الصفحة السابقة

الصفحة التالية

اي انه وبعد ان يقرر الاسلام مبدا ملكية اللّه تعالى يرتب عليه مبدا الخلافة المذكورة ليكون الانسان المستخل ف على‏الارض منسجما في حركته الحياتية كلها مع عناصر هذا الاستخلاف الرباني ودوافعه ومعطياته وآثاره. ومن هنا (من‏مبدا الخلافة) ينطلق «هذا الانسان‏» بانيا ومعمرا وممارسا لمهمة الحكم والادارة، وتنظيم الحياة باعتبار ذلك وظيفة‏حياتية دائمة ومستمرة في كل التاريخ البشري. وعلى هذا الاساس تقوم نظرية حكم الناس لانفسهم، وشرعية ممارسة‏الجماعة البشرية حكم نفسها بوصفها خليفة عن اللّه . ((395)) لكن عملية الاستخلاف الرباني للانسان على الارض لا بد من ان ترتكز على عناصر اساسية تخص عملية تنظيم مبداالاستخلاف نفسه في امتداد الحياة كلها، وهذه العناصر كما حددها الشهيد الصدر هي ((396)):

اولا: العقيدة، وهي القاعدة المركزية في التفكير الاسلامي، التي تحدد نظرة المسلم الرئيسية الى الكون بصورة‏عامة.

ثانيا: المفاهيم، التي تعكس وجهة نظر الاسلام في تفسير الاشياء على ضوء النظرة العامة التي تبلورها العقيدة.

ثالثا: العواطف والاحاسيس التي يتبنى الاسلام بثها وتنميتها الى صف تلك المفاهيم، لان المفهوم بوصفه فكرة‏اسلامية عن واقع معين يفجر في نفس المسلم شعورا خاصا تجاه ذلك الواقع، ويحدد اتجاهه العاطفي نحوه،فالعواطف الاسلامية وليدة المفاهيم الاسلامية. والمفاهيم بدورها موضوعة في ضوء العقيدة الاسلامية‏الاساسية.

وانطلاقا من المقدمات الفكرية الواسعة السابقة يرى الشهيد الصدر ان المعنى الحقيقي لعملية الاستخلاف الرباني‏للجماعة البشرية على الارض يتجسد من خلال الامور الاتية:

اولا: انتماء الجماعة البشرية الى محور واحد، وهو المستخلف (اللّه تعالى)، اي العمل على توحيد الالتزام والموالاة‏المطلقة للمثل الاعلى، المالك الواحد الوحيد للكون، بدلا من جميع الانتماءات والالتزامات الوضعية (المتصنمة)الاخرى. وهذا هو التوحيد الخالص الذي قام على اساسه الاسلام، وحملت لواءه ثورات الانبياء جميعها تحت شعار لااله الا اللّه ((397)).

(صبغة اللّه ومن احسن من اللّه صبغة ونحن له عابدون) [البقرة:138].

(يا صاحبي السجن اارباب متفرقون خير ام اللّه الواحد القهار) [يوسف:39].

فاللّه تعالى هو الحاكم الاعلى، وهو مصدر جميع السلطات، واليه تنتهي جميع القرارات، لانه هو نفسه تعالى مصدرالخلق والتكوين، وواهب الحياة ومقومات الوجود. فكما له الخلق والابداع، كذلك له الامر والنهي، وجميع صلاحيات‏الامة والامام (ولي الامر) هي معطاة ومستمدة منه تعالى.

ثانيا: اقامة العلاقات الاجتماعية على اساس العبودية المخلصة للّه، وتحرير الانسان من عبودية الاسماء التي تمثل الوان‏الاستغلال والجهل والطاغوت.

(ما تعبدون من دونه الا اسماء سميتموها) [يوسف:40].

ثالثا: تجسيد مبدا الاخوة العامة في مجالات العلاقات الاجتماعية جميعها.

وذلك من خلال العمل الدائم على محو الوان الاستغلال والتسلط. فما دام اللّه تعالى واحدا، ولا سيادة الا له، والناس‏جميعا متساوون بالنسبة اليه، فمن الطبيعي ان يكونوا اخوة متكافئين في الكرامة الانسانية والحقوق كاسنان المشط على‏ما عبر الرسول الاعظم (ص)، ولا تفاضل، ولا تمييز في الحقوق الانسانية، ولا يقوم التفاضل على مقاييس الكرامة عنداللّه تعالى الا على اساس العمل الصالح تقوى او علما او جهادا ((398)). (وان ليس للانسان الا ما سعى) [النجم:39].

رابعا: ان الخلافة تقوم على الاستئمان والمسؤولية. والمسؤولية التي ترتبط ارتباطا مباشرا مع قاعدة الاستخلاف ينظراليها الشهيد الصدر (رض) على انها علاقة ذات حدين، فهي من ناحية تعني الارتباط والتقيد، فالجماعة البشرية التي‏تتحمل مسؤوليات الخلافة على الارض انما تمارس هذا الدور بوصفها خليفة عن اللّه، ولهذا فهي غير مخولة ان تحكم‏بهواها او باجتهادها المنفصل عن توجيه اللّه سبحانه وتعالى، لان هذا يتنافى مع طبيعة الاستخلاف، وانما تحكم بالحق‏وتؤدي الى اللّه تعالى امانته بتطبيق احكامه على عباده وبلاده.

وبهذا تتميز خلافة الجماعة، بمفهومها القرآني والاسلامي، عن حكم الجماعة في الانظمة الديمقراطية الغربية، فان‏الجماعة في هذه الانظمة هي صاحبة السيادة ولا تنوب عن اللّه في ممارستها، ويترتب على ذلك انها ليست مسؤولة‏بين يدي احد وغير ملزمة بمقياس موضوعي في الحكم، بل يكفي ان تتفق على شي‏ء ولو كان هذا الشي‏ءمخالفالمصلحتها ولكرامتها عموما ، او مخالفا لمصلحة جزء من الجماعة وكرامته ما دام هذا الجزء قد تنازل عن‏مصلحته وكرامته، وعلى العكس من ذلك حكم الجماعة القائم على اساس الاستخلاف فانه حكم مسؤول، والجماعة‏فيه ملزمة بتطبيق الحق والعدل ورفض الظلم والطغيان وليست مخيرة بين هذا وذاك، حتى ان القرآن الكريم يسمي‏الجماعة التي تقبل بالظلم وتستسيغ السكوت عن الطغيان بانها ظالمة لنفسها، ويعدها مسؤولة عن هذا الظلم ومطالبة‏برفضه باي شكل من الاشكال ولو بالهجرة والانفصال اذا تعذر التغيير.. قال اللّه سبحانه وتعالى:

(ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي انفسهم قالوا: فيم كنتم.

قالوا: كنا مستضعفين في الارض. قالوا: الم تكن ارض اللّهواس‏عة فتهاجروا فيها، فاولئك ماواهم جهنم وساءت مصيرا) [النساء:97].

