموطنها القربى وليس اى مكان آخر، ومنالواضح
ان المحبة والمودة اذا اصبحت من الواجبات فسوف يدل ذلك
بالالتزام على ان هؤلاء لهم منزلة خاصة ويتمتعونبمقام
الولاية على الامة، لان الشريعة بحسب نص القرآن الكريم ،
توجب المودة فيهم وتجعله اجرا على الرسالة. فهذهالمودة لا
يمكن الا ان تكون متعلقة من له مقام رفيع ومنزلة كبيرة
كمقام النبوة، فتتشكل دلالة التزامية عرفية بينة وواضحةعلى
ان هؤلاء الذين امرت الاية الكريمة بمودتهم وحصرتها فيهم
لهم مقام كمقام النبوة، فتدل بالدلالة الالتزامية على
انمنزلتهم منزلة قادة الرسالة وحماتها، وهذه هي الامامة.
وعليه، فالصحيح هو امكانية الاستدلال بالاية كما فعل بعض
علماء الشيعة على مبدا الامامة والولاية والخلافة لاهلالبيت
:((8)) ، وانا اجد ان هذه الدلالة واضحة وبينة في هذه الاية
الكريمة.
المعطى الثاني: ان هذه الاية تدل بالاضافة الى مبدا الولاية
والامامة على ان المودة لها اهميتها الخاصة، فنحن
نؤمنبالخلافة والامامة والحكم لهم : حقا من اللّه ونصا منه،
لكن هذه الاية تريد ان تتخطى هذا المقدار لتؤكد على
الحبوالمودة علاوة على الطاعة والانقياد و... وهذا المعطى
الجديد له آثاره الخاصة وابعاده التربوية والثقافية
والاجتماعيةالمختلفة، ولولا هذا البعد الجديد لبقي المعطى
الاول نظريا غير قابل للتجسد في الواقع، فهو ضروري لحفظ
البعد الاولنفسه.
اذن، فاصل مبدا محبة اهل البيت : مما يقطع به تاريخيا،
وقامت عليه سيرة النبىغ على
مراى ومسمع من المسلمين جميعا، ولا يخالف احد في ذلك،
حتى المخالفين للشيعة في الراي والعقيدة لا ينفون اصلثبوت
المحبة والولاء لاهل البيت :، فان علماءهم وفقهاءهم وكتبهم
جميعها تشير الى ذلك بشكل او بخر، وينسب الىالشافعي
(204ه) شعره المشهور الذي يؤكد هذا الامر.
مبدا المودة بين البعد العاطفي والمضمون القيادي
وهنا قد تسال: حينئذ اذا كان هذا المبدا مسلما به او ثابتا
بالكتاب الكريم والسنة الشريفة والاجماع وسيرة النبي
ومواقفهغ،اذن فاي خلاف واقع بين الفريقين المسلمين؟! وما
هو محل هذا الخلاف؟
في الواقع، الخلاف بين الفريقين الشيعة والسنة ليس في
اصل هذا المبدا، وانما في كيفية فهمه، فقد وقع تشويش
نتيجةالقضايا والبلايا التي امتحنت بها التجربة الاسلامية بعد
وفاة قائدهاغ، فحصلت سلسلة من الاحداث السياسية
كمسالةالسقيفة ادت الى حصول التباس في فهم هذا المبدا،
روج له من لا يروق له هذا الاصل الاسلامي الاصيل،
فحاولتحريف مبدا المودة الظاهر في هذه النصوص والمواقف
والايات الكريمة، ومن ثم تفسيره بما لا يتنافى مع
الاغراضالسياسية.
وقد فسر هذا المبدا الاسلامي بلزوم محبة اهل البيت والمودة
اليهم، اي ليس ثمة ما يثبت ما هو اكثر من المحبة،
فالمسلملابد من ان يكن لهم المحبة والاحترام والتقدير والود،
باعتبار ذلك علاقة عاطفية وانسانية، بوصفهم صالحين ومن
اولياءاللّه المقربين منه.
