الصفحة السابقة

الصفحة التالية

اما التعاليم، فهي قوانين الدولة التفصيلية وانظمتها التي تقتضيها الدستورية لظرف من الظروف، ولذا فهي قوانين متطورة‏تختلف باختلاف ظروف الدولة.

واخيرا، في الاساس التاسع ينص على استثناء مهمة بيان احكام الشريعة وتعيين القضاة من مهام الحكم التي يتطلبها قيام الدولة الاسلامية.

هذه هي خلاصة، او قل، فهرست لمحتويات الاسس الاسلامية التسعة التي تسنى للباحثين الوقوف عليها، ومن ثم‏نشرها.

مركزها القانوني قلت في ما سبق‏: لم توضع اصول للدستور الاسلامي قبل هذه الاسس كي يسير المقننون له على هديها وفي ضوءنتائجها.

ذلك ان جل الدول قديما لم تعتمد الدستور المكتوب، وانما كانت تاخذ بما يعرف بالدستور العرفي غير المكتوب،«ويعتبر الدستور الامريكي (عام 1787) اول الدساتير العصرية المكتوبة‏» . ((342)) وقد سبقت مرحلة تدوينه دراسات لاسس القانون واصوله، تلك الدراسات التي اتخذت بعد ذلك طابع العلم الذي‏اصطلح عليه ب‏«علم اصول القانون‏»، وعرف حديثا بانه «العلم الذي يتخذ من القانون الوضعي موضوعا له، فيبحث في‏ما يحكمه من اصول كلية ونظريات مشتركة بين القوانين الوضعية المختلفة‏» . ((343)) وهو «من ابتكار العصر الحديث بعد ان مر بمرحلتين اجتازهما في تطوره:

المرحلة الاولى بدات في منتصف القرن السادس عشر.

وقد انحصرت خلالها مباحث هذا العلم في نطاق مصادر القانون وفكرة العدل الطبيعي التي تمتد جذورها الى الفكرالاغريقي.

واما الثانية فقد افتتحها الفيلسوف الالماني كانت (1724 1804م) الذي وضع اسس الفلسفة الوضعية ونهج بها نهجاعقليا نفذ من خلاله الى البحث في القانون واصوله.

وقد تتابعت بعد ذلك الدراسات في اصول القانون على يد العلماء الانكليز والالمان الذين كانوا السباقين في تطويره‏»((344)).

ولم يكن لدى المسلمين التفكير في تدوين دستور اسلامي للدولة الاسلامية القائمة، خلال المدة الممتدة من القرن‏الاول الاسلامي حتى عصرنا هذا، للاسباب التي اشرت اليها، ولم يكن لدينا ما يماثل اصول القانون.

اما الان، وقد وضع غير دستور اسلامي لغير دولة اسلامية هي:

الجمهورية الاسلامية في ايران، والمملكة العربية‏السعودية، والجمهورية السودانية، اصبحت الحاجة ماسة لوضع علم لاصول الدستور الاسلامي تكون هذه الاسس‏الاسلامية مركزه ومحوره الذي تدور حوله وتنطلق منه، لياخذ هذا العلم مكانه ومكانته في مجالات الدراسات القانونية‏وحقولها.

من هذا نتبين ايضا مدى اهمية هذه الاسس وتاريخ ريادة الشهيد الصدر لهذا العلم، حيث يعد (قدس سره) الرائد الاول‏له.

موقعها التاريخي وهذه الاسس كما راينا في اعلاه تعد الاولى في مجال وضع علم اصول الدستور الاسلامي او قل «علم اصول القانون‏الشرعي‏».

وبتعبير مختصر: هي اول اصول مدونة للدستور الاسلامي.

سريتها وقد يقال: اذا كانت هذه الاسس بهذا المستوى من الاهمية لماذا لم تاخذ شهرتها في الوسط القانوني على‏الاقل؟! واجابة نقول: ان هذه الاسس كما ذكرت في سبب وضعها كتبت لتكون اصولا للدستور الاسلامي الذي كان‏يزمع‏وضعه عندما تقوم الدولة الاسلامية في العراق، ولان حركة الدعوة الاسلامية التي كانت تتبنى هذه الاسس هي في‏مرحلتها السرية كان كل ما يمت اليها بصلة سريا، ومنها هذه الاسس.

وبعد استشهاد السيد الصدر وانتقاله الى الرفيق الاعلى، وقيام بعضهم بالكتابة عنه والتاليف في سيرته، خرجت هذه‏الاسس من سريتها ونشرت مع بعض النتاج العلمي لسيدنا الصدر (قدس سره).

وحيث لم تعد هذه الاسس الان سرا، كان لا بد من تعريفها واعطاء صورة مصغرة وواضحة عنها، لتكون‏تمهيدالدراسات اعمق واشمل تنتهي في خاتمة المطاف الى وضع علم كامل لاصول القانون الشرعي.

منظومتها القانونية اعني بالمنظومة القانونية التي تعد الاسس الاسلامية واحدة منها: مجموعة المعارف والتشريعات الاسلامية التي توضع‏وتشرع بغية تنظيم الحياة الاسلامية بمختلف انماطها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وهي تترتب، من حيث التسلسل التدرجي، وفق الجدول الهرمي التالي:

العقيدة الاسلامية‏اصول الدستور الاسلامي(الاسس الاسلامية)الدستور الاسلامي‏المذاهب الاسلامية ‏للنظم‏السياسي‏الاقتصادي الاجتماعي‏القوانين والانظمة‏يقوم هذا الجدول الهرمي على اساس من ان الاسلام مبدا(عقيدة وشريعة).

وان العقيدة هي نظرة فلسفية عن الكون والحياة والمجتمع والانسان.

وهي اعني العقيدة القاعدة التي يقوم عليها وتنبثق عنها كل المعارف والتشريعات الاسلامية.

فمنها في البدء تنبثق اصول الدستور الاسلامي التي ينبثق عنها ويقوم عليها الدستور الاسلامي.

وقد غط‏ى السيد الصدر الفكر العقيدي بكتابه «فلسفتنا».

وفي «الاسس الاسلامية‏» وضع الاصول للدستور الاسلامي.

وحيث لم يات الظرف الذي يفرض وضع الدستور توجه الى دراسة ما يعرب عن المذهب الاقتصادي الاسلامي، فصدرعنه كتاب «اقتصادنا» الذي غط‏ى به هذا الجانب، وكان في صدد الكشف عن المذهب الاجتماعي الاسلامي في ما كان‏ينويه من تاليف كتاب بعنوان «مجتمعنا»، ومن بعد ذلك يؤلف في المذهب السياسي الاسلامي.

وذلك كله لكي تكون هذه الكتب الاطار او القاعدة التي تقوم عليها وتتحرك داخل محيطها القوانين‏والانظمة.

فالمنظومة اذا تضم:

1- العقيدة، وقد اعد لها كتاب «فلسفتنا».

2- اصول الدستور، وتمثلت في «الاسس الاسلامية‏» التي هي موضوع حديثنا هذا.

