ان مجرد الايماء
الى بعض مميزات عملاق الفكر الاسلامي
المعاصر ونهجه التجديدي امر عويص. واعوص منه
مهمةالاحداق بها من اطرافها المتعددة. فالاحرى في
كل
جانب من جوانب عظمته، وفي كل موهبة من مواهبه
الكثيرة،
انيستجليها البحث العلمي المتاني في رسائل
واطروحات
جامعية. بل الاولى ان تفرد، لمزيد عناية، بدراسة
اكاديميةمتخصصة. لا سيما ان العلامة الصدر (رض) قد
ترك
في شتى المجالات العلمية والفقهية والفكرية نواة
مدرسية
جديرةبالاحتذاء والاثراء في ورشات عمل علمي
هادف، يفتح لها
آفاق الديمومة ودروب الانتشار. واخال هذا
المشروعالواعد
ادنى ما يقدم وفاء لفكر الرجل ومنهاجه اللذين غزوا
براعم
عقول الجيل الماضي التي تراها تبلورت في
فحولمفكري اليوم
ودعاته.
والا فمن ذا الذي يرتاب في اقتداره الكبير على
استيعاب اعقد
المسائل الفلسفية القديمة والحديثة وطاقته
الجياشةبالنقد
الوجيه والنفس الطويل في التتبع المتبصر من دون كلل
ولا
ملل. ومدى توفيقه في التخريج والتركيب
والصياغةالمستلهمة
من اوعية الوحي واستثمارها بمهارة في توليد الفكر
الاسلامي
الذي ينزله مهيمنا في الراهن على
الوقائعالمستجدة والاحداث
الجارية وما يحتف بها من مؤثرات داخلية وخارجية.
ذلك فعل
المنخل العلمي الرفيع الذي اوتيهوالمعارف
الموسوعية التي
مرئها. وفي ذلك ايضا منيحة لطف مخصوص ان ينشد اليه
القارى انشدادا. لا، بل يطمئناليهتحليلا وافتاء
وتفكرا وانتقادا
وتدريسا... للامتلاء الفقهي الذي ينطلق منه
وللاضطباع
العلمي الذي ابقر به. ناهيك عنالمنطق الس ليم الذي
تميز
به، فاستغل ادواته في خدمة اساليب الدعوة والتعليم.
الى جانب
امتلاكه ناصية المنهجيةالموفقة وانقياد ملكة
الاجتهاد اليه
انقيادا ذا طابع خاص. فضلا عن مرجعيته الفذة
وعلميته الثائرة
وسداد في فهمالوحي، ومحظوظية غير عادية في التمتع
بحلل
الفتح الرباني في روائع التفسير الموضوعي الذي دشن
معالمه.
لا بلكون مدرسته الحديثة بما لا نظير له البتة،
وكل من عداه
عالة عليه ولا مراء.
الى من يتوجه الشهيد الصدر بخطابه التجديدي هذا؟
وما هو
تاثير هذا الخطاب؟
هذه السمات وعديد غيرها، مما يندرج ضمن الاتجاهات
التجديدية لتراثه الضخم، اهلت مقروئيته العريضة
فيالاوساط
الجامعية والاكاديمية والثقافية عبر البلاد
العربية والاسلامية
بل وغيرها، كما اضفت على كتاباته
واجتهاداتهومحاضراته
وفتاويه خصوصية عالمية كانها التسامي على المذهبية
الضيقة
المنفرة والانفراد بلباقة تتساوقها مرونة
فيمناهج الطرح
وبراعة التمثيل وقوة الاستنتاج على نحو لا يملك معه
العقل
والقلب والضمير الا ان يذعن للحقائقالساطعة
المبرهن عليها
والمدلل.
ولان هذه المصداقية التي منحها متالقة الى حد ان
المخاطب
يشعر من دون لاي برسالة الخطاب تبلغ الى شغاف
قلبهلتحمل اليه قناعة مفعمة بالايمان الفياض
بحتمية انتصار
الاسلام، وتنقل اليه ملموس وعد اللّه سبحانه بنصرة
المسلمينكذلك وفقا للسنن، بل وفوق السنن احيانا
ايضا.. واللّه
على كل شيء قدير.
وللّه در مادحه، حيث قال:
هزات من عالم بالزيف منغمس
بكل ما حوت الدنيا من النظم
لذا سلكت طريق الحق منتصبا
وما ترددت في لاء ولا نعم!
فدم خالدا لك قلب الدهر مضطجع
يا نافث الروح في الموتى وفي الرحم ((497))
وعزاؤنا في شهادته بشارة الحق سبحانه اذ يقول:
(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللّه امواتا بل
احياء عند ربهم
يرزقون × فرحين بما آتاهم اللّه من فضله
ويستبشرونبالذين لم
يلحقوا بهم من خلفهم الا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
[آل
عمران:169 و170].
وخير سلوان في ذكرى استشهاده العشرين ان يعبق منا
بطيب
هذه الابيات وخالص الترحمات:
يا صدر طابت بك الاجداث وازدهرت
على هدى اللّه وسط الخلد فلتنم
ان غاب شخصك فليبق هواك على
مر العصور بقاء الحق والكلم ((498))
ومسك الختام مراهنة الشاعر الجزائري مصطفى محمد
الغماري:
اراهن ان الظالمين قبور
وانك في درب الحضور حضور
وتحدث الداعية الشيخ الدكتور فتحي يكن عن الامام
الشهيد
السيد محمد باقر الصدر، فقال تحت عنوان:
«الشهيدالصدر في
خاطري»:
انه من القلة التي جاد بها القدر، انه الموسوعي في
معرفته،
الرسالي في تطلعاته، الجهادي في حركته، المتوقد في
فكره،انه العلامة الشهيد السيد محمد باقر الصدر
رحمه اللّه.
لقد خاض في جميع فروع المعرفة الاسلامية، خوض
المتيقن
المتبحر، فكان بحرا في الفقه واصوله، فيلسوفا في
منهجهومعرفته، مجددا ومجتهدا.
لقد ادرك اهمية الفلسفة والفكر، وتاثيرها على
العقول
والافهام، فكتب «فلسفتنا»، وضمنه المفاهيم
الاساسية عن
العالم،والفلسفات البارزة فيه، والقى عليها الضوء
موضحا الاطر
والاسس والركائز التي تقوم عليها المذاهب
الاجتماعية،وشرح
كامل نظرياتها. وقد اسدى بذلك خدمة جلى لحركة الوعي
الاسلامي التي استمدت من تلك الطروحات الكثيرمن
الوعي
والمعرفة للتصدي للزحف الفلسفي، بمدارسه
المختلفة،
والذي كان يصب حممه على العالم الاسلامي، فيعملية
غسل
دماغ مركزة وماكرة..
لقد اهتم بالمنهج اهتمامه بالفكرة، ايمانا منه بان
المنهج
الصحيح يزيد الفكرة وضوحا، ويحملها بجلاء الى
الاذهان،فقام،
رحمه اللّه، بدراسة شاملة نوعية، قدم من خلالها
اتجاها جديدا
في نظرية المعرفة، تؤكد على ان العلم
والايمانمرتبطان في
اساسيهما المنطقي الاستقرائي، وذلك في عز الهجمة
الشرسة
على الاسلام واتهام اتباعه بمعاداة العلمواظهار
التناقض بين
الايمان والعلم. وعلى هذا اسست العلمانية وجودها
وتمددها،
فكان لهذا الفكر الاسلامي الذيكان من رواده السيد
محمد
باقر الصدر الاثر الايجابي في جلاء الغشاوة ودحض
الشبهات.
ولقد شعر، رحمه اللّه، بالدور المتنامي للمال
والاقتصاد، واحس
بمحاولة ابعادهما عن دورهما الاسلامي، فكان ان
برزهذا الدور
ووضعه في قالبه الاسلامي الشمولي، وبقي كتابه
«البنك
اللاربوي في الاسلام»، وسفره «اقتصادنا»
مرجعينضخمين في
عالم المال والاقتصاد الاسلامي. لقد كانا الجذوة
التي اقتبس
منها الاخرون، وساروا مهتدين بها.
ومن خلال هذه المؤلفات تقوت الحركة الاسلامية في
مواجهة
النظام المالي الربوي والانظمة الاقتصادية
الراسماليةوالماركسية. واستطاعت ان تقدم البديل
من خلال
مؤسسات مالية اسلامية اخذت تشق طريقها وتنمو
وتتزايد
بفضلاللّه تعالى، ثم بفضل جهود امثال صاحب
الذكرى.
وتناول الشهيد محمد باقر الصدر مشاكل الامة
وهمومها،
وتحدث عن القدرات الهائلة التي تمتلكها الامة
الاسلامية
فيمجال التطوير الحضاري والقضاء على اوضاع
التخلف. وامتاز
في جميع كتاباته واقواله بالاسلوب الموضوعي
النقديالواضح
الذي لا يحتمل المواربة.
لقد كان، رحمه اللّه، مفكرا سياسيا واقتصاديا
وفيلسوفا وفقيها... وقبل كل ذلك كان رساليا بكل ما لهذه الكلمة من معنى.وان الساحة الاسلامية اليوم لتفتقر لامثاله. |
|---|