وقد تعدى هذا المنهج في تفسير الوقائع آية المودة ليطال
حديث الغدير مما ورد في شخص الامام علي(ع) او مجموع
آلالرسول كحديث الكساء. وبهذا تم الفصل بين مبدا محبة آل
الرسولغ وبين ان تكون لهم منزلة اجتماعية معينة
ودورقيادي في التجربة الاسلامية شبه المحاولة الاستعمارية
الحديثة القاضية بفصل الدين عن السياسة، كي يتمكنوا من
عزلالعلماء والفقهاء والمتدينين بمختلف اشكالهم ورتبهم عن
الحياة السياسية والساحة القيادية للامة((9)) ، وهو ما قضت
عليهتجربة الثورة الاسلامية في ايران على يد الامام الراحل
الخميني(رحمه اللّه)
وبهذا احيلت مسالة الحكم والخلافة الى المسلمين انفسهم،
لاتخاذ الموقف المناسب فيها.
ومن الواضح ان هذا التفسير لا يمكن مساندته وقبوله، وذلك:
اولا: انه على خلاف صراحة الادلة والروايات والاية المباركة
التي نبحث فيها فعلا، بل وعلى خلاف ظهورها ايضا، وهذابحث
قديم بين السنة والشيعة صنفت فيه الكتب المطولة وافيض
فيه الحديث عن معنى الولي والمولى في حديث: ;ژرسز÷منكنت
مولاه فهذا علي مولاه;ژرسز÷((10)) وغيره...
والذي نفهمه هو ان هذا المبدا لا يراد منه مجرد التولي القلبي
والمحبة والمودة بين الناس وبين هؤلاء، اذ لا يمكننا فهم
هذاالاهتمام النبوي والقرآني كله بمثل هذه المبادئ المتصلة
باهل البيت : على انها مجرد ارشادات روحية تتصل
بعناصرالمحبة القلبية وامثالها، ان مدح النبي(ص) للحسن
والحسينغ، وهما في دور الطفولة، مدحا مميزا يؤكد ما
نقوله((11)) ، وتكفيناقصة صلاة النبي(ص) ومراعاته اثناءها
لهما شاهدا على ما نقول.
كيف يمكن ان يفترض ان مضمونا بهذه البساطة يتصدى الذكر
الحكيم لتثبيته ويتصدى النبي(ص) ليلا ونهارا، وفي
كلمناسبة وفرصة، لتركيزه في نفوس المسلمين؟بل كيف
يمكن لهذه الشخصية العظيمة الخالدة محمدغ التي لا
نظير لهابقطع النظر عن الجانب الرباني وعن ارتباطها بالسماء
لو اردنا ان ننظر اليها نظرة علمية كما ينظر الماديون... كيف
يمكنلهذه الشخصية ان تؤكد باصدار عشرات بل مئات
البيانات والنصوص والاحاديث على هذه الفكرة من اجل عرض
هذاالمفهوم المحدود والساذج.
ان طبيعة المضمون تستدعي درجة من التركيز، فالمضمون
المهم والبالغ الحساسية يحتاج الى حجم كبير من
البياناتوالنصوص لترسيخه في الوعي العام في المجتمع، كما
ان المفهوم الذي يراد له ان يكون بديلا عن مفهوم آخر
مسيطرسيطرةتامة على المجتمع يجب ان تنهال النصوص في
غير فرصة ومناسبة لتكريسه بغية الحد من المفهوم الاخر، اما
المفاهيمالبسيطة فتحتاج تلقائيا الى درجة اقل من ذلك
نسبيا، وهذه حقيقة يلمسها الانسان المنصف ويدركها بذهنه
السليم وعقلهالمستقيم.
المعطى الثالث: ان هذا المبدا مبدا مودة القربى يريد ان
يعلم المسلمين انهم اصحاب امتياز رباني من اللّه تعالى
صاحبالرسالة، فهم ثقل صاحب الرسالة في الارض كالنبيغ،
وهم الذين بهم يفتح اللّه وبهم يختم، فالنبيغ لم يكن ينظر الى
جانبالخلافة والسياسة فحسب، ولم يكن يريد شرح نظرية
الحكم السياسية في الاسلام فحسب، فان هذه النظرية قطرة
من بحرالولاية، وجزء ضئيل منها.
انا اريد ان ادعي ان هذا المبدا اوسع واشمل من هذا المقدار،
والتاكيدات الواردة عن
النبي(ص) في كل مناسبة، تريد ان تثبت حقيقة اخرى اهم من
مسالة الحكم والحاكمية واشمل، وليست مسالة
الحاكميةالاجزء ضئيل من تلك الحقيقة، تلك الحقيقة هي ان
هؤلاء لهم تمى ز روحاني عن الاخرين، وهم ثقل اللّه في
الارض،وهم المرتبطون بالسماء، ولهذا لابد من ان يكون هناك
تودد اليهم ومحبة لهم، فهؤلاء هم رموز السماء في الارض.
وهذاالود والحب والولاء ليس من باب انساني وشخصي بل هو
جزء من اصل الرسالة، انه ولاء للرسالة وللّه تعالى، ومن خلالهذا
الولاء تتصل السماء بالارض، ويتمكن الناس من عبادة اللّه حقا
والالتزام باوامره على اكمل وجه، فهذا التاكيد انما كانلان هذه
المحبة في جوهرها وواقعها سوف تؤول الى حب الانسان للّه
تعالى واحكامه ورسالته وانظمته وما يريده منعباده.
وبهذا يتاكد لنا ان المعطيات التي تقدمها الاية الكريمة تبدا
بمفهوم الامامة ونظرية الخلافة، لتمتد الى ناحية
المحبةومدالجسور العاطفية معهم، ولتبلغ من ثم مبلغا
ساميا في التاكيد على عنصر الواسطة بين الحق والخلق
والمتجسدفيهم.
موقع الرموز البشرية في التربية الربانية
اننا نؤمن، في معتقدنا الفلسفي، بان اللّه حينما خلق الانسان
والسماء والارض لم يترك خلقه سدى، بل بقي
مشرفاومهيمناومتصرفا في امورهم من خلال ما يسمى بخط
الشهادة، فخط الشهادة هو ارتباط بين السماء والارض.
هذا الارتباط لابد من ان تكون له رموز، اذ لا يمكن الارتباط
بعالم الغيب ارتباطا مجردا، صحيح ان الانسان يدرك
بعقلهالمجرد بعض القضايا، الا انه حسي بحسب نزعته اكثر من
كونه مجردا، هذه الحسية تجعل البشرية بحاجة دائما الى
رموزتمثل تجسيدا بشريا ماديا للعلاقة، ولذا جعل سبحانه
الانبياء من البشر، وهو ما تؤكده ايضا آيات قرآنية كثيرة.
وعليه، يكون التركيز على مبدا المحبة بغية التفات قلوب
الناس بالتدريج لهذه الرموز من بعد النبىغ والتفافها
حولها،فبالنسبة للنبىغ الرمزية واضحة لكونه صاحب الرسالة
وصاحب المعجزة الكبرى، اما بعده فلابد من ان يبقى هذا
الحبلالممدود بين السماء والارض، وذلك عبر آل الرسولغ،
ولولا هذا البعد في القضية لما كان جديرا بان يكون موضع
اهتمامالنبي(ص) والذكر الحكيم.
ثمة وجه آخر هنا، وهو ان الانسان يدرك الاشياء بفكره وعقله،
الا انه لا يقدر على بعث
الحركية في فكره ومعتقده اذا بقي اسيرا للفكرة والمعتقد
فحسب، بل ان ما يحرك الانسان نزوله من عالم التجرد
الذهنيوالعقلي الى عالم الحب القلبي، الى عالم الرغبة
النفسية، ولهذا نجد ان الفلاسفة لم يتمكنوا من تحريك
البشرية كما حركهاالانبياء، فالانبياء صنعوا حضارات وامما الا ان
الفلاسفة بنظرياتهم واصطلاحاتهم وفلسفاتهم لم يستطيعوا
ذلك ولايستطيعون
لقد كانت لارسطو كلمات فلسفية واستدلالات ومناقشات
علمية تدور حول فكرة اللّه، الا انها لم تغير في تاريخ
الانسانيةشيئا، بل حتى حضارة الاغريق نفسها لم تكن وليدة
النظريات الفلسفية، وانما كانت لها امتدادات اخرى يرجع كثير
منها الىالديانات اليهودية والمسيحية بعد انتقالها من الشرق
الى اوروبا واليونان.
وعليه، فالفكر المجرد لا يستطيع البعث والتحريك، الا اذا انزل
الى قلب الانسان ليتحول من مجرد فكر نظري الى رغبةوميل
وعاطفة، الى معتقد وعقيدة.