3- الدستور، ولم يقدر له ان يوضع، لانه لم يات الظرف الذي يفرض وضعه.

ولكن والحمد للّه لدينا الان دستور الجمهورية الاسلامية في ايران الذي وضع وفق فقه اهل البيت (ع). وهو تجسيدحي للدستور الاسلامي الذي كان الشهيد الصدر يهدف الى وضعه، بل لقد رسم خطوطه العريضة والتفصيلية في ما كتبه‏تحت عنوان: «لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الاسلامية في ايران‏»، فهذا الكراس ى عد النواة‏الاساسية لمشروع الدستور الايراني الذي وضع في ما بعد، لانه عرض فيه وجهة نظره في نظام الحكم الاسلامي بنوع‏من التفصيل جاء ليتمم ما عرضه في الاسس الاسلامية، لقد انتهى السيد الصدر من كتابة هذه اللمحة في 4 شباط‏1979م، اي قبيل الانتصار الاخير للثورة الاسلامية، وبالتالي فقد هيا للثورة مقترحات وصيغ قانونية ودستورية مكتوبة،لمفهوم الدولة الاسلامية، لذلك فقد عدت اللمحة احدى المخططات الاولى لدستور الجمهورية الاسلامية، ولاهميتهافقد ترجمت الى الفارسية مباشرة بعد كتابتها.

وعند المقارنة بين ما جاء فيها وبين بنود الدستور الايراني في صيغته النهائية، نجد هذا الدستور قد اقتبس الكثير من‏هذه اللمحة الفقهية التي كشفت عن الصورة الكاملة للدولة الاسلامية في الفقه الاسلامي، والتي تقوم على مبادى‏اساسية اهمها، كما جاء في اللمحة:

1- لا ولاية بالاصل الا للّه تعالى.

2- النيابة العامة للمجتهد المطلق، العادل الكفؤ عن الامام وفقا لقول امام العصر(عج): «وان الحوادث الواقعة..».

3- فكرة اهل الحل والعقد التي طبقت في الحياة الاسلامية، والتي بتطويرها على النحو الذي ينسجم مع قاعدة‏الشورى، وقاعدة الاشراف الدستوري من نائب الامام، الى افتراض مجلس يمثل الامة وينبثق منها بالانتخاب..

ومن الامثلة على اقتباس الدستور الايراني من لمحة السيد الصدر، كذلك، نجد مثلا ان البند الاول من المادة الثانية في‏الدستور يؤكد: «ان الجمهورية الاسلامية نظام مبني على الايمان بولاية اللّه..». وفي المادة (56) نجد ان «السيادة المطلقة‏على العالم وعلى الانسان هي للّه، فهو يمنح الانسان حق السيادة على قدره الاجتماعي..». وهذه المبادى اشارت اليهااللمحة بوضوح كما ذكرنا. كذلك هناك التاكيد على دور الفقيه المفسر والوصي على الشريعة، فقد جاء في المادة‏الخامسة من الدستور: «في زمن غيبة الامام المهدي تكون ولاية الامر امامة الامة بيد الفقيه العادل..». واكد السيد الشهيدعلى قانونية الحكومة وتقيدها بالقانون، وخضوع الحاكم والمحكوم للشريعة والقانون، وهذا ما اشارت اليه المادة(112) من الدستور عندما نصت على ان: «يتساوى القائد وسائر اعضاء مجلس القيادة امام القانون، شانهم شان اي‏مواطن آخر في البلد..». كذلك نجد اوجه اخرى للتشابه في مجال الفصل بين السلطات ومقترحات السيد الصدر حول‏انشاء مجلس شورى، واجراء الانتخابات التي سيختار فيها الشعب مباشرة نوابا للمجلس ورئيسا للجمهورية، يقول‏السيد الصدر: «السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قد اسندت ممارستهما الى الامة، فالامة هي صاحبة الحق في‏ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة التي يعينها الدستور..». وهناك امثلة اخرى كثيرة تظهر التوافق بين ما كتبه الشهيدالصدر في اللمحة الفقهية وبين ما جاء في بنود الدستور الايراني، لذلك لا بد من الرجوع لدراسة اصول الدستور الايراني‏الى ما جاء في هذه اللمحة التي جاءت جوابا كتبه الشهيد الصدر لبعض علماء لبنان الذين كانوا يرغبون في معرفة المزيدعن طبيعة نظام الحكم الاسلامي، والدولة الاسلامية التي بدا الامام روح اللّه الموسوي الخميني ينادي بقيامها في ايران‏آنذاك.

وما يتفرع عن هذا الدستور الاسلامي الايراني من قوانين وانظمة ولوائح تمثل الحلقة الاخيرة من هذه المنظومة.

ويبقى منها كما هو واضح من الجدول المذكور ما يوضح المذهب السياسي الاسلامي والمذهب الاجتماعي‏الاسلامي اللذين يمكن استخلاصهما من الفكر الاسلامي السياسي والفكر الاسلامي الاجتماعي.

وارجو ان يوفق لذلك من هو اهل لذلك.

واخيرا: ان هذه المنظومة، بما صدر منها عن قلم استاذنا العظيم الشهيد السيد محمد باقر الصدر (طيب اللّه ثراه)،تعدالاضافة الاهم للفكر الاسلامي بعامة وفقه اهل البيت بخاصة.

وبها يرتفع السيد الصدر الى مصاف العباقرة الذين تركوا بصماتهم واضحة خالدة في مجال الفكر الفقهي‏والقانوني.

شهرته العالمية وبما صدر من هذه المنظومة جاءته شهرته العالمية التي تعدت نطاق الحوزة العلمية في النجف الاشرف وربوع العالم‏الشيعي والعالم الاسلامي غير الشيعي، لان يعد وبحق من المفكرين العالميين.

الشهيد الصدر ونهضة الفقه الاسلامي المعاصر، قراءة في كتاب: «تجديد الفقه الاسلامي: محمد باقر الصدر بين النجف‏وشيعة العالم‏» للدكتور شبلي الملاط

الاستاذ محمد دكير

 
«لقد اثبت هذا البحث، بشكل واف، صدارة محمد باقر الصدر كعالم مهم، ليس فقط في العراق، ولكن ايضا في العالم‏الشيعي، بل في العالم الاسلامي..».

