2- يتعين على الخطيب، اضافة الى ترس مه المنهج الحوزوي، ان يحقق اتقان الاليات ذات العلاقة بفن الخطابةالحسينية، لان ذلك من اول شروط المنبر الناجح، على ان تكون هذه الامور مسايرة للتطور اداء ومضمونا، ومنسجمةمع ضوابطنا الشرعية والاخلاقية، وحاملة لسمات عقيدتنا في خطوطها العامة، ومتصفة بالبعد عن المبالغاتوالتهويلات، الامر الذي يجعلها مستساغة، وبالاختصار ان تكون وفق المواصفات السليمة.
ان هذه الاليات المذكورة هي العنصر الفاعل في جذب
الجمهور الى المنبر، ومن ثم مخاطبته وفق المستويات
التييخضع لها، من حيث الزمان والمكان والهوية
وغير ذلك
مما يحدد آفاق المستمعين. وينبغي الا يحرص الخطيب
علىمجرد ارضاء المستمعين بالنزول الى مستواهم
وما يتوقون
اليه، خصوصا اذا كان يؤدي الى الهبوط بمستوياتهم،
لا بد
منمحاولة الارتقاء بهم تدريجا وبهدوء. ان بعض تلك
الممارسات حتى لو كانت سائغة شرعا، لكنها اذا كانت
تودي
الى مايهبط بجمهورنا، ينبغي الابتعاد عنها، ان
عملية الانتقاء
هنا ضرورية ينبغي ان ترضي مزاجنا الديني، وان كانت
لا
ترضيالخطيب او الجمهور، ذلك ان الخطيب حامل
رسالة،
والرسالة تبني وان كانت عملية البناء متعبة تكلف
جهداومعاناة.
3- انطلاقا من ذلك اصبح لا بد من عملية انتقاء لمن
يمارس
الخطابة، بمعنى انه ينبغي الا يكون الباب مفتوحا
امام منيريد
سلوك هذا الطريق ما لم يحمل المؤهلات، ولو بالحد
الادنى،
وليس من المحتم دخوله هذا السلك، بل يمكنتيسير
السبيل
امامه الى اداء رسالة عن طريق الحوزة التي لا ضرورة
فيها
للشروط المطلوبة من الخطيب مما سنشير اليه.اننا
بذلك
نحقق للمنبر ما هو ضروري له ولطالب اداء الرسالة ما
يحفظ له
مكانته ولا يعرضه للضياع لفقدان الشروطالمنبرية
المفروض
ان تتوافر لديه. كما نرى كثيرا ممن يمارس الخطابة
ولا تتوافر
له الظروف المطلوبة، فيكون عرضةللضياع واهدار
عمره في ما
لا يعود عليه بالمطلوب.
ولعل ابرز ما قد يحتاجه الخطيب هو:
ا- حسن المظهر ووجاهته في حدود معقولة، وينبغي الا
يتصف
الخطيب بما يغاير ذلك.
ب- ان يكون ممن رزقه اللّه تعالى صوتا جيدا مرنا
وقابلا
للتكيف مع الحالات المطلوبة في الاداء، لان حاجته
لذلكشديدة، بحكم كون الصوت الجيد عامل جذب مهما
للجمهور.
ج- ان يكون ذا حافظة سليمة لخزن المعلومات وليس من
المبتلين بعكس ذلك.
د- ان تكون عنده موهبة حسن الاختيار، سواء كانت
ذاتية ام
مكتسبة، مع قدرة على التحرك بهذه الموهبة في
المواقفالمطلوبة.
ه- كونه من ذوي السمعة الحسنة، ومن دون ذلك يفقد
التاثير
ولا يعتنى بقوله.
و- ان يكون قد اجتاز مدة من التدريب والتلمذة تحقق له
النضج في الخطابة والتحلي بخواص المنبر التي
يكتسبها
منمجموعة، وليس من واحد، لانها قد لا تكون مجموعة
عند
واحد فياخذ من كل منهم ما هو متميز به.
هذا اقل ما ينبغي ان يكون عند الخطيب، ليكون مؤهلا
للقبول
في ما يمارسه من عمل المنبر وحتى نكون قد
اخترناللمنبر من
هو مؤهل ومهيا لاداء هذه الرسالة، والا فليس من
الصحيح ان
نضعه في غير مكانه فنسيء له من ناحيةولرسالته من
ناحية
اخرى.
كيفية تجسيد الرؤية
هذه هي ابرز الامور التي بقيت في ذاكرتي مما دار
حوله
الحديث مع السيد الصدر (قدس سره). بقي ان اذكر ما
تمالتداول حوله في كيفية تجسيد ما انتهينا اليه
نظريا، وان
كانت هذه مسالة تحتاج لجهد، ولكنها غير متعذرة،
ولقد
استقرالراي على الخطوات الاتية:
1- ان يتم العمل لذلك بهدوء، ومن دون واجهات بارزة،
وانما
بعمل بسيط وفي خطوات حذرة، ومن دون
استفزازللاخرين،
مع التبين بعد كل خطوة في مدى صوابها قبل البدء
بالخطوة
الثانية، وذلك تحاشيا لمضاعفات. وهذه
الاموراستفدتها قبل
ذلك من تجربة «جمعية منتدى النشر العلمية» في
النجف
الاشرف عند البدء بتاسيس معهد الخطابة الذيانتهى
الى
الاخفاق، فلا ينبغي ان تتكرر تلك التجربة ما دام
معظم العوامل
لا يزال قائما بالفعل.
2- ان يتم اختيار مجموعة، من المامولين، يتراوح
عددها بين
الخمسة والعشرة اشخاص تكون خميرة
التجربةوالانموذج
الممثل لما يراد الحصول عليه من المنبر ليطرح في
الساحة،
واذا قدر له النجاح فسيخدم فكرة ايجاد
مؤسسةللخطابة.
3- لا بد من تحضير الوسائل اللازمة من مفردات
المنهجين
الحوزوي والخطابي في حدود القدرات المتاحة حتى
يبداالعمل فورا، ونكسب بذلك الوقت لئلا يبرد
الحماس حول
الموضوع.
4- مما يكلف به هؤلاء الطلاب، وفي اثناء الدراسة،
تاليف
مواضيع خطابية متنوعة ويسايرهم الاستاذ في
خطواتهمحول
ذلك، ثم يكلفون بقراءتها في مجلس يتم فيه حضور
زملائهم،
ويتم تبادل الاراء حول تلك المواضيع، ويستفاد
منملاحظات
الحضور، ويكون ذلك تدريبا ميدانيا يعمل على تاهيل
الخطيب
وتوفير التسديد له مما قد يتعرض له من تعثرفي طريقه.
5- يفترض وجود حد ادنى لا بد من ان يصل اليه الخطيب
قبل
ترشيحه لممارسة رسالته، ويترك الباقي لما يحمله
هومن
كفاءة وقابلية في ساحة المنبر.
6 -في اثناء ذلك، يتم ترويض اذهان الجمهور لقبوله عن
طريق
التنويه به والاشادة بمؤهلاته واعلان اجتيازه
للامتحان،فيما اذا
اجتازه بنجاح، ويتم هذا التنويه به في الداخل
والخارج بوساطة
المعنيين بهذه الشؤون في كل بلدة تحتاج الىخطيب
في
ذكرى الحسين (ع).