هذه النظرة التي استخلصناها من هذا المبدا المتصل باهل
البيت، لو انها طرحت من قبل الاسلام بوصفها نظرية
بحتة،وجملا خبرية صرفة، من دون ربط الناس عاطفيا باهل
البيت، لبقيت نظرية شبيهة بنظريات الفلاسفة، ولهذا دخل
الاسلامعبر مبدا الحب والود حتى يصبح هذا المبدا متركزا في
القلوب لا في الاذهان فحسب، فلو بقي في اذهان الامة
نظريةكنظريات الفلاسفة حول العقل الاول والثاني والعقول
العشرة و.. الوسائط بين الخالق والخلق لكنت لا تجد له موطنا
الافيعقول الفلاسفة، وهذه الحقيقة التي تمزج العقل بالقلب
نجدها جلية في تجربة الثورة الاسلامية، وحكومتها الدينية،
فكمكان لحب الامام الخميني(رحمه اللّه) والتعلق العاطفي
الكبير به من تاثير على الجماهير قبل الثورة وبعدها، وفي
حميعالمجالات والجبهات، وهذا الحب والولاء ليسا سوى
امتداد لحب اهل البيت وولايتهم.
وهذا هو ما يفسر لنا تاكيد النصوص الكثيرة على محبة آل
البيت وليس الاعتراف بمنزلتهم والايمان بعصمتهمفحسب.
مبدا المودة لاهل البيت هدف ووسيلة
اذا اردنا ان نتعمق في هذه المحبة والمودة لاهل البيت،
لوجدناها هدفا اسلاميا رساليا، وفي الوقت نفسه نجدها،
ايضا،طريقة ووسيلة للوصول الى الاهداف الاسلامية الكبرى،
فمحبة آل البيت مبدا ذو وجهين، هدف وغاية من جهة،
وطريقووسيلة من جهة اخرى.
اما كونها هدفا، فباعتبار ما اشرنا اليه من انها كمودة الرسولغ
نفسه، مودة هي بالنتيجة للّه وفي اللّه سبحانه، لان
الرسولواهل بيته المعصومين ما هم الا ممثلين من قبل اللّه،
فحبهم في الواقع لما يرمزون اليه من حب للّه سبحانه وتعالى،
ويوجدفي الايات والروايات ان حب جبرائيل وميكائيل وحب
الروح الامين معيار لتشخيص المؤمن من الكافر((12)) ، وهذه
حقيقةواقعة في الذات الانسانية، فالانسان اذا احب احدا او شيئا
احب جميع المتعلقات به، فكيف بمن يمثل المحبوب؟
وبمنيكون واسطة له؟ اذن ، فحب آل البيت بنفسه كمال، لانه
يؤول الى حب اللّه سبحانه.
وهذا معناه انه ليس من الصحيح اعتبار حب اهل البيت هدفا
في نفسه فحسب، بحيث نجرده عن كونه سبيلا لهدف
آخر،كما ليس من الصحيح اعتبار هذا الحب وسيلة فحسب،
بحيث لا نعطيه في حد ذاته اية موضوعية او خصوصية.
منهج الانبياء في تربية الانسان
ان مدرسة الانبياء التربوية ومنهاج التربية الاسلامية يختلفان
عن مدرسة الفلاسفة والمفكرين والمنظرين، فمدرسة
الانبياءمدرسة تتعامل مع الجانب الانساني والروحي ومع
عواطف البشر وقلوبهم، ولا تتعامل فقط مع الافكار المجردة
والنظريةفحسب، لان هذا الجانب هو المميز للانسان عن
المخلوقات الاخرى، وهو ما نسميه مدركات العقل العملي
المتعلقةبالوجدان والفطرة البشرية، ففي الحيوان نستطيع ان
نتصور شيئا يشبه الادراك، يقال: النمل عندما يؤسس بيته، له
دقةهندسية ربما لا يستطيع كبار المهندسين اتقانها، وهذا ما
قد نعده مرتبة شبيهة بمراتب الادراك، الا ان الجانب المتميز
فيالانسان انما هو ذاك الذي نعبر عنه بالقلب والعواطف
والروح.