المؤرخ البرت حوراني مميزات الكتابة عن سيرة الشهيد الصدر وفكره بعد مرور عقدين من الزمن، على استشهاد السيد محمد باقر الصدر، العالم والفقيه النجفي المجدد، يمكن الحديث عن‏وجود تراكم كمي ونوعي حققته الكتابات التي تعرضت لسيرته وفكره، سواء من طرف تلامذته والمؤمنين بنهجه‏الاصلاحي والتغييري، ام من طرف عدد من الباحثين الذين انطلقوا من فكره وكتاباته، وقدموا دراسات قيمة حول‏ابداعاته واضافاته وما قدمه للفكر الاسلامي المعاصر. وقد لا نكون مجانبين للصواب اذا قلنا: ان حجم ما كتب عن‏السيد الشهيد، الى حد الان، يجعله من بين اهم الشخصيات الاسلامية العظيمة التي عرفها هذا القرن وابرزها، والفضل‏يعود بالدرجة الاولى الى انتاجه الفكري المتميز الذي جعل منه انموذجا للفقيه الامامي الذي تمكن من استيعاب‏مشاكل عصره وقضاياه، وتعاط‏ى بايجابية مع الواقع الاسلامي وتحدياته المختلفة، وحمل هم الاسلام والمسلمين،واستطاع ان يعيد الثقة بالاسلام وشريعته، عندما قدمه بحلل جديدة واثبت صلاحيته لكل زمان ومكان، وكشف في‏المقابل تهافت الفلسفات الغربية المادية الوافدة، كما امد الصحوة الاسلامية بما تحتاجه من فكر ورؤية شمولية‏للاسلام، وهي تواجه الغزو الفكري الغربي. بالاضافة الى انخراطه في العمل التربوي والاجتماعي والسياسي، لممارسة‏الاصلاح والتغيير المطلوبين سواء داخل الحوزة العلمية في النجف الاشرف ام في الوسط الاجتماعي العام داخل‏العراق.

اما ما قدمه في سبيل احداث التغيير فلم يقتصر على الجهد الذهني والانشغال طوال حياته في التفكير والتاليف‏والتعليم والدعوة والارشاد ومواجهة التحديات الواقعية، وانما قدم روحه الشريفة في سبيل ما كان يؤمن به، وبذلك‏جعل من جهاده وتضحياته انموذجا يقتدي به المصلحون والمجاهدون من اجل التغيير والاصلاح في اوطانهم، لقد كان‏السيد الشهيد بحق انموذجا فريدا على غرار آبائه واجداده من ائمة اهل البيت الذين جمعوا بين العلم والعمل والجهادفي سبيل الاسلام وقيمه ومبادئه، واستشهدوا في سبيل ذلك، ورسموا لاتباعهم الطريق من بعدهم، وكشفوا لهم عن‏الثمن الذي قد يدفعه السالكون في هذا الطريق.

لكن السيد الشهيد لم يمت ولم ينته، فهو حي هناك في جنات عرضها السماوات والارض، وهو هنا حي كذلك لان‏تراثه الفكري وآراءه وافكاره تمت الاستفادة منها، وما زال الباحثون يغرفون من معينها، فلم تستنفد بعد اغراضها بل‏تكتشف يوما بعد يوم ويزداد الاهتمام بها داخل الاوساط العلمية الامامية والاسلامية، بل العالمية. وقد بدا الاهتمام من‏جديد داخل بعض الاوساط الاكاديمية في الغرب لاكتشاف السيد الصدر، سيرة وفكرا، لمعرفة موقعه من النهضة‏الفكرية العامة في الشرق الاوسط عموما والعراق بالخصوص، وموقعيته داخل الحركة والثورة الاسلامية في كل من‏العراق وايران، وصولا الى دراسة التاثير الذي احدثه في مسار الفكر الاسلامي المعاصر.

قبل الحديث عن احدى اهم الدراسات الاكاديمية التي انجزت في الغرب حول السيد الشهيد وفكره، نستعرض‏مجموعة من الكتابات المهمة التي كتبت عنه، واستطاعت الى حد كبير ان تسلط الضوء على مراحل حياته العلمية‏والسياسية وان تتحدث عن انتاجه الفكري ومميزاته، وقد اصبحت هذه الدراسات تشكل اهم مصادر ترجمته، ويمكن‏ان يستفيد منها الباحثون والمهتمون بسيرته وفكره.

من هذه المصادر نذكر:

الامام الشهيد محمد باقر الصدر: دراسة في سيرته ومنهجه، للسيد محمد الحسيني، وهذا الكتاب يعد من اهم ما كتب‏عن السيد الشهيد لانه يحتوي على عدد من الوثائق المهمة.

مقدمة كتاب مباحث الاصول، للسيد كاظم الحائري، وفيها عرض مفصل لحياة السيد الشهيد وانجازاته الفكرية‏وملابسات استشهاده.

السيد محمد باقر الصدر: دراسة في المنهج، للباحث نزيه الحسن، واهمية هذه الدراسة تكمن في التركيز على التراث‏الفكري للسيد الشهيد ومحاولة ابراز معالمه وخصائصه.

الشهيد الصدر: سنوات المحنة وايام الحصار، للشيخ محمد رضا النعماني، وهو عرض لسيرته الذاتية ومسيرتيه:السياسية والجهادية.

الشهيد الصدر رائد الثورة الاسلامية في العراق، غالب حسن ابو عمار.

الشهيد الصدر، رائد حركة التغيير في الامة، عز الدين سليم.

محمد باقر الصدر: دراسات في حياته وفكره، اصدرته «مؤسسة دار الاسلام‏» في لندن، وقد شاركت فيه مجموعة كبيرة‏من الكتاب والمفكرين. وقد تناولت الدراسات سيرة السيد الشهيد وانتاجه الفكري.

هناك مجموعة كبيرة من الدراسات والمقالات التي نشرت في عدد من المجلات والدوريات الفكرية المتخصصة،مثل: «مجلة الفكر الجديد»، التي دابت على نشر دراسات حول السيد الشهيد في جميع اعدادها، وقد خصصت عددهاالسادس للحديث عن سيرته وعطائه العلمي. بالاضافة الى مجلات:

«الاضواء»، «الجهاد»، «التوحيد».

صحف المعارضة العراقية، في ايران وسورية ولبنان، وعدد من بلدان المهجر في الغرب وجرائدها ومنشوراتها،وبخاصة منشورات حزب الدعوة. وقد دابت هذه الصحف والمجلات على نشر عدد كبير من المقالات والدراسات‏حول كافة الجوانب المتعلقة بحياة السيد الشهيد ونضاله وفكره السياسي، وذلك بمناسبة الذكرى السنوية لاستشهاده.

بحوث ودراسات عديدة القيت في عدد من الندوات التي اقيمت خصيصا لدراسة فكر السيد الشهيد.

هذه الكتابات التي اصبحت مصدرا ثريا للاطلاع على حياة السيد الصدر، رغم تنوع المشاركين والمساهمين فيهاوانتمائهم لمجمل الدول العربية والاسلامية، الا ان ما يجمع بينها هو كون اغلبها كتبه عدد من تلامذة السيد الشهيدواتباع نهجه الفكري والسياسي، او بشكل عام ممن يحسبون على الدائرة الاسلامية الامامية، من هنا تبرز اهمية دراسة‏الدكتور شبلي الملاط، المحامي اللبناني والاستاذ في كلية الحقوق في جامعة القديس يوسف، لانها من خارج هذه‏الدوائر، كتبت لاغراض علمية اكاديمية، الهدف منها محاولة الكشف عن اسهامات السيد الصدر في تجديد الفقه‏الاسلامي ونهضته، لا سيما في المواضيع الدستورية والاقتصادية والمصرفية، وتتبع تاثير كتاباته في العالمين العربي‏والاسلامي بشكل عام، وفي الجمهورية الاسلامية في ايران على وجه الخصوص.

اصول الدستور الاسلامي: اسهامات الشهيد الصدر قبل الشروع في الحديث عن القانون في النهضة الاسلامية ودور السيد الصدر، من اجل «تامل الانبعاثات الاسلامية كمايقول الدكتور الملاط في ما وراء الافرازات الاولية، من حماسة او قنوط، لتحديد الكيفية التي صيغ فيها الاستشراف‏الجديد، وتفحص ما اذا كان النظام البديل متضمنا اي فكر جديد على الاطلاق..». استعرض المؤلف اصول الدستورالاسلامي كما كتبها السيد الشهيد، وقد تمثلت في تسعة اسس هي:

1
- الاسلام،
2- المسلم،
3
- الوطن الاسلامي،
4
- آالدولة الاسلامية،
5
- الدولة الاسلامية دولة فكرية،
6
- شكل الحكم في الاسلام،
7
- تطبيق الشكل الشوري للحكم في‏ظروف الامة الحاضرة،
8
- الفرق بين احكام الشريعة والتعاليم، والاساس التاسع: مهمة بيان احكام الشريعة وتعيين‏القضاة لاداء مهمات الحكم.

بعد ذلك، وفي اطار الحديث عن الخلفيات القانونية للنهضة الاسلامية، تحدث المؤلف عن مفهوم الشريعة،مستعرضااقوال بعض العلماء، مبرزا كيف تطورت الى «قانون للعالم الاسلامي‏»، بالاضافة الى التطور الذي شمل عددامن‏الحقول والمجالات المعرفية، «الا ان حقولا اخرى في القانون اهملت كليا ، او ظلت هامشية، لكن يمكن الجزم يقول‏الدكتور الملاط بان القليل من المجالات الشرعية وصلت الى الصدارة في سنوات التجدد..

في المقابل اجريت عملية‏استشفاف دقيقة لمجالين عامين هما: الجزء الدستوري في القانون العام، والحقل الواسع الذي فتح على مصراعيه‏بفضل الاقتصاديات المعاصرة..»، وكانت هذه هي الميادين الرئيسية التي بعثت فيها الروح الاسلامية، كما اكد الملاط.

من هنا سينطلق للبحث عن طبيعة هذا التجدد وخلفياته وآثاره الواقعية، مؤكدا ان العنصر الاهم في هذا الانبعاث‏والاهتمام بالفكر الاسلامي على نطاق عالمي، لم يكن بسبب الصحوة الاسلامية الممتدة في العالمين العربي‏والاسلامي فقط، وانما «نجاح الثورة الاسلامية في ايران، وقدرتها على الاستمرار، فبدون ايران يقول الدكتور الملاط آلما اقتدر الاسلام على استرعاء الانتباه بهذه الطريقة‏» (ص 7).

بعد الحديث عن الخلفيات العامة للنهضة الاسلامية في النجف الاشرف، شرع المؤلف في الحديث عن سيرة السيدالصدر، منذ ولادته والى حين استشهاده، مستعرضا بعض المحطات المهمة في حياته، والتي اثرت في انتاجه الفكري‏وجعلته يتخذ الوجهة التي اتخذها، من حيث المواضيع المعالجة او الانشغالات الفكرية والسياسية بشكل‏عام.

وكذلك الظروف والملابسات السياسية في العراق، والصراع بين الحكومة وعلماء النجف، والمسار الذي سلكته الحركة‏الاسلامية في العراق، خلال المراحل الثلاث لنموها الفكري والسياسي، وكيف تطور الصراع وانفجر آخر المطاف مع‏البعثيين مع انتصار الثورة الاسلامية في ايران، ثم اعدام السيد الصدر وشقيقته بنت الهدى في 8 نيسان 1980م.

وقد انتهى، بعد ذلك، الى ابراز اهمية الشهيد الصدر «في انبعاث الحركة السياسية الاسلامية في العراق وفي العالم‏الشيعي، وحتى في العالم الاسلامي ككل‏» (ص 11)، معتبرا ان موقعه كان «محوريا» وبخاصة في الساحة العراقية، ومبيناكيف استطاع ان يتحمل اعباء المواجهة مع الفكر الشيوعي الذي بدا يغزو العقول والافكار، ويغير القناعات، ويهددالايمان والشريعة داخل الاوساط الاجتماعية، التي بدات تنتظر رد فعل النجف وحوزته العلمية. لقد وجد السيد الشهيدنفسه يخوض صراعا مريرا مع الفكر الماركسي والشيوعي من جهة، ومع الاوساط التقليدية المتحجرة في النجف من‏جهة اخرى، لانها وقفت في وجه اي تغيير او تطوير جفي بداية الامرج يمس البنية التعليمية ومناهج التدريس التي‏كانت بحاجة ماسة الى التطوير والتجديد.

ثمرات هذا الصراع كانت الكتب القيمة التي الفها السيد الشهيد، استجابة لهذه التحديات، وعلى راسها كتابه «فلسفتنا»الذي صدر سنة 1959م. كرد فعل مباشر على تعاظم المد الشيوعي، وفيه، بالاضافة الى نقد المذهب الماركسي، عرض‏المفهوم الاسلامي للعالم وصياغته على ضوء الفلسفة والعلم. في المقابل يقول الدكتور الملاط: «جاءت ابحاث الصدرالفقهية كما كان متوقعا لها، اي كتابات ذات طبيعة قانونية عامة تمثل موقعه كمجتهد» (ص 18). وفيها كشف الصدر عن‏مقترحاته وآرائه في التغيير والتطوير، على المستويين: الشكلي والمضموني، ففي كتابه «الفتاوى الواضحة‏» عدل في‏التصنيف التقليدي للعبادات والمعاملات ضمن عرض المسائل الفقهية، عندما استثنى الزكاة والخمس من باب‏العبادات «ومهد بذلك الطريق امام اعادة تنظيم التبويب القانوني المعتمد منذ اكثر من مئة سنة‏» (ص 20).

اشار المؤلف كذلك الى ما اضافه السيد الصدر من جديد في:

«التفسير الموضوعي للقرآن‏» و«فدك في التاريخ‏» و«الاسس‏المنطقية للاستقراء» ومحاضراته عن دور الائمة الاثني عشر، وكراريسه المتنوعة التي كتب اغلبها سنة 1977م، عن‏التشيع والتعليم الاسلامي، والقرآن ومواضيع اخرى مختلفة. «لكن تمهره اي السيد الشهيد في القانون لم يقتصر على‏اعادة تنظيم علمي الاصول والفقه.. بل تظهر مقدرته التجديدية والاستحداثية على اشدها في مجالين يشكلان يقول‏الدكتور الملاط موضوع الكتاب الحالي، وهما حقل الاقتصاد، بما في ذلك دراسته الهامة عن القطاع المصرفي‏الاسلامي والدستور» (ص 21).

اللمحة الفقهية التمهيدية وصياغة الدستور الايراني قبل الحديث عن «اللمحة الفقهية التمهيدية لمشروع دستور الجمهورية الاسلامية في ايران‏» التي تبرز بوضوح حجم‏اسهام السيد الصدر في صياغة الدستور الايراني كما سيثبت الدكتور الملاط ذلك، قبل ذلك لا بد من مقدمات ضرورية‏منهجيا، لانها تشكل خلفيات فكرية مهمة لفهم ما سيقدمه السيد الشهيد، بالاضافة الى معرفة طبيعة البنية او الهرمية‏والهيكلية التي تميز المؤسسة العلمائية داخل الحوزة العلمية والمجتمع الامامي، فهذه المعطيات وغيرها تشكل‏المفاتيح الضرورية التي يحتاجها الباحث كي يتمكن من فهم مرتكزات النظام السياسي الاسلامي في عصر الغيبة لدى‏الشيعة الامامية، ومن دون فهمها واستيعاب تداعياتها الفكرية تظل الصورة غير واضحة، وبخاصة لدى الباحث والقارى‏من خارج الدائرة التاريخية للاسلام الشيعي الامامي.

هذه المسوغات المنهجية هي التي جعلت المؤلف يغوص بعيدا لفهم طبيعة الدولة في الفكر الاسلامي ومتابعة‏التطورات الدستورية حديثة العهد، وصولا الى المساهمة المعاصرة لكل من زعيم الثورة الاسلامية الامام الخميني(قده) والسيد الشهيد، لان مساهمة كل منهما هي التي جعلت قيام نظام حكم اسلامي دستوري في ايران حقيقة واقعية،بدات فعلا تحظ‏ى باهتمام الاوساط الاكاديمية القانونية في الغرب ودراستها.

ولاية الفقيه في محاضرات الامام الخميني ورسائل السيد الصدر استعرض الدكتور الملاط فقرات من كتاب «الحكومة الاسلامية‏» للامام الخميني (قده)، وتبين كيف بدا المفهوم‏الدستوري لتدخل العلماء في الحكم يتبلور، ولكن وحسب المؤلف فان حجج الامام «والدوائر الايرانية حوله شكلت‏في الواقع مقترحات وايحاءات رحبة المدى للنزعة التدخلية‏». ولم يقدم المخطط الذي لاحت طوالعه في مؤتمرات‏النجف ومقالات محمود الطالقاني الدستورية سوى اطار عمل عام، كان مفتقرا الى المواصفات الضرورية للمفصلة‏المؤسساتية، وقد يكون نص آخر هو الذي مارس قدرا اكبر من النفوذ على صياغة الدستور الحالي لايران، هو البحث‏الذي كتبه محمد باقر الصدر عام 1979م، ردا على استفسار علماء لبنانيين عن رايه في «مشروع دستور الجمهورية‏الاسلامية في ايران‏» (ص 84).

قبل استعراض ما جاء في هذه اللمحة الفقهية التمهيدية ومقترحات السيد الصدر، وابراز التاثير والتوافق بينها وبين ماجاء في مواد الدستور الايراني الحالي، تحدث المؤلف عما اسماه ب‏«مستويين اضافيين اكثر تجريدية في نظرية الدولة‏الاسلامية.. الفكرة المجردة الاولى فلسفية تبحث في اصل الوجود، وهي مبنية على نظرية الدولة الاسلامية في اوثق‏صلة ممكنة بما جاء في القرآن الكريم.. المستوى الثاني من التجريد المعنوي في نظرية الدولة الاسلامية هو فلسفي،ويبحث عن اهمية السلطة في ظل الدولة الاسلامية وقدرتها على البقاء طوال اربعة عشر قرنا رغم النوائب والشدائد..».

وقد تتبع المؤلف، ومن خلال كتاب «خلافة الانسان وشهادة الانبياء» الذي نشر سنة 1979م، والذي عده «من ارقى‏النصوص في الادبيات الاسلامية الحديثة عن العلاقة بين القرآن والبنية المقترحة للدولة الاسلامية‏»، كيف عالج السيدالصدر «جوهر علاقة السلطة ومسؤولية العلماء في الدولة‏»، وكيف استطاع ان يطور «منحى اكثر عمقا في ارسائه قواعدسلطة كهذه على النصوص القرآنية..»، وذلك من خلال تفسير جديد للاية (44) من سورة المائدة، حيث فسر السيدالشهيد (الاحبار) بالعلماء المراجع.

اما الشهادة في قوله تعالى: (وكانوا عليه شهداء) فهي في مفهوم الصدر «تعهد الى هذه المرجعية بمهمة حراسة‏الجمهورية الاسلامية والذود عنها» (ص 87)، ومواصلة الدور العام للانبياء والائمة، وبهذا التاصيل تمكن الشهيد الصدر كما يقول المؤلف من «تثبيت المرجعية دستوريا وترسيخ جذورها في صميم الدولة الاسلامية‏» (ص 91)، وهذاالتاصيل النظري امد الثورة الفتية بمقومات وعناصر فكرية قوية، تمت الاستفادة منها بشكل او ب‏آخر، بالاضافة الى ان‏كتيب «خلافة الانسان وشهادة الانبياء»، ومعه مجموعة اخرى من الكتيبات بلغ مجموعها ستة من بينها كراس «اللمحة‏الفقهية‏» الذي سنتحدث عنه بعد قليل، هذه الكتيبات التي جمعت ونشرت تحت عنوان: «الاسلام يقود الحياة‏»، كان‏السيد الصدر قد كتبها بعد انتصار الثورة، فهي «من وحي الانتصار الذي حققته الثورة.. وتهدف الى تعزيز وقعها وتاثيرهاعقائديا..» كما يقول الدكتور الملاط.

بعد الحديث عن «خلافة الانسان..» و«منابع القدرة في الدولة الاسلامية‏»، ياتي الحديث الان عن «اللمحة الفقهية‏التمهيدية‏»، باعتبارها «المرحلة الثالثة من تطابق فعلي وعملي لهذه النظرات في عملية تطور الثورة الايرانية‏» (ص 94).بالاضافة الى كونها تحتل صلب موضوع النقاش حول اصول الدستور الايراني ومساهمة «لمحة‏» الصدر في صياغته‏النهائية.

ينطلق الدكتور الملاط من مجموعة من الملاحظات المنهجية المفيدة، مثل الاشارة الى تاريخ كتابة «اللمحة الفقهية‏»، اي‏4 شباط 1979م، ليؤكد من خلال ذلك انها كتبت قبل الانتصار النهائي للثوار واستلام رجال الدين والعلماء الحكم في‏ايران. وهذا يعني، في نظره، ان السيد الصدر عندما كتب لمحته «لم تكن لمفهوم الدولة الاسلامية صيغة دستورية‏محددة بدقة‏»، اما كتابات زعيم الثورة الامام الخميني (قده)، ومقالات الطالقاني الدستورية، فلم تكن حسب الدكتورالملاط سوى اطار عام «يفتقر الى تفصيلات الترابط المؤسساتي المتسق‏»، لذلك يستنتج المؤلف، بل يؤكد، ان «لمحة‏الصدر الفقهية هي احد المخططات الاولية (وقد تكون المخطط الاول) للدستور الذي تبنته طهران في فترة لاحقة‏» (ص‏95). وقد تبين لنا يقول الملاط في تحليلها بازاء النص النهائي للدستور الايراني ان المنظومة المتبناة في ايران اقتبست، بدون اي استثناء او تعديل تقريبا،آخر الاسهامات الفقهية الهامة لمحمد باقر الصدر» (ص 95).

ولتاكيد هذا المدعى يقدم المؤلف مجموعة من الامثلة منها:

«المبدا الاول في كتيب الصدر يتردد كالصدى في البندالاول من المادة الثانية للدستور، الذي يعلن ان «الجمهورية الاسلامية نظام مبني على الايمان.. بولاية اللّه». وبخصوص‏دور الفقيه «المرجع‏» (المجتهد، العادل، الكفؤ)، الذي تحدث عنه الشهيد الصدر في اللمحة، نجد الدستور الايراني‏ينص في مادته الخامسة على ان «في زمن غيبة الامام المهدي، تكون ولاية الامر وامامة الامة بيد الفقيه العادل..الملم‏بامور العصر». كذلك يلاحظ الدكتور الملاط اوجه الشبه في اعتبار قانونية الحكومة وتقى دها بالشريعة التي تسيطرعلى الحاكم والمحكوم كما اكد السيد الصدر، وهذا ما نجده في الدستور الذي ينص في المادة (112) على ان «يتساوى‏القائد وسائر اعضاء مجلس القيادة امام القانون شانهم شان اي مواطن آخر في البلد».

كذلك هناك اوجه شبه اخرى في مسالة الفصل المزدوج بين السلطات، والصلاحيات والحقوق الخاصة بالمرجع، وقدفصل المؤلف القول حول اوجه التشابه هذه، وبحث في جذورها المشتركة، لان عددا من الافكار والاراء التي وردت‏عند السيد الصدر تحدث عنها الامام الخميني زعيم الثورة، لذلك يشير المؤلف، وهو يعلل هذا التشابه، الى قضية مهمة‏لا يمكن فهم نظرية ولاية الفقيه، من دون فهمها ومعرفتها، ويعني بها البنية الداخلية والهيكلية العامة للمرجعية الشيعية‏وتطورها عبر التاريخ، وتقاليدها الراسخة التي اصبحت بمثابة دستور غير مكتوب. وقد ساعدت هذه البنية في انسجام‏اطروحة ولاية الفقيه مع الوسط الاجتماعي والديني، كما عدت قاعدة اساسية انطلق منها التنظير السياسي حول طبيعة‏الدولة ونظام الحكم الاسلامي زمن الغيبة.

مشاكل التطبيق من الطبيعي جدا ان التطبيق الواقعي للنظريات تنجم عنه تساؤلات جديدة ومشاكل تحتاج الى معالجة وتنظير جديد،كما يكشف التطبيق الثغرات والنواقص التي تعاني منها اي نظرية سياسية لم تطبق من قبل، وهذا ما وقع بالنسبة للفصل‏المزدوج بين السلطات الذي اتسمت به بنية الدستور الايراني، وقد راى المؤلف ان «ثمة مشاكل جوهرية‏» نجمت عن‏هذا الفصل، وظهرت في تجربة العقد الاول من التطورات الدستورية في الجمهورية الاسلامية، لذلك فقد خصص‏بحثامطولا تحت عنوان: «العقد الاول للدستور الايراني:

معضلات اقل السلطات خطرا » لمناقشة بعض القضاياالدستورية الشائكة، مثل موقع مجلس الامناء بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، والمشاكل التي نجمت عن المهام‏الموكولة اليه، وكيف تطور الامر اخيرا بانشاء «مجمع تشخيص مصلحة النظام‏»، الذي استطاع ان يفصل عمليا في‏عددمن القضايا والمشاكل المتراكمة جراء الاختلاف الحاصل بين مجلس الامناء ومجلس الشورى والحكومة.

واثناء ذلك استطاع المؤلف ان يقدم دراسة تحليلية قانونية كشفت عن موقع الفقيه وصلاحياته في الدستور الايراني،كما قدم مجموعة من التحليلات والنقودات والمقارنات بين الوضع الدستوري الايراني وما نجم عنه من مشاكل اجرائية‏وبين بعض الاوجه والقضايا في الانظمة السياسية والقانونية في بعض الدول الغربية مثل فرنسا والولايات المتحدة‏الامريكية، واستطاع كذلك ان يخرج باستنتاجات، اهم ما فيها انها قدمت لرجال القانون الايرانيين دراسة قانونية‏تحليلية للدستور والتجربة السياسية الاسلامية، يمكن الاستفادة منها في تطوير الدراسات القانونية الاسلامية حول‏الدستور والنظام السياسي الاسلامي. خصوصا وصاحبها ينتهج الموضوعية العلمية وليس هدفه النقض، وانما الفهم‏والتحليل واكتشاف طبيعة السلطة وتركيبتها في ايران الثورة.

التجديد في مجال الاقتصاد الفقه الاسلامي: الاقتصاد الاسلامي والبنك اللاربوي، هذا هو عنوان الجزء الثاني من الكتاب، وفيه سيحاول الدكتورالملاط كذلك ان يبرز القيمة التجديدية لما كتبه السيد الشهيد في هذا المجال، واظهار حجم مساهماته التي كشفت اولاعن تمرسه وقدرته الابداعية باعتباره فقيها مجتهدا كامل الاهلية لخوض غمار الشريعة واستنباط الاحكام من مصادرهاالمعتبرة، وثانيا انفتاحه على الثقافة والفكر الانسانيين، واستيعابه لعدد من فروع المعرفة المعاصرة، وهذا ما ظهر في‏نقده العلمي والموضوعي للمذاهب الاقتصادية الغربية وخلفياتها الفلسفية والعقدية، ومن خلال ممارسة طرفي هذه‏المعادلة، اي الاجتهاد من جهة والنقد من جهة اخرى، استطاع السيد الصدر ان يكتشف المذهب الاقتصادي في‏الاسلام.

هناك مقدمات لا بد منها لمعرفة حجم ما قدمه السيد الصدر في مجال الاقتصاد الاسلامي واهميته، اولا ومن خلال‏الاطلاع على مباحث علم الفقه وموضوعاته وكتبه المعتمدة لدى المذاهب الفقهية المعروفة، نلاحظ عدم وجود «اي‏نظرية عامة في الاقتصاد»، هناك موضوعات لها علاقة بالنشاط الاقتصادي، مبحوثة في عدد من الابواب الفقهية‏المتفرقة، ثانيا لا وجود لكتابات اسلامية (اقتصادية بالمعنى العلمي) حديثة او معاصرة يمكن الرجوع اليها والاستعانة‏بها او الانطلاق منها لاكتشاف المذهب الاقتصادي الاسلامي. اما اذا تحدثنا عن المجال المصرفي فان النقاشات حول‏الربا التي تفجرت في مصر اواخر القرن الماضي وبداية هذا القرن، عندما افتتحت بعض صناديق التوفير وشارك فيهابعض العلماء من الازهر لم تسفر عن اكتشاف نظرية متكاملة في هذا المجال، يمكن الاستفادة منها للتنظير او ايجادالبديل، اي بنك اسلامي لا يتعامل بالربا المحرمة.

من هنا، ولهذا السبب يقول الدكتور الملاط «تتسم كتابات محمد باقر الصدر في الاقتصاد والحقل المصرفي باهمية‏بارزة، فقبالة خلفية كلاسيكية لم يكن فيها وجود لعلم الاقتصاد، وعالم اسلامي لم يخرج مع حلول عام 1966م باي‏فكرة متساوقة متماسكة في هذا المجال، اعد الصدر كتابين جديين ومطولين عن الموضوع هما: اقتصادنا والبنك‏اللاربوي في الاسلام‏» (ص 147).

قام الدكتور الملاط بعرض للقسم الاخير من كتاب «اقتصادنا» الذي خصصه السيد الصدر للاقتصاد الاسلامي، اماالقسمان:

الاول والثاني فقد خصصهما لنقد المذهبين الاقتصاديين الماركسي والراسمالي بعد عرض آرائهما الاقتصادية‏ومرتكزاتها الفلسفية. وقد اعاد المؤلف ترتيب هذا القسم تحت عناوين رئيسية جديدة هي: المبادى والمنهج، التوزيع‏وعوامل الانتاج، التوزيع والعدالة. ومن خلال هذه العناوين الثلاثة، استعرض المؤلف بالتفصيل محتوى ما كتبه الصدرحول مبادى الاقتصاد الاسلامي، وكونه جزءا من كل، ووضع الدين الحقيقي في النظام الاقتصادي، واعتبار الاقتصادالاسلامي ليس علما، ومفهوم الملكية المتنوعة في الاسلام، بالاضافة الى عرض بعض الانتقادات التي وجهها السيدالصدر للماركسية والراسمالية، هذه هي المواضيع التي ناقشها المؤلف على ضوء ما جاء في «اقتصادنا». وبشكل عام قام‏الدكتور الملاط بوصف «واعادة تكوين لجوهر اسهام الصدر الرئيسي وسبب استحقاقه الشهرة، اي النظرية التي عرضهافي «اقتصادنا» لنظام اقتصادي اسلامي‏»، ليقوم بعد ذلك بالبحث عن موضعه في الاداب الاقتصادية المعاصرة، خصوصاوقد تمت ترجمته لعدة لغات عالمية مثل الالمانية والانجليزية، وقرى على نطاق واسع.

ملاحظات نقدية من الملاحظات الجديرة بالاهتمام، الانتقاد الذي وجهه المؤلف للقسم الاول من الكتاب الخاص بنقد المذهب‏الاشتراكي، يرى الملاط ان السيد الصدر اعتمد على كتابات ستالين وبولتزر، وهذه الادبيات تعد اليوم عتيقة ومتجاوزة،وتنتمي كما يقول «الى اكثر التقاليد الماركسية ابتذالا» (ص 195). وهذا ما اضعف هذه الانتقادات وقلل من فرص‏بقائها حية، وهذه الملاحظة النقدية يمكن الرد عليها باستحضار عدة معطيات، فالسيد الصدر كتب نقده وتحليله من‏وحي الادبيات الماركسية المترجمة الى العربية آنذاك والمتداولة في الساحة العراقية، ونقده اتجه للاسس الفلسفية‏المادية للمذهب، ولم يكن ليهتم ببعض التعديلات او التطورات التي ستعرفها مستقبلا الادبيات الحديثة او «ما بعدالماركسية‏» التي لم تعد لها الان اي حاجة بعد وفاة الشيوعية وسقوط وتفكك النظام والمعسكر السياسي الذي كان‏يتبناها «ايديولوجية‏» اقتصادية وسياسية. لكن المؤلف يعترف في النهاية، رغم هذه الملاحظات، بان السيد الصدر «نجح‏الى حد بعيد رغم هذه القيود، وخرج بنقد فذ في تعمقه وشموله‏» (ص 195).

اما النقد الذي وجه للكتاب من طرف بعض السلفيين، واشار اليه المؤلف، فنعتقد انه لا يستحق الرد او المناقشة، اوحتى الاشارة اليه لتفاهته وبعده عن اغراض النقد العلمي، فالسيد الصدر لم يكن ينظر لاقتصاد شيعي امامي بالمعنى‏المذهبي، ولم تكن الطائفية احد همومه او انشغالاته لينطلق منها، كان السيد الصدر يكتب للاسلام، مستفيدا من تراثه‏الفكري العام، ولو وجد كتابات مهمة او تستحق العناية للسلفيين او الحنابلة، في هذا المجال، لاطلع عليها واستفاد منها.ومن خلال ما قدمه المؤلف يظهر تهافت النقد السلفي، ويظهر كذلك الاستعانة بالكذب وتزوير الحقائق «ديدنهم دائما»للوقوف في وجه الاستفادة الاسلامية العامة من هذا الابداع الاسلامي في مجال الاقتصاد. ونحن نعلم سبب ذلك، فقدتضايق السلفيون كثيرا وهم يسمعون اخبار انتشار هذا الكتاب داخل الاوساط الاسلامية، وكثرة الاشادة به واعتماده في‏عدد من الجامعات بوصفه مصدرا مهما من مصادر الاقتصاد الاسلامي، وكيف يكون ذلك ومؤلفه عالم شيعي امامي،وهم يكفرون الشيعة ويدعون انهم فرقة منحرفة عن الاسلام وليس لهم من العلم الا الخرافات وعبادة الائمة؟! لذلك‏كان لا بد من ظهور مثل هذه الدراسات «الافترائية‏» ولا نقول النقدية، لانها لا علاقة لها بالنقد العلمي، وقد وصف المؤلف‏احد هذه الردود السلفية بان صاحبها «ينزع الى تعميمات سهلة واستخدام نصوص مستخرجة من كتابات لاحقة للصدر،بما في ذلك اقوال غير صحيحة مثل الفرضية المزعومة بان الصدر دعا الى شرعنة الربا، واستشهادات غير دقيقة‏للنصوص‏» (ص 190)، ويضيف المؤلف: بان اقتصادنا «فريد بغياب اي نعرة طائفية شيعية ظاهرة من تحليله ومصادره..فقد استعان الصدر، بدون تحفظ او قيود، بمراجع شيعية وسنية، ومن الصعب ايجاد اي اشارة تنم خصيصا عن‏انحيازات طائفية.. وفي «اقتصادنا» يضمن الصدر كتابه وفرة من اقوال علماء شيعة وسنة على السواء، منتمين الى كل‏المذاهب الفقهية، وحتى المذهب الاكثر معاداة للجعفرية، اي الحنبلي في صيغته (الوهابية السعودية)، يستشهد به من‏خلال اقوال احمد بن حنبل وابن قدامة‏» (ص 194). والنتيجة التي يتوصل اليها المؤلف بعد استعراض هذه الانتقادات‏هي: «الى هذا اليوم، ما زال «اقتصادنا» الاثر الاهم شانا والاكثر شمولا بين كل ما كتب عن الاقتصاد الاسلامي‏» (ص‏189).

اما بالنسبة للنظام المصرفي الاسلامي وكتاب الصدر «البنك اللاربوي‏»، فمن الضروري كذلك معرفة ان السيد الصدرعندما شرع «في اواخر الستينات في كتابة رسالة بحثية عن بنك خلو من الفائدة، ردا على استفسار من وزارة الاوقاف‏الكويتية، لم يكن متوفرا في ذلك المجال سوى المناقشة في مصر حول الربا» (ص 245). وهذه المناقشات التي شارك‏فيها علماء الازهر الى جانب بعض القانونيين لم تسفر عن رسم المعالم الواضحة لبنك اسلامي يتجنب في نشاطه‏المالي والمصرفي التعامل بالربا، لذلك ظل البحث عن البديل الاسلامي حاضرا، الى ان قدم السيد الصدر اول محاولة‏تنظيرية متكاملة في هذا المجال.

وعلى غرار ما فعله بالنسبة لكتاب «اقتصادنا»، يقدم المؤلف عرضا شبه مفصل لمباحث «البنك اللاربوي‏» مستعينا بماكتبه الصدر حول الموضوع في جميع كتاباته. تحدث المؤلف عن الربا في الشريعة الاسلامية، وكيف انتقد السيد الصدربعض الافكار التي تحاول تسويغ بعض انواع المعاملات الربوية، واستعرض ما قاله الصدر بخصوص حقوق كل من‏المودع والمستثمر والبنك، واظهر كيف يتم العمل في هذا البنك المقترح من دون اللجوء الى المعاملات الربوية. وفي‏الاخير يقدم مجموعة من الاستنتاجات المهمة والملاحظات النقدية المتعلقة بهذا التنظير الاسلامي.

من هذه الملاحظات التي تشمل التنظير في مجال الاقتصاد كله، الصعوبة في معالجة هذه المواضيع بالنسبة للفقيه‏والمجتهد المسلم، الذي لم يتعود على مناقشة مثل هذه المواضيع بلغتها ومصطلحاتها الغريبة عن فكره وتراثه‏المعرفي، «فاللغة المستعملة في هذا الفرع من فروع المعرفة مسكوبة في مقولات راسمالية او اشتراكية، ويتعين على‏الاقتصادي الاسلامي ان يكتب نصه بلغة ما زالت في الطور التوليدي، واي محاولة للتباين ترهقها مصطلحات فنية غريبة‏عن ثقافته وتراثه‏» (ص 247). وتستلزم هذه التوافقيات اندماج اختصاصات عديدة، فعالم الاقتصاد الاسلامي بحاجة الى اتقان النصوص الفقهية القديمة، واعتماد منهجية عملية وانجازية،والى طاقة تاليفية للخروج بنظام متكامل، وقدرة ابداعية في المصطلحات الفنية‏» (ص 248). ويبقى من الضروري يقول الملاط آالتنبيه الى ان الصدر لم يكن من علماء الاقتصاد او الخبراء في عمليات المصارف، ولذا سوف يكتشف المنقبون في‏نظامه بادوات النظريات الاقتصادية والمالية العصرية تقصيرا ملموسا بل نواقص جلية.. ومع ذلك، فما اسهم به الصدرجبار، وتالقه في هذا المجال متمثل بما اعتمده لتجاوز عقبتين اساسيتين‏» (ص 248):

الاولى: غياب المصادر الكلاسيكية التي يمكن الرجوع اليها، والثانية: الاسلوب والمنهج اللذان ستناقش وتعالج بهماهذه المباحث الجديدة.

لكن في النهاية لا يجد المؤلف بدا من الاعتراف بان السيد الصدر «كان الباحث الاسلامي الوحيد، القادر على اعداد نص‏شامل‏» عن الاقتصاد الاسلامي، فقد تمكن من «وصف الاسلوب الذي يمكن المصرف من العمل بدون اي تعامل ربوي،ولا تزال يقول الدكتور الملاط دراسته متميزة في الاتقان والعمق‏» (ص 148). والخلاصة: «ان نظرياته عن البنك‏اللاربوي معالم هامة في النهضة الفقهية الاسلامية في الشرق الاوسط‏» (ص 149).

وبالجملة، ومن خلال مساهماته في التنظير لطبيعة النظام السياسي الاسلامي، كما ظهر ذلك في كتاباته حول اصول‏الدستور الاسلامي، واثر هذه الكتابات في تجربة الثورة الاسلامية في ايران، ومساهماته في الكشف عن المذهب‏الاقتصادي الاسلامي، بالاضافة الى ما قدمه من جديد في مجالي علم الاصول والفقه، ودعوته لتطبيق المنهج‏الموضوعي في دراسة القرآن ولاستخراج نظريات الاسلام في جميع المجالات العلمية، التاريخية والتربوية والسياسية‏والطبيعية.. الخ، كل ذلك يجعل منه بحق «المنظر الاول للنهضة الاسلامية‏» (ص 23).

واخيرا لا يفوتنا ادراج ملاحظة مهمة لم تفت المؤلف بل اشار اليها وتحدث عنها، ونعني بها الاسلوب او اللغة التي كتب‏بها السيد الصدر كتبه وبحوثه، فقد لخص المؤلف كلامه ووجهة نظره بهذا الخصوص واوجزها قائلا: «سلاسة جاحظية،ومنطق صارم، واسلوب سهل ممتنع‏».

ملاحظات عامة جديرة بالاهتمام 1- صحيح ان الكتاب قد جعل مهمته الاساسية اكتشاف موقع الصدر وانتاجه الفكري من النهضة الفقهية الاسلامية في‏الشرق الاوسط، لكن بحوث الكتاب تجاوزت ذلك بكثير، واستطاعت ان تقدم رؤية موضوعية الى حد بعيد، من خارج‏الدائرة الشيعية الامامية والاسلامية عموما، للتشيع الامامي تاريخا وعقيدة، ومحاولة لفهم ما يدور داخل الحوزة العلمية‏في النجف وتطورها، ومناهج التعليم فيها، وما قدمه علماؤها من مساهمات معاصرة دفعت بالنهضة الاسلامية خطوات‏الى الامام.

2- استطاع الكتاب الى حد بعيد ان يكتشف حجم مساهمة السيد الصدر في صياغة الدستور الايراني والتاصيل اوالكشف عن المذهب الاقتصادي الاسلامي.

3- موضوعية علمية في البحث والعرض لا تخلو من بعض المقاربات والتقييمات التي تتحكم بها وتوجهها خلفية‏المؤلف الفكرية المغايرة للفكر والعقيدة الشيعيين وتاريخهما.

4- يمكن عد الكتاب من بين اهم ما كتب (من خارج الدائرة الاسلامية، حسب علمنا واطلاعنا) عن السيد الصدروانتاجه الفكري ومساهمته في النهضة القانونية الاسلامية.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية