تحدو هذه القرابة التي
نتلمسها بين طرفين اولهما: وجدان
الامة وعقلها المتمثل عالما موسوعي
المعرفة،ومجاهدايسعى
بجهاده الى رضى اللّه ورضوانه، وانسانا محبا عطوفا
حنونا،
وثانيهما: وجدان الامة المتمثل لغة جميلة...تحدو
هذه القرابة
بقارى القصائد التي قيلت في رثا السيد الشهيد الى
تلمس
ملامح صورته في مراياها، وهذا ما سوف نفعله في ما
ياتي.
يخاطب الشاعر الجزائري محمد الفاضلي السيد الشهيد،
فيراه
حسين الزمن الصعب، ويتسال عما اذا كان
الشعريستطيع ان
يحمل ما يضيق به القلب:
حسين الزمان الصعب هذي مواجعي
يضيق بها قلبي، ايحملها الشعر!؟
ويجي الشاعر السيد حسين الصدر الى حضرة السيد
الشهيد
يشكو حيرة الشعر... فهذه اللغة الجميلة الكاشفة ما
في الحنايا،
وما في الواقع، لا تدري ماذا تصف، وهي في مقام السيد
الشهيد، وتتسال عما اذا كانت تمتلك القدرة
على تجسيد
الجوى المستعر بين ضلوع الامة واللهف غير المنطفى
في
ضميرها. يقول الشاعر:
جئنا اليك، وفي ارواحنا عطش
والشعر حيران لا يدري الذي يصف
شب الحنين لظ ى في كل جانحة
اثر النوى، وتشظ ى العاشق الدنف
بين الضلوع جوى ما انفك مستعرا
وما انطفى في ضمير الامة اللهف
سليل الميامين
ينتمي السيد الشهيد الى اسرة عريقة في العلم
والجهاد،
فالمعروف، في تاريخ الرجال وعلمهم، ان غير علم من
ابناهذه
الاسرة كان يطلع في كل جيل، فيانس الناس الى فيئه
وظله
من لظ ى هواجر الدهر، ويهتدون بهديه في دروب
التقى ليكونوا
من ذوي الفضل...، هذا فضلا عن تحدره، اصلا، من سلالة
العترة النبوية الطاهرة.
يرى الشاعر جودت القزويني هذا التميز، فيقول:
«باقر العلم» يا سليل الميامين
ويا سيف جده ذي الفقار
يا دليل الهداة في الزمن الصعب
ويا «صدر» امة المختار
ثم يقول: ان «صدر» امة المختار، وفي ذلك تورية
واضحة، هو
في الوقت نفسه صنيع الحياة للثوار:
آه، يا «صدر» امة المختار
وصنيع الحياة للثوار...
ويخاطبه الشاعر السيد حسين الصدر، فيقول:
الى الحسين السبط تنمى دما
وطاب من ثورتك الانتما
العالم المتميز
وراى غير شاعر الى تميز السيد الشهيد العالم على
مستوى
تحصيل العلم وتقديمه وايصاله واستخدامه في
مواجهة المشكلات المستجدة، ما يفضي الى التاسيس
والتجديد، وفي هذا يقول الشيخ حسن طراد، وهو احد
تلاميذه:
من وحي معناك نستوحي ونبتكر
ونستطيل به عزا ونفتخر
ونقتبس العلم، علم الدين، مؤتلقا
نورا تشع به الاذهان والفكر
سموت بالفكر نسرا طار مرتقبا
فوق الكواكب لا يلوي به الفجر
حتى بلغت لافق قل من بلغوا
بثاقب الفكر مرقاه ومن ظفروا
حتى جمعت علوم العصر انفسها
كالبحر تجمع في اعماقه الدرر...
ثم يذكر الشيخ حسن آثار فكر السيد الشهيد، فيقول:
وتلك آثار هذا الفكر شاهدة
كالوحي تنطق في تصديقه السور
ويعددها، كتابا كتابا، ثم يقول:
هذي نتائج فكر شع مؤتلقا
لمجد علياه تعنو الشمس والقمر
تفرد شخصيته
وراى غير شاعر الى تفرد شخصية السيد الشهيد على غير
مستوى، فهو جذر العلم الذي لا يظما مهما طال امد
الجدب،وهو الق الامجاد ووهجها... وصانع التاريخ،
فبما صنع
يسمى التاريخ، كما يقول الشاعر عبد الرحمن الوائلي:
تلمس غصن العلم اذ كنت جذره
فلم يك بالضمن، حاشا ان يضما
خلدت بما قدمت للعلم من رؤى
سمت بشعاع الفكر حتى اعتلى النجما
فيا الق الامجاد فينا ووهجها
بما صنعت يمناك تاريخنا يسمى
وهو ذلك المجاهد الفذ الذي راى الى هموم الناس
فتبناها،
والى جراحهم فواساها، ومضى في طريق الحق قائدا
فذا،يسبق
الجميع، وتثب به في سعيه آيات القرآن الكريم وسنة
خاتم
الانبيا العظيم (ص)، وسنن الائمة
الاطهارالمعصومين. وفي
هذا الصدد يقول الشاعر حسين بركة الشامي:
... وحملت روحك ما تناهبها
خوف ولااسترخى لها بدن
فردا تحدق في جراحتنا
وسواك لا عين ولا اذن
تخطو الرجال، وانت سابقها
وثبت بك الايات والسنن
ويبدو سعي الامام الشهيد، في منظور الشعر، ريحا
تؤتي الغيث
للمستضعفين، وتصيب بالهلع الطغاة الذين
يسمعون وقع خطاه
ريحا تعصف بهم، وهم يحيون في صحرائهم المجدبة،
فيرتجفون ويتساقطون اشواكا تذروها رمال
البيد...،نلمح هذه
الرؤية في قول الشاعر طراد حمادة:
«لكنهم سمعوا في وقع خطاكرما تسمعه الصحرا في مشية
الريح»
وان يكن السيد الشهيد ذلك المجاهد الذي وثبت به
الايات
والسنن الى ساحات الجهاد، وان يكن ذلك الجذر الذي
لايظما
وان طال زمن الجدب، فانه في تجذره، في دينه
ومجتمعه، قد
مثل المطر المتحول بالجدب خصبا... فيورق الشجر،
ويزهر
ويثمر... ومثل، في صورة شعرية اخرى، جناحات تطير
بغربة
الناس في الافاق على الرغم من ان هذه الافاق مرتهنة، فتتحول الغربة، وهي طي الجناح الفة وجنى. يقول الشاعر
حسين بركة
الشامي عن اليدينر الغيمتين والطيف الجناح،
مخاطبا السيد
الشهيد:
ويداك اندى غيمتين سقت
شجر العراق فاورق الغصن
من بعد ان الوى ببسمته
عطش الثرى والمورد النتن
يا صدر طيفك جنح غربتنا
خافقة، والافق مرتهن
يرى الشاعر ان السيد الشهيد كان يغير كانه يصنع
الزمن
التاريخ، فبه تكبر الايام... وكانه، ايضا، يغير
المكان
رالجغرافيا،فيسهل مسرى غيمات الخصب من ضفة الى
اخرى،
تتمثل هذه الرؤية في قول الشاعر جواد جميل:
«والصخر يعرف ران قسوته تموت على حدودكر فيرف فيه
الف
عصفورر لينهب من خلودكر ابدا على كتفيك يكبريومنار
ويصير عمرا رونسير خلف خطاك مسحورينر من ضفة...
لاخرى».
الشهادة في زمن الارتداد
ويتجلى تفرد السيد الشهيد، في اعظم صوره، عندما
نعلم انه
كان مغايرا للسائد في زمنه وواقعه، عاملا على صنع
مسارهذا
الزمن وتغيير ذلك الواقع، مهما كلف الامر من
تضحيات، فكان،
كما يقول الشاعر مصطفى المهاجر، الشهادة في زمن
الارتداد،
والحب في زمن الحقد والابتعاد، والنزاهة والطهر
حين تلوث
العباد، فكان بذلك الهوى الساكن في الفؤاد.
ويصور الشاعر سعي الشهيد الصدر، فيقول:
«حملت حياتكر والقلم الحرر والامنيات... المدادر
وطفت
القرى الهاجعاتر على الذلر والظلمر توقظ فيها
الحياة ر
سدودامن الفكرر والفتية السمرر تنحت...ر حين تقدمر
سيل
الطغاة ر زرعت السؤال..ر المكابرر والنشوة... الفكر
قطرت
روحكرفي الانفس الظامئات...».
من يكون ذلك الطائف بالهاجعين عن الظلم والذل ليوقظ
فيهم الحياة؟ من يكون ذلك المتقدم ليواجه سيل
الطغاة؟
من يكون ذلك الذي يقطر روحه في النفوس الظامئات؟
وماذا
نسمي من يزرع الضوء في قلب الليل الحالك؟ وماذا
نسمي من
يجدل اشعة النور ضفائر تطرز غرة الوطن بالضيا؟
يجيب الشاعر مصطفى المهاجر عن هذه الاسئلة، فيقول:
«اسميك خاتمة الاوليا... اسميك بارقة الوجد... اسميك
دربا
الى المجد...».
والسيد الشهيد يتفرد بانه فطر على الصدق، وبه كان
عزيزا، في
حين يحيا الوازر ذليلا، وهذه ثنائية ضدية تظهر
التباين بين
الضدين جليا... ثم انه طهر، وكان القرآن نجيه، في حين
صد
عنه متاجر مكاثر، وهذه ثنائية ضدية اخرى تظهر
التباين جليا...
وعندما يتبدى التباين في مختلف مظاهره يمكن للمرء
ان
يدرك كيف تنقاد لنجي القرآن الصادق الزكي
شمس الحقائق...
وكيف تغمره اضوا نجوم العرفان. يقول الشاعر مصطفى
الغماري:
الصادقون على الزمان اعزة
بالصدق، فليهنا بذل وازر
طهروا فليس سوى الكتاب نجيهم
ان صد عنه مكاثر ومتاجر
نظروا بعين الغيب فانقادت لهم
شمس الحقائق.. واسراب الغابر
من كان للحرف المقدس سبقه
فله من النجم الضيا الغامر
يواصل مسارا تاريخيار طريق الانبيا والائمة
والاوليا
ان هذا الطائف بضوء وجده وفكره... هذا الولي المهاجر
الى
رضوان اللّه تعالى، يمضي في درب شقت منذ بعث
اول الانبيا...
واكتملت منذ صدع خاتم الانبيا، محمد بن عبداللّه
(ص)،
برسالة الاسلام، وامتدت هذه الدرب، منذ
ذلك الحين، في
التاريخ، يسلكها الائمة المعصومون الاطهار (ع)،
ويتبع نهجهم
الاوليا الذين صدقوا اللّه، سبحانه وتعالى،
ماعاهدوه عليه.
في هذه الدرب التي لم ينقطع، ولن ينقطع، باذن
اللّه، روادها
عبر التاريخ مضى السيد الشهيد. وقد راى الى هذا
التواصل في
المسار التاريخي غير شاعر، فقال الشاعر مصطفى
المهاجر:
«اسميك..ر حزنا تاصل بين الجوانحر شهيدا...ر تواصلر
من بدر...
او كربلا».
ويقول الشاعر السيد محمد صادق العدناني:
ومضيت في درب الحسين ولم تهن
كالاخرين ولم تكن متذبذبا
ويقول الشاعر الجزائري مصطفى الغماري:
آمنت بالجرح المقدس ينتمي
للطف حين الطف كون عامر
ويخاطبه الشاعر الجزائري محمد الفاضلي بقوله:
حسين الزمان الصعب هذي مواجعي
يضيق بها قلبي، ايحملها الشعر!؟
ويرى الشاعر حسن العاشور ان السيد الشهيد:
من كربلا نهلا يعب كؤوسه
والطف عيية حافظ ما باحا
ويقول الشاعر السيد حسين الصدر مبينا هذا التواصل:
يا صدر، يا نبع الشذا والروا
كل معانيك سماح وضا
من «احمد» تستاف عطر الهدى
ومن «علي» تنتشي بالعلا
و«ينسج الحسين» ثوب الابا
وتلبس الثوب، ويسمو العطا
يا حسين العصر لا تبتئس
ان عزف الباغي لحون الغبا
كتبت، لكن بزكي الدما
ملحمة فصولها كربلا
الى الحسين السبط تنمى دما
وطاب من ثورتك الانتما
كبر المجد لها هاتفا
ان لوا الصدر نفس اللوا
ولما كان السيد الشهيد يمضي مهتديا بهذا النهج، فان
خطفه
جسدا لن يخطف نهجه، فهو باق في العليا مدرسة
منهادروس
الجهاد البكر تقتطف، وفي هذا يقول الشاعر السيد
حسين
الصدر:
.. ان راح يخطفك الباغون في «جسد»
فان «نهجك» باق ليس يختطف
يا ايها «الصدر»، يا كونا نعانقه
فوح النبوة والامجاد والشرف
لقد وقفت بوجه الظلم مدرعا
صبر «الحسين» فطاب النهج والهدف
كفاك انك في العليا مدرسة
منها دروس الجهاد البكر تقتطف
يمتد هذا النهج، كما يقول الشاعر السيد حسين الصدر،
في
التاريخ الانساني، ليكون السيد الشهيد «كونا
نعانقه»
و«فوح النبوة».
وهذا الامتدادر الفوح يتبينه الشاعر حسن عبد
الحميد السنيد
(جواد جميل)، فيقول:
«لست «ابراهيمر كيف انفجرت رؤياك خنجر؟ لست موسى ر
كيف اضحى تحت اقدامكر ملح البحر سكر!؟ر
لحكاياك وجوه
كوجوه الانبيار ولعينيك عناد، قادم من كربلار لم
تكن خارج
هذا الكونر او شيئا خرافيار ولكن كنت ما
يشبه اسرار السما».
بين الولير الفجر والطاغية ر الليل
وترتسم، في رؤى الشعرا ثنائية ضدية: طرفها الاول
يتمثل
بالطاغية ر الليل، وطرفها الثاني يتمثل بالولي
المخلصرالفجر،
وبين هذين الطرفين يدور صراع يصلب فيه الطاغية،
الليل
الولي..، لكن هذا يتمثل، وان بعد
استشهاده،مخلصاهاديا ،
مجسدا نهجا، يمتد في المسار التاريخي الذي خطه
الانبيا
والائمة. وهكذا فان العتمة لا تلبث ان تنجلي،وتجد
قوافل
الحزن الفجر في الافق تشعله الدما الغضاب، ويجد
مشعل
الوجد الجمر متوقدا بعد ان ينفض عنه الرماد.وايا
يكن عمر
الظلام طويلا فان الشمس لا تطيل الغروب. تمثلت هذه
الرؤية
في غير قصيدة، ما يجعلها ظاهرة تتمثل في قول
الشاعر جودت
القزويني:
ان وجه الليل البهيم سيطوى
عندما يعتليه وجه الصباح
وفي قول الشاعر نزار البصري:
فاعبري الليل، يا قوافل حزني
تجدي الفجر في الدما الغضاب
وفي قول الشاعر الشيخ حسن طراد:
ليدرك الليل ان الفجر ما برحت
انواره الزهر تمحوه فيخسر
ويعرف الخصم ان الصدر ما فتئت
ابطاله الصيد تغزوه فيندحر
وفي قول الشاعر حسن العاشور:
عش مثل احداق العراق مضيئة
بالدمع تشعل ليلها مصباحا
وفي قول الشاعر حسين بركة الشامي:
هذا عراقك راح يصلبه
حقد الغزاة ليعبد الوثن
خسئوا فانت اليوم اكبر من
قدر الطغاة لانك الوطن
ويخاطب الشاعر الجزائري مصطفى الغماري ذلك الليل
ليعلمه ان الصباح مواعده، وانه يحيا بجرحه ما
تبسم ثائريمضي
في درب الامام الحسين (ع)، ممتشقا ذا الفقار فتحيا
في يديه
مثر... انها الحياة تولد من رحم الموت المخلص، من
رحم
الشهادة، يقول الغماري:
يا ليل اني والصباح مواعدي
احيا بجرحي... ما تبسم ثائر
جرح الحسين على العراق اضمة
فتموج في ذات الصدور بشائر
وبذي الفقار ارد ما نهب العدى
مني... فتحيا في يدي مثر
ويخاطب الشاعر السيد حسين الصدر السيد الشهيد
رائيا اليه
بوصفه وهج الاسلام الذي لا تنطفى شموسه، ففي
كل شبر منه
اشعاعة...، ما يدفع الى التساؤل عما اذا كانت الشمس
تحجب؟
ويجيب بان هذا مستحيل، اذ ان في ضوئهاتولد الحياة...
فما
يصنعه الطغاة هو حجب للشمس وواد للحياة، وهكذا
يتمثل
الصراع بين طرفين: اولهما الفجرر الحياة،وثانيهما
الليلر
الموت، القتل... ويسفر الصراع، مهما طال، عن انبثاق
الفجرر
الحياة... يقول الشاعر في هذا الصدد:
يا وهج الاسلام، يا صدره
لا تنطفي منك شموس الضيا
في كل شبر منك اشعاعة
ينتشر الاشعاع انى تشا
لا تحجب الشمس، ومن ضوئها
تبنى حياة ويشاد البنا
الفجر يبزغ من معترك الجراح
وتاسيسا على هذا الفهم، فان المنتمي الى خط النبوة
عندما
يصاب بالخطب العظيم لا يركن الى الدمع العاجز،
ولايستسلم
الى القهر، انه يحزن وياسى وتذرف عيناه الدمع، كاي
انسان يعز
عليه فقد الاحبة، لكنه يعبر هذا الموقع الى موقع
الثوار، يقول
الشاعر السيد حسين الصدر في هذا الصدد:
قد عظم الخطب وجل العزا
والصدر لا يبكى بغير الدما
حفنة دمع وشظايا اسى
مقولة مرفوضة في الرثا
فالصدر في وجداننا ثورة
موصولة بثورة الانبيا
والجرح بركان رهيب اللظ ى
يلتهم الباطل والادعيا
ويقول الشاعر مدين الموسوي ان جمرات النار الهامدة
ستنفض
الرماد لتشعل النيرانا، فيعم الضوء ويتبدد
ليل الطغاة:
«فهذي النار هامدة ر وليس سوى الرماد بهار ستنتفض
الجمار...ر ستكتوي يوما... لتشعل من بقايا الجمر
نيرانا».
ويخاطب الموسوي عراق الصدر، طالبا منه ان يستمد من
مقام
الائمة والاوليا قوة تمكنه من الثورة ر الوثوب
ويتسال آسفا عن
اسباب الانتظار، آخذا على المنتحبين عجزهم. يقول
الموسوي:
عراق الصدر...
شد يديك بالشباك واهززه
عسى بالهز ان يثب
لماذا انت تنتظر...
وعندك الف منتحب
وينتظر الشاعر مصطفى الغماري قيام فجر الثورة وان
طال
ليله:
انا ان يطل ليلي فاني ناظر فجرا يضي ء به الفرات الهادر
هل غير معترك الجراح سبيله
او غيره هاديه الامام الباقر؟
ويتحدث الشاعر جواد جميل عن الثوار الذين يعبرون
موتهم
الى الحياة:
عطاشى الجرح نرتشف الرمالا
ونخفي تحت اضلعنا النصالا
ونعبر موتنا حلما... جريئا
طوى بجناحه حلما... محالا
ونولد مرة اخرى كانا
دفنا في التراب لنا خيالا
يشيب الجمر في دمنا ويابى
رماد قلوبنا الا اشتعالا
ان السيد الشهيد ينتمي الى نهج يعبر ابناؤه الموت
الى الحياة،
ومن رماد قلوبهم المشتعل تنبثق الولادات.
الشهادة ر الحياة
وهكذا تكون الشهادة في سبيل اللّه حياة، يقول اللّه
في كتابه
الكريم: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللّه
امواتا بل اح يا
عند ربهم يرزقون) [آل عمران:3]. ونطقت بذلك قصائد
الشعرا كما مر بنا. ويرى الشعرا ان الشهيد حي لانه
يمثل ضمير الامة ووجدانها وعقلها وآمالها... فهو
يسعى، من
نحو اول، الى استنهاض ذلك فيها ودفعها الى السير في
دروب تحقيق وجودها الموظف في سبيل اللّه. ويبقى،
من نحو
ثان، هاديا لاولئك الذين كشفوا عنهم اغطية النعاس،
ومضوا
في سبيل الاوليا المتصل بنهج الانبيا.
يسال الشاعر مدين الموسوي عن الصدر الذي غذى الامة
بالكبر
فيقول:
«اين قبرالصدرر
اين مذن الايمانر
اين جحافل الاحرار
هي اين... واين من بالكبر غذانا...»
ويصور الشاعر حسين بركة الشامي واقع الامة
المزري...، ويرنو
الى رؤى السيد الشهيد، فهذه الرؤى هي اليد
البيضا،في اشارة
الى الايات الكريمة: (واضمم يدك الى جناحك تخرج
بيضا من
غير سوء) [طه:22]. (وادخل يدك في جيبك تخرج بيضا من
غير سوء) [النمل:12]. (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضا من
غير سوء) [القصص:32]...وهي الربيع الذي يصحو بقدومه
الجذر
والفنن... وبذلك يكون السيد الشهيد البحر والسفن.
يقول
الشاعر الشامي:
شوك الصحاري في اناملنا
وخيامنا الحسرات والوهن
يبست قوافلنا وقد تعبت
ظماى فلا ضرع ولا لبن
الا رؤاك تلم حيرتنا
فهي اليد البيضا والمنن
وهي الربيع يمر في دمنا
دفئا فيصحو الجذر والفنن
عذرا اذا طالتك احرفنا
فلانت انت البحر والسفن
ويقول الشاعر جودت القزويني: ان جرح السيد الشهيد
سيبقى
شعلة في مسيرة الثوار يهديها...
ان جرحا حملته في الحنايا
لم يزل في مغبة الانتظار
لهو جرح في كل قلب سيبقى
شعلة في مسيرة الثوار
يا ثورة الدين، يا «صدرا» لامتنا
ويا طريقا الى العليا يهدينا
ثم يخاطبه فيقول:
... قدر كان ان تكون شهيدا
لتغذي الشعوب بالانعتاق
لم تكن كفك الخضيبة الا
مشعلا في طريقها الخلاق
ويقدم الشاعر طراد حمادة صورا تمثل استنهاض
الشهادة
للناس وهديها لمواكبهم عندما يغدون ثائرين، فيقول:
«... واذا طلع الفجر على صفحة الكونر تشرق حروفه
المضيئاتر
بانوار الصدر»، ويقول: «... وحين يزنر العتمر
ساحات المنازلر
وتحوم فراشاتر المسار حول المصابيحر تخرج الانوار
من نوافذ
الحزن...».
عالمان نقيضان
يحدث هذا للشهيد وامته، وفي المقابل يحدث للطاغية
«ان
يتزين باوسمة القتل»، وان «يذوب من الخوف،
حتى ضحكته
الصفرا ترتجف على شفتيه...». وهذه مفارقة تكشف
عالمين
نقيضين، ولا بد للعالم الاول من ان ينتصر،
فتزهرالبذور، ثم
تثمر، وهذا ما يبدو واضحا. كما يقول الشاعر حمادة:
«في البذور المضيئة التي غرسها الامامر لتنبت وردة
الاسلامر
في حدائق فارسر ونخيل الشهدا في جنوب لبنانر
وفي الجهات
التي اودعتر فيها البذورر في وعا الارض الطهور...».
وهكذا يبدو ان هناك عالما غاربا يميته الطغاة
وعالما مشرقا
يشيده الاوليا.
وهكذا يخلد الولي الشهيد ويفنى الطاغية... يقدم
الشاعر
الجزائري محمد الفاضلي هذه الحقيقة في صورة
شعرية رائعة،
فيقول:
وكم حاولوا واد العبير وما دروا
بان جواد الريح يركبه العطر
تحوم زغاليل الطيور على الثرى
وصوب فؤاد الشمس ينطلق النسر
ويقول الشاعر حسن العاشور:
مات الجناة، وانت حي صوته
رفع الاذان والفلاحا
صنع المنعطف التاريخي
واذ يتخذ الشهيد هذا الموقع في حياة الامة، واذ
يؤدي هذا
الدور، يكون جرحه منعطفا تاريخيا يتحول بالواقع
من حال الى
حال ، هذا ما عرفه التاريخ منذ هجرة رسول اللّه (ص)
من مكة
المكرمة الى المدينة المنورة، ومنذ هجرة سبطه سيد
الشهدا
من المدينة المنورة الى مكة المكرمة ثم الى كربلا..
وتتالت
الهجرات تمضي في سبيل اللّه الى ان كانت هجرة
السيد الشهيد
محمد باقر الصدر، وتلتها ايضا هجرات وسوف تستمر هذه
الهجرة الى ما شا اللّه.
يخاطب الشاعر السيد حسين الصدر الشهيد الصدر،
فيقول
مقررا هذه الحقيقة:
الحرف من هول ما عانيت يرتجف
وان جرحك في التاريخ منعطف
يمشي الزمان جريئا في تنقله
في الحادثات، ولكن عنده يقف
وفي ضمير الليالي منه خاطرة
تضيق عن كنهها الاسفار والصحف...
القصائد المصادر مرتبة هجائيا حسب اسم الشاعر
الاول
-1 د. جودت القزويني، المجموعة الشعرية الاولى،
قصيدة
«مرثاة الشهيد الصدر»، وقصيدة «الشاهد الشهيد»،
بيروت:اصدار خاص، ط 1، 1998م، ص 115 120 و 142 145.
2- الشيخ حسن طراد، قصيدة «من وحي معناك»، مخطوطة.
3- ا. حسن العاشور، قصيدة «صدران صنو الرافدين»،
مخطوطة.
4- حسين بركة الشامي، مناجاة قلب، قصيدة «لانك
الوطن»،
لندن: مؤسسة دار الاسلام، ط 1، 1999م، ص 118 012.
5- السيد حسين الصدر، القصائد: «وان جرحك في التاريخ
منعطف» و«الصدر لا يبكى بغير الدما» و«لا لن
يموت الصدر».
القصيدتان الاوليان ارسلتا منه الى المجلة من دون
ذكر
المصدر، والثالثة منشورة في جريدة المنبر التي
يصدرهاالمعهد الاسلامي في لندن، العدد 51، نيسان
1999م،
ص 12.
6- د. طراد حمادة، قصيدة «لنوافذ الحزن سيوف
وانوار»،
مخطوطة.
7- ا. عبد الرحمن الوائلي، اشتعالات النرجس، قصيدة
«رحيل
الفكر»، بيروت: دار السقا، ط 1، 1995م، ص 94 99.
8- مجموعة من الكتاب، محمد باقر الصدر: دراسات في
حياته
وفكره «الصدر كان كلمة» لحسن عبد الحميد
السنيد(جواد
جميل)، لندن: مؤسسة دار الاسلام، ط 1، 1996م، ص 681
696.
9- مدين الموسوي، اوراق الزمن الغائب قصيدة «سليني
عن
بقايا العمر..»، بيروت: دار الزهرا، ط 1، 1987م، ص 6973.
وكان لنا وطن، قصيدة «كؤوس النار»، بيروت: دار ندا
الرافدين، ط 1، 1992م، ص 65 69.
10- د. السيد محمد صادق العدناني، قصيدة «لواعج لا
تنضب»،
المنبر، م.س.، العدد 52 ايار 1999م، ص 8.
11- ا. محمد الفاضلي، قصيدة «نقش على صفحة القلب»،
مخطوطة.
12- مصطفى الغماري، قصيدة «الفجر الاتي...»، المنبر،
م.س،
العدد 51، ص 12.
13- مصطفى المهاجر، ايقاعات على وتر القلب، قصيدة
«آهة..
لسيد الحزن والفكر»، دمشق، المطبعة
التعاونية،ط 1994 1م،
ص 67 76. 14- ا. نزار البصري، قصيدة «حلقت بي ذكراك»، المنبر، م.س.، العدد 52، ص 8. الصدر في رؤى العلما
والمفكرين
حوارات حول شخصية السيد
الشهيد وفكره ودوره اجرتها هيئة
تحرير مجلة المنهاج مع ثله من العلما
والمفكرين هم:
المشاركون: العلامة السيد محمد حسن الامين،
العلامة الشيخ
حسن طراد، د. حسن حنفي، د. محمد البشير المغلي،الشيخ
د.
فتحي يكن
شخصية السيد الشهيد محمد باقر الصدر متعددة
الجوانب،
ومتفردة على مختلف المستويات، وماكان ممكنا ان
يكتمل التعرف اليها من طريق الدراسات والمقالات
فحسب،
ولهذا رات هيئة تحرير مجلة المنهاج ان تعتمد مقاربة
اخرى تتمثل في اجرا حوارات مع علما ومفكرين
عرفوا السيد
الشهيد معرفة شخصية وثيقة او من خلال كتبه
وآثاره العلمية.
فسعت الى عدد من العلما والمفكرين تطلب منهم
المشاركة.
ووفقت، بعون اللّه، الى اجابات نخبة منهم هم:
السيدمحمد
حسن الامين، الشيخ حسن طراد، الدكتور حسن حنفي،
الدكتور مخمد البشير الهاشمي مغلي، الشيخ
دكتورفتحي
يكن، عن كثير من الاسئلة التي طرحتها، وفي ما ياتي
يجد
القارئ الاسئلة والاجابات عنها...
وكان اللقا الاول مع سماحة السيد محمد حسن الامين.
وفي
ما ياتي نقدم ما دار، في حوارنا معه، من
اسئلة واجوبة.
عرفتم السيد الشهيد معرفة شخصية وحضرتم مجالسه، هل
يمكن ان تقدموا للقارى صورة عن هذه الشخصية
كماعرفتموها معرفة مباشرة؟
تعرفت الى شخصية الشهيد الصدر مباشرة في اعوام
الستينات،
في النجف الاشرف، ايام طلب العلم، وحضرت بعض دروسه
والكثير من مجالسه. لا يستطيع المرء ان يقدم صورة
وافية عن
هذه الشخصية المتميزة، ولكن ذلك لا يمنع من قراة
بعض
عناوين هذه الشخصية، بدءا من المميزات الخاصة بهذه
الشخصية، وهي مميزات الخلق النبيل،
والعلم الوفير، والورع،
والحب. واركز على كلمة «الحب» فاقول: ان كل من اتصل
بالسيد الشهيد خرج باحساس مفاده ان هذاالرجل، على
الرغم
من توفر عناصر النبوغ الفكري والعلمي في شخصيته،
فان
العنصر الجاذب في شخصيته هو هذاالمقدار من الحب، حب
الاخر، حب الحقيقة، حب يكاد يكون في اطار شبه شخصي
ايضا. واعتقد ان هذه الصفة تلازم عظما الرجال
الذين يغيبون
الكثير الكثير من حضور «الانا» في داخلهم، لان
همومهم العامة
وهموم التغيير تملاوجدانهم، وتملا آفاق سلوكهم الى
درجة لا
يعود هناك متسع للاهتمام بذواتهم. اقول هذا الكلام،
وانا اعلم
ان شخصيات كثيرة علمية وفكرية في الحوزة العلمية
في
النجف الاشرف كان السيد الشهيد يتميز اذا قورن بها
بهذه الجاذبية الشخصية، التي اعتقد ان مصدرها هو
هذا الحب
العارم للاخر وللحقيقة...
وانتقل من هذه الخاصية الى المنحى الفكري الذي
تمثله
شخصية السيد الشهيد، حيث الانطباع المباشر الذي
يخرج
به من يجلس اليه، هو هذا النوع من التكامل في هذه
الشخصية.
يوجد اختزان جدي وكامل لتراثنا العلمي
والفقهي والاصولي
والفلسفي والتاريخي، وما عدا ذلك من المعارف
الاسلامية،
ولكنها لدى السيد الشهيد تعود لتغدو كانهاانتاج،
او ابداع
شخصي، بمعنى ان لدى الشهيد طاقة في تحويل الخبرة
السائدة الى معرفة جديدة. والسر في ذلك يعودالى ان
السيد
الصدر لم يكن يعتقد ان العالم هو كتاب متحرك... كان
ينظر
الى المعرفة على انها انبثاق حي وحيوي ومعاصر
وملامس
بصورة كاملة ودقيقة لتطلعات عصره وجيله... ثم ان
السيد كان
رجلا مستقبليا، فانت حين تستمع اليه وتحاوره فانك
تشعر من
دون شك بانه، بالاضافة الى هذه القدرة الفائقة على
اختزال
الماضي، مسكون بالمستقبل لدرجة ان هاجسه الاساس
هو
المستقبل اكثر من الماضي. وهذا ما جعله ينطلق مبكرا
في
اعادة انتاج الفكرالاسلامي على النحو الذي مكنه من
ان يحدث
نقلة نوعية في هذا الفكر وينجز مشروع معاصرة
حقيقية، ربما
كانت تحتاج الى عدد كبير من الرجال وعدد من
المؤسسات
ايضا، لكن السيد الشهيد استطاع ان يحدث هذه النقلة
النوعية خلال مدة قصيرة من الزمن بالمقارنة مع
الازمنة التي
تحتاج اليها مثل هذه النقلات الكبيرة في تاريخ
الفكر وفي
تاريخ المؤسسات جميعها. وتجلى ذلك في جميع ما
انتجه
السيد الشهيد، سوا على مستوى العلوم الاكاديمية،
اي
الفقه والاصول، ام على مستوى الفلسفة، ام على
مستوى الرؤية
الفكرية للازمة البشرية المعاصرة ولازمة الفكر
الاسلامي المعاصر. وبالتالي فان هذه المعارف التي
نتكلم عليها
جزء اساسي منها موثق في مؤلفاته التي يتيح الاطلاع
عليهاجزءامن معرفة السيد الشهيد، ولكن هذه المعرفة
من
وجهة نظري لا تكتمل الا بهذا النوع من التماس
الشخصي،
اوالمعرفة الشخصية للسيد الشهيد، وهذه القدرة
الفائقة على
رؤية الواقع ونقده.
واذكر ان السيد الشهيد، بالاضافة الى هذه
الاهتمامات الكثيرة
التي كان يواجه مسؤولياتها في الحوزة وفي
التاليف والكتابة،
كان يتابع بصورة دقيقة المميزات الفكرية وحتى
الشخصية
لدى عدد كبير من طلاب العلم آنذاك، وكان لا يقلل من
اهمية
اي موهبة، بل كان يشجعها، ويظهر وهو يشجع هذه
الموهبة
سوا كانت ادبية ام فكرية انه على المام
دقيق بالموضوع الذي
تنطلق منه هذه الموهبة وتصب فيه.
ولا انسى، هنا، ان اشير الى ان السيد، في جلساته،
واحيانا قبيل
وقت الدرس، كان حريصا على ان يظهر انه ليس مجردناقل
معرفة او حتى انه ليس منتجا للمعرفة بمعزل عن
الاهتمامات
الاجتماعية والسياسية التي تدور في عصره،
فكان يلمح، من
خلال بعض ما يرويه لطلابه، الى امور، ثم يتركهم،
بعد ذلك،
يفكرون بمغزاها وبما المح اليه هذا الرجل.ذات مرة
اذكر انه
تكلم على احد اساتذة الحوزة الكبار وكنا في مجلسه
فقال:
ان هذا الاستاذ الكبير الذي كان يدرس يوميا، والذي
كان حريصا
على ان يدرس في جميع الايام من دون عطلة، كان ان
حصلت
احداث سياسية دموية في عصره في العراق، فجا
الطلاب او
بعض الطلاب، وكانوا يعتقدون ان استاذهم سوف يعطل في
مثل هذا اليوم، ولكن الاستاذ جلس على عادته وفتح
الكتاب
وشرع في الدرس، ودرس الطلاب الموجودين، فساله
احدهم،
بعد انتهاالمحاضرة، او الدرس: كيف تدرس في مثل هذا
اليوم
الذي تعرف ماذا جرى فيه؟ فاجاب الاستاذ: ان هذا لا
يجوز
ان يعطل دروسنا على الاطلاق، فنحن نهتم بالدرس
وبالدرس
فحسب. وكان السيد، وهو يروي لنا هذا
الحادث،حريصاعلى ان
لا ينال من شخصية هذا العالم الكبير، ولكنه ترك لنا
هامشا
كبيرا لننتقد نحن هؤلا العلما الكبار الذين لم
يكونوا قادرين
على ان يعيشوا قضايا عصرهم، وكانوا يظنون اننا اذا
كنا
حريصين على الدرس فقط، نستطيع ان نحقق غاياتنا
ونقوم
بواجباتنا فيما السيد الشهيد كان يريد القول: ان
النجف الاشرف
ليست مجرد مكان لتلقي الدروس فحسب، بل هي، ايضا،
مكان
لتحسس المشكلات التي تعصف بعالمنا الاسلامي
وبالعراق
وبما حولنا، وان المدرس الكبير يجب ان يكون فيه شيء من نزعة القيادي المسؤول
الذي يعطي مساحة مهمة
للاحداث
الاساسية التي تدور في عصره، وان الدرس ليس كل شيء رغم
اهميته.
اقول: ان المرء، لو اراد ان يستطرد، لتكلم طويلا عن
مثل هذه
المميزات التي طبعت شخصية السيد الشهيد،
والتي كرسته
معلما متميزا في تاريخ النجف وفي التاريخ الفكري
والسياسي
الاسلامي المعاصر، وبالتالي فنحن نعتقد
ان مزيدامن تخصيص
الابحاث والدراسات عن هذه الشخصية هو جزء من تخصيص
الابحاث والدراسات عن مرحلة بكاملها وعن مفصل من
مفاصل
النهوض الفكري الاسلامي الشيعي بكامله.
ما موقع السيد الشهيد ودوره في تطور حركة الفكر
الاسلامي
المعاصر؟
يعد السيد الشهيد احد كبار المفكرين الاسلاميين
المعاصرين،... وتتصف شخصيته بالكثير من
المميزات والخصوصيات في انتاج المعرفة وفي المنهج
الذي
اسهم في ارسا حركة الفكر الاسلامي المعاصر
الراهنة. وهنا اود
ان اشير الى ان السيد الشهيد، بالاضافة الى
اهتمامه باطلاق
حركة الفكر الاسلامي المعاصر، كان مشغولا، بحكم
موقعه،بجانب اساسي هو الدراسات الحوزوية ومناهج
الدراسات
الحوزوية، وكانت حركته في هذا الاتجاه تحاول ان
تلائم
بين تطوير الدراسات الحوزوية وانجاز معطيات
ميدانية في
مجال الفكر الاسلامي المعاصر غير الحوزوي. ولعل
الظروف والمعطيات الضاغطة، داخل الحوزة في
العراق، كانت
مؤثرة الى درجة لم تتح الفرص والامكانات الكبيرة
لكي
يقدم السيد الشهيد نماذج اكثر كمية وكثافة مما
قدمه، ولكن
ضياع مثل هذه الفرصة لم يكن عبثيا ، وانما كان لحساب
ما
انجزه على مستوى التطوير المنهجي للدراسة
الحوزوية نفسها،
ونحن ندرك ان تطوير مثل هذه الدراسة هو نقلة نوعية
لكي يكون العالم المسلم المتخرج من هذه الحوزة
معدا لان
يسهم في حركة تطوير الفكر الاسلامي المعاصر
والاجابة
عن الاسئلة التي تتحدى هذا الفكر.
سوف اشير، هنا، الى عمل فكري فلسفي تفسيري قام به
السيد
الشهيد، وهو عمله المتعلق بالتفسير الموضوعي
للقرآن الكريم.
نحن نعرف ان السيد الشهيد، عندما اطلق هذه
الاطروحة، بدا
كانه يقترح مجرد منهج للتفسير يتميز ببعض الخصائص
الايجابية التي لا توجد في مناهج التفسير القديم،
حيث اقترح
ان يكون التفسير الموضوعي على هذاالشكل: انت تستحضر
مشكلة من المشكلات التي تواجهها في عصرك، ثم تذهب
الى
القرآن الكريم، فتساله عن هذه المشكلة، فيجيبك
القرآن
الكريم عنها. بعضهم راى ان مثل هذا التفسير
الموضوعي
موجود من خلال الموضوعات الاسلامية التي بحثها
مفكرون
اسلاميون وكتاب اسلاميون واستشهدوا عليها بالقرآن
الكريم،
قالوا: ان هذا هو ايضاتفسيرموضوعي. انا اعتقد ان ما
يرمي اليه
السيد الشهيد، ويريد ان يغرسه ويرسيه في الوجدان
الفكري
والعلمي لطلابه وللمثقفين المسلمين هو ان هناك
فاصلا بين
المعرفة الاسلامية وبين الهموم التي تتراكم شيئا
فشيئا عبر
التطور السريع الذي شهدته القرون المتاخرة. كان
السيد
الشهيد لا يستطيع ان ينتقد بصورة مباشرة المعرفة
الموروثة،
ويريد معرفة مستقبلية. اراد، من خلال التفسير
الموضوعي، ان
يدفع بالمثقف، او المفكر، او طالب العلم المسلم،
الى التفكير
في العصر وفي مشكلات العصر اكثر فاكثر، وان يجعل
من هذا
الطالب، او هذا المفكر، عنصرا فاعلا في استقرا
المعطيات الجديدة والمتجددة باستمرار للقرآن
الكريم، والتي
حرم القرآن الكريم منها لان الكثير ممن يقراونه
ويريدون
تفسيره يلجاون، دائما، الى من فسره في السابق.
السيد الشهيد
الذي يشير الى ان القرآن هو نص متجدد كان يريد ان
يربط
هذه المقولة بمسار حيوي ومسار تطبيقي، اي ان هذا
القرآن ما
دام هو كلام اللّه المتجدد، فاذا علينا ان نكون على
معرفة
بمايتجدد من قضايا الفكر والوجود والاجتماع
الانساني لنسال
القرآن عنها.
هذا ينطلق من عنوان اساسي هو ما اشرت اليه سابقا،
ومفاده ان
السيد الشهيد كان عقلا مستقبليا، وكان يدرك ان
الامة الاسلامية عاشت قرونا من الجمود، ما جعلها
امة غير فاعلة
وغير منتجة في عصرها، وان اعادة الامة الى موقع
التفاعل والانتاج والابداع في عصرها يتطلب اختراق
هذا القدر
الكبير من العصور الجامدة، التي لم تبدع فيها هذه
الامة.
وهذايتم عبر التفكير في قضايا المستقبل، وبالتالي
في قضايا
المعرفة التي انتجتها مسيرة الانسان. انا لم اجد
مفكرا
اسلاميا،على اهمية حرصه على الاطروحة الاسلامية،
متعاطفا
مع الانجازات الفكرية الانسانية بالدرجة التي وجدت
عليهاالشهيد الصدر، فهو حتى في مجال تفنيده
ومناقشته لما
انتجته الفلسفات الحديثة فانك، لا شك، سوف تشهد هذا
النوع من التنويه والاعجاب بكثير من المسائل التي
حققتها
هذه المعرفة الحديثة، وهذا يتجلى سوا في كتابه:
«فلسفتنا»
او«اقتصادنا»، وبصورة اساسية يتجلى في كتابه
«الاسس
المنطقية للاستقرا» التي يبدو فيها السيد الشهيد
فيلسوفاحقيقيا ،فيلسوفا يشكل حلقة من حلقات
الفلسفة
الكبيرة في عصرنا، وهذا لا يمكن ان يتم من دون
تماس واهتمام فعلي واعجاب فعلي بالنتاج الفلسفي
الانساني
الاسلامي وغير الاسلامي، وكان بعضهم يرى ان مثل هذا
الانتاج لا علاقة له بالاهتمامات الحوزوية
والدينية، وفي هذا
اقدر ان السيد الشهيد عندما انجز مثل هذا الكتاب:
«الاسس
المنطقية للاستقرا» كان يرمي الى ان يجعل اهتمام
الحوزة
العلمية الدينية ينصب في مثل هذه الاتجاهات التي
كان يراهن
على انها هي التي ستشكل رافعة التغيير والتطور
باتجاه فكر
اسلامي معاصر وفاعل ومنتج يحقق هذه النهضة الحديثة.
قدم السيد الشهيد نظرية في تحصيل المعرفة وتقديمها
تتمثل
في عدد من كتبه منها: «فلسفتنا» و«الاسس
المنطقية للاستقرا». بم تتميز هذه النظرية من
سواها؟
في «فلسفتنا» السيد الشهيد ينجز حلقة اولى من
تفكيره
الفلسفي ومن اسهاماته الفلسفية في عصرنا، لكن
الطابع الاساسي ل «فلسفتنا» هو انجاز نقدي، يعني
ان السيد
الشهيد حاول ان ينتج ملامح فلسفة اسلامية جديدة، او
مختلفة من خلال المنهج النقدي للفلسفة الماركسية
(المادية) بصورة اساسية. في كتابه «الاسس المنطقية
للاستقرا» فان السيدالشهيد انتقل الى طور اعلى،
حاول ان
ينتج جانبا اساسيا من نظرية المعرفة الاسلامية.
نحن نعرف ان الفلاسفة المسلمين هم من المسهمين
الاساسيين في تاريخ الفلسفة بانتاج نظرية المعرفة،
ولكن
السيدالشهيد، كجميع المفكرين الكبار، يدرك ان
نظرية
المعرفة لم تكن نظرية فلسفية تم انتاجها لدى
الفارابي وابن
سيناوحتى الفلاسفة الغربيين، وانتهى امرها عند هذا
الحد، فان
كل تطور في الفكر الانساني وفي الفلسفة وفي العلوم
سوف يكون عاملا جديدا من عوامل اعادة النظر في
الاسس
التي استندت اليها نظرية المعرفة، وجا كتابه
«الاسس
المنطقية للاستقرا» متميزا، اذ انه ينتج مفهوما
اسلاميا ابداعيا
لنظرية المعرفة، جا ليحتوي على معطيات نقدية
لنظرية
المعرفة منذ ارسطو وصولا الى عصرنا الراهن،
وليضيف الى
ذلك عنصرا جديدا هو نظرية الاحتمالات. دخل السيد في
آخراهتمامات الفلسفة الحديثة، وادخل نظرية
الاحتمالات في
هذه الاطروحة الفلسفية المهمة، بصورة منهجية علمية
دقيقة اعاد فيها الاعتبار الى المنهج العقلي.
السيد الشهيد هو
احد رواد المنهج العقلي في الفلسفة، وفي نظرية
المعرفة بالذات، ولكن ليس مجرد نسخة عن القائلين
بهذا
المنهج العقلي، فقد بلور هذا المنهج بصورة مبتكرة،
مستفيدا،
بشكل كبير، من استيعاب هذا المنهج العقلي الذي بدا
منذ
اليونان وصولا الى الفلاسفة المسلمين، وفلاسفة
العصور
الوسيطة الى عصرنا الراهن. وانتج، من خلال ذلك،
ومن خلال
نزعته النقدية لهذه المدارس، ومستفيدا من معرفته
الدقيقة
ب آخراهتمامات الفلسفة الغربية، ومنها نظرية
الاحتمال،
لينشى هذا البنيان الفلسفي الذي استطيع ان اصنفه
بانه جزء
من اعادة الاعتبار لنظرية المعرفة واعادة طرحها
من جديد
على مستوى عصرنا وادخال الحيوية الاسلامية الى
هذه النظرية.
وبنظرية الاحتمالات، وهي نظرية استخدمت في العلوم،
وفي
الفلسفة العلمية تقريبا، استطاع السيد الشهيد ان
يثبت
من جديد وجود اللّه سبحانه وتعالى، وان يكافح
الاتجاهات
الالحادية التي حاولت ان تستخدم نظرية الاحتمال
نفسهالتثبت الارا الالحادية. ومما يقوله السيد في
ادبيات هذا
الكتاب: ان «الاسس المنطقية للاستقرا»، علاوة على
تماسكه المنهجي، قلص فرصة الملحد الى نسبة واحد
الى
مليارين على الاقل. اذا كان احتمال وجود اللّه وعدم
وجوده متساوياعند بعضهم، فان ادخال نظرية
الاحتمال الى
الفلسفة في المجال الالهي اثبت ان فرصة الملحد
للقول
بالالحاد لاتتجاوز واحدا على مليارين فقط. وانا اود
الاشارة اليه
لاننا نفتقد مثل هذا التماسك المنهجي. هذا الترابط
الهرمي
الذي يبدا من القاعدة وينتهي الى ذروة معينة غير
موجود،
بصورة دقيقة، في انجازاتنا الفلسفية بعد عصور ابن
سينا
والفارابي وابن رشد وغيرهم. ولا استطيع القول ان
انجازات
الشهيد الفلسفية متضمنة في انجازات «صدر
المتالهين» وغيره
على اهميتهم، ففي انجازاته وحده، في مجال
الفلسفة، يوجد
تجديد لم نلحظه عند مفكر اسلامي معاصر على الاطلاق.
يعد السيد الشهيد رائدا في مواجهة مشكلات العصر
الاقتصادية.
ما الذي اضافه في هذا المجال، وبخاصة في
كتابيه:«اقتصادنا»
و«البنك اللاربوي في الاسلام»؟
انا اعتقد ان اهمية كتاب «اقتصادنا» لا تكمن في
درجة انجازه
للنظرية الاقتصادية الاسلامية بقدر ما تكمن في
النقدالاسلامي المتنور للاسس والمرتكزات التي
تقوم عليها
النظريات الاقتصادية والماركسية، يعني الاقتصاد
الموجه.
السيدالشهيد، في كتاب «اقتصادنا»، انجز الاسس
والمنطلقات
التي تمكن الباحثين النشطين والطموحين من ان
يحققوا
هذاالهدف، وهو اقامة نظرية اقتصادية اسلامية، على
الرغم من
انني اشك في ان السيد الشهيد من الذين يعتقدون
بامكان انجاز نظرية اقتصادية شاملة وحاسمة
ونهائية، فهو
تحدث بصورة واضحة، وخصوصا في كتابه راطروحته
«البنك اللاربوي» عما يسمى بمناطق الفراغ في
الاحكام وفي
الشريعة الاسلامية، وكاني به يريد ان يلمح او يصرح
بان ما
هومناطق فراغ شات الحكمة الالهية ان ينجز ملؤها
بالجهد
البشري، فهو اذا من الذين يرون ان الانجاز البشري
هو جزء
من عملية انجاز التاريخ وليس الاحكام الشرعية
وحدها، بدليل
ان الاحكام الشرعية في شان الاقتصاد تقدم توجهات
عامة ومبادى عامة، من ينجز هذا المسار الفعلي
التاريخي
للاقتصاد؟ ينجزه الناس المسلمون في مثل حضارتنا
الاسلامية وفي مثل مجتمعنا الاسلامي. فالسيد
الشهيد لم يكن
يدعي انه يقدم اطروحة شاملة للاقتصاد الاسلامي،
ولكنه
كان يريد ان يشير الى ان الاقتصاد الاسلامي وعلوم
الاقتصاد
هي امور ينجزها الناس، ينجزها البشر، ولكن المبادى
العامة هي
التي تراقب هذه الانجازات وتضع الارضية الفلسفية
لها.
اذن الاقتصاد الاسلامي، في كتاب «اقتصادنا»، هو
اقتصاد
ينتمي الى بنية فكرية، ويتاسس على قاعدة فكرية
مختلفة
عن القاعدة التي يقوم عليها الاقتصاد الراسمالي،
ومختلفة عن
القاعدة التي يقوم عليها الاقتصاد الماركسي، وهذا
ما
حرص السيد على ان يبلوره في كتاب «اقتصادنا». اي ان
للاقتصاد الاسلامي مرجعية فكرية يجب ان تستعيدها،
ويجب
ان نحقق هذه المرجعية الفكرية من خلال العودة الى
الكتاب
والسنة من جهة، ولكن ايضا من خلال مناقشة
الاطروحات الاقتصادية العالمية الراهنة الموجودة
حاليا،
مناقشتها فلسفيا، لان كل نظرية اقتصادية خلفها
نظرية
فلسفية من جهة اخرى. وهذه المحاولة في الحقيقة
بداية، جا
«البنك اللاربوي» ليشكل تطبيقا عمليا لهذه
الاطروحة
النظرية،فاقترح بنية للبنك اللاربوي، لكنه، في
الوقت نفسه،
راى ان هذه الاطروحة ليست اطروحة نهائية، فانك
تستطيع
ان تقدم اطروحة للبنك مختلفة عن الاطروحة التي
تقدمها في
ظل بنية اقتصادية ربوية تتحكم بعالمنا الراهن، فهو
حاول اذن
ان يوفق بين اطروحة بنكية لا ربوية في ظل اقتصاد
ربوي
مطروح علينا في هذه المرحلة الزمنية من عالمنا
وبين فكرة ان
يكون هناك بنك لاربوي، ولكن في اطار احكام الاسلام
جميعها، يعني انه قدم مشروعا، لامكانية قيام
بنك لاربوي حين
يتاح للمجتمع ان يطبق احكام الاسلام بصورة
متكاملة، وقدم
امكانيات فقهية لتعامل لاربوي في ظل الواقع
الربوي الراهن
حاليا.
هذا ما تتضمنه اطروحة «البنك اللاربوي» التي تشكل
تطبيقا
ميدانيا لنظريته، او لمحاولته النظرية التي اطلقها
في
كتاب «اقتصادنا» التي ناقش فيها بعمق الاسس التي
ترتكز عليها
الراسمالية والاشتراكية في آن واحد.
الى من كان يتوجه الشهيد الصدر في خطابه التجديدي،
هل
كان يتوجه الى طائفة معينة او الى
المسلمين جميعهم؟
السيد الشهيد مرجع ديني، او على الاقل، وفي
البداية، مشروع
لمرجع ديني في حوزة النجف الاشرف، ولكنه كان يحمل
هموما تتجاوز ذلك. انه كان يعيش قضية التجدد
الحضاري
الاسلامي بصورة شاملة.
انا اعتقد ان السيد الشهيد لم يكن يتوجه الى طائفة
معينة، وان
كان يعيش في داخل طائفة معينة، وبالتالي
يراعي معطيات
تاريخية لطائفة معينة، ولكنه كان يتوجه الى ابعد من
ذلك
بكثير. واذا اخذنا انجازاته الاسلامية الفكرية
للاحظناانها تتجه
الى المسلمين جميعا، اي تتجه الى هموم التجدد
الحضاري،
واحداث النقلة النوعية في التجدد
الحضاري للمسلمين، وكان
يحاول ارسا نهضة اسلامية حديثة هي على صلة، من دون
شك، بما نسميه عصر النهضة في اواخرهذا القرن الذي
يشكل
جمال الدين الافغاني ومحمد عبده وآخرون رموزه
المعروفة
في ذلك الحين، لكن بعد مرور اكثرمن سبعين سنة على
قيام
هذه النهضة بدا ان بنية الفكر الاسلامي باتت بحاجة
الى تجديد
هذه النهضة، فكان السيدالشهيد احد الاعلام
البارزين في
العمل على تجديد هذه النهضة الاسلامية. وبطبيعة
الحال لا بد
من ان يكون التوجه،هنا، للبنية الاسلامية بصورة
عامة، وان
كان المرتكز الذي انطلق منه السيد الشهيد هو الحوزة
العلمية
في النجف الاشرف والتي تعبر، بصورة تاريخية، عن
الطائفة
الشيعية، اي الشيعة الاثني عشرية.
تحدثتم عن سعي السيد الشهيد لانجاز التجدد الحضاري
الاسلامي، هل كانت لديه رؤية الى ما يسمى اليوم
ب «حوارالحضارات»؟ نحن نطرح هذا السؤال ونعلم
انكم
معنيون بهذا الامر. بالتاكيد، وهذا ما اشرت اليه في محاضرة عن «حوار الحضارات»، فاننا نصنف، بصورة مباشرة وبالبداهة، السيد الشهيدالصدر بوصفه احد كبار دعاة الحوار الحضاري، حوار الحضارات وليس صراع الحضارات، بل يمكننا القول ان السيدانجز شوطا كبيرا في مجال حوار الحضارات، خصوصا اذا فهمنا حوار الحضارات بوصفه مفهوما مركبا وليس بسيطا، لان جزءا من حوار الحضارات له طابع صراعي، كما ان جزءا من صراع الحضارات له طابع حواري. السيد الشهيد الذي يقارع الحضارة المادية او الحضارة الراسمالية او الاشتراكية الماركسية، في الحقيقة لم يكن يقارعها لالغائها، انه كان محاورا حصيفا لهذه الحضارة الغربية يتركز همه على اظهار العناصر الحيوية في الفكر الاسلامي والبنية الاسلامية التي تمكنها من ان تكون محاورة لهذه الحضارة ذات الوجهين الراسمالي والاشتراكي. ان الاسلام يمتلك المعطيات التي تمكنه من ان يكون محاورا فعليا وصولا الى العقيدة التي يتضمنها فكر الشهيد الصدر، وهي ان يكون الاسلام موجها الى العالم كله، ولكن بالتاكيد السيد لم يستعمل مصطلح الحوار الحضاري، وربما يكون قد استعمله ولكن لا اذكر، الا انه كان منغمسا فيه الى ابعد حدود الانغماس، وكان فاعلا فيه الى ابعد حدود الفاعلية، فهو الذي فتح العقل الاسلامي على مثل هذا الحوار في مساحة واسعة من المسلمين ومن المفكرين المسلمين ومن علما المسلمين، وبالتالي فانه يشكل جزءا من تراثنا الحديث باتجاه ارسا قواعد حوار الحضارات واسسه في مواجهة نهج صراع الحضارات. نهج السيدالشهيد ينطلق من التكامل، وهو يدين ادانة كاملة منهج الصراع، اي التنابذ، اي النفي والنفي المتبادل في البنية الانسانية،فهو اذا احد كبار المفكرين الانسانيين ايضا بالاضافة الى كونه مفكرا اسلاميا.
|
|---|