مدرسة الانبياء تركز، في تربيتها، على هذا الجانب اكثر، ولهذا
نجد القرآن الكريم دائما في وصفه للعلاقة بين
المؤمنينبالرسالة الاسلامية وبين اللّه يستعمل لفظ القلب
×××ان اللّه يحب المحسنين$$$ [المائدة/13]،×××انه هو البر
الرحيم[$$$الطور/28]، ×××فاتبعوني يحببكم اللّه$$$
[آل عمران/21]، ×××وهو الغفور الودود$$$ [البروج/14]والبر
من القضاياالمتعلقة بجانب العواطف والقلب... والايات التي
تصف اللّه وتشرح سنخ العلاقة والعناية الالهية بالبشر نجدها
تؤكددوماعلى مقولات تنتمي لعالم القلب والفؤاد والروح، لا
عالم المصطلحات البشرية والافكار المجردة
لماذا؟
لان هذه المدرسة تريد ان تربي الانسان وتكمل انسانيته
وكمالاته، فالانسان من خلال هذا الجانب يستطيع ان
يتكاملوينطلق الى الخيرات، والى التحلي بالصفات الاخلاقية
والوجدانية الحميدة، وهي جميعا تصدر من القلب لا منالعقل.
وعليه، فاذا كانت هذه هي طبيعة المدرسة الالهية وطبيعة
تربية الانبياء : للبشرية، فمن الطبيعي لنا ان نفهم كيف ان
محبةاهل البيت والمودة والقربى لال الرسولغ كانت مقولات
نافذة في هذه الخريطة وهذه التربية.
لماذا يكمل الانسان عن طريق هذا الحب؟
لان الكمال الحقيقي للانسان يكون باقترابه من الكمال
المطلق، وهو اللّه، وباب هذا الاقتراب هو القلب لا الذهن
وحده،لان الانسان قد يدرك وجود اللّه، ولكن لا يتكامل ذلك
عنده، لان ادراكه لم ينزل من عالمه المجرد.
ان المودة الحقيقية انما تكون اذا صدرت من القلب، ومؤشر
ذلك عادة هو التشبه بصفات المحبوب، فالحب الحقيقي
لايغفل المحب فيه عن محبوبه، اي عن التشبه بهذا المحبوب،
انه يحب ان يكون مثله وان يماثله في تصرفاته وسلوكياته،فقد
يكون كثير من الناس ادعياء المودة والمحبة، ولكن اعمالهم لا
تشير الى هذا الشي، فلا تقولوا: اذا كان الباب هو المحبةوالمودة
فكيف تصدر عن الموالين والمحبين معاص وآثام؟! ان هذا
ضعف في درجة الحب، ولك ان تقيس هذا الشي علىالقضايا
البشرية، فالذي يحب ويعشق محبوبا في الحياة عادة لا ينفك
عن التوجه الى محبوبه والاتصال به.
اذن، فحب آل البيت هدف بنفسه وغاية، لانه مظهر من مظاهر
الحب للّه، والحب في اللّه، وهذا هو الكمال الحقيقي فيالانسان
بان يحب الكامل وهو اللّه، هذا هو حب الكمال وحب الكاملين.
ان محبة اهل البيت تضمن استمرارية الرسالة، وبهذا تحفظ من
اي تحريف او خطا، كما وقع فيه من لم يجعل حبه لهمفاحتار
وتاه وانتهى به الامر الى مذاهب ضالة مضلة، فعن طريق هذا
الحب تصان الرسالة، وتحفظ الشريعة الاسلاميةكاملةمكملة.
اقامة العدل في الارض بحاجة الى رسالة صحيحة وقدوة
صالحة
تحتاج الانسانية، في طلبها الدائم لاقامة احكام اللّه في الارض،
الى عنصرين:
العنصر الاول: الرسالة الصحيحة، او ما يعبر عنه اليوم
بالايديولوجية الكاملة وغير المحرفة والمشوهة، ويمثل هذه
الرسالةفي الدين الاسلامي القرآن الكريم نفسه، وهو كتاب
مصون عن التحريف والتزييف باي شكل من الاشكال زيادة او
نقصاناكما حققه العلماء الاعلام.
والعنصر الثاني: سلامة من يريد ان يطبق هذه الرسالة، ومن
يتحمل احكام الرسالة وتحكيمها في الارض، وهذه ليست
باقلاهمية وخطورة من سلامة اصل الرسالة، بل كثيرا ما
تتداخل مع العنصر الاول.
اذا، فقد العنصر الثاني يسبب فقدان الاول ايضا، فتحرف الرسالة
كما حرفت الرسالات الصحيحة كثيرا على مر العصور،ولهذا
تجد في حديث الثقلين ان العترة والرسالة لا ينفكان، فهما
ثقلان لا ينفك احدهما عن الاخر حتى يردا على
النبي(ص)الحوض، وفي الواقع احدهما يحمي الاخر، واذا كان
القرآن الكريم يعبر عن العنصر الاول فلانه يعرض الشريعة
السماويةبشكل كامل، والعدل الاخر هو الائمة: فبالاضافة الى
دورهم في شرح الشريعة الاسلامية المثبتة في القرآن
وتفسيرهاوايضاحها، لهم دور تحكيم الشريعة واقامة حكم اللّه
في الارض، وهذا الدور ان لم يكن اهم فلن يقل اهمية عن
الاول، بليحفظه ويصونه ويجسده، اذن فنحن بحاجة الى من
يحفظ بقاء الرسالة ويقوم بتطبيقها تطبيقا سليما في الارض،
وهذا الدورهو ما يقوم به الائمة.
عندما نطالع اعمال بني امية، نجد ان ما قامت به هذه الفئة
الباغية، لم تقم به اية فئة من الطواغيت في اي زمان، فكم
بذلمعاوية من الاموال في سبيل تشويه جميع الامور الواردة
في حق علي(ع) وباشكال مختلفة من العمل والاداء،
وحرفالروايات الواردة عن الصحابة، والتابعين، لقد استطاع ان
يشتري الضمائر من الذين كانوا يعدون مرموقين لكي
يضعواالاحاديث اما في ذم الامام علي(ع) او في تثبيت نظائرها
في الاخرين، وقد بذل الكثير من الاموال الطائلة في
استمالةكلمن كان يمكنه استمالته من شيعة الامام علي(ع).
هذا المد المنحرف الهدام الذي اوجدته الفئة الباغية لو لم
يقابلهالنبي(ص) منذ البداية بالاحاديث والتاكيدات على حب
آل البيت وانهم ثقل اللّه وعدل القرآن... وايضا المواقف التي
وقفهاالائمة انفسهم في صون الرسالة والذب عنها ورفع هذه
التحريفات... لولا هذه المواجهة لوقعت المصيبة وكانت الرسالة
قدمسخت حقا
في الواقع، من المسائل التي تستاثر باهتمام الانسان في مقام
استعراض التاريخ ومسيرة الائمة نجد هذه النقطة وهي:
انالائمة استطاعوا ليس فقط ان يحفظوا خط الاسلام الصحيح
المتمثل في التشيع بل حتى الخط العام الاسلامي عندما صار
ما صار من الاتجاهات والتيارات والمشاكل نتيجة اعمالهؤلاء
المنحرفين والبلبلة التي زعزعت الوضع العام للمسلمين
واوجبت التشويش في ذهنية المسلمين ومعتقدات
الاسلامالاولية، استطاعوا ان يحفظوا سمعتهم ومنزلتهم حتى
على صعيد الخط العام، ويحفظوا بذلك ما يمكن حفظه من
اصولالرسالة الاسلامية على المستوى العام، ولهذا نجد ان
الائمة يمتازون بدرجة من القدسية حتى عند غير اصحابهم، اذ
لايوجد شخص عند المسلمين يشكك في مقام الائمة،
بوصفهم علماء او ذرية لرسول اللّهغ وكاكرم وكافضل الناس
حتىالاعداء، حتى بني امية لم يستطيعوا ان يشككوا الامة فيهم
رغم كل ما بذلوه، وهذا معناه انهم: استطاعوا القيام بدور
دقيقوخطير، بحيث استطاعوا ان يحفظوا دورهم حتى في
التاثير على الاعداء وعلى الساحة، حتى الفقه السني او كتب
السنةالان نجد فيها تشابها كبيرا وفي دائرة واسعة مع ما هو
موجود في الفكر الشيعي، وهذا من نتاج عمل الائمة.
هذا الحفظ في كتب ابناء العامة وهذا المقدار المحفوظ من
الاسلام هو مقدار معتد به خصوصا في الفروع
والتشريعاتوالاحكام الاسلامية والقضايا الاسلامية العامة غير
ما يرتبط بالخلافة والقيادة، وهذه المسائل المحفوظة في
الواقع حفظهاالائمة في هذا المجال بجهودهم ودقة عملهم
وسياساتهم التي استطاعت ان تجعلهم مقياسا للحق والباطل
حتى عند اولئكمن حيث يشعرون او لا يشعرون.
ان الائمة، في كثير من الموارد، عندما يذكرون الحكم الشرعي
يسندونه الى النبي(ص) فيقولون: عن ابي عن جدي...
عنرسول اللّهغ والواقع انهم لا يحتاجون الى ذلك وهم يحدثون
زرارة بن اعين او محمد بن مسلم الطائفي او يونس
بنعبدالرحمن او محمد بن ابي عمير و... ولكن مع ذلك لا
يكتفي الامام(ع) بهذا المقدار بل يسنده الى النبي(ص)، لانه لا
ينظرالى زرارة فحسب، بل ينظر الى ابعد منه، لو كان يريد ان
يحاكي زرارة فقط لكفاه شرح الحكم الشرعي له، وزرارة
مؤمنبه، بل هو يقصد التاثير حتى على الفقه السني، لان
اولئك يجدون رواية صدرت عن الامام الصادق(ع) مسندة الى
النبي(ص)،فلا يمكن مناقشتها، لان هؤلاء اي اهل البيت
اناس معروفون لا يشك احد في فضلهم وتقواهم ودينهم
وعلمهم،والحديث المعروف بذات السلسلة الذهبية، حديث
الامام الرضا(ع) عندما قدم الى مرو، وكان اكثراهلها من السنة
آنذاك،نجد انه لا يبين الحديث من قبل نفسه، بل يسنده الى
ابيه عن جده عن رسول اللّهغ ويصل به الى اللّه جل شانه.
هذه العنايات كانت من اجل ان يبقى للائمة (عليهم السلام)
دور حقيقي في حفظ ما يمكن حفظه، حتى في مجتمع
اولئكالذين كانوا يعادون خط الائمة بشكل او آخر، والذين
استعان بهم الطواغيت لغصب مقامهم وحقهم وغصب
الخلافةمنهم.
وحصيلة القول: ان مبدا المحبة لاهل البيت، بالاضافة الى
خلفياته الفلسفية والعقدية، له آثار اجتماعية وتاريخية،
وهيآثار قصدها النبي(ص) عندما كان يؤكد على محبة آل
البيت (عليهم السلام).
المرجعية الدينية والبنية الداخلى
تصورات الشهيد الصدر(رحمه اللّه) في ظل المرجعية الرشيدة
الشيخ احمد ابو زيد#
مدخل
تميز القرن المنصرم، على مستوى الساحة الشيعية، بظهور
تحولات مفصلية شهدها الكيان المرجعى للطائفة، فقد
صارتالمرجعية الدينية، شيئا فشيئا، تاخذ طابعا استقطابيا
ينحو منحى العالمية، الامر الذي لم يكن مشهودا من قبل. ومن
الممكن،لدى تحليل هذه الظاهرة، ان نرجعها الى مجموعة من
العوامل، منها توسع الرقعة الشيعية من ناحية، وازدهار الحوزة
العلميةمن ناحية اخرى، الامر الذي فرض ارتباطا تلقائيا بين
الجماهير الشيعية ومرجعيتها الدينية. وقد فرضت هذه
الظاهرةتبعات معينة على طبيعة العمل المرجعي الذي
اختلفت مظاهره بين مرجع وآخر، والذي تحكمت في رسم
معالمه، اضافةالى قناعات المرجع نفسه، الظروف الاجتماعية
والسياسية التي عاصرتها المرجعية.
ولسنا نعني مما تقدم ان حركة النمو المرجعي سلمت من
نكسات عصفت بكيانها، بل انها قد منيت في محطات عديدة
منمسيرتها، وبين الحين والاخر، بظروف قاسية خلفت
بصمات مسيها على الاجيال اللاحقة.
ومن بين المرجعيات التي ادت، في النصف الثاني من القرن
المنصرم، دورا بالغ الاهمية في رفع رصيد العمل المرجعي
علىمختلف الصعد، وجعله ذا طابع اعمق واشمل من ذي قبل،
الفقيه المجاهد والراحل المتواجد الشهيد السيد محمد
باقرالصدر(رحمه اللّه)، الذي استطاع على قصر عمره
التاسيس لمرحلة فكرية ونهضوية جديدة في تاريخ الكيان
الشيعيعموما والحوزوى خصوصا، والمرجعى على نحو اخص،
حتى قيل والقائل هو الشيخ علي الكوراني بان
;ژرسز÷الوعيالاسلامي الذي تراه في العالم العربي الشيعي هو مدين
لجهود المرحوم السيد الحكيم(رحمه اللّه) والشهيد
الصدر(رحمهاللّه)..;ژرسز÷((13)) . باحث من الحوزة العلمية من لبنان# |
|---|