الصفحة السابقة

الصفحة التالية

5- بالنسبة للتاثير او استفادة الدستور الايراني في صياغته النهائية مما جاء في لمحة السيد الصدر الفقهية التمهيدية،نعتقد ان القضية في حاجة لمزيد من الدراسة للكشف عن جذور الدستور الايراني ومصادره واصوله بشكل عام،خصوصا وان المؤلف قد اعترف بانه واثناء حديثه مع «علماء ومفكرين ايرانيين ظهر بعض المضض في الاعتراف بوثاقة‏صلة لمحة الصدر بالدستور الايراني‏»، لذلك فهذه القضية الاشكالية تحتاج للمزيد من النقاش والمعالجة.

6- بالنسبة للتحليل الذي قدمه للمشاكل الناجمة عن الفصل المزدوج للسلطات في الدستور الايراني، يمكن عد ذلك‏انموذجا للدراسات الفقهية القانونية، التي يفترض ان تنطلق لاغناء هذه التجربة الدستورية الجديدة، باعتبارها اصبحت‏جزءا من الفقه او القانون الدستوري الاسلامي الجديد الذي بدات انظار الباحثين في مجال القانون تتجه اليه.

7- هذه الكتابات التي تتحلى بقدر كبير من الموضوعية عن العالم الاسلامي وقضاياه المعاصرة، يمكن عدها مهمة‏وضرورية لاغناء مشروع حوار الحضارات، ونزع فتيل الكراهية والصراع الناجم عن الجهل المتبادل بالاخر، وبخاصة‏عندما تكتب من جهات محايدة او يفترض ان تكون كذلك، سواء اكانت عربية او غربية.

8- مثل هذه الكتابات الاكاديمية المنجزة في الغرب، تستحق القراءة والترجمة والترويج لها بين قراء العربية، وهذا ماقامت به دار النهار للنشر في بيروت، عندما اشرفت على ترجمة هذا الكتاب وطبعه سنة 1998م. وكان قد صدر باللغة‏الانجليزية عن دار نشر جامعة كمبردج سنة 1993م.

واخيرا، لقد حاز هذا الكتاب على جائزة جمعية الدراسات الشرق الاوسطية في الولايات المتحدة الامريكية لافضل‏مؤلف اكاديمي لعامي 1993 1994م، وهذا دليل على اهميته العلمية، وتمرس مؤلفه في الكتابة والتاليف في حقول‏الفكر الاسلامي المعاصر ومجالاته..

الفكر السياسي والدستوري عند الشهيد السيد محمد باقر الصدر(قده) الدكتور محمد طي لم يكن السيد محمد باقر الصدر(قده) مرجعا دينيا تقليديا اهتم بمسائل العبادات والمعاملات وحسب، بل كان انساناعالما مطلعا على مسائل العصر بمختلف انواعها، فكتب في الفلسفة والمنطق ومنهجية العلوم الاجتماعية، كما كتب في‏الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وفي علم المصارف والعلم الدستوري، فكان موسوعيا متعمقا بحق.

واذا كانت جوانب فكره لا تزال تدرس، وستبقى كذلك الى مدى زمني بعيد، فانه يصبح من واجبنا الاسهام في اعطاءهذا الرجل الكبير حقه، وسنتناول، في الاسطر التالية، فكره في المجال السياسي والدستوري محاولين القاء نظرة‏متواضعة عليه.

تناول السيد الصدر هذه المسائل في فتوى اصدرها بناء على طلب عدد من الاشخاص، كما بثها في ثنايا كتاباته‏الاقتصادية والاجتماعية، فتحدث في الدولة وفي السياسة، والدستور عموما والسلطات والنظام السياسي، وفي العلاقة‏بين السلطات، وفي المبادى الاقتصادية السياسية. وسنتناول هذه الجوانب في ما ياتي:

في الدولة ونشوئها حاول الفكر السياسي، منذ وقت مبكر، ان يدرس ظاهرة نشوء الدولة، وانقسم في هذا الموضوع انقساما لا راب آله.

فقد ذهب ابن خلدون الى ان الملك يقوم على القهر والغلبة، حيث تتمكن عصبية، في صراع العصبيات، من اخضاع‏عصبيات اخرى، فتقيم دولتها على انقاض سلطات تلك العصبيات. وهو بهذا يحاول تعميم الدولة القبلية على المكان‏والزمان. ولا يخفى ما في هذا الامر من تعسف في الاستنتاج. ذلك انه اذا كان الكثير من الدول قد قام على هذا النحو،خصوصا في الماضي، فان الدول القائمة اليوم لا تقوم غالبا على هذا الاساس.

كما ذهب عدد من المفكرين الاوروبيين الى ان الدولة قامت على اساس العقد الاجتماعي بين المجموعات البشرية‏التي تضمها، بحيث تخلى كل انسان ممن كان يعيش في حالة الطبيعة عن جزء من سيادته لصالح سلطة تحكم الجميع‏باسم الجميع. غير ان هذا الزعم لا يمكن البرهنة على صحته، بل حتى ان اصحابه، وفي مقدمهم جان جاك روسو،يرون ان هذا الحل هو حل منطقي وان لم يجد له امثلة عبر التاريخ.

وذهبت الماركسية الى ان الدولة اقامتها الطبقة المسيطرة المستغلة بعدما انقسم المجتمع الى طبقات احداها مهيمنة‏والاخرى مغلوبة مستغلة.

وقد نشا انقسام المجتمع الى طبقات، حسب وجهة النظر الماركسية، في المرحلة التي حلت فيها ادوات الانتاج‏المعدنية مكان الادوات الحجرية والخشبية، وذلك في حفر الارض وفي الصيد، الامر الذي ادى الى زيادة في الانتاج،فحصل فائض ولو محدود عن حاجة المنتجين، الامر الذي سمح بانتزاعه، وقد انتزعه افراد اقوياء ماديا او معنويا،وشكلوا طبقة مستغلة وحولوا المنتجين العاملين الى طبقة مستغلة.

ولما كانت الطبقة المستغلة لا تستطيع ادامة سيطرتها الا بتنظيمها على اساس سند من القوة، فقد انشات الدولة بجهازهاالقمعي من شرطة ومحاكم وسجون لتنظيم قمع الطبقة الدنيا واستغلالها.

غير ان ما تذهب اليه الماركسية، وان كان مبنيا بشكل منطقي ظاهريا، الا انه لا يستند الى وقائع يمكن اثباتها من الناحية‏التاريخية.

ولما كانت جميع هذه النظريات متهافتة اذا ما حاولنا تعميمها، فان السيد الشهيد يدحضها جميعا، ويرى ان الدولة‏قامت على اساس ديني، ولكن ليس بالطريقة التي كانت تعرضها الكنيسة في اوروبا عندما كانت تدعم الملكية‏الاستبدادية التي تقوم على الحق الالهي، وتعد الملك ظل اللّه على الارض، وانه بالضرورة مفوض من اللّه عز وجل، كماتدعم النظام الاقطاعي، بل على اساس من استقراء التاريخ.

يقول السيد الشهيد: «فمن ناحية تكون الدولة ونشوئها تاريخيا، نرفض اسلاميا نظرية القوة والتغلب، ونظرية التفويض‏الالهي الاجباري، ونظرية العقد الاجتماعي، ونظرية تطور الدولة عن العائلة، ونؤمن بان الدولة ظاهرة نبوية، وهي‏تصعيد للعمل النبوي بدات في مرحلة معينة من حياة البشرية‏» ((345)).

فالنبي موسى (ع) الذي قاد بني اسرائيل من مصر اسس لهم دولة. والنبي محمد (ص) اسس دولة في المدينة المنورة،وكانت الدولتان اساسا لقيام دول لمدة طويلة من الزمن، ولعله لو كشف المزيد من اسرار التاريخ لاتضحت هذه المسالة‏اكثر فاكثر. اذ ان المعروف اليوم ان الامبراطوريات وسائر الدول التي كانت قائمة في العهود الغابرة، من مصر الى بلادالرافدين الى اليونان، كانت دولا قائمة على الدين والسحر، الامر الذي يسمح بعدم استبعاد اساس ديني حقيقي لها قبل‏ان تؤول الى ما آلت اليه، وذلك بناء على النظرية الدينية القائلة انه لم يخل زمان من نبي ورسالة سماوية، عملت فيهاايادي التحريف بعد وفاة الرسول.

السلطة والدولة ترى النظريات السياسية الحديثة ان السلطة في الدولة مستمدة من البشر سواء بوصفهم امما او شعوبا. فمن ياخذ بنظرية‏سيادة الامة يرى ان السلطة للامة بوجودها التاريخي الممتد من الماضي الى الحاضر الى المستقبل، وبهذا يمكن ان‏تتجسد في ملك او رئيس او امبراطور.. دونما فرق.

اما من ياخذ بنظرية الشعب فيرى ان السلطة للاجيال الحاضرة من دون السابقة، فيخلصها من اثقال الماضي، ويتطلع‏حسب زعمه الى المستقبل.

الا ان النظريتين تستخدمان لتسويغ انظمة حكم معينة، سواء منها الاستبدادية ام الديمقراطية، ولا تعنيان ابدا التزاماحرفيا بمقتضياتهما. اذ نادرا ما نرى الشعب يمارس سلطة، فهو يكتفي بالمظاهر الشكلية لتفويض السلطة، في‏الانتخابات، ذلك التفويض الذي هو في الحقيقة عقد بين القوى الفاعلة من التروستات المالية والصناعية والعسكرية‏وبين الحكام الذين هم في الواقع وكلاء لهذه القوى. الم يقل ايزنهاور، بعد مغادرته البيت الابيض سنة 1960، انه‏اكتشف ان اميركا يحكمها مركب عسكري صناعي؟ اما في الاسلام، فان مصطلحي الامة والشعب لا يحملان المعاني نفسها التي حددت لهما في الغرب، وعندما نتحدث‏عن الامة، نعني المجموعة الاسلامية، والامة، بهذا المعنى، تعني الشعب، كما هو مستخدم في الغرب، ولا يمكن ان‏تستخدم سيادة الامة مسوغا لحكم استبدادي ولا سيادة الشعب للتدليل على نظام حكم مختلف.

اما الكنيسة فقد كانت، في القرون الاوروبية الوسط‏ى، تؤمن بان مصدر السلطة هو العناية الالهية، ولكنها كانت تزعم انهامفوضة الى الملوك الاستبداديين، الذين يشكلون قدرا بالنسبة الى الشعوب، فان كان الواحد منهم صالحا فهو رحمة من‏اللّه، وان كان ظالما فهو عقوبة ينزلها اللّه بهم لسوء سلوكهم.

اما السيد محمد باقر الصدر فيرى ان الاسلام يقضي بان يكون مصدر السلطة الهيا، ولكن السلطة تؤول الى الشعب،وهكذا فهو يؤكد:

ان اللّه، سبحانه وتعالى، هو مصدر السلطات جميعا.

وهذه الحقيقة الكبرى، تعد اعظم ثورة اعلنها الانبياء ومارسوها في معركتهم من اجل تحرير الانسان ((346)) وهذه‏السيادة للّه، تعالى، التي دعا اليها الانبياء تحت شعار: «لا اله الا اللّه» تختلف اختلافا اساسيا عن الحق الالهي الذي استغله‏الطغاة والملوك والجبابرة قرونا من الزمن للتحكم والسيطرة على الاخرين، فان هؤلاء نسبوا السيادة اسميا للّه لكي‏يحتكروها واقعيا وينصبوا من انفسهم خلفاء للّه على الارض ((347)).

اما في الاسلام فان اللّه اسند ممارسة السلطة، وهي منبثقة من السيادة، الى الامة، وذلك في المجالين: التشريعي‏والتنفيذي، وان السلطتين: التشريعية والتنفيذية قد اسندت ممارستهما الى الامة، فالامة هي صاحبة الحق في ممارسة‏هاتين السلطتين... وهذا الحق حق استخلاف ورعاية مستمد من مصدر السلطات الحقيقي، وهو اللّه تعالى ((348)).

وحق الاستخلاف هذا يجعل الامة مسؤولة عن انفاذ حكم اللّه تعالى ونشر العدل والقسط. وهذا ما يبينه السيد الشهيدبقوله:

اما «حكم الجماعة القائم على اساس الاستخلاف فانه حكم مسؤول، والجماعة فيه ملزمة بتطبيق الحق والعدل‏ورفض الظلم والطغيان، وليست مخيرة بين هذا وذاك‏» ((349)).

ومن هنا فعليها تطبيق الشريعة الاسلامية السمحة، سواء في الدستور ام في سائر القوانين. اذا هي ليست مطلقة‏الصلاحية في هذا المجال، بحيث تستطيع اعتماد ما تشاء من قوانين، لان اللّه تعالى يكون في هذه الحالة قد اصبح‏حياديا، وهو الذي يريد ان يتم نوره. من هنا كان على الامة ان تمارس الصلاحية في ظل الدستور، وهذا الدستور يجب‏ان يستمد من الشريعة الاسلامية كما سائر القوانين. يقول السيد الشهيد: «وما دام اللّه تعالى هو مصدر السلطات، وكانت‏الشريعة هي التعبير الموضوعي المحدد عن اللّه تعالى، فمن الطبيعي ان تحدد الطريقة التي تمارس بها هذه السلطات‏عن طريق الشريعة الاسلامية‏».

ان الشريعة الاسلامية هي مصدر التشريع بمعنى انها هي المصدر الذي يستمد منه الدستور وتشرع على ضوئه القوانين‏في الجمهورية الاسلامية ((350)).

غير ان احكام الشريعة ليست موضع اتفاق في جميع الامور، ولا سيما في الجوانب التفصيلية للمسائل، فما هو الموقف‏عندما تكون السلطة الحاكمة حيال موضوع من هذا النوع؟ يميز السيد الصدر هنا بين ثلاث حالات للشريعة، فيرى ان هناك احكاما ثابتة واضحة لا يمكن الا الالتزام بها حرفيا،وهناك احكام يختلف حولها الفقهاء، كما ان هناك حالات لم تستخرج احكامها بعد، ولكل من هذه الحالات يحددالسيد الشهيد موقفا، فهو يرى:

اولا: ان احكام الشريعة الثابتة بوضوح فقهي مطلق تعد، بقدر صلتها بالحياة الاجتماعية، جزءا ثابتا في الدستور، سواءنص عليه صريحا في وثيقة الدستور ام لا.

ثانيا: ان اي موقف للشريعة يحتوي على غير اجتهاد، يعد في نطاق البدائل المتعددة من الاجتهاد المشروع دستوريا،ويظل اختيار البديل المعين من هذه البدائل موكولا الى السلطة التشريعية التي تمارسها الامة على ضوء المصلحة‏العامة.

ثالثا: في حالات عدم وجود موقف حاسم للشريعة، من تحريم او ايجاب، يكون للسلطة التشريعية التي تمثل الامة ان‏تسن من القوانين ما تراه صالحا ((351)).

واذا كان ظاهر الفقرتين: ثانيا وثالثا انما يقصر الامر على القانون العادي، فاننا لا نرى مانعا من ان ينطبق على القانون‏الدستوري ايضا، بل لعل هذا ما اراده ايضا السيد الشهيد، لانه في الفقرة اولا عد الاحكام الشرعية الثابتة جزءا من‏الدستور، فمن اين يؤتى بالجزء الثاني؟ والحل هو في ثانيا وثالثا.

الشعب والحكام اذا كان اللّه، تعالى، قد اوكل السلطة الى الامة، فان الامة لا بد لها من تكليف اعضاء منها بممارسة السلطات، وهؤلاءالاعضاء سيكونون الحاكمين. ولما كان الحاكم عادة يجنح الى المبالغة في التسلط، الامر الذي يجر القمع والاستبداد،كان لا بد هنا من الاحتياط حفاظا على ملكية الامة للسيادة المفوضة اليها من اللّه تعالى.

في الانظمة الوضعية، عانت الشعوب من التسلط والقهر آلافا من السنين حتى توصلت الى شي‏ء من الحلول.

ففي السابق، كان الحكام، من الملوك او الاباطرة او السلاطين، يمارسون سلطة مطلقة مدعين الالوهية او النيابة عن‏الاله، الامر الذي يسمح لهم بالتحكم بالارواح والحريات والارزاق، تشهد بذلك معطيات التاريخ من جهة والاثارالعمرانية الضخمة من جهة ثانية، فالقلاع والمعابد، من قلعة بعلبك الى اهرام مصر الى اكروبول اليونان...، تدل دلالة‏واضحة، وهي التي استنفدت مجهودات مئات الالاف من البشر بالضرورة، نظرا لبدائية الوسائل، على تملك الحكام‏لمجهودات الناس وقوة عملهم، الامر الذي ادى الى استعبادهم ودفعهم الى اعمال السخرة، اضافة الى الارواح التي‏كانت تزهق في الحروب الخاصة التي كانت تثيرها المطامح والمطامع، تلك الحروب التي كانت تلتهم في ما تلتهم‏ثروات الشعوب من اموال خاصة وعامة.

ومنذ ذلك الوقت، والشعوب تناضل للخلاص من النير ولم تحقق نتائج معقولة الا في العصور الحديثة، حيث اخذت‏تختار ممثليها ليناقشوا الضرائب التي تفرض عليها وليشرعوا لها في عملية حد من سلطات الملوك والسلاطين. وهكذافقد جرى تبني اعلانات ومواثيق تتعلق بحقوق الانسان منذ نهايات القرن الثامن عشر حتى ايامنا هذه.

اما الاسلام فقد قيد سلطة الحاكم من الاساس بحيث يحكم بما انزل اللّه، فحمى حياة الانسان منه كما حمى حريته‏وماله. وفي ما يخص الحريات المعروفة اليوم تقليديا، فان السيد محمد باقر الصدر، وبخلاف العديد من الفقهاءالمسلمين، يرى واجب منح الانسان المسلم حقوقا واسعة في مجال حماية بدنه وحرية حركته وابداء رايه وعمله‏السياسي كما في مجال المساواة وتامين لقمة العيش.

ينطلق السيد محمد باقر الصدر، على هذا الصعيد، من كون العبودية هي للّه وكون عبادة الاشخاص محرمة مطلقا،فعملية الاستخلاف، كما يرى السيد الصدر «تعني، اولا، انتماء الجماعة البشرية الى محور واحد وهو المستخلف، اي‏اللّه سبحانه وتعالى الذي استخلفها على الارض بدلا من كل الانتماءات الاخرى، والايمان بسيد واحد ومالك واحدللكون وكل ما فيه‏» ((352)).

ومن هنا فان العلاقات الاجتماعية لا بد من ان تقوم، على اساس العبودية المخلصة للّه وتحرير الانسان من عبودية‏الاسماء التي تمثل الوان الاستغلال والجهل والطاغوت‏» ((353)).

وهذا التحرير لا بد من ان يتمظهر، في ما يتمظهر به، في حريات يمثل عليها السيد الشهيد بالمساواة وحرية الفكر وحرية‏ابداء الراي وممارسة الشعائر الدينية والعمل السياسي للمسلمين ولغير المسلمين، ففي هذا يقول السيد الصدر:

«وتعني‏هذه الحقيقة (كون اللّه مصدر السلطات) ان الانسان حر ولا سيادة لانسان على انسان آخر، ولا لطبقة او لاي مجموعة‏بشرية عليه، وانما السيادة للّه وحده، وبهذا يوضع حد نهائي لكل الوان التحكم واشكال الاستغلال وسيطرة الانسان‏على الانسان‏» ((354)). ويؤكد الشهيد الصدر الحرية في معرض آخر، فيقول: «ان الامة.. هي صاحبة الحق في الرعاية‏وحمل الامانة وافرادها جميعا متساوون في هذا الحق امام القانون، ولكل منهم التعبير من خلال ممارسة هذا الحق عن‏آرائه وافكاره وممارسة العمل السياسي بمختلف اشكاله، كما ان لهم جميعا حق ممارسة شعائرهم الدينية والمذهبية‏».

ويضيف السيد الشهيد: «وتتعهد الدولة بتوفير ذلك لغير المسلمين من مواطنيها الذين يؤمنون بالانتماء السياسي اليهاوالى اطارها العقائدي، ولو كانوا ينتسبون دينيا الى اديان اخرى‏» ((355)). اما ما يتعلق بالحريات البدنية، ومنها الحق بالحياة وحرمة المنزل والمراسلات فالشريعة كفيلة بحمايتها.

اما ما عرف، بعد الحرب العالمية الاولى خصوصا، من حريات اقتصادية واجتماعية كحق العمل والضمان الاجتماعي‏ومجانية التعليم، فقد تجاوزه الاسلام كما يؤكد السيد محمد باقر الصدر، فهو يرى:

ان الدولة يجب ان تلتزم «بتوفير العمل في القطاع العام لكل مواطن وباعالة كل فرد غير قادر على العمل او لم تتوفر له‏فرصة العمل. وتقوم بجباية الزكاة لتوفير صندوق للضمان الاجتماعي، كما انها تخصص خمس عائدات النفط وغيره من‏الثروات المعدنية للضمان الاجتماعي وبناء دور سكن للمواطنين وفق تنظيم تضعه الدولة‏».

وتلتزم الدولة بالانفاق من واردات القطاع العام على التعليم مجانا وفي جميع مراحله وعلى الخدمات الصحية‏مجاناوبجميع اشكالها على نحو يوفر لكل مواطن القدرة على الاستفادة من المجال التعليمي والصحي من دون مقابل‏وفقا لنظام معين تقرره الدولة ((356)).

على ان السيد الصدر يرى، اضافة الى ذلك، ضرورة الغاء الفوارق الفاحشة بين مستويات المعيشة للمواطنين، فهويرى:

«ان مستوى معيشة الفرد يجب ان لا يتجاوز بصورة حادة مستوى الرخاء العام للجميع، وللدولة تقدير ذلك والقيام بمايكفل عدم الاسراف‏» ((357)).

والرخاء العام الذي يرى السيد الصدر ضرورة تامينه هو ذلك الذي يرتفع بدخل الفرد من الطبقات الدنيا الى المستوى‏الذي يستغني به، ويستشهد على ذلك بحديث جاء على لسان الامام موسى بن جعفر (ع) يقول فيه: «ان الوالي ياخذالمال فيوجهه الوجه الذي وجهه اللّه له على ثمانية اسهم للفقراء والمساكين يقسمها بينهم بقدر ما يستغنون في سنتهم‏بلا ضيق ولا تقية...» . ((358)) نظام الحكم الاسلامي يتفرد نظام الحكم الاسلامي، كما يرى الشهيد الصدر، من انظمة الحكم الاخرى، بانه لا تنطبق عليه المواصفات‏التقليدية المتعارف عليها، فلا هو حكم ليبرالي يؤمن مصالح الفرد حتى ولو على حساب مصالح الجماعة، تاركا الحبل‏على الغارب للمنافسة التي يسحق فيها القوي الضعيف وتدمر المؤسسة الكبرى المؤسسات الصغيرة، ويعترف للفردبحريات لا يستطيع ممارستها الا الاقوياء المتمولون. ولا هو اشتراكي يحرم العامل من ثمرة عمله بحيث تكون جميع‏وسائل الانتاج مملوكة للمجتمع وفي الواقع للدولة، فيصبح كل انسان مجرد موظف ينال الاجر نفسه سواء عمل‏بجدواخلاص ام تهاون وتكاسل او تهرب.

ولا هو بالطبع نظام فاشي يصادر الحريات ويتجاهل الجمهور العريض من المواطنين، ويزعم ان هناك نخبة تتمى زتكوينيا عن الناس الذين ياتون في مرتبة وسط‏ى بينها وبين الحيوانات.

وهكذا فنظام الحكم الاسلامي ليس فردانيا ولا مكيانيا (توتاليتارية)، بل هو نظام الموازنة بين الفرد والمجتمع الذي لاتقوم فيه مصلحة المجتمع بمواجهة مصلحة الفرد، بل ان مصلحة المجتمع هي مجموع مصالح الافراد. يقول السيدالشهيد:

«ومن ناحية وظيفة الدولة نرفض اسلاميا المذهب الفردي او مذهب عدم التدخل المطلق (للدولة) (اصالة الفرد)والمذهب الاشتراكي او اصالة المجتمع، ونؤمن بان وظيفتها تطبيق شريعة السماء التي وازنت بين الفرد والمجتمع‏وحمت المجتمع، لا بوصفه وجودا هيغليا مقابلا للفرد، بل بقدر ما يعبر عن افراد وما يضم من جماهير تتطلب الحماية‏والرعاية . ((359)) وهكذا فان النظام الاقتصادي الاسلامي يقوم على قطاع عام اساسي الى جانب القطاع الخاص. فالقطاع العام يشمل‏«جميع مصادر الثروة الطبيعية‏» بينما «يكتسب الافراد الحقوق الخاصة بالانتفاع بها على اساس العمل‏» ((360)). وهكذا فان‏الملكية الخاصة تقوم على اساس العمل. «ان الثروة المنتجة ملك العامل المنتج، وهذه الملكية تقوم على اساس العمل‏»((361)) وبهذا يتميز النظام الاقتصادي الاسلامي من النظام الراسمالي الذي تصبح فيه الثروة المنتجة ملكا لصاحب راس‏المال ومن النظام الاشتراكي الذي تصبح فيه الثروة المنتجة ملكا للمجتمع.

كما يتميز النظام الاسلامي في الاقتصاد بوضع حد لهيمنة المال وللاثراء بوساطة المضاربات المالية التي تستشري اليوم‏في ظل العولمة، بحيث يتم احراز الثروات الخيالية بوساطة تجارة المال، فالنظام الاسلامي «يمنع ادخار النقد واكتنازه‏»((362)) كما ان العمل يتجه «لمنع اي كسب تولده الاثمان الاحتكارية للنقد بما في ذلك الفوائد الربوية‏» ((363)).

اما اسلوب ممارسة الامة لمسؤولياتها واتخاذها القرارات والمواقف ترجمة لخلافتها الصادرة من اللّه، فهو يقوم على‏اساس الشورى والولاية، فهي تمارس «امورها عن طريق الشورى ما لم يرد نص خاص على خلاف ذلك‏» ((364))، والشورى تعتمد «جميع النقاط الايجابية في النظام الديمقراط‏ي مع فوارق تزيد الشكل موضوعية وضمانا لعدم‏الانحراف‏» ((365)). ومن هنا فهي لا يمكن ان تتطابق مع اي من النظم التي تدعي الديمقراطية وان تمسكت بالنقاط‏الايجابية فيها كما يرى السيد الشهيد.

اما الولاية فيراد بها «تولي (كل مؤمن) اموره بقرينة تفريع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر عليها، والنص ظاهر في‏سريان الولاية بين كل المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية‏» . ((366)) وحدة السلطات ام فصلها راينا ان النظريات المتعلقة بالسلطة، في العصر الحديث، ترى ان مصدر السلطة بشري، الامة او الشعب، وانها تفوض‏بطريقتين:

1 اما مجزاة بحيث يتولى رئيس الدولة والحكومة سلطة التنفيذ بما هي تطبيق للقوانين وتفصيل لها وادارة البلاد.ويتولى البرلمان سلطة التشريع بما هي وضع للقواعد الحقوقية العامة والشاملة، فيما تتولى المحاكم سلطة القضاء التي‏تعني تطبيق الاحكام القانونية على النزاعات بين المواطنين بعضهم مع بعض او مع السلطة نفسها.

2 واما موحدة بحيث تختار الامة مجلس النواب وتفوض اليه السلطات جميعا، ثم يختار هذا المجلس الهيئة التنفيذية‏ويفوض اليها جزءا من الصلاحية، كما ينتخب الدرجة العليا من الجهاز القضائي ويفوض اليه الصلاحية‏القضائية.

بالطريقة الاولى يجري انشاء نظامين سياسيين:

الاول: النظام النيابي الذي يقيم توازنا بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية فيما هما منفصلتان، ويقيم توازنا بينهمامن طريق وسائل ضغط تمتلكها كل سلطة في مواجهة الاخرى.

فمجلس النواب يسحب الثقة من الحكومة فيسقطها،والسلطة التنفيذية تستطيع بالمقابل حله لاستبداله بوساطة الاقتراع الشعبي بمجلس جديد.

الثاني: النظام الرئاسي الذي يقوم على فصل مشدد للسلطات، بحيث تلتزم كل منها صلاحيات خاصة، دونما وسائل‏للضغط على الاخرى من مثيل تلك الموجودة في النظام النيابي.

وبين النظام النيابي والرئاسي يقوم نظام يعرف بالنظام «شبه الرئاسي‏»، وهو نظام نيابي ينتخب فيه رئيس الدولة من‏الشعب مباشرة ويمارس صلاحيات حقيقية في حين ان الرئيس في النظام النيابي ينتخب من قبل النواب ولا يمارس‏الاصلاحيات بروتوكولية. ويختلف هذا النظام عن النظام الرئاسي بوجود اساليب التعاون ووسائل الضغط بين السلطات‏على غرار النظام النيابي.

وبالطريقة الثانية يقوم النظام النيابي بنسختيه: الليبرالية والاشتراكية.

اما النظام الاسلامي، كما يحد ده السيد الشهيد، فيقوم على بناء مختلف عن كل ما سبق، وهو بناء متفرد لم تعرف‏البشرية نسخة منه في تاريخها.

فالسلطة في هذا النظام يمتلكها اللّه تعالى، وهو يكلف الامة بممارستها في ظل شريعة الزامية على الامة التقيد بها، اي‏ان اللّه تعالى يفوض الى الامة سلطة جزئية هي سلطة اقامة حكمه في الارض. فالامة «ليست هي صاحبة السلطان وانماهي المسؤولة امام اللّه سبحانه وتعالى عن حمل الامانة وادائها» ((367))، وهي تمارس السلطتين: التشريعية والتنفيذية‏بالطريقة التي يعينها الدستور ((368)) والدستور مستمد من الشريعة الاسلامية ((369)) فالامة اذا مقيدة بالشريعة.

والامة تفرز بالاختيار الطبيعي قيادتها بعد النبي والائمة (ع) المتمثلة بالمرجعية، فالمرجعية «حقيقة اجتماعية‏موضوعية في الامة تقوم على اساس الموازين الشرعية العامة‏» ((370)).

واذا كانت الامة هي صاحبة الحق في الرعاية وحمل الامانة، فان المرجعية الرشيدة هي المعبر الشرعي عن الاسلام،والمرجع هو النائب العام عن الامام من الناحية الشرعية ((371)).

وبغية صيانة الانسان من الانحراف وضع اللّه، سبحانه وتعالى، «الى جانب خط الخلافة خلافة الانسان على الارض آ(وهي المفوضة الى الامة) خط الشهادة الذي يمثل التدخل الرباني من اجل صيانة الانسان الخليفة من الانحراف‏وتوجيهه نحو اهداف الخلافة الرشيدة‏» ((372))، وخط «الشهادة يتحمل مسؤوليته المرجع على اساس ان المرجعية‏امتداد للنبوة والامامة على هذا الخط‏» ((373)).

ومن هنا فان الامة تمارس مسؤولياتها تحت رقابة المرجع وترشيده، بحيث يصبح الخطان قطبي النظام السياسي.

واذا كان هناك من شبيه لهذه الحالة فهو ما يقوم في النظم المجلسية الاشتراكية، حيث يتولى الحزب دور المرشد، ولكن‏قيادة الحزب تمارس عملها على ضوء عقيدتها، وهي عقيدة وضعية. وهكذا يمسي دور الامة الاختيار وتفويض‏الصلاحية ودور القائد المراقبة والتسديد.

اما اختيار القائد فيتم بناء على تزكية الجهات الفاعلة فقهيا واجتماعيا وفكريا، فاذا حاز التزكية عدد من الاشخاص، ممن‏يحملون المواصفات، يعود عندئذ الاختيار للامة، يقول السيد الشهيد: يجب «ان يرشحه اكثرية اعضاء مجلس المرجعية(الذي سنتحدث عنه في ما بعد) ويؤيد الترشيح من قبل عدد كبير من العاملين في الحقول الدينية يحدد دستوريا آكعلماء وطلبة في الحوزة وعلماء وكلاء وائمة مساجد وخطباء ومؤلفين ومفكرين اسلاميين.

وفي حال تعدد المرجعيات المتكافئة من ناحية هذه الشروط يعود الى الامة امر التعيين من خلال استفتاء شعبي عام‏»((374)). المؤسسات المنبثقة من الامة تشكل الامة ناخبا احتياطيا للمرجع، اي انها تختاره عند تعدد من تتوفر فيهم الصفات. والى هذا فان الامة تختار رئيس‏السلطة التنفيذية وكذلك تختار اعضاء السلطة التشريعية.

رئيس السلطة التنفيذية: يتم اختياره بالانتخاب من قبل الامة بناء على ترشيح من المرجعية يؤكد انسجام سلوكه مع‏المعايير الدستورية ويعطيه توكيلا مشروطا بفوزه باصوات الناخبين . ((375)) وبعد انتخابه يختار اعضاء حكومته ((376)). وهذا يقتضي منطقيا ان يكونوا مساعدين له، كما يحصل في النظام الرئاسي،حيث لا يشكل مجلس الوزراء هيئة ذات شخصية معنوية، بل مجرد «سكرتيرين‏» (امناء) للرئيس الذي تناط به السلطة‏التنفيذية، وبهذا يقول السيد الشهيد: «تقترب الدولة الاسلامية من النظام الرئاسي ولكن مع فوارق كبيرة‏» . ((377)) مجلس اهل الحل والعقد: وهو المجلس الذي يتولى السلطة التشريعية، فيلتزم بالاحكام الثابتة ويختار من البدائل حين‏توفرها ويملا منطقة الفراغ مع التزامه بالدستور كما راينا.

يعين اعضاء هذا المجلس بالانتخاب الشعبي المباشر.

اما صلاحيات هذا المجلس فهي، الى جانب التشريع، كما بيناه، «الاشراف على سير تطبيق الدستور والقوانين، ومراقبة‏السلطة التنفيذية ومناقشتها» ((378)).

المؤسسات المعينة من المرجع يعين القائد مجلس المئة، ويقيم المحكمة العليا وديوان المظالم.

مجلس المئة: هو مجلس يعينه المرجع ليمارس مرجعيته بوساطته، وهو «يشتمل على عدد من افاضل العلماء في‏الحوزة، وعدد من افاضل العلماء الوكلاء، وعدد من افاضل الخطباء والمؤلفين والمفكرين الاسلاميين، على ان يضم مالا يقل عن عشرة من المجتهدين‏» ((379)).

المحكمة وديوان المظالم: ينشى المرجع محكمة عليا للمحاسبة في المجالات الدستورية ودستورية القوانين، كماينشى ديوانا للمظالم في كل البلاد لدراسة لوائح الشكاوى والمتظلمين واجراء المناسب بشانها ((380)).

وهكذا فان الامة تختار مؤسستي السلطة التشريعية والتنفيذية فيما يعين المرجع السلطة القضائية العليا.

وفيما يتولى مجلس اهل الحل والعقد الامور التشريعية يتولى المرجع الامور التاسيسية (اي المتعلقة بالدستور).

العلاقة بين السلطات بقيت مسالة العلاقة بين السلطات من دون تفصيل عند الشهيد الصدر، وقد كان كل عرضه موجزا اساسا، وقد اشار الى‏ان هذه العلاقات تقرب النظام السياسي الاسلامي من النظام الرئاسي وان كان يختلف عنه اختلافا اساسيا في مسالة‏الفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. يقول السيد الشهيد: «ومن ناحية تحديد العلاقات بين السلطات تقترب‏الدولة الاسلامية من النظام الرئاسي، ولكن مع فوارق كبيرة عن الانظمة الرئاسية في الدول الراسمالية الديمقراطية التي‏تقوم على اساس الفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية‏» ((381)).

ولعل ما يقصده الشهيد الصدر بقوله هو ان تركيب النظام وصلاحيات مؤسساته تقربه من النظام الرئاسي، وذلك بسبب‏انتخاب الرئيس من الشعب كما راينا سابقا، الامر الذي يجعله ممثلا للدولة مستمدا شرعية من دستورها او من الامة،وهذا ما يوضحه السيد الشهيد بالقول: «وكان التطبيق العملي للحياة الاسلامية دائما يفترض الدولة ممثلة في رئيس‏يستمد شرعية تمثيله من الدستور النص الشرعي او من الامة الانتخاب المباشر او منهما جميعا» ((382)).

واذا كان السيد الصدر يذهب الى هذا المعنى في تعبيره:

«العلاقات بين السلطات‏»، فان العلم الدستوري اليوم يذهب‏الى معنى آخر، وهو طبيعة الوسائل التي تمتلكها اي سلطة في مواجهة السلطة الاخرى. فهذه العلاقة تقوم في النظام‏النيابي على التعاون والتوازن في وسائل الضغط، بينما تقوم في النظام الرئاسي، وكما يؤكد السيد الشهيد، على الفصل‏الحاد بين السلطات وعلى استقلاليتها، فيقوم بينها توازن سلبي، بحيث يمتنع على السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية‏ان تتدخل اي منهما في شؤون الاخرى وتحرم كل منهما من وسائل الضغط السياسية تجاه الثانية. وهذا التوازن السلبي‏ناتج عن لعبة «الكبح والتوازن حح‏ذچدچچ حذچ ژدح‏حخا .

اما في النظام الذي يطرحه السيد الصدر فان العلاقة، وبالمفهوم الدستوري الحديث، تختلف عن تلك القائمة في النظام‏الرئاسي، لانه يعط‏ي السلطة التشريعية المتمثلة بمجلس اهل الحل والعقد صلاحية مراقبة السلطة التنفيذية.

فمن بين‏الصلاحيات التي يرى ان مجلس اهل الحل والعقد يجب ان يتمتع بها:

«الاشراف على سير تطبيق الدستور والقوانين (وهذا التطبيق من صلاحية السلطة التنفيذية) ومراقبة السلطة التنفيذية‏ومناقشتها» ((383)).

ولكن هل هذا يقرب النظام الاسلامي من النظام النيابي؟ ان النظام النيابي لا يكتفي بمنح السلطة التشريعية صلاحية مراقبة السلطة التنفيذية ومناقشتها، بل يتعدى ذلك الى‏حق‏محاسبتها واسقاطها، تماما كما يمنح السلطة التنفيذية حق الخلاص من مجلس النواب والدعوة الى انتخابات‏جديدة.

اما النظام الذي يسمح بالمحاسبة والمناقشة من دون اسقاط للسلطة التنفيذية فهو النظام المجلسي، ومن هنا فان نمط‏العلاقات بين السلطات بالمعنى الذي قصدناه هو نمط مجلسي على غرار ما هو معمول به في سويسرا حيث تمتلك‏الجمعية الفيدرالية (البرلمان) حق المحاسبة ذرخژرت وطلب الايضاحات ژچدس‏ژژرت بمواجهة المجلس الفيدرالي (السلطة‏التنفيذية). كما تستطيع الجمعية الفيدرالية ان تعبر للمجلس في استجواب عن عدم ثقتها بنهجه، ولكن هذا لا يعني‏اجباره على الاستقالة، بل الزامه بتغيير نهجه.

ضبط النظام ذرخژچدس‏خ‏حز چپ يرى مونتسكيو ان السلطة لا تحدها الا السلطة، فكل سلطة لا تجد ما يردعها تتمادى متجاوزة الحدود. اي تقوم بمايسمى تجاوز حد السلطة، او هي تجنح الى الاستبداد والديكتاتورية.

من هنا جهدت الانظمة الوضعية لايجاد الوسائل‏الرادعة للسلطة، فكان فصل السلطات الذي يضع السلطة في مواجهة السلطة الاخرى سواء في النظام النيابي ام في‏النظام الرئاسي، او هو يعتمد على المراقبة الشعبية او الحزبية.

ولكن الردع في جميع هذه الحالات لا يقوم الا على اسباب مصلحية غالبا، بحيث لا تتحرك السلطة عندما تتجاوزالسلطة الاخرى صلاحياتها، بل تتحرك عندما يؤدي تجاوزها صلاحياتها الى الاضرار بمصالحها او بمصالح الجهات‏الفاعلة فيها.

اما الاعتماد على المحكمة فدونه صعوبات. فالمحكمة تحاسب على خرق القانون بالمعنى الضيق، ولا تحاسب على‏التجاوزات السياسية. ثم ان الحاكم الذي يجنح الى الديكتاتورية يمكنه ان يعطل المحاكم. اما في النظام الاسلامي،فان‏الام ة‏رى نفسها ملزمة بتادية رسالة تقوم على نشر حكم اللّه من خلال شريعته ومبادئه ومفاهيمه. وهذا ما يوضحه‏السيد الشهيد بقوله:

«للجمهورية الاسلامية... اهداف تاريخية بحكم رسالتها ومسؤوليتها العظيمة، وهي اهداف تقوم على اساسها خطوطهاالسياسية ومناهجها في مختلف المجالات‏» ((384)).

اما عن كيفية قيام الامة بهذه المهمة القائمة على استخلاف اللّه لها فان السيد الصدر يرى ان سياسات الامة ومناهجهاتستهدف:

في الداخل:

«تطبيق الاسلام في مختلف مجالات الحياة‏» ((385)).

«تثقيف المواطنين على الاسلام تثقيفا واعيا وبناء الشخصية الاسلامية العقائدية في كل مواطن لتتكون القاعدة الفكرية‏الراسخة...» ((386)).

في الخارج:

«حمل نور الاسلام ومشعل هذه الرسالة العظيمة الى العالم كله.

الوقوف الى جانب الحق والعدل في القضايا الدولية...

مساعدة كل المستضعفين والمعذبين في الارض ومقاومة الاستعمار والطغيان وبخاصة في العالم الاسلامي‏» ((387)).

وهكذا فان الامة الاسلاميه لا تحركها المصالح الضيقة الخاصة بل القضايا العامة الدولية التي تضعها في مواجهة‏الاستكبار والطاغوتية.

«وحتى تتمكن الامة الاسلامية من القيام بهذا الدور فانها تعتمد على الاسلام الذي يغمرها بفكره وثقافته وشريعته،والذي يحفظه ويرشدها على خطة المرجع الذي يجب ان يبلغ درجة الاجتهاد المطلق، وان يكون خطه الفكري‏واضحافي الايمان بالدولة الاسلامية وضرورة حمايتها» وكي تتمكن الامة من اختيار شخص يتحلى ((388)) بهذه‏المواصفات، فان الجهات التي تتولى الترشيح مؤهلة لاكتشافها في العلماء وتشخيصها بحيث لا ترشح الا من‏ترى انهامحققة فيه.

والجهات المرشحة هي الجهات الحريصة على الاسلام والعاملة على اقامة حكمه على الارض، فهي تتكون:

اولا: من اكثرية اعضاء مجلس المرجعية، وهو المجلس الذي يعينه المرجع السابق من افاضل علماء الحوزه ومن افاضل‏العلماء الوكلاء وعدد من افاضل الخطباء والمؤلفين والمفكرين الاسلاميين على ان يضم ما لا يقل عن عشرة‏مجتهدين.

ثانيا: من عدد كبير من العاملين في الحقول الدينية ((389)).

رؤية الشهيد الصدر(رض) لظاهرة الدولة الدينية وضرورات الدعوة اليها (شهادة الانبياء وخلافة الامة) الاستاذ نبيل علي صالح في نشوء الدولة وضرورتها لا شك في ان مشروعية بناء الدولة في الفضاء المعرفي والسياسي الاسلامي هي من اهم القضايا التي اثير، ولا يزال يثار،حولها الكثير من الجدل والتساؤل.. في طبيعة وجودها، وشكل الحكم فيها، ودورها، وشرائط بسط سيادتها، وقدرتهاعلى سن القوانين، وحماية النظام الاسلامي.

والذي يبدو امامنا في المدى المنظور ان هذه القضية ستبقى من اهم المحاور والقضايا المطروحة على الساحة، التي‏ستقوم على اساسها اكثر المسائل السياسية والاجتماعية القادمة، وستكون بالنظر الى ذلك منشا لاختلاف الاراءوالاحكام في حقل العلوم السياسية العملية.

وقد سبق لعلماء وفقهاء مسلمين كثر ان عالجوا «موضوعة الدولة‏»، وتناولوا بشي‏ء من العموم، وعدم التخصيص آالبحث في «مشروعيتها التاسيسية الاسلامية‏». لكن الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر(قده) انطلق في هذا المجال آمن خلال نظريته العامة في «شهادة الانبياء وخلافة الامة‏»، ليقوم بعملية تقعيد وقوننة اذا صح التعبير لمفهوم الدولة‏الاسلامية، وللدور والموقع اللذين يجب ان تشغلهما الامة كلها في الشان السياسي، وفي تركيبة هذه الدولة التي تمثل آمن خلال انموذجها الاسلامي الفريد التجسيد الحي لطموحات المسلمين جميعا وآمالهم في تطلعهم الدائم، وسعيهم‏الحثيث نحو الالتزام الشرعي الكامل بمفرداتها وقواعدها.

وفي البداية، يحاول الشهيد الصدر اعطاء فكرة عامة عن الدولة، حيث يعدها ظاهرة اجتماعية اصيلة في حياة الانسان،وقد نشات هذه الظاهرة على يد الانبياء ورسالات السماء، واتخذت صيغتها السوية، ومارست دورها السليم في قيادة‏المجتمع الانساني، وتوجيهه من خلال ما حققه الانبياء في هذا المجال من تنظيم اجتماعي قائم على اساس الحق‏والعدل، يستهدف الحفاظ على وحدة البشرية وتطوير نموها في مسارها الصحيح ((390)). قال تعالى: (كان الناس امة‏واحدة فبعث اللّه النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس في ما اختلفوا فيه وما اختلف‏فيه الا الذين اوتوه من بعدما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه واللّه يهدي‏من يشاء الى صراط مستقيم) [البقرة:213].

ويلاحظ السيد الشهيد من خلال النص القرآني السابق ان الناس كانوا امة واحدة في مرحلة تسودها الفطرة، وتوحدبينها تصورات بدائية للحياة، وهموم محددة، وحاجات بسيطة، ثم نمت من خلال الممارسة الاجتماعية للحياة آالمواهب والقابليات، وبرزت الامكانات المتفاوتة، واتسعت آفاق النظر، وتنوعت التطلعات، وتعقدت الحاجات، فنشاالاختلاف، وبدا التناقض بين القوي والضعيف، واصبحت الحياة الاجتماعية بحاجة الى موازين تحدد الحق، وتجسدالعدل، وتضمن استمرار وحدة الناس في اطار سليم، وتصب جميع تلك القابليات والامكانات التي نمتها التجربة‏الاجتماعية في محور ايجابي يعود على الجميع بالخير والرخاء والاستقرار بدلا من ان يكون مصدرا للتنافس‏واساساللصراع والاستغلال، وفي هذه المرحلة ظهرت فكرة الدولة على يد الانبياء، وقام الانبياء بدورهم في بناء الدولة‏السليمة، ووضع اللّه تعالى للدولة اسسها وقواعدها كما لاحظنا في الاية متقدمة الذكر، وظل الانبياء كما يؤكد السيدالشهيد يؤصلون بشكل او ب‏آخر دورهم العظيم في بناء الدولة الصالحة ((391)). وقد تولى عدد كبير منهم الاشراف‏المباشر على الدولة كداود وسليمان وغيرهما. وقضى بعض الانبياء كل حياته، وهو يسعى في هذا السبيل كما في حالة‏موسى (ع). واستطاع خاتم الانبياء (ص) ان يتوج جهود سلفه الطاهر باقامة اطهر دولة في التاريخ شكلت بحق منعطفاعظيما في تاريخ الانسان، وجسدت مبادى الدولة الصالحة تجسيدا كاملا ورائعا.

فالدولة حاجة ثابتة ومطلقة كانت منذ ان دخل المجتمع الانساني مرحلة الاختلاف، والصراع السياسي، وتعقد الحياة‏الاجتماعية، وستبقى الى الاخير طالما ان المجتمع الانساني ماض في تطور العلاقات وتعقدها وتضخم حاجاته‏الادارية والتنسيقية، وطالما ان الانسان سوف يبقى ذاك الانسان، ذا طموحات ونزعات ومصالح تتزاحم وتتضارب،الامر الذي يدعو الى اختلاف وصراع، عبر عنهما القرآن الكريم بالقول: (ولا يزالون مختلفين) [هود:118]، فالدولة اذن‏ضرورة اجتماعية، وظاهرة صحية في الامة وليست ظاهرة مرضية، ولا يمكن ان يقوم مجتمع بلا دولة دون ان تعمه‏الفوضى والاضطراب والتحلل ((392)).

اسس نظرية الصدر السياسية والحديث عن الدولة الدينية تحديدا الاسلامية يقودنا الى طرح السؤال التالي، ومحاولة الاجابة عنه، وهو: ما هي‏الاسس الفلسفية والمعرفية التي ارتكز عليها الشهيد الصدر لابداع نظريته السياسية الاسلامية؟ يمكن القول بداية ان نظرية الصدر(رض) في خلافة الامة وشهادة الانبياء تتميز باصولها القرآنية الخالصة، حيث‏حاول السيد الشهيد من خلالها تاسيس المبادى الاولى للعمل الاجتماعي والممارسة السياسية التي تجسد تطلعات‏الدين وآماله في تحقيق جوهر الهداية الى الصراط المستقيم، والاستقامة عليه.

ضمن هذا الاطار سنحاول في مرحلة اولى استعراض مضمون هذه النظرية، ثم سنقوم في مرحلة ثانية باكتشاف‏اهم التجليات العملية والتمثلات الحركية لها في مجال نظام السلطة والادارة العامة التي لا بد للامة من ان تتمتع بها، بمايؤهلها كفاية لممارسة دورها الفعال المطلوب منها اساسا على مستوى انخراطها في تحقيق اجواء مسؤولياتهاالاستخلافية العامة ومستلزماتها.

المضمون رالخلافة والشهادة يبدا الشهيد الصدر، اولا، باستعراض الايات القرآنية التي تحاول تركيز مفهومي الشهادة والخلافة في ذهنية الامة،وتاسيس مجالات عملية لهما في الواقع الاسلامي العام.

وتحت عنوان: «الخلافة العامة في القرآن الكريم‏» يدرج الشهيد الصدر الايات الاتية:

1- (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة قالوا:

اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن‏نسبح‏بحمدك ون قدس لك قال: اني اعلم ما لا تعلمون × وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال:انبئوني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين × قالوا: سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم × قال: ياآدم‏انبئه م باسمائهم، فلما انباهم باسمائهم قال: الم اقل لكم اني اعلم غيب السماوات والارض واعلم ما تبدون وماكنتم تكتمون) [البقرة:30 33].

2- (اذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) [الاعراف:69].

3 (هو الذي جعلكم خلائف في الارض) [فاطر:39].

4- (يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق) [ص:26].

5- (انا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فابين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان انه كان‏ظ‏لوماجهولا) [الاحزاب:72].

وتحت عنوان: «الشهادة في القرآن الكريم‏» يدرج الصدر الايات الاتية:

1- (فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) [النساء:41].

2- (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة:143].

3- (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت انت الرقيب عليهم وانت على كل شي‏ء شهيد) [المائدة:117].

4- (ويوم نبعث في كل امة شهيدا عليهم من انفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل‏شي‏ءوهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) [النحل:89].

5- (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس) [الحج:78].

6- (ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم اللّه الذين آمنوا ويتخذ منكم‏شهداءواللّه لا يحب الظالمين) [آل عمران:140].

7- (انا ان زلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوامن‏كتاب اللّه وكانوا على ه شهداء) [المائدة:44].

8- (واشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجي‏ء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون)[الزمر:69].

يرى الشهيد الصدر (رض) ان هاتين المجموعتين من الايات تجسدان «الاساس الاسلامي لخط‏ي الخلافة والشهادة‏»، وذلك يعني ان الرؤية القرآنية تؤسس لحركة الانسان في الحياة بالمعنى الروحي والعملي الحركي السياسي بالاعتمادعلى مفهومي «الخلافة‏» و«الشهادة‏». والاستجابة لمقتضى الاستخلاف الرباني الال هي و«تحمل مسؤولية الخلافة الربانية‏»ليست مهمة منوطة ب‏آدم فحسب ((393))، وذلك لان الخلافة التي تتحدث عنها الايات الشريفة المذكورة ليست‏استخلافا لشخص آدم (ع) بل للجنس البشري كله، لان من يفسد في الارض ويسفك الدماء وفقالمخاوف الملائكة آليس آدم بالذات بل الادمية والانسانية على امتدادها التاريخي. فالخلافة اذن، قد اعطيت للانسانية على الارض، ولهذاخاطب القرآن الكريم، في المقطعين الثاني والثالث، المجتمع البشري في مراحل متعددة، وذكرهم بان اللّه جعلهم‏خلائف في الارض، وكان آدم هو الممثل الاول لها، بوصفه الانسان الاول الذي تسلم هذه الخلافة، وحظ‏ي بهذا الشرف‏الرباني، فسجدت له الملائكة ودانت له قوى الارض. ((394))

 

 

الصفحة السابقة

الصفحة التالية