وتعني المسؤولية، من ناحية اخرى، ان الانسان كائن حر، اذ من دون الاختيار والحرية لا معنى للمسؤولية، ومن اجل‏ذلك كان بالامكان ان يستنتج من جعل اللّه خليفة على الارض انه يجعل الكائن الحر المختار الذي بامكانه ان يصلح في‏الارض، وبامكانه ان يفسد ايضا، وبارادته واختياره يحدد ما يحققه من هذه الامكانات. (انا هديناه السبيل اما شاكرا واماكفورا) [الانسان:3].

ويقدم مفهوم الشهادة في نظر الشهيد الصدر على اساس انه صمام الامان الذي يحفظ خط الخلافة من الضياع،والتشتت، والانحرافات الروحية السلوكية عندما تتحرك الامة في مسيرتها التكاملية على طريق تحقيق اهدافهاوطموحاتها الانسانية العالية. واكثر ما يظهر هذا التوجه، عند الشهيد الصدر، في قوله: «ان اللّه تعالى قد وضع الى جانب‏خط الخلافة، خط الشهادة الذي يمثل القيادة الربانية والتوجيه الرباني على الارض. ان الملائكة لاحظوا خط الخلافة‏بصورة منفصلة عن الخط المكمل له بالضرورة فثارت مخاوفهم، واما الخطة الربانية فكانت قد وضعت الخطين جنبا الى‏جنب: احدهما خط الخلافة والاخر خط الشهادة الذي يجسده شهيد رباني يحمل الى الناس هدف اللّه، ويعمل من‏اجل تحصينهم من الانحراف‏» ((399)). وهو الخط الذي اشار اليه القرآن الكريم في قوله:

(قلنا اهبطوا منها جميعا فاما ياتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [البقرة:38].

الابعاد العملية ولم يكتف الشهيد الصدر(رض) باستعراض الايات القرآنية التي تحدثت عن مفهومي «الخلافة‏» و«الشهادة‏» ودراستها،ولكنه قام باستنتاج الابعاد العملية لمعادلة الخلافة الربانية. فها هو يحلل اطرافها الى عناصر اربعة. لان الاستخلاف‏يفترض مستخلفا ايضا، فلا بد من مستخلف، ومستخل ف عليه، ومستخلف.

فهناك اضافة الى الانسان واخيه الانسان‏والطبيعة يوجد طرف رابع في طبيعة علاقة الاستخلاف وتكوينها، وهو المستخلف. اذ لا استخلاف من دون‏مستخلف، فالمستخلف هو اللّه سبحانه وتعالى، والمستخلف هو الانسان واخوه الانسان، وبكلمة اخرى الانسانية كلها،او الجماعة البشرية. والمستخلف عليه هو الارض وما عليها ومن عليها ((400)). وبالتالي يكون دور الانسان في ممارسة‏حياته، انما هو دور الاستخلاف والاستئمان، وان اي علاقة تنشا بين الانسان والطبيعة هي في جوهرها ليست علاقة‏مالك لمملوك، وانما هي علاقة امين على امانة استؤمن عليها، الامر الذي يجعل من «الامانة الوجه التقبلي للخلافة،والخلافة هي الوجه الفاعل والعطائي للامانة‏» . ((401)) فالخلافة اذن، حركة دائبة نحو قيم الخير والعدل والقوة، وهي حركة لا توقف فيها، لانها متجهة نحو المطلق، واي هدف‏آخر للحركة سوى المطلق سوى اللّه سبحانه وتعالى سوف يكون هدفا محدودا، وبالتالي سوف يجمد الحركة،ويوقف عملية النمو في خلافة الانسان. وعلى الجماعة التي تتحمل مسؤولية الخلافة ان توفر لهذه الحركة الدائبة نحوهدفها المطلق الكبير الشروط الموضوعية جميعها، وتحقق لها مناخها اللازم، وتصوغ العلاقات الاجتماعية على اساس‏الركائز المتقدمة للخلافة الربانية ((402)).

وبعد ان يحسم الشهيد الصدر مسالة الخلافة الارضية حسما قرآنيا خالصا، ويحددها مؤطرة ببعدين اساسيين هما:

بعدالشهادة، وبعد الامانة (الخلافة)، ينطلق (رض) للتاكيد ونتيجة طبيعية للمقدمات الاولى ان ممارسة الامة لدورهاالحضاري الرائد بين امم العالم كله ورسالاته لا يمكن ان تتم من دون عملية اشراف وشهود. وهذه العملية ليست‏حقاللامة الاسلامية يمكن ان تتنازل عنه وقت ما تشاء، ولكنه واجب ومسؤولية وفرض ال هي تؤكده شريعة هذه الامة‏نفسها.. يقول تعالى: (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس). ويقول في موضع آخر: (ولتكن‏منكم‏امة‏يد عون الى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر) [آل عمران:104]. انها مسؤولية الخلافة والامانة‏التي يؤكد الشهيد الصدر من خلالها انه ما لم يحصل تدخل رباني لهداية «الانسان الخليفة في مسيره (وحركته‏الاستخلافية الممتدة) فانه سوف يخسر جميع الاهداف الكبيرة التي رسمت له في بداية الطريق ((403))، وهذا التدخل‏هو خطالشهادة. وهنا يرى الشهيد الصدر ان قوله تعالى: (انا انزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبى ون الذين‏اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب اللّه وكانوا عليه شهداء) [المائدة:44] يؤسس بكل‏وضوح للدور الرسالي الكبير الذي يجب ان يقوم به الشهداء، وعلى اختلاف درجاتهم، واصنافهم، وهم النبيون‏والربانيون والاحبار، والاحبار هم علماء الشريعة، والربانيون درجة وسط‏ى بين النبي والعالم، وهي درجة الامام.

ومن هناامكن القول بان خط الشهادة يتمثل:

اولا: في الانبياء.

ثانيا: في الائمة.

ثالثا: في المرجعية التي تعد امتدادا رشيدا للنبي (ص)، والامام (ع) في خط الشهادة ((404)).

والمهمة المشتركة التي يجب على هؤلاء الشهداء القيام بها، والتمكن من ممارستها تتجسد عند السيد الشهيد في:

اولا: استيعاب الرسالة السماوية والحفاظ عليها.

(بما استحفظوا من كتاب اللّه وكانوا عليه شهداء) [المائدة:44].

ثانيا: الاشراف على ممارسة الانسان لدوره في الخلافة، ومسؤولية اعطاء التوجيه والاشراف بالقدر الذي يتصل بالرسالة‏واحكامها ومفاهيمها.

ثالثا: التدخل لمقاومة الانحراف، واتخاذ جميع التدابير الممكنة من اجل سلامة المسيرة.

فالشهيد مرجع فكري وتشريعي من الناحية الايديولوجية، ويشرف على سير الجماعة، وينسجم ايديولوجيا مع الرسالة‏الربانية التي يحملها، وهو مسؤول عن التدخل لتعديل المسيرة، او اعادتها الى طريقها الصحيح اذا واجه انحرافا في‏مجال التطبيق. هذا هو المحتوى المشترك لدور الشهداء باصنافهم الثلاثة ((405)). وبعد ان بين الشهيد الصدر الفروق‏الجوهرية الكائنة بين الاصناف الثلاثة في طريقة ادائها للمهمة الملقاة على عاتقها، نجده (رض) يؤكد ان المرجعية آبوصفها خطا قرار ال هي، والمرجعية متجسدة في فرد معين هي قرار من الامة.