7- اذا تم له اجتياز العقبات ينصرف الى العمل، والا
لا بد من
العمل على توجيهه لساحة اخرى كما اسلفنا، حيث
تتعددساحات الحوزة من تخصص او كتابة او تدريس
وهكذا.
8- ليس من الضروري ان تكون فعاليات الدراسة هذه في
محل
معين خاص، بل تتم على نمط الدراسة الحوزوية
الحرةفي
مسجد او بيت او مؤسسة، الى ان يتاح لنا الوصول بعد
ذلك الى
مدرسة متخصصة.
9- في ما يخص المنهجين المذكورين من الدراسة
الحوزوية،
والدراسة الخطابية فقد تكفل السيد (قدس سره)
بالمنهجالاول عن طريق توفير المدرسين والكتب. اما
المنهج
الثاني فقد اتفقنا على ان اقوم انا، مع اثنين من
زملائي
اللذيناختارهما، بتهيئة المنهج الثاني. نقوم
بذلك معا ونضع ما
نملكه من خبرة بين يدي الشريحة المذكورة من الطلاب.
تلك هي الخطوط العامة لفكرة النهوض بالمنبر وخدمة
خطباء
المنبر، ليكونوا منافذ الى المعارف الاسلامية
ومياديناهل
البيت، وليحققوا التلاحم بين الامة وقادتها
الروحيين، كما هو
الحال عند بعض الشعوب الاسلامية التي يقودهاالفكر
الاسلامي
بوساطة المبلغين ودورهم المهم في الثقافة
الاسلامية العامة.
الروح الموسوعية عند السيد الشهيد
بعد ذلك، لا تفوتني الاشارة الى امر مهم، الا وهو
هذه الروح
الموسوعية عند الشهيد الصدر التي لم تشغلها
مشاكلتاسيس
حوزة علمية رائدة، ولا اعباء مرجعية بدات واخذت
تنمو
وتتسع، ولا المواجهة مع تيارات وافدة ونظم
عاتيةفتحت
عينيها واخذت تتحسس الخطر من فكر مسلم ياخذ طريقه
للانتشار، ويعمل على غير المالوف والتقليدي
فيالمناهج، ما
وقفت عند ذلك بل امتدت لتحمل هموم المنبر بوصفه
جزءا
مهما من الجانب الاسلامي الاعلامي.
لقد كان يلح للبدء بالعمل في اقرب وقت، وكانه يحس
احساسا
داخليا بقلة مكثه في هذه الحياة، وان ضمن ذلك
ببقاءفكره
حيا. وعندما اتفقنا على مهلة قصيرة لاعداد المقدمات
لذلك
كان يوصي بتقصير المدة والمسارعة لذلك.
وبداتبالتوجه
لذلك والاستفادة من تجارب المنبر في بلدان اخرى
واستعراض السلبيات والايجابيات المتصورة.
وحدثاثناء ذلك
ما يوجب خروجي من العراق لبعض الامور الى سورية
بامل
العودة قريبا، وتصاعدت الاحداث واعتقلالسيد ولم
يخرج من
المعتقل الا الى مثواه الاخير في جدث ضم جسده،
وبقيت
روحه تتحدى الفناء وتسرحافكارامضيئة في دروب
السائرين
للاصلاح، وطويت تلك الامال وان لم تمت.
الامل بمرجعياتنا
ولنا امل كبير بمرجعياتنا العتيدة، سدد اللّه
خطاها، في ان
يكون المنبر من همومها ومن بعض ما تعمل على انجازه
منمهمات، ولا احسبها غافلة عما للمنبر من مكانة
مهمة. وما
من جهة هناك غير المرجعية متعينة للقيام بهذا
العمل،
وذلكلاسباب كثيرة استعرضتها في كتابي: «تجاربي مع
المنبر». وانا عندما اقترح ذلك لا اريد ان اعلم
المرجعية
تكليفها، وهيان شاء اللّه ممن لا يقصر في عمل كل
ما يخدم
الدين والعقيدة، ولكنني في قلب الساحة واعيش اجواء
المنبر
وادركمدى تاثيره على القاعدة العريضة من الناس،
ولا ينبغي
لمثل هذه الوسيلة المهمة ان تهمل. ولعلنا نسال عنها
بين
يدياللّه تعالى يوم نلقاه باعتباره مما يقرب
للطاعة ويبعد عن
المعصية، وذلك من صميم ما يتعين على الائمة القيام
به.
فروض الوفاء للريادة الملهمة
وفي ختام هذه الالمامة البسيطة بموضوع هموم المنبر
عند
الشهيد الصدر، لا بد من الاشارة الى ان هذه المسالة
ليستالفكرة الرائدة الوحيدة في النهوض بالمنبر،
فلقد كانت
الريادة في مجمل افكاره التي كانت رائدة في البعد
الاجتماعي،والبعد الاقتصادي، والبعد الاخلاقي،
والبعد
التاريخي الخ...، ولا تعوزنا البرهنة على ذلك فهي
قائمة في ما
ترك منكتب قيمة غطت هذه الابعاد.
اما ما كان يطرقه في احاديثه ومداولاته فهو مما لا
يقل اهمية
عما كتبه، يعرف ذلك كل من اتيح له ان يعايشه
ويستمعلاحاديثه.
بقي ان اقول: ان في ذمتنا نحن الذين عاصرناه
وتفاعلنا مع
افكاره امانة، وهي ان ننقل الصورة المشرقة التي
رسمها
فياذهاننا معايشة وفكرا، ننقلها لمن لم يره ولم
يعايشه، وهم
ايضا بدورهم يتعين عليهم ذلك ليبقى الصدر شعلة
متوهجةفي الافكار. ان ذلك اقل فروض الوفاء
للريادة الملهمة. رحم اللّه الشهيد محمد باقر الصدر برحمته الواسعة، وجزاه بقدر ما اتسع له قلبه الكبير من هموم، وبقدر ما حمله فكرهمن عطاء وكرم، وما لم يبتعد في مسيرته عن خطوط دماء الانبياء وابناء الانبياء. والحمد للّه اولا واخيرا. التفسير الاسلامي للتاريخ
ودور الشهيد الصدر فيه
الاستاذ صائب عبد الحميد
اولا اسهامات المسلمين في
تفسير حركة التاريخ
ان الاسهامات الجادة في تفسير التاريخ جاءت، عند
الاسلاميين، متاخرة كثيرا قياسا بغيرها من العلوم
التي ابدع
فيهاالمسلمون مبكرا وقدموا فيها نتاجا غزيرا
ومعمقا، كالفقه،
والتفسير، والحديث، والقراءات، والنحو،
والاداب،والاصول،
والكلام، والترجمة، والفلسفة، والتدوين التاريخي،
والجغرافيا،
وعلوم الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء،والطب،
والفلك وغيرها.
الامام علي بن ابي طالب (ع)
واذا كنا نجد، في برامج الامام علي (ت 40ه) (ع) وخططه
التنظيمية، مادة مهمة في تفسير حركة التاريخ،
سابقة
فيعصرها اي اثر عالمي في هذا المضمار، فقد بقيت هي
نفسها
من دون ادنى زيادة تذكر، او تفصيل او تعليق، حتى
اوائلالقرن
السادس الهجري، حيث ظهرت من جديد في مشروع ابي بكر
الطرطوشي (ت 520ه).
لقد تناول الامام علي (ع)، خلال تنظيره للسياسة
المدنية في
الاسلام، محاور مهمة تدخل في اطار حركة التاريخ،
منقبيل
العوامل المسهمة في صناعة الحضارة، وعوامل نمو
الدولة
واسباب انهيارها.
فعلى مستوى المحور الاول العناصر التي تقوم بها
الدولة:
قسم المجتمع الى «طبقات» «لا يصلح بعضها الا
ببعض»،
و«لاغنى ببعضها عن بعض..»، وهذه الطبقات هي: الجنود،
والقضاة، والعمال، والكتاب، والتجار، والصناع،
وعامة الناساهل
الحاجة والمسكنة.
فالجنود باذن اللّه حصون الرعية، وزين الولاة، وعز
الدين،
وسبل الامن.
ثم لا قوام للجنود الا بما يخرج اللّه لهم من
«الخراج».
ثم لا قوام لهذين الصنفين، الا بالصنف الثالث من
«القضاة
والعمال والكتاب»، لما يحكمون من المعاقد
(العقود)،ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من
خواص
الامور وعوامها.
ولا قوام لهم جميعا الا ب«التجار وذوي
الصناعات»..
ثم «الطبقة السفلى» من اهل الحاجة والمسكنة الذين
يحق
رفدهم (مساعدتهم وصلتهم) ومعونتهم.. «ولكل على
الواليحق بقدر ما يصلحه» ((419)).
وهكذا تكون طبقات المجتمع المتكاملة المتآزرة
بمثابة
الاركان التي تقوم عليها الدولة ويستقر امرها.
وفي المحور الثاني كيف تحافظ الدولة على نمو مطرد؟
عالج
الامام (ع)، في سياسته المدنية، الامور التي تحافظ
علىتماسك المجتمع والدولة، وتدفع بالحضارة الى
امام، فهو
يكتب الى واليه على مصر، مالك الاشتر، دستورا
تفصيليا
فيعناصر المجتمع، والعوامل الاساسية في نمو
الكيان
الاجتماعي وتطوره، ما يمكن تلخيصه في النقاط
الاتية:
ا «تفقد امر (الخراج)، بما يصلح اهله» برعاية
مصالح الطبقات
التي يعود خراجها الى الدولة، نتاجا وثروة
وقوة«لانالناس كل
هم عيال على الخراج واهله» ((420)).
ب «وليكن نظرك في (عمارة الارض) ابلغ من نظرك في
استجلاب الخراج، لان الخراج لا يدرك الا
بالعمارة» .
ج «وان ((421))
افضل قرة عين الولاة: استقامة (العدل) في
البلاد، وظهور (مودة) الرعية» ((422)).
د «ان اللّه بعث رسولا هاديا بكتاب ناطق وامر قائم...
وان في
(سلطان اللّه) عصمة لامركم فاعطوه طاعتكم..» ((423)).
هذه هي عناصر نمو الدولة وتقدمها الحضاري المطرد،
اصلاح
الخراج، عمارة الارض، العدل، مودة الرعية،
الطاعةلسلطان اللّه.
ثم في المحور الثالث اسباب ضعف الدولة وانهيارها:
نجد انه
قد وضع يده على عناصر اساسية سيعتمدها
فلاسفةالتاريخ من
بعده، وقد اوجزنا مادته الغزيرة في خمسة امور، يمثل
كل واحد
منها عاملا من عوامل تدهور الحضارةوسقوطها، وهي:
ا انتشار البدع الضالة في المجتمع: «ان المبتدعات
المشتبهات (البدع الملتبسة بثوب الدين) هن
المهلكات»
. ((424))
ب التمرد على سلطان اللّه: «ان في سلطان اللّه عصمة
لامركم، فاعطوه طاعتكم غير ملومة ولا مستكره
عليها..
واللّهلتفعلن او لينقلن اللّه عنكم سلطان الاسلام،
ثم لا ينقله
اليكم ابدا حتى يازر (يرجع) الامر الى غيركم» ((425)).
فعندئذتفقدالدولة سلطانها، فينتقل السلطان الى
طائفة اخرى
او دولة اخرى.
ج استئثار المالكين وظهور الترف والتمايز الطبقي
الذي
يؤدي الى انتشار الفقر: «وانما يؤتى خراب الارض من
اعوازاهلها..».
«وانما يعوز اهلها لاشراف انفس الولاة على الجمع..
وقلة
انتفاعهم بالعبر» ((426)).
د ظلم الحكام: «وليس شيء ادعى الى تغيير نعمة
اللّه وتعجيل
نقمته من اقامة على ظلم» ((427)).
فهذه هي اسباب تدهور الدول والممالك وسقوطها
وانتقال
سلطانها الى دولة جديدة، ستكون هي الاخرى
محكومةبهذه
القوانين نفسها.
ان هذه المادة المركزة، المستقاة مباشرة من نصوص
قرآنية، او
من تجارب التاريخ، قد بقيت زمنا طويلا تمثل كل ما
قدمهالمسلمون في تفسير التاريخ، مما يمكن نسبته
الى
التفسير الاسلامي، من دون ان تحظى بشيء من الشرح
والعناية،حتى جاء ابو بكر الطرطوشي، فاستفاد من
هذه المادة،
ومن غيرها، ومن تجارب الملوك والامراء والحكماء،
ليقدماسهاما جيدا في عصره في هذا العلم.
اخوان الصفا
لم يعن اخوان الصفا ((428)) (النصف الثاني من القرن
الرابع
الهجري) بتفسير التاريخ بشكل مباشر، وانما جاء ذلك
منهمعن
طريق عنايتهم بالنجوم والافلاك وتاثيراتها،
فانتهوا الى
«التفسير الفلكي الحضاري» لولادة الحضارات
والدول،وانهيارها. وخلاصة هذا التفسير: «ان كل
الحوادث التي
تكون في عالم الكون والفساد، هي تابعة لدوران
الفلك،
وحادثةعن حركات كواكبه ومسيرها في البروج،
وقرانات
بعضها مع بعض، واتصالاتها، باذن اللّه تعالى» ((429))..
وان امور
هذهالدنيا دول، تدور بين اهلها قرنا بعد قرن،
وامة بعد امة، وان
لكل كائن في هذا العالم اربعة ادوار متباينة:
ا ابتداء الوجود، وهو الصعود من الحضيض.
ب النمو والارتقاء، وهو الصعود الى الاوج.
ج التوقف والانحطاط، وهو الهبوط من الاوج.
د البوار والعدم، وهو الهبوط الى الحضيض ((430)).
فالدولة، اذا بلغت اقصى غايتها، تسارع اليها
الانحطاط
والنقصان، واستانف في آخرين من القوة والنشاط
والظهور،
الىان تضمحل الدولة الاولى، وتظهر الدولة
الثانية، وهكذا
تكون حركة التاريخ حركة متواصلة، لكنها صاعدة
هابطة.
امااسباب صعودها وهبوطها عبر الادوار الاربعة
فيرجع الى
حركة الفلك. يقول اخوان الصفا في حديثهم عن
الدولةالعباسية: «وقد نرى انه قد تناهت دولة اهل
الشر وظهرت
قوتهم وكثرت افعالهم في العالم في هذا الزمان، وليس
بعدالزيادة الا الانحطاط والنقصان، ولا بد من كائن
قريب
وحادث عجيب فيه صلاح الدين والدنيا» ((431)).
وايضا،
فانالوضع الفلكي هو السبب المباشر عندهم في ولادة
دولة
صالحة، او اخرى فاسدة، او نهايتها، فكل ذلك مقرون
بانواعخاصة من الطوالع.
فمع حركة خاصة من حركات المريخ يظهر النمو والنضج
في
المعادن والنباتات والحيوانات، وتظهر الدولة في
بعضالامم،
وتزداد قوة بعض السلاطين، واذا تخلل ذلك شيء من
الفساد
الناتج عن الحروب وزوال بعض الدول فانه فيجنب ما
يكون
عند هذه الحركة من الصلاح في العالم، شيء يسير.
ومثل ذلك
يحدث مع بعض حركات زحل((432)).
ابو بكر الطرطوشي
وضع الطرطوشي، محمد بن الوليد (المتوفى سنة 520ه)، ما
يمكن عده شرحا مهما لما تقدم من فقرات عن الامام
علي(ع)،
في العديد من ابواب كتابه: «سراج الملوك» مقدما
مادة مفصلة
وواسعة نسبيا من خلال البيان والتوضيح المستندالى
العديد
من تجارب الملوك والدول في التاريخ، وخلاصة فكرته
في هذا
الموضوع: «ان العدل اساس الملك وسرالحضارة، وان
الدول
تقوم بعناصر يتوقف بعضها على بعض، فلا سلطان الا
بجند، ولا
جند الا بمال، ولا مال الابجباية،ولا جباية الا
بعمارة، ولا عمارة
الا بعدل، فصار العدل اساسا لسائر الاساسيات» ((433)).
كما يرى، مستندا الى تجارب التاريخ، ان الاسباب
الرئيسية
لزوال الدول ثلاثة، هي: ترف الملوك، والاستبداد،
وتوليةالصغار
والضعفاء ((434)).
ابن خلدون
عالج ابن خلدون (732 808 ه،1332 1406م) سير التاريخ
البشري من خلال بحثه في نشاة الدول
والممالكوانحطاطها
والادوار التي تمر بها. وتتلخص نظريته هذه في
الدولة في
النقاط الاتية:
اولا: نشاة الدولة: ان الدولة تقوم اساسا على
«العصبية»..
فالعصبية شرط قيام الدولة والملك ((435)). لكن الدولة
اذااستقرت قد تستغني عنها، وذلك لان السلطة
بالاستقرار
تكتسب صبغة الرئاسة، فيرسخ في العقائد دين
الانقياد
لهاوالتسليم، ويقاتل الناس لها كقتالهم في سبيل
العقائد
الايمانية، فلم تحتج السلطة عندئذ الى كبير عصابة ((436))..
وقديحدث لاهل النصاب الملكي دولة تستغني عن
العصبية،
وذلك اذا فزعوا من قبائلهم الى قبائل اخرى تدين لهم
بالولاءوتسخر عصبيتها في نصرتهم، كما حصل للادارسة
في
المغرب الاقصى، والعبيديين (الفاطميين) في افريقيا
ومصر((437)).
دور الدين: ان الدولة العامة الاستيلاء (الدولة
العظيمة الواسعة)
اصلها الدين، اما من نبوة، او دعوة حق، ذلك ان
القلوباذا
انصرفت الى الحق بفعل الدين ورفضت الباطل، واقبلت
على اللّه، اتحدت وجهتها، واتسع نطاق الكلمة
لذلك،فعظمت
((438)).
وان الدعوة الدينية تزيد الدولة في اصلها قوة
الدولة
على القوة العصبية التي كانت لها من عددها((439)).
لكن
الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم.. «ما بعث اللّه
نبيا الا في
منعة من قومه» ((440)).
ثانيا عظم الدولة: ان عظمة الدولة وقوتها واتساع
نطاقها
وطول امدها، كل ذلك يكون بحسب نسبة القائمين بها في
القلةوالكثرة، فالمملكة التي تكون عصابتها اكثر
يكون ملكها
اقوى واوسع ((441)).
ثالثا عمر الدولة: يرى ابن خلدون ان الدول لها
اعمار، كما
للاشخاص.. وان عمر الدولة في الغالب لا يزيد على
اعمارثلاثة
اجيال، والجيل اربعون سنة، ذلك لان الجيل الاول لم
يزل على
خلق البداوة وخشونتها، من شظف العيش،والبسالة،
والاشتراك في المجد، فلا تزال بذلك سورة العصبية
محفوظة
فيهم.. اما الجيل الثاني فيتحول حالهم منالبداوة
الى
الحضارة، ومن الشظف الى الترف، ومن الاشتراك في
المجد
الى انفراد الواحد به وكسل الباقين، فتنكسرسورة
العصبية
بعض الشيء، ويبقى لهم الكثير منها بما ادركوه من
الجيل
الاول.. واما الجيل الثالث فينسون عهد
البداوةوالخشونة،
ويفقدون حلاوة العز بما هم فيه من ملكة القهر
الناجمة عن
انفراد الملك بالسلطان، ويبلغ فيهم الترف
غايته،فيصيرون
عيالا على الدولة حالهم حال النساء والولدان
المحتاجين
للمدافعة عنهم، فتسقط العصبية بالجملة،
فيحتاجصاحب
الدولة الى الاستظهار بغيرهم من اهل النجدة كما حدث
في
الدولة العباسية ممن يغني عن الدولة بعضالغناء
حتى ياذن
اللّه بانقراضها، فتذهب الدولة بما حصلت، فهذه
ثلاثة اجيال
فيها يكون هرم الدولة وتخلفها.
رابعا الانحطاط: ان السبب المباشر في انحطاط
الممالك هو
طبيعة الملوك من الانفراد بالمجد، وحصول
الترف،والدعة
فاذا تحكمت هذه الطبيعة ادت الى فساد العصبية بذهاب
الباس من اهلها، والى الضعف المادي بكثرة
الانفاقوتزايد
الحاجات، ومتى ضعف العطاء ضعفت الحامية، واقبلت
الدولة
على الهرم ((442)).
خامسا اطوار الدولة: تمر الدولة باطوار خمسة:
الاول: طور الظفر والاستيلاء على الملك.
والثاني: طور الاستبداد والانفراد بالملك.
والثالث: طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك
بتشييد
المباني الحافلة والمصانع العظيمة والتوسيع على
جهازالملك
وحاشيته.
والرابع: طور القنوع والمسالمة، ويكون الملك فيه
مقلدا لسلفه
من الملوك، يرى الخروج عن تقليدهم فسادالامره.
والخامس: طور الاسراف والتبذير، فيتلف فيه صاحب
الدولة ما
جمعه سلفه في الشهوات والملذات فيكون مخربا
لمااسسه
سلفه، وفي هذا الدور تحصل في الدولة طبيعة الهرم.
سادسا: دورة الحضارة: ان تاريخ اي حضارة ينطوي في
ثلاثة
ادوار اساسية، تمثل: المبتدا، والغاية، والنهاية..
والمبتدادائما هو
حالة «البداوة» لان الملك لا يتحقق الا بالعصبية،
والعصبية لا
محل لها الا البداوة.. فاذا تحقق الملك تبعه
الرفاهبتطور
الصنائع ووسائل المعيشة، وهذه بعينها هي
«الحضارة» فما
الحضارة الا التفنن في الترف واحكام
الصنائعالمستعملة في
وجوه الترف ومذاهبه، فصار دور «الحضارة» في الملك
يتبع
دور «البداوة».. وتحقق الحضارة يؤدي الىانهيار
العصبية..
وانهيار العصبية يؤدي الى انهيار الملك ونهاية
الحضارة..
. ((443))
اذا العصبية في البداوة تحقق الحضارة، والحضارة
تدمر
العصبية، وتدمير العصبية يؤدي الى نهاية الحضارة.
هذه هي خلاصة نظرية ابن خلدون في حركة التاريخ
وتبادل
الحضارات..
مالك بن نبي
ثمة عناصر ثلاثة، (الانسان، والتراب، والوقت) هي
التي تؤلف
الحضارة، اي حضارة كانت.
لكن هذه العناصر الثلاثة لا تصنع وحدها انتاجا
حضاريا، فلا بد
من عارض غير عادي يقوم بالتركيب بين
العناصرالثلاثة، لا بد
من ظرف استثنائي لميلاد التركيب العضوي التاريخي
الذي
يتفق مع ميلاد مجتمع، ذلك هو «المركبالحضاري»
الذي يؤثر
في مزج العناصر الثلاثة ببعضها لانتاج الحضارة.
اذن معادلة الحضارة عند مالك بن نبي (1905 1973م) هي
كما يلي:
(انسان + تراب + وقت) + مركب حضاري : انتاج حضاري.
والمركب الحضاري عند مالك بن نبي قد تمثل دائما
ب«الفكرة الدينية» التي رافقت دائما تركيب
الحضارة
خلالالتاريخ.
دورة الحضارة: وضع مالك بن نبي مخططا لدورة
الحضارة،
مثله بثلاثة ادوار:
دور التكون والنمو، ودور الامتداد بفعل الدفعة
الاولى، ودور
الضعف والسقوط. كما هو مبين في المخطط
البيانيادناه:
الوقت
درجة النمو
ا النقطة صفر (0) على المخطط البياني تمثل بداية ظهور
عارض غير عادي، وولادة «المركب الحضاري» الذي
سيعملعلى مزج العناصر الثلاثة للبناء الحضاري
فيولد الانتاج
الحضاري المتنامي، الممثل بالخط المتصاعد (. ا)
والذي
يبدوفي المخطط انه يحقق انتاجا حضاريا كبيرا في وقت
قصير
نسبيا، فالخط (. د) يمثل الوقت الذي استغرقه
النموالحضاري
لبلوغ قمته (ا). في هذه المرحلة تكون شبكة العلاقات
الاجتماعية في اكثر حالاتها كثافة، هذه الكثافة
التييعبر عنها
قوله تعالى: (كانهم بنيان مرصوص).. ويكون ايضا نظام
الافعال
المنعكسة عند الفرد في اقصى فاعليتهالاجتماعية،
وتكون
طاقته الحيوية في اتم حالات تنظيمها.
وهذا هو العصر الذهبي لاي مجتمع، وهذه هي الحركة
الديناميكية التي يدان فيها كل تقاعس، كما نشهده في
المجتمعالاسلامي الاول من خلال ادانة (الثلاثة
الذين خلفوا)،
ناهيك عن تميز حالة النفاق بوضوح.
ب اما المرحلة الثانية فيمثلها الخط (ا ب) الممتد مع
الوقت
في محافظة على درجة النمو الحضاري المتحققة
اولا،من
دون صعود، اذ ان شبكة العلاقات الاجتماعية تكون في
اكثر
حالاتها سعة وامتدادا، ولكن قد داخلها نقص
وشوائب،فلم تعد
صاعدة.. ونظام الافعال المنعكسة عند الفرد قد تعرض
الى
صدمة، مثلت هذا الانكسار في اتجاه المسارالحضاري،
وهي في
تاريخ الاسلام «صدمة صفين» فلم يعد الفرد بعد تلك
الصدمة
يتصرف بكل طاقاته الحيوية، فلميعد الاتجاه
الحضاري
صاعدا.
اما كيف استطاع المجتمع الاسلامي المحافظة على
البقاء؟
ان العالم الاسلامي لم يقو على البقاء ابان تلك
الازمة الاولى في
تاريخه وبعدها الا بفضل ما تبقى فيه من دفعة
قرآنيةحية قوية
. ((444))
ج ثم تاتي المرحلة الثالثة (ب ج)، مرحلة الانحطاط،
اثرا
طبيعيا لتفكك وحدة العلاقات الاجتماعية
وهبوطالمستوى
الروحي، «فاذا وهنت الدفعة القرآنية توقف العالم
الاسلامي كما
يتوقف المحرك عندما يستنفد آخر قطرة منالوقود،
وما كان
لاي معوض زمني ان يقوم خلال التاريخ مقام المنبع
الوحيد
للطاقة الانسانية، الا وهو «الايمان». ولذا
لمتستطع النهضة
التيمورية التي ازدهرت في القرن الرابع عشر
الميلادي
حول مغاني سمرقند، او الامبراطوريةالعثمانية، ان
تمنح العالم
الاسلامي «حركة» لم يعد هو في ذاته يملك مصدرها» ((445)).
عماد الدين خليل
تعد دراسة الدكتور عماد الدين خليل اول دراسة
اسلامية
واسعة من اجل اكتشاف العوامل المؤثرة في حركة
التاريخ
منالقرآن الكريم بالدرجة الاولى، ثم لما راى ان
القرآن الكريم
قد اطلق النظر الى تاريخ الانبياء والامم، فقد اتخذ
الباحثمن
هذا التاريخ مادة لاستقرائه وتطبيقاته.
فقد راى ان المساحة التاريخية الواسعة في القرآن
الكريم
تشكل نسقا رائعا ومتكاملا للتفسير الاسلامي
للتاريخ((446)).
وان القرآن يطرح لاول مرة مسالة «السنن»
و«النواميس» التي
تسير حركة التاريخ، وفق مسالك مقننة لا سبيل
للخروجعليها:
(سنة اللّه في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة اللّه
تبديلا)
. ((447))
ان اول خصائص هذه «السنن» ان حكمها على حركة
التاريخ
اشبه ب«الجزاء» الذي هو من جنس «العمل» ((448)).
وثاني خصائصها انها بمثابة دافع حركي يفرض على
الجماعة
المدركة الملتزمة ان تتجاوز مواقع الخطا التي
قادتالجماعات البشرية السابقة الى الدمار، وان
تحسن التعامل
مع الكون والطبيعة، مستمدة التعاليم والقيم من
حركة
التاريخنفسه ((449)).
ثم اكتشف ان وراء العطاء والتعامل الحضاريين عوامل
ذات اثر
مباشر على المصير، هي: (1) نفسية
الامةافراداوجماعات. (2)
اخلاقية الامة ونظرتها الشاملة الى الحياة. (3)
طبيعة علاقاتها
الانسانية. (4) المواقع التي تتخذهافي مواجهة اللّه
والعالم
((450))،
اي موقفها من الايمان باللّه تعالى والاستجابة
لشريعته.
ولاحظ، ايضا، ضمن معطيات القرآن الكريم، ان اي حدث
تاريخي انما يجيء تعبيرا عن ارادة اللّه تعالى..
ولكن ليس
كمايفهمه اصحاب «التفسير اللاهوتي»
و«الجبريون» من الغاء
لوجود الطبيعة ولدور الانسان.. ذلك ان الفعل الالهي
كما
بينهالقرآن في حشد كبير من آياته يتخذ شكلين
رئيسين:
اولهما: الاجراء المباشر للفعل التاريخي، وهذه
المباشرة تكون
على مستويين: المستوى الاول: اعتماد نواميس
الطبيعةوالتساوق معها. والمستوى الثاني: تجاوز
مقاييس
الطبيعة، في ما يعرف بالمعجزات ((451)).
وثانيهما: الفعل الالهي غير المباشر في التاريخ.
وهو ما يجيء
عن طريق الحرية الانسانية نفسها ((452)).
كما اكتشف من تصريحات وايحاءات قرآنية كثيرة ان
عنصر
«التحدي والاستجابة» له دور كبير في الفعل
التاريخي،
فهناكتحديات كثيرة في عالم الانسان تبعث فيه
التوتر الدائم
والطموح الابدي للتغلب والتفوق، وتمنعه من ان يسلم
نفسهللكسل والتراخي.
ومن اهم هذه التحديات: «الموت»، فطموح الانسان
الى الخلود
الدائم، وفاعلياته في ميادين الفكر والفن
والاجتماعوالابداع،
لتحقيق بعض هذا الامل في الخلود الذي يطمح اليه،
هذه
وتلك كلها ردود على تحديات الموت، تملامساحات
واسعة في
التاريخ وتمثل جزءا كبيرا من احداثه وصوره ((453)).
وفي التقابل الفعال بين الانسان والمادة يمنح
الانسان الدور
الرئيس في صياغة التاريخ، فهو الذي يمسك بالفعل
ويعطيهملامحه النهائية ((454)).
كما ان علاقة المادة بالانسان تمثل نوعا آخر من
انواع
«التحدي» الكبرى المؤثرة في حركة التاريخ، اذ ان
المادة
الطبيعة آليست مطاوعة لارادة الانسان على كل حال،
بل
تبدي امامه درجات متفاوتة من المقاومة والاستعصاء،
وبذلك
تحفز ردالفعل البشري وتدفعه نحو الحركة الفعالة ((455)).
كما يعطي الطليعة الفذة دورها المهم في صناعة
التاريخ، فقد
ركز الاسلام دائما على دور الفرد في الحياة
الاجتماعية،ووضعه امام مسؤوليته التاريخية، وهو
في الوقت
نفسه يفتح الطريق امام المتفوقين الذين تجاوزوا
مواقع
الضعفوانتصروا على قوى الشر وبلغوا بعطائهم
المبدع القمم
التي لا يبلغها الا «القلة الطليعية الفذة»،
وهؤلاء هم الذين تقع
علىعاتقهم مسؤولية توجيه التاريخ وتشكيل حركته،
شرط ان
يضمنوا مسيرة الامة وراءهم في اطار النظام
والفكرالاسلاميين
. ((456))
دور الايمان في الناتج الحضاري: الايمان كما يرى
عماد
الدين خليل هو بمثابة «معامل حضاري» يصب ارادة
الجماعةالمؤمنة على معطيات الزمن والتراب،
ويوجهها في
مسالكها الصحيحة ((457)). وهذا مطابق ل«المركب
الحضاري» عندابن نبي، الذي يمزج بين العناصر
الثلاثة
(الانسان، والتراب، والوقت) ليقدم نتاجا حضاريا.
سقوط الدول والحضارات: ان اهم قوانين الحضارات
البارزة في
القرآن الكريم: قانون المداولة.. او تبادل مواقع
الحضارة،بهلاك
حضارة وقيام حضارة اخرى في موقع آخر: (وتلك الايام
نداولها
بين الناس) وياتي هذا القانون مؤكدافي سياقالسنن
التاريخية
الثابتة: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض
فانظروا
كيف كان عاقبة المكذبين × هذا بيان للناسوهد ى
وموعظة
للمتقين × ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون ان
كنتم مؤمنين
× ان يمسسكم قرح فقدمس ال قوم قرحمثله وتلك الايام
نداولها بين الناس وليعلم اللّه الذين آمنوا ويتخذ
منكم شهداء
واللّه لا يحب الظالمين × وليمحص اللّهالذين آمنوا
ويمحق
الكافرين) [آل عمران:137 141].
ولا يستثنى المسلمون من هذه القاعدة، فهذا النذير
جاءهم بعد
ما اصابهم يوم احد ((458)).
ويؤكد هذا القانون ان للدول والحضارات آجالا
بمواعيد ثابتة
محددة في علم اللّه، بوصفها جزءا من نظام
كونيمتماسك
(ولكل امة اجل فاذا جاء اجلهم لا يستاخرون ساعة ولا
يستقدمون) [الاعراف:34]. (ولولا كلمة سبقت منربك الى
اجل مسمى لقضي بينهم) [الشورى:14] ((459)).
والقرآن يطرح فكرة المداولة، بوصفها فعلا محركا،
يستهدف
تمحيص الجماعات البشرية واثارة الصراع الدائم
بينها،الامر
الذي يؤدي الى تحريك الفعل التاريخي. ان المداولة
توحي
بالحركة الدائمة، وبالتجدد، وبالامل ((460)).
ان قضية السقوط الحضاري تاخذ اتجاهات عديدة:
سياسية،
وادارية، واقتصادية، واخلاقية، واجتماعية، وعقدية((461)).
فسياسيا: يرتبط السقوط بتسلط المترفين الفسقة، او
الظالمين
الطغاة ((462)).
واقتصاديا: يرتبط السقوط بالترف المدمر الذي يخلف
تفاوتا
طبقيا هائلا بين المترفين وبين اكثرية محرومة. وما
اكثرالدول
الاسلامية وغير الاسلامية التي كان الترف وراء
تدهورها
وسقوطها.
وغالبا ما تلتصق بطبقة المترفين طائفة من رجال
الدين
(الاحبار والرهبان) الذين يشترون بعقيدتهم ثمنا
قليلا،ويخادعون الناس باسم الدين لياكلوا اموالهم ((463)).
واخلاقيا واجتماعيا وعقائديا: يرتبط السقوط لا
بالجهات
المتنفذة ومن التصق بها، وحسب، بل يتصل بالامة
كلها،
افراداوجماعات.
(قالوا ربنا انا اطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا
السبيلا)
[الاحزاب:67] (قاتلوهم يعذبهم اللّه بايديكم ويخزهم
وينصركمعليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) [التوبة:14].
(يا ايها الذين آمنوا استجيبوا للّه وللرسول اذا
دعاكم لما
يحييكم) [الانفال:24].
(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة
واعلموا ان اللّه
شديد العقاب) [الانفال:25].
واخيرا، فان اهم ما يميز التفسير الاسلامي
للتاريخ، عند خليل،
انه تفسير واقعي لا يتاثر بقيمه ومثالياته ممكنة
الوقوعاساسا
كما يفعل هيغل وماركس على سبيل المثال وانما يتكلم
على
الواقع كما هو من دون تسويغ او تعديل او تحوير،وهذا
يشكل
فرقا منهجيا حاسما بينه وبين المذاهب الوضعية في
تفسير
التاريخ، التي تصاغ فيها حقائق التاريخ
وفقالمذهب الوضعي
المصنوع، فتفسر على الانسجام مع وضعية المذهب،
وتساق
للتدليل عليه وتاكيده ((464)).
ثانيا: اسهام السيد محمد باقر الصدر في تفسير
التاريخ
ياتي اسهام الشهيد محمد باقر الصدر (ت 1400ه 1980م)، في
هذا الموضوع، من خلال بحثه التنظيري المفصل
في«سنن
التاريخ في القرآن الكريم» الذي قدمه انموذجا
للتفسير
الموضوعي للقرآن الكريم، الهادف الى اكتشاف
النظريةالقرآنية
في الموضوع.
وقد تناول، في بحثه المفصل، «سنن التاريخ»، من
جوانب
عديدة بوصفها القضية الحاسمة في حركة التاريخ..
وفي البدء يبرز تاكيد القرآن على اهمية التجربة
التاريخية
وقيمتها، في مثل قوله تعالى: (افلم يسيروا في الارض
فينظرواكيف كان عاقبة الذين من قبلهم) [يوسف:109]
ونظيراتها الكثيرة التي يتبلور من مجموعها المفهوم
القرآني
الذي يقرر«ان الساحة التاريخية مثل جميع الساحات
الكونية
الاخرى لها سنن وضوابط». وهذا المفهوم القرآني
يعد فتحا
عظيما،لان القرآن الكريم اول كتاب عرفه الانسان ضم
بين
دفتيه هذا المفهوم.
لقد الغى الاسلام، بهذا المفهوم، النظرة العفوية
او النظرة
الغيبية الاستسلامية لتفسير الاحداث... وهذا الفتح
القرآنيالجليل هو الذي مهد الى تنبيه الفكر
البشري بعد ذلك
بقرون الى محاولة فهم التاريخ فهما علميا ((465)).
في خطوة اخرى يعطي القرآن الكريم فكرة «سنن
التاريخ»
بصيغتها الكلية.. (ولكل امة اجل فاذا جاء اجلهم لا
يستاخرونساعة ولا يستقدمون). فهنا اضيف الاجل الى
الامة،
لا الى الفرد، فالامة اذن لها حياة وحركة واجل
وموت.. وايضا
فهواجل مضبوط محدد وفق نواميس معينة (ولو يؤاخذ
اللّه
الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة ولكن يؤخرهم الى
اجلمسمى فاذا جاء اجلهم لا يستاخرون ساعة ولا
يستقدمون)
[النحل:61]. فهذه الاية تتحدث عن عقاب دنيوي،
عنالنتيجة
الطبيعية لما تكسبه امة من طريق الظلم والطغيان.
والذي يؤكده العرض الاسلامي ان مثل تلك النتيجة
الطبيعية
للظلم لا تختص بالظالمين وحدهم، بل تمتد الى
ابناءالمجتمع
على اختلاف هوياتهم.. تشمل موسى حين وقع التيه على
بني
اسرائيل بتمردهم وطغيانهم.. وتشمل الحسينحين حل
البلاء
بالمسلمين نتيجة انحرافهم.
وهذا هو منطق سنة التاريخ: (واتقوا فتنة لا تصيبن
الذين
ظلموا منكم خاصة واعلموا ان اللّه شديد
العقاب)[الانفال:25].
في الخطوة الثالثة ((466)) تتقدم النظرية الى استعراض
نماذج من سنن التاريخ، ومن هذه النماذج:
ا ما نجده في قوله تعالى: (وان كادوا ليستفزونك من
الارض
ليخرجوك منها واذا لا يلبثون خلافك الا قليلا × سنة
منقد
ارسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا)
[الاسراء:76
و77].
فالاية تقول ان عملية معارضة الملا للرسل، اذا بلغت
الى
مستوى اخراج النبي من البلد، فلا يلبثون بعده الا
قليلا.
وتؤكدالاية ان هذه سنة ثابتة من سنن التاريخ.
غير ان المقصود من عدم لبثهم ليس محصورا في فنائهم
العاجل من الوجود، فهو قد يكون كذلك، كما حدث مع
قومنوح، ومع قوم ابرهيم، ومع قوم لوط، ومع قوم
موسى.. لكنه
قد يتخذ نحوا آخر فيراد به: عدم مكثهم
بوصفهمجماعةصامدة
ذات موقع اجتماعي، كما حدث لقريش، اذ تداعى كيانهم
بغلبة
الاسلام وانصهارهم في دولته ((467)).
ب في قوله تعالى: (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على
ما كذبوا واوذوا حتى اتاهم نصرنا ولا مبدل
لكلماتاللّهولقد
جاءك م ن نبا المرسلين) [الانعام:34].
فهنا حديث عن تجارب تاريخية سابقة، وعن ربط تجربة
النبي
(ص) التاريخية بالتجارب السابقة، في سنة
تاريخيةجارية عليه
كما جرت على من سبقه من النبيين، مفادها: ان اللّه
تعالى
ينصر رسله في معادلة ثابتة، متى تحقق شرطهاتحقق
جزاؤها،
وشرطها (الصبر، والثبات). وهذه المعادلة التي تحققت
مع
التجارب السابقة هي بعينها جارية مع هذهالتجربة،
بلا استثناء،
ولا خروج على السنة التاريخية ((468)).
وترد هذه السنة ايضا في قوله تعالى: (ام حسبتم ان
تدخلوا
الجنة ولما ياتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم
الباساءوالضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين
آمنوا معه متى
نصر اللّه الا ان نصر اللّه قريب) [البقرة:214].
ج في قوله تعالى: (ان اللّه لا يغير ما بقوم حتى
يغيروا ما
بانفسهم) [الرعد:11].
هذه الاية الكريمة تقرر اولا قاعدة، تقول: ان
المحتوى
الداخلي النفسي والروحي للانسان هو القاعدة في
البناءالاجتماعي، وان الوضع الاجتماعي هو البناء
العلوي.
ثم تقرر ثانيا سنة ثابتة تقول: ان هذا البناء العلوي
لا يتغير الا
وفقا لتغيير القاعدة ((469)).
د (واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا
فيها فحق
عليها القول فدمرناها تدميرا × وكم اهلكنا من
القرون منبع
دنوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا) [الاسراء:16
و17].
اذن هناك علاقة معينة بين ظلم يسود ويسيطر، وبين
هلاك
محتوم، وان هذه العلاقة مطردة على مر التاريخ.
وفي الاتجاه المقابل يحدثنا قوله تعالى: (وان لو
استقاموا على
الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا) [الجن:16]. عن العلاقة
بينالاستقامة وتطبيق احكام اللّه تعالى، وبين
وفرة الخيرات
وكثرة الانتاج، ليؤكد ان تطبيق شريعة السماء
وتجسيد
احكامهافي علاقات التوزيع يؤدي دائما وباستمرار
الى زيادة
الانتاج والى كثرة الثروة. هذه اذن سنة من سنن
التاريخ تقابلها
تلكالسنة التي ربطت بين الظلم وبين الهلاك ((470)).
طبيعة السنن التاريخية
يكتشف الصدر ان هناك ثلاث خصائص للسنن التاريخية
كما
يعرفها القرآن الكريم، هي:
اولا: الاضطراد: اي ان السنة التاريخية مضطردة، ذات
طابع
موضوعي.
وفي هذه الخاصية تاكيد مهم على الطابع العلمي
للقانون
التاريخي، لان الاطراد وعدم التخلف هو اهم ما يميز
القانونالعلمي عن بقية المعادلات والفروض، وبهذا
يلغي
القرآن الكريم التصورات الساذجة والعشوائية لسير
التاريخ.
ثانيا: الربانية: اي ان السنة الربانية مرتبطة
باللّه تعالى «سنة اللّه».
وهذا يستهدف امرين مهمين:
ا شد الانسان باللّه تعالى حين يريد ان يستفيد من
القوانين
الموضوعية للكون.
ب اشعار الانسان بان الاستعانة بالنظام الكامل
لمختلف
الساحات الكونية والقوانين والسنن المتحكمة في
هذهالساحات لا يعنيان انعزال الانسان عن اللّه
تعالى، لانه انما
يمارس قدرته من خلال هذه السنن، وهذه السنن هي
ارادةاللّه،
وهي ممثلة لحكمة اللّه وتدبيره في الكون.
وفي هذا الغاء «التفسير اللاهوتي للتاريخ» الذي
تبنته بعض
مدارس الفكر اللاهوتي، على يد عدد من
المفكرينالمسيحيين
واللاهوتيين، من امثال اغسطين، والذي يربط الحادثة
باللّه
تعالى قاطعا صلتها مع بقية الحوادث ومع
السننالموضوعية
للساحة التاريخية.
والقرآن الكريم بلغ في حرصه على تاكيد الطابع
الموضوعي
للسنن التاريخية ان اناط العمليات الغيبية نفسها،
في كثيرمن
الحالات، بالسنة التاريخية نفسها، فالامداد
الالهي الغيبي الذي
يسهم في كسب النصر جعله القرآن
الكريممشروطابالسنة
التاريخية (ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما ياتكم
مثل الذين
خلوا من قبلكم...).
(اذ تقول للمؤمنين الن يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلاثة
آلاف
من الملائكة منزلين × بلى ان تصبروا وتتقوا وياتوكم
منفورهم
هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) [آل
عمران:124 و125]. فالامداد الالهي الغيبي مشروطبسنة
تاريخية (ان تصبروا وتتقوا).
ثالثا : الاتساق مع حرية الانسان: يؤكد القرآن ان
ارادة الانسان
هي المحور في تسلسل الاحداث..
(ان اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم)
[الرعد:11].
(وان لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا)
[الجن:36].
(وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم
موعدا)
[الكهف:59].
اذا لاختيار الانسان موضعه الرئيسي في التصور
القرآني لسنن
التاريخ ((471)).
ويظهر جليا دور الانسان الحر في التاريخ في كافة
السنن
التاريخية التي عرضها القرآن الكريم على شكل
«القضيةالشرطية» اي الشرط والجزاء.. فهذه السنن
تؤدي دورا
عظيما في توجيه الانسان حين تعرفه بامكاناته الحرة
ازاء
الجزاء،فما عليه الا ان يوفر شروط القانون لياتي
الجزاء مناسبا
لفعله الحر.
الظواهر التي تدخل في سنن التاريخ
دائرة السنن النوعية للتاريخ في فلسفة السيد الصدر
تكون
منحصرة بالفعل المتميز بظهور علاقته بغاية وهدف. اي
ماتظهر فيه «علة غائية»، ثم يكون له اثر يتعدى
حدود العامل
الفردي الى المجتمع.. فالاعمال التجارية والسياسية
والفكريةوالحربية اعمال تاريخية لانها اتخذت من
المجتمع
ارضية لها.. مثل هذه الاعمال هي التي تحكمها سنن
التاريخ.
اما حدث تاريخي مثل وفاة ابي طالب وخديجة في عام
واحد،
فمع ما له من اثر في التاريخ، الا انه راجع الى
قوانين«فيزيزلوجية»، وليس الى السنن
التاريخية.
الخلاصة
تتلخص رؤية الشهيد الصدر، في فلسفة التاريخ،
بالنقاط الاتية:
ان المحتوى الداخلي للانسان هو الاساس في حركة
التاريخ.
وان حركة التاريخ حركة غائية مربوطة بهدف، وليست
سببية
فقط، اي انها حركة مشدودة الى المستقبل، فالمستقبل
هوالمحرك لاي نشاط من انشطة التاريخ.
والمستقبل معدوم فعلا، وانما يتحرك من خلال الوجود
الذهني.
فالوجود الذهني اذا هو الحافز، والمحرك، والمدار
لحركة
التاريخ.
وفي الوجود الذهني يمتزج الفكر والارادة.. وبامتزاج
الفكر
والارادة تتحقق فاعلية المستقبل وتحريكه
للنشاطالتاريخي
على الساحة الاجتماعية. اذن فالعلاقة بين المحتوى الداخلي للانسان (الفكر والارادة) وبين البناء الفوقي والتاريخي للمجتمع، هي علاقة تبعية،اي علاقة سبب بمسبب، فكل تغير في البناء الفوقي والتاريخي للمجتمع انما هو مرتبط بتغير المحتوى الداخلي((472)). في مرايا الشعراء
ملامح من صورة السيد الشهيد محمد باقر
الصدر
د. عبد المجيد زراقط
بين السيد الشهيد
والشعر
يؤكد من عرف الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر
(رض)،
وشهد مجالسه وحلقات دروسه انه يمثل ضمير
الامةووجدانها
النابض بالحياة وعقلها المفكر المجدد، ويخلص قارى
سيرته
وكتبه الى النتيجة نفسها...
وفي هذا الصدد يقول الشاعر حسن عبد الحميد السنيد
(جواد
جميل): «انت ضمير المتكلمين جميعا، انت «نا».
لهذاقلت:
فلسفتنا واقتصادنا ورسالتنا ومجتمعنا... وهل صنعها
احد
غيرك عبر تاريخ البشرية، انا اقول: لا!».
وتلح على المرء، وهو يقرا النصوص الشعرية التي قيلت
في رثاء
السيد الشهيد خاطرة ترى ان بين هذا العارف
الربانيوالشعر
العظيم قرابة وطيدة ان لم نقل انهما صنوان. ونعني بالشعر، هنا، اللغة الجميلة التي تمثل وجدان الفرد المتميز وفكره ووجدان الجماعة وفكرها في آن. او هو اللغةالجميلة التي تمثل وجدان هذا الانسان المتوهج، او هو اللغة التي تمثل «لب المرء» كما قال الشاعر حسان بن ثابت منقبل.
|