اذن لقد استطاع الصدر من خلال تلك المعالجة القرآنية الرائعة التي ارتكز عليها في تاسيسه العملي لدور المرجعية(الشاهدة والشهيدة) في المجتمع المسلم، في سياق اداء الامة لواجباتها ومسؤولياتها الاسلامية انطلاقا من مبدا«الخلافة‏» نفسه استطاع ان يبني القاعدة الدينية الاسلامية الصلبة الخاصة بنظريته السياسية الاسلامية الواقعية التي‏تقوم على اساس المزاوجة الواعية والحكيمة بين «ولاية الفقيه‏» و«الشورى‏»، وهو الامر الذي لم تستطع ان تفعله اية نظرية‏سياسية اخرى.

لقد انطلق السيد الشهيد كما ذكرنا من قاعدة الخلافة العامة التي يرى ان اللّه تعالى قد منحها للجماعة البشرية ممثلة‏في آدم (ع)، لاثبات ان الامة تمتلك حقا وسلطة من قبل اللّه عز وجل في حكم نفسها، وادارة شؤونها السياسية العامة((406)). وهو يوضح هذه الفكرة بقوله: «ولما كانت الجماعة البشرية هي التي منحت ممثلة في آدم هذه الخلافة، فهي‏اذن مكلفة برعاية الكون، وتدبير امر الانسان، والسير بالبشرية في الطريق المرسوم للخلافة الربانية. وهذا يعط‏ي مفهوم‏الاسلام الاساسي عن الخلافة، وهو ان اللّه سبحانه وتعالى اناب الجماعة البشرية في الحكم، وقيادة الكون، واعماره‏اجتماعيا وطبيعيا. وعلى هذا الاساس تقوم نظرية حكم الناس لانفسهم، وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسهابوصفها خليفة عن اللّه تعالى‏» ((407)).

ويرى الشهيد الصدر سلوكية النبي (ص) عندما كان يسمح للامة بان تشارك سياسيا واجتماعيا في عملية بناء الدولة‏الاسلامية، بالرغم من كونه (ص) معصوما ومؤيدا من قبل اللّه تعالى اقرارا واعترافا باهمية الدور الملقى على عاتق هذه‏الامة في ضرورة مشاركتها الفعالة في صياغة المجتمع الاسلامي الحقيقي وبنائه. وقد كان تركيز النبي (ص) على ضرورة‏اشراك الامة في صنع القرارات كما ظهر من خلال ممارسة الشورى، واخذ البيعة دعوة عملية منه (ص) لوضع الحكم‏الاسلامي على قاعدة امينة ومستقرة، وهي قاعدة الشرعية (والمشروعية) ببعدها العمودي الال هي، وبعدها الافقي‏البشري. وفي هذا الشان يتحدث الشهيد الصدر قائلا:

«وقد اوجب اللّه، سبحانه وتعالى، على النبي مع انه القائدالمعصوم ان يشاور الجماعة ويشعرهم بمسؤوليتهم في الخلافة من خلال التشاور».

(وشاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل على اللّه) [آل عمران:159].

ويعد هذا التشاور من القائد المعصوم عملية اعداد للجماعة من اجل الخلافة، وتاكيدا عمليا عليها. كما ان التاكيد على‏البيعة للانبياء وللرسول الاعظم واوصيائه تاكيد من الرسول على شخصية الامة، واشعار لها بخلافتها العامة، وبانهابالبيعة تحدد مصيرها، وان الانسان حينما يبايع يسهم في البناء، ويكون مسؤولا عن الحفاظ عليه، ولا شك في ان البيعة‏للقائد المعصوم واجبة لا يمكن التخلف عنها شرعا، ولكن الاسلام اصر عليها واتخذها اسلوبا من التعاقد بين القائدوالامة لكي يركز نفسيا ونظريا مفهوم الخلافة العامة للامة. وقد داب القرآن الكريم على ان يتحدث الى الامة في قضاياالحكم توعية منه للامة على دورها في خلافة اللّه على الارض.

(واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل) [النساء:58].

(الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما) [النور:2].

(والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما) [المائدة:38].

(ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) [الشورى:13].

(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر...) [التوبة:71].

واذا لاحظنا الجانب التطبيقي من دور النبوة الذي مارسه خاتم المرسلين (ص) نجد مدى اصرار الرسول على اشراك‏الامة في اعباء الحكم ومسؤوليات خلافة اللّه في الارض، حتى انه في جملة من الاحيان كان ياخذ بوجهة النظر الاكثرانصارا مع اقتناعه شخصيا بعدم صلاحيتها، وذلك لسبب واحد، وهو ان يشعر الجماعة بدورها الايجابي في التجربة‏والبناء ((408)).

ونظرا للاهمية الكبيرة الكائنة في الجانب الشرعي الذي تتحدد على ضوئه الكيفية التي تستطيع الامة من خلالها اداءوظائفها، وحقوقها السياسية داخل منظومة العمل السياسي الخاص بالمجتمع السياسي الاسلامي، اقول: بالنظر لاهمية‏ذلك يسعى الشهيد الصدر لتامين هذا المنطلق (منطلق المشروعية، باعتبار قوام النظام السياسي التي تحدد له اتجاهه‏ووجهته) من خلال اثباته القرآني عدم وجود اي تعارض او تناقض بين مهمة المرجع الذي يمارس دور «الشهادة‏» على‏الامة، وبين الامة التي تمارس دور «الخلافة‏» العامة عن اللّه تعالى. فالامة تمارس دورها في الخلافة في الاطار التشريعي‏للقاعدتين القرآنيتين التاليتين:

(وامرهم شورى بينهم) [الشورى:38].

(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر...) [التوبة:71].

فان النص الاول يعط‏ي للامة صلاحية ممارسة امورها، عن طريق الشورى ما لم يرد نص على خلاف ذلك، والنص الثاني‏يتحدث عن الولاية وان كل مؤمن ولي الاخرين. ويريد بالولاية تولي اموره بقرينة تفريع الامر بالمعروف والنهي عن‏المنكر عليه، والنص ظاهر في سريان الولاية بين جميع المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية. وينتج عن ذلك الاخذبمبدا الشورى وبراي الاكثرية عند الاختلاف.

وهكذا وزع الاسلام، في عصر الغيبة، مسؤوليات الخطين بين المرجع والامة، بين الاجتهاد الشرعي والشورى الزمنية،فلم يشا ان تمارس الامة خلافتها من دون شهيد يضمن عدم انحرافها، ويشرف على سلامة المسيرة، ويحدد لها معالم‏الطريق من الناحية الاسلامية، ولم يشا من الناحية الاخرى ان يحصر الخطين معا في فرد ما لم يكن هذا الفرد مطلقا اي‏معصوما.

وبالامكان ان نستخلص من ذلك ان الاسلام يتجه الى توفير جو العصمة بالقدر الممكن دائما، وحيث لا يوجد على‏الساحة فرد معصوم بل مرجع شهيد ولا امة قد انجزت ثوريا بصورة كاملة واصبحت معصومة في رؤيتها النوعية بل‏امة لا تزال في اول الطريق فلا بد من ان تشترك المرجعية والامة في ممارسة الدور الاجتماعي الرباني بتوزيع خط‏ي‏الخلافة والشهادة وفقا لما تقدم.

ومن الضروري ان يلاحظ ان المرجع ليس شهيدا على الامة فقط بل هو جزء منها ايضا، وهو عادة من اوعى افراد الامة‏واكثرها عطاء ونزاهة. وعلى هذا الاساس وبوصفه جزءا من الامة يحتل موقعا من الخلافة العامة للانسان على‏الارض، وله رايه في المشاكل الزمنية لهذه الخلافة واوضاعها السياسية بقدر ما له من وجود في الامة، وامتداد اجتماعي‏وسياسي في صفوفها.

وهكذا نعرف ان دور المرجع، بوصفه شهيدا على الامة، دور رباني لا يمكن التخلي عنه، ودوره في اطار الخلافة العامة‏للانسان على الارض دور بشري اجتماعي يستمد قيمته وعمقه من مدى وجود الشخص في الامة وثقتها بقيادته‏الاجتماعية والسياسية ((409)).

لكن هذا الدور المرجعي المركزي الذي يجب على المرجع الشهيد ان يلتزمه في سياق علاقة الخلافة الربانية، يفرض‏عليه التزامات روحية وعملية كبيرة يستانف من خلالها (هذا المرجع) ما كان يقوم به النبي والامام من اعمال‏ومسؤوليات رسالية عالية. وهذه الالتزامات كما يراها ويحددها السيد الشهيد هي ((410)):

اولا: ان يحافظ المرجع على الشريعة والرسالة، ويرد عنها كيد الكائدين وشبهات الكافرين والفاسقين.

ثانيا: ان يكون هذا المرجع في بيان احكام الاسلام ومفاهيمه مجتهدا، ويكون اجتهاده هو المقياس الموضوعي للامة‏من الناحية الاسلامية، وتمتد مرجعيته في هذا المجال الى تحديد الطابع الاسلامي لا العناصر الثابتة من التشريع في‏المجتمع الاسلامي فقط، بل للعناصر المتحركة الزمنية ايضا باعتباره الممثل الاعلى للايديولوجية الاسلامية.

ثالثا: ان يكون مشرفا ورقيبا على الامة، وتفرض هذه الرقابة عليه ان يتدخل لاعادة الامور الى نصابها اذا انحرفت عن‏طريقها الصحيح اسلاميا، وتزعزعت المبادى العامة لخلافة الانسان على الارض.

ان دراسة هذه الالتزامات والمسؤوليات العامة التي يجب على المرجع الشهيد التقيد بها، والعمل على تطبيق اسسهاالخاصة والعامة بكل ما لديه من حكمة وعدالة، يقودنا الى ان نؤكد انه من الضروري جدا بالنسبة للمرجع الشهيد ان‏يعمل في ظل التغيرات والتحديات الساكنة والمتحركة التي تواجه الامة في حركتها الحضارية التكاملية على توسيع‏مجالات الرؤية والوعي والرصد العلمي الممنهج والمدروس لمجريات الاحداث والامور، ولتحولات الزمان والمكان..وذلك بان تكون لديه (ولمؤسسته المرجعية) ((411)) خاصية المعرفة الموضوعية بالواقع المعاصر، والاطلاع الدقيق‏المتواصل على كل ما فيه من مستجدات سياسية واجتماعية وثقافية و... الخ، لان «الفقيه المرجع‏» لا يستطيع، في‏المرحلة الحاضرة، ان يعيش خارج نطاق عصره، واجواء عالمه المتغير باعتبار ان قضايا العصر، واحوال الانسان في‏داخله حتى في الامور الفقهية تمثل موضوعات الاحكام التي يحتاج الى ان يستنبطها، والى ان يحددها منهجااسلاميافي الحياة ((412)).

ولذلك فان الفقهاء لا بد من ان يواجهوا الاسئلة الكثيرة من قبل مقلديهم حول القضايا السياسية‏والاجتماعية المتعددة كقضية الموقف من الانتخابات، او قضية العلاقة مع الحاكم والحكم الجائر، او القضايا العصرية‏الراهنة التي تهيمن على الساحة، والتي نريد للاسلام الحركي ان يقتحمها بقوة ليدخل فكره الى العالم المعاصر.

وقد تسبب ابتعاد كثير من المرجعيات الدينية عن قضايا العصر واحواله، وعدم امتلاكها بوصفها خطا تاريخياسياسياعاما الرؤية الواضحة في الاحاطة بالواقع السياسي والاجتماعي والثقافي الممتد في الوسط الاسلامي‏والعالمي، ورغبتها في الاستغراق بالشؤون الحوزوية (والدينية) الخاصة (بالمعنى الضيق للكلمة).. لقد تسبب ذلك كله‏في انتكاسات متتالية، وخسائر فادحة لحقت بالمرجعية الاسلامية الشيعية، واضرت بمجمل الحياة الشيعية. ولولاوجود بعض المحطات الواعية والرائدة التي كانت تظهر وتتالق في بعض مراحل المسار المرجعي (كمحطة السيدالشهيد التي نعتقد بضرورة استمرارية تالقها وتوهجها من خلال تلامذته واصدقائه واخوته)، وتتمكن من اعادة بناءبعض الاجزاء المحطمة لكاد الواقع الشيعي يقترب من حالة الياس ((413)). لكن الشهيد الصدر استطاع ان يقدم‏مشروعارائدا لتطوير المرجعية الدينية اطلق عليه اسم «المرجعية الصالحة‏»، والمشروع يعبر كما تحدثنا عنه سابقا عن‏روح الوعي الحركي، والمبادرة الفعالة، وعمق الاحساس باهمية الدور الحيوي والمركزي المهم الذي يجب ان يقوم به‏المرجع الشهيد في حياة الامة الاسلامية التي يراد لها ان تتحرك على طريق التقدم والصلاح والفلاح في الدنيا والاخرة‏لتكون الامة الوسط الشاهدة على باقي الامم والرسالات والحضارات.

وقد انطلق الشهيد الصدر في مجال صنع الامة القوية الشاهدة من خلال عاملين اساسيين ((414)):

الاول: استيعابه العميق للخط العام لحركة المرجعية الشيعية على امتداد مراحلها التاريخية الطويلة، وتشخيصه الدقيق‏لازمتها في حركتها وسط الامة والمتمثلة في تقليدية منهجها، وابتعادها عن التاثير في العصر كما ذكرنا رغم وجودانحرافات كبيرة عن الاسلام، وسيطرة الاتجاهات اللااسلامية على المجتمع الاسلامي.

الثاني: رؤيته الحركية في فهم شؤون الواقع الاسلامي ومعالجتها، من خلال ايمانه بضرورة احداث التغيير النوعي‏الشامل في المجتمع على اساس الاسلام في الفكر والعاطفة والسلوك، وفق منهج مرحلي يمثل الخط العام في التحرك‏والمعالجة.

ولم تقتصر عملية التنظير الفكري لافاق الدولة الاسلامية لدى الشهيد الصدر ومعالمها في سياق اهتمامه (رض)بمسالة المرجعية الموضوعية الشاهدة، ودعوته لاصلاحها من الداخل، بفاعلية وقوة اكبر في الساحة عند حدودالمزاوجة بين ولاية المرجع الشهيد (ولاية الفقيه)، وولاية الامة (الشورى)، بل لقد تعدتها الى عمله على تفعيل تلك‏المحاولة الفكرية والنظرية الجريئة وتزخيمها من خلال استعراضه لعدد من الافكار الاساسية في مجال التمهيد لمشروع‏دستور اسلامي. وفي ضوء ذلك يقرر السيد الشهيد بالارتكاز على الدافع الايماني العميق بقدسية الدين الاسلامي ماياتي ((415)):

1- ان اللّه سبحانه وتعالى هو مصدر السلطات جميعا.

وهذه الحقيقة الكبرى تعد اعظم ثورة شنها الانبياء، ومارسوها في معركتهم من اجل تحرير الانسان من عبودية‏الانسان.

وهذه السيادة للّه تعالى التي دعا اليها تحت شعار «لا ال ه الا اللّه» تختلف اختلافا اساسيا عن الحق الال هي الذي استغله‏الطغاة والملوك والجبابرة قرونا من الزمن للتحكم والسيطرة على الاخرين، فان هؤلاء وضعوا السيادة اسميا للّه لكي‏يحتكروها واقعيا، وينصبوا من انفسهم خلفاء للّه على الارض.

وما دام اللّه تعالى هو مصدر السلطات، وكانت الشريعة هي التعبير الموضوعي المحدد عن اللّه تعالى، فمن الطبيعي ان‏تحدد الطريقة التي تمارس بها هذه السلطات عن طريق الشريعة الاسلامية.

2- ان الشريعة الاسلامية هي مصدر التشريع، بمعنى انها هي المصدر الذي يستمد منه الدستور، وتشرع على ضوئه‏القوانين في الجمهورية الاسلامية، وذلك على النحو الاتي:

اولا: ان احكام الشريعة الثابتة بوضوح فقهي مطلق تعد بقدر صلتها بالحياة الاجتماعية جزءا ثابتا في الدستور سواء نص‏عليه صريحا في وثيقة الدستور ام لا.

ثانيا: ان اي موقف للشريعة يحتوي على اكثر من اجتهاد يعد في نطاق البدائل المتعددة من الاجتهاد المشروع دستوريا،ويظل اختيار البديل المعين من هذه البدائل موكولا الى السلطة التشريعية التي تمارسها الامة على ضوء المصلحة‏العامة.

ثالثا: في حالات عدم وجود موقف حاسم للشريعة من تحريم او ايجاب، يكون للسلطة التشريعية التي تمثل الامة ان‏تسن من القوانين ما تراه صالحا على ان لا يتعارض مع الدستور. وتسمى مجالات هذه القوانين بمنطقة الفراغ، وتشمل‏هذه المنطقة جميع الحالات التي تركت الشريعة فيها للمكلف اختيار اتخاذ الموقف، فان من حق السلطة التشريعية ان‏تفرض عليه موقفا معينا وفقا لما تقدره من المصالح العامة على ان لا يتعارض مع الدستور.

3- ان السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قد اسندت ممارستهما الى الامة، فالامة هي صاحبة الحق في ممارسة هاتين‏السلطتين بالطريقة التي يعينها الدستور. وهذا الحق حق استخلاف ورعاية مستمد من مصدر السلطات الحقيقي وهو اللّهتعالى. وبهذا ترتفع الامة وهي تمارس السلطة الى قمة شعورها بالمسؤولية لانها تدرك بانها تتصرف بوصفها خليفة للّهفي الارض، فحتى الامة ليست هي صاحبة السلطان وانما هي المسؤولة امام اللّه سبحانه وتعالى عن حمل الامانة وادائها(انا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فابين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان انه كان‏ظ لوماجهولا) [الاحزاب:72].

والامة تحقق هذه الرعاية بالطرق الاتية:

اولا: يعود الى الامة انتخاب رئيس السلطة التنفيذية بعد ان يتم ترشيحه من المرجعية، كما ياتي في الامر الرابع، ويتولى‏الرئيس المنتخب بعد ذلك بنفسه تكوين اعضاء حكومته.

ثانيا: ينبثق عن الامة بالانتخاب المباشر مجلس، وهو مجلس اهل الحل والعقد، ويقوم هذا المجلس بالوظائف‏الاتية:

اولا: اقرار اعضاء الحكومة التي يشكلها رئيس السلطة التنفيذية لمساعدته في ممارسة السلطة.

ثانيا: تحديد احد البدائل من الاجتهادات المشروعة.

ثالثا: مل‏ء منطقة الفراغ بتشريع قوانين مناسبة.

رابعا: الاشراف على سير تطبيق الدستور والقوانين الخاصة ومراقبة السلطة التنفيذية ومناقشتها.

4- ان المرجعية الرشيدة هي المعبر الشرعي عن الاسلام، والمرجع هو النائب العام عن الامام من الناحية الشرعية.

5- ان الامة، كما تقدم، هي صاحبة الحق في الرعاية وحمل الامانة، وافرادها جميعا متساوون في هذا الحق امام القانون‏ولكل منهم التعبير من خلال ممارسة هذا الحق عن آرائه وافكاره وممارسة العمل السياسي بمختلف اشكاله، كما ان‏لهم جميعا حق ممارسة شعائرهم الدينية والمذهبية.

وفي قراءة اولية لهذه اللمحة التاسيسية الدقيقة لمشروع دستور جمهورية اسلامية (الذي اخذت ايران الكثير من‏تفاصيله واجوائه) يمكن ان نؤكد على ان هذه المحاولة الفكرية التي قدمها الشهيد الصدر، توضح بما لا يدع مجالاللشك ان الاسلام قادر نظريا وعمليا على تاسيس دولة دينية تحظ‏ى بالشرعية الجماهيرية «الامتية‏» (نسبة للامة)،وتستطيع بناء ذاتها ومواقعها الحضارية بكل ثقة ووعي ونجاح في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن‏دون وجود اي نوع من التعارض او التصادم بين افكارها (المحمولة دينيا وشرعيا) وبين متغيرات العصر ومستجداته (اي‏عصر كان)، خصوصا اذا ما اخذنا بعين الاعتبار ان للامة الدور الرئيسي في السلطة السياسية، وادارة شؤونها العامة بمايخدم مصالحها وطموحاتها، ويحفظ حقوقها والتزاماتها.

اننا نجد في محاولة الشهيد الصدر الفكرية لاماطة اللثام عن تلك الحقائق (التي ظهرت من خلال آرائه الناضجة‏ودراساته المتكاملة حول حقوق الامة الواسعة في النظام السياسي الاسلامي) اعادة اعتبار للاسلام والمسلمين،ولدورهم الحيوي في عالم اليوم الذي تتصاعد فيه وتائر الاحاديث الفكرية السلبية عن الدين الاسلامي، وعجزه عن‏بناء دولة حديثة وقوية تمنع تحول السلطة الى حالة تسلطية واستبدادية.

اننا نؤكد هنا ان كون السلطة في الاسلام تقوم على اساس وجود الفقيه العادل، فان ذلك لا يمنع من تحقيق الامة‏لفاعليتها الحضارية اذا صح التعبير وتحفيز قدرات ابنائها ومواهبهم، وتركيز ارادتهم في نطاق الاسهام في بناءمجتمعات حديثة ومتدينة في آن معا ((416))، بل وعلى العكس من ذلك لا يمكن لهذه الامة ان تعيش حالة النهوض‏والتقدم، وتحقيق الفاعلية المطلوبة في مختلف الميادين الحياتية من دون الاسلام بوصفه عقيدة توحيدية‏ينبثق منهانظام شامل ومتكامل للحياة والانسان.

ولذلك يجب الا نخشى، في هذا المجال، ان تتحول السلطة الدينية الاسلامية في اية دولة يحكمها الاسلام الى حالة‏تسلطية قاهرة، بالرغم من استمرار وجود الكثير من الاجواء والمواقع السلبية الطاغية والمسيطرة على ساحة العمل‏الاسلامي عندنا حتى الان، لان ميزان الاسلام في تعزيز قوة الجماعة بالاستقلال عن الحاكم جعلها قادرة على الصمودحتى عندما ينحرف الحاكم، او تحتل البلاد من قبل الغزاة. فلم يكن شرعه ليذهب عندما يفسد راس السلطة كما هوالحال في مختلف الانظمة، وانما كان قادرا على الفعل والتاثير في القاعدة الشعبية التي بقيت قوية مستقلة عن السلطة لابمعاشها فحسب، وانما ايضا بمرج عها الشرعي، اي من خلال علاقتها بالعلماء الذين كانوا يوجهونها، ويقودونها وفاقاللشرع. ويطبقون ما امكن من تعاليم الاسلام عليها حتى في ظل القهر، او في ظل الانحراف، او في ظل الاحتلال.

فكيف‏يكون الحال اذا ما اكتملت هذه الميزة الاسلامية الاخرى، وهي الحكومة الاسلامية العادلة حاملة ميزان الشرع الداعمة‏للناس، والمدعومة من الناس ((417)). من هنا يمكن ان نقول: ان تفكير السيد الشهيد كان منصبا في مسالة التنظير للحكم‏والدولة السياسية الاسلامية العادلة على ضرورة الكشف عن التكامل الذاتي والموضوعي القائم بين نظرية ولاية‏الفقيه، وبين نظرية الشورى. فقد كان (رض) يرى كما اكدنا سابقا ان للفقيه دورا يتحرك في موقع الشهادة، وان للامة‏دورا يتحرك في موقع الخلافة، لان الشهادة والخلافة يجتمعان للمعصوم، ولكنهما لا يجتمعان للفقيه بهذا الشكل‏الشمولي الحاسم. لكن عدم اجتماعهما لا يمكن ان يؤدي الى حدوث تسلط او استبداد في الدولة، لانه لا منافاة ابدابين ان يتمثل الفقيه العادل دور القيادة للامة والشهادة عليها، وبين ان تمارس الامة دورها في المجال السياسي، وتتمتع‏بحقوقها المشروعة انطلاقا من حاكمية الشريعة الال هية التي تجسد الغطاء الشرعي لاي فاعلية سياسية من قبل الفقيه‏العادل او من قبل الامة التي بايعته على الاستقامة والثبات على طريق الحق ((418)).

وطالما ان هناك طبيعة (فطرية) دينية مهيمنة (بالمعنى الايجابي للكلمة) على الفرد والمجتمع والامة، فان ذلك‏يستدعي وبشكل دائم وجود قيادات سياسية دينية تتمتع بالتقوى، والورع، والفقاهة، وتتميز بحيازتها على ثقافة‏سياسية واجتماعية واسعة، تجعلها منفتحة بوعي وعلم على جميع مواقع الحكم في الامة، وقادرة على امتلاك ميزة‏وعي الواقع، وضرورة معرفة اهل زمانه، ثقافة وحضارات وتيارات مختلفة، بما يؤهلها عمليا للقيام بمهام ادارة اعمال‏الدولة، والاشراف على تنفيذ سياساتها في جميع المجالات، بحيث تضمن للامة، من خلال ذلك، تحقيق آمالهاواهدافها الدينية والدنيوية.

وبالنظر الى اهمية هذه المعطيات واستكمالا للمزايا والخصائص التي يجب ان يحوز عليها المرجع الشهيد فقداوجب الاسلام عليه (اي على المرجع المتصدي لمسؤوليات الولاية الدينية والسياسية ومهامها) ان يكون متمتعا آبالاضافة الى الصفات السابقة بصفة «العدالة‏»، باعتبارها افضل ميزة اخلاقية انسانية يمكن ان تؤثر ايجابا على اعماله،والتزاماته، وطريقة اتخاذه لقراراته المصيرية، فتمنعه من التسلط، والهيمنة، والاستعباد، وتردعه عن تضييع حقوق‏الناس والمجتمع واهدارها، او الاستهانة بكراماتهم واخلاقياتهم. ويبدو واضحا لنا ان اجتماع تلك المزايا والخصائص‏النفسية والسلوكية في المرجع الشهيد سيؤهله حتما للقيام بمهمة التصدي لمسؤوليات المرجعية الموضوعية الرشيدة.وقد استطاع الشهيد الصدر الوصول الى هذا المستوى الرفيع من المرجعية الشهيدة التي ابت الا ان تتعطر باريج دمه‏وروحه، وعبق حبره (وقلمه) الذي لم يجف من خلال تساؤلاته ونظراته الحضارية حتى الان.

في الختام من هنا نؤكد في نهاية هذا البحث ونحن نعيش اجواء ذكرى استشهاد مرجعنا الشهيد (رض) اننا اذا اردنا ان نكون‏مخلصين لخط الشهيد الصدر الروحي والفكري (ولخط المرجعية الشاهدة والشهيدة بشكل عام)، فان علينا ان نجاهدروحيا وفكريا في جميع اعمالنا وممارساتنا من اجل ان ننتج من جديد العمق الفكري والسياسي والاجتماعي للسيدالشهيد على مستوى حركتنا وسعينا الحثيث باتجاه استكمال جهوده وعطاءاته الفكرية والمعرفية وتطويرها في بناءعناصر النظرية والمشروع الحضاري الاسلامي في ظل الظروف والضغوطات والتحديات المعقدة الراهنة التي يواجههااسلامنا الرسالي في جميع المجالات السياسية والامنية والاعلامية.

ونحن نرى ان ابرز من يجب عليهم تحمل المسؤولية الاكبر في ذلك (وجميعنا يجب ان نتحمل هذه المسؤوليات‏بشكل او بآخر) هم تلامذة الشهيد الصدر، واخوانه، واصدقاؤه الذين عاشوا معه، وتتلمذوا على يديه، لاننا نستطيع‏جميعا بهذا المعنى ان نعمل مع الشهيد الصدر في فكره، وعمله، واجتهاداته المتنوعة، لنبني الحياة الاسلامية‏الواعية والمتبصرة والمنفتحة، ليس من موقع التباكي على مرحلته والوقوف على اطلالها وآثارها، والاكتفاء باقامة‏الندوات والمؤتمرات والمحاور الفكرية والثقافية فحسب، ولكن ايضا من موقع متابعة طروحاته ونظراته ومشاريعه‏الفكرية في ضرورة ان ينطلق خطه الحركي الاسلامي الاصيل من جديد في داخل مجتمعاتنا، في ان نبدع كما ابدع آاشياء جديدة، ونجدد معارف سابقة، وان يكون الاسلام الذي نؤمن به، ونلتزمه، ونسلكه، وندعو الاخرين اليه اسلام‏التجدد، والانفتاح، والوعي، قاعدة الفكر والعاطفة والحياة.

هموم المنبر عند الشهيد السيد محمد باقر الصدر الشيخ احمد الوائلي المنبر الاسلامي: فعالية واعادة نظر كل من يتتبع مسيرة المنبر، بوصفه وسيلة من وسائل الاعلام على مختلف ابعاده، يرى بوضوح تطورا في مختلف‏مراحله، وان اختلف هذا التطور كثرة وقلة. وهذا التطور يشمل مادة المنبر وادواته واتجاهاته، وذلك امر مفروغ منه، لان‏المنبر تحول الى حاجة من حاجات الامم الاجتماعية سواء اخذ صورة المذياع او التلفزة او الاعواد. وتبعا لذلك، لا بدمن ان يتطور المنبر بتطور الامم.

والملاحظ ان المنبر الاسلامي، بصورة عامة، والمنبر الحسيني منه، اتصف، وللاسف الشديد، بالبط‏ء في مسيرته‏التطورية، وان خطا خطوات في مضماره. انه بالقياس الى وسائل الاعلام الاخرى لا يزال يزحف مع وجود امكانات‏التطوير. وقد يقول بعضهم ان ذلك ناتج من كونه فعالية من فعاليات الدين. والدين لا ياخذ الزخم الذي تاخذه الامورالحياتية الاخرى، كما هو معلوم، الا ترى ان مفردات المناهج الدراسية في مدارسنا الرسمية قد تطورت، وغدت‏الحضن الذي يحضن ابناءنا في اخطر مراحل حياتهم؟: هذه المدارس تعد الدروس الدينية في مؤخرة مفرداتها ولا تضع‏لها علامات محسوبة من المعدل العام، الامر الذي يترك في نفس الطالب انطباعا بعدم اهميتها. قد يكون هذا القول‏يمثل شيئا من الواقع، لان المدارس الرسمية تعتقد ان امور الدين مما تعتني به الاسرة، وتحرص على تلقينه لابنائها،كذلك لا ترى حاجة للتاكيد عليه. كما ان الامور الدينية ان كانت لا تمثل اهتماما عند بعض الشرائح، فانها موضع اهتمام‏شرائح الامة الباقية. وقد كان المنبر، بعد مسيرته الطويلة، منفذا من منافذ الدين بالنسبة للجمهور.

واعود لاقول: ان وسائل الاعلام الاخرى تحولت الى حاجة للكثيرين وخبزا يوميا لهم، لانها حملت همومهم، وعرفت‏تطلعاتهم، وتصدت لحل مشكلاتهم في حدود ما تملك من قدرات. كما انها ربطت المتلقين بابعاد المجتمع الاخرى،ومضت ومشت تعالج عندهم الما، او تداعب املا، وتبتكر لهم اجواء للتفاعل مع مجالات المجتمع الاخرى، وعززت‏عندهم التصور بانهم جزء من المجتمع تشملهم آلامه وآماله.

ولم يات هذا التطور في وسائل الاعلام من فراغ، بل كان نتيجة توظيف علوم متنوعة ومهارات مختلفة في ميدان‏الخطاب، فاين مكان المنبر الاسلامي من ذلك؟ مع ان المنبر المسلم يملك ما لا يملكه غيره من انفتاح في قلوب‏المسلمين او غير المسلمين ممن يتطلع الى حلول فكرية لمشاكله، ذلك ان المنبر يحمل صوت السماء المؤمل لمعالجة‏القضايا والمشكلات، فالمسلم يقدسه وغير المسلم يرى فيه معالجة لم تتاثر بمصلحة ولم توصف بنقص. فلماذا،والحالة هذه، لا نعمل على استخراج كنوز معارفنا الدينية ونذود عنها الدخيل والهزيل؟ ولماذا لا نطور القوالب التي‏تحملها مع التحدي الملح؟ ان مراكز القرار الاسلامي تتحمل مسؤولية كبرى حيال ذلك امام دينها المسؤولة عن خدمته‏وامام مجتمعها المسؤولة عن تربيته، يضاف الى ذلك ان حقل التربية الدينية لا يخص المتدينين فقط، بل يخص الامة‏كلها، لانه اهم وجوهها الحضارية، بوصفه مؤشرا بارزا على نمط عقليتنا ومصدرا رئيسا من مصادر سلوكنا.

اننا لو عدنا الى تاريخ المنبر الاسلامي، في عصورنا الرائدة، لراينا كيف كان فاعلا في بنائنا، وكيف وفر لنا زادا لا نزال‏ناكل من عطائه حتى الان. لقد كنا شيئا مذكورا يوم كان الاسلام بمنافذه زادنا قبل ان تحتوشه السلبيات، وتتكاثر في‏طريقه ادوات التشويه التي شوشت الرؤية، وعملت ولا تزال على تفريغ مفردات الكتاب والسنة من مضمونهاالضخم، ووجهتها الى مضامين هزيلة، او بالغت في اعطاء بعض مضامينها ما ليس منها، او حرفت مداليلها عن معناهاالصحيح. كل ذلك يعرفه المختصون في هذه الحقول، وكان لهذه الممارسات كبير الاثر في ابعاد اوساط كبيرة عن سماع‏الخطاب الديني والوثوق به.

ولولا ان الذهنية الاسلامية بعامة، تشعر بانه لا اجابة عن اسئلتها، في كثير من مناحي‏الحياة، وفي ما له صلة بالحياة الاخرى، الا عند الفكر الاسلامي، لكانت فجيعتنا كبيرة من حيث انفضاض الناس عن‏مصادرهم الدينية، وهم يرون كثيرا ممن يحمل الدين يبعد الناس عن الدين بفكره وسلوكه وبتخلفه عن مسايرة‏الدنيا.

فينبغي، والحالة هذه، اعادة النظر في آليات الخطاب الديني ومنها المنبر، ليؤدي دوره المتوقع منه. وهذا الامر، يكاديكون محل اجماع المفكرين المسلمين، وهم وان اختلفوا في بعض مشخصاته فانهم يتفقون في اصله.

لقد كان ما ذكرته، مما يدور حول المنبر، من الخواطر التي لا تفارقني، فكنت اطرح الفكرة مع كثير من ذوي الشان،فاسمع منهم المتحمس للتحرك في هذا الموضوع، واسمع الذي يقابل ذلك بشي‏ء من الفتور الناتج من تصوره بان‏للمنبر دورا محدودا على مستوى العواطف الدينية عند فئة قليلة.

عناوين رؤية السيد الشهيد المضمون الثقافي وعندما يسر لنا العلم وسائل ايصال الكلمة الى اكبر عدد ممكن، على القرب والبعد، اتسع مجال نقل الافكار عبر التلفازوالمذياع والمسجل، بدات النظرة الى المنبر تتغير، وادرك كثير من المعنيين بهذه الامور ان المنبر وسيلة فاعلة ان‏استطعنا ان نحسن الاستفادة منها، بامتلاك ادواتها وما يرتبط بها، واهم ما يرتبط بها الخطيب المناسب، بل هو المنبركله.

وفي وسط هذه الاجواء جرى الحديث في مجلس الشهيد الصدر، طاب ثراه، فرايت من اهتمامه واصغائه لما يدورحول ذلك ما لم اره عند غيره، وسمعت منه تاكيدا على ذلك دفعني الى معاودة الموضوع كلما دخلت عليه. ولكثرة ماعاودنا طرق الموضوع اشبعت جميع جوانبه تقريبا بالبحث، وقد اشرت الى ذلك اشارة مقتضبة في الكتيب الذي‏اصدرته في العام الماضي:

«تجاربي مع المنبر»، ولكن ساتناول هنا ابرز ما دار الحديث حوله، وما بقي في ذاكرتي مماطرحه السيد، طاب ثراه، لقد كانت اهم الافكار التي في ذهنه تتلخص في عناوين رئيسية منها، بصورة مجملة:

1- تقعيد المنبر، بمعنى ان يصدر المنبر عن قواعد وعلم اذا تناول اي مفردة من مفردات خطابه، فيكون مثله مثل طالب‏العلم الفاضل، اذا عالج مفردة في موضوع شرعي عالجها بمنهجية، مثلا اذا عالج مسالة فقهية نظر الى دليلها، فاذا كان‏من غير القرآن الكريم يبدا بتوثيق الدليل من حيث السند، ثم يبدا بتقييم الرواية وتحقيقها، من حيث عدم الزيادة‏والنقص والتحريف، ثم ينتقل الى الفاظها، ويسال: هل هي مما لا يحتمل الا معنى واحدا، او يحتمل اكثر من معنى؟فيصنفها الى نص او ظاهر او مؤول، ثم يجمع الروايات حول الموضوع ليرى مدى تاثيرها في دلالات الرواية على‏المعنى المراد او الحكم المراد، ثم يبحث عما يعارضها ويعمل فيها وسائل التعادل والترجيح الخ.. وبالاختصار ان‏يسلك الخطيب مسلك الفقيه في معالجة ما يطرحه على المنبر من عقيدة او احكام.

2- اثراء مادة المنبر، بمعنى تنويع مضامين المنبر والتماس المواد المشوقة للسامع التي يجب ان تاخذ بعين الاعتبارالاختلاف في مستوى المستمعين ومداركهم في الوقت نفسه والظروف المحيطة بالمنبر، وبذلك يحافظ على رعيل‏المنبر ورواده ويعمل على زيادة عددهم من الناحية الكمية، كما يعمل على الارتفاع بمستواهم تدريجيا، وذلك في‏قوالب تتناغم مع امزجتهم، لانهم من شرائح غير متجانسة من كافة النواحي غالبا، وكل ذلك في اطار اجوائنا العقدية‏والشرعية، فهي الهدف الاساسي.

3- العمل على الارتفاع بالمنبر حتى يصل الى مستوى مرجع متجول يرجع اليه الجمهور للتعرف الى كثير مما يهمه، من‏قريب او بعيد، من حكم شرعي او عقيدة. وبتعبير آخر، الطموح الى جعل المنبر مكتبة متنقلة ترتقي بمقدار ما تؤدي‏المطلوب للجمهور، على نحو موسوعي لا يصل الى حدود التخصص. واذا قدر له ذلك فهو فتح في آفاقنا المعرفية.وبذلك يكون المنبر مؤهلا للخوض في الافكار العامة، وليس دخيلا عليها، مع لفت النظر الى انه فعلا سائر الى هذه‏المرتبة رغم الثغرات التي تحوطه، وكل ذلك لالتفاف الناس حوله بدافع من العقيدة وطلب الاجر.

وهذه الامور الثلاثة التي اجملتها فيها تفاصيل كثيرة وشعب دار حولها كثير من النقاش، وخصوصا من ناحية ان ما هوقائم بالفعل يمكن تهذيبه، او ما هو مؤمل وممكن في حدود الامكانات المتاحة، لا ارى ضرورة لذكره هنا وانما اردت‏مجرد الاشارة اليه.

الخطيب ذلك ما له صلة بالمضمون الثقافي للمنبر، اما الجانب المتحرك في افق المنبر، وهو الخطيب، فانه، وان كان ليس‏بعيداعن الذهن عند بحث المضمون، كان السيد يرى انه العنصر المؤثر فيه والروح الحقيقية له. ولهذا استاثر بحصة لاتقل‏عن حصة مضمون المنبر في الحديث مع السيد الصدر(رض)، من حيث ما يجب ان يحمله من مؤهلات وما يتصف‏به من صفات. وكان اهم ما انتهت اليه الاراء ما ياتي:

1- ان يكون رعيل الخطباء قسما من الحوزة لا قسيما لها، بمعنى ان يسير على ما يسير عليه طلاب الحوزة من خطوات‏في المنهج والمضمون، وفي سلوكه وهديه والتزامه باجواء الحوزة. واذا قدر له ان يتصف بذلك، فستحصل له اموراهمها: الثقة بنفسه وانه بمستوى اداء الرسالة علميا وستتغير النظرة اليه عند الجمهور، من كونه مجرد ذاكر يمارس‏موضوعا يتصل بالعواطف عند محبي آل البيت (ع) الى كونه من اهل العلم الذين يقومون بما يقوم به ممثلو العلماء في‏البلدان. غاية ما في الامر ان الممثلين ثابتون في مكان محدد وهؤلاء متجولون، وبذلك سيكون الخطباء مشمولين بكل‏ما للحوزة من حقوق ورعاية وغطاء مادي من الحقوق الشرعية حتى لا يتعرضوا للضياع في ايام العجز والشيخوخة، الى‏غير ذلك من مكاسب.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية