8- قام، في الوقت
نفسه، بالتخطيط للتحرك الاعلامي
والسياسي في الخارج، وكتب رسالة في هذا المجال ((302))
تمثل رؤيته لهذا التحرك السياسي والاعلامي.
9- وعلى اساس هذا التخطيط، ايضا، قام بارسال ممثل له
الى
ايران لينطلق بالعمل الخارجي من هناك، وينسق مع
قيادة الثورة الاسلامية، وهو سماحة السيد محمود
الهاشمي.
10- اصدر توجيهه بتاسيس حركة التحرر الاسلامي في
لندن،
وهي تضم مجموعة من عناصر منظمة لاكثر من
جهة اسلامية
وعناصر مستقلة ايضا، وبدات تعمل وتمارس النشاط
السياسي
العام لاول مرة في الخارج وبشكل علني من اجل طرح
القضية
على صعيد المجتمع الدولي ((303)).
11- وكان قمة التحرك السياسي العام في الداخل هو
اسبوع
البيعة الذي قامت به جماهير ووفود وهيئات،
بقيادة العلما، من
مناطق مختلفة من العراق، تتوافد فيه على النجف
الاشرف
لتعلن البيعة للشهيد الصدر والاستعدادللتضحية،
واشترك في
هذه الوفود علما وشباب وعناصر منظمة وجماهير
مؤمنة
عامة، وتجاوب مع هذا الاسبوع تنظيم حزب الدعوة
الاسلامية
مع بقية المؤمنين الواعين، حيث كان يعبر ذلك عن
مظهر من
مظاهر التنسيق وتطبيق الاتفاق آنف الذكر.
رد فعل النظام تجاه خطة الشهيد الصدر (ض)
وازا هذا التحرك فقد النظام اعصابه بالرغم من ان
تحرك
الشهيد الصدر كان سياسيا وسلميا الا ان النظام كان
يرى امامه التجربة الاسلامية في ايران ونتائجها،
لا سيما انه
ادرك الترابط العقدي والعناصر الثابتة بين هذا
التحرك
وتحرك الثورة الاسلامية في ايران مضافا الى
الطبيعة العدوانية
والغرور الذي يتصف به حزب العفالقة ومجموعة صدام.
واقترن اسبوع البيعة مع برقية الامام الخميني (قدس
سره)
الى الشهيد الصدر (رض) التي يطلب فيها منه البقا
في النجف،
حيث بلغت مسامعه انبا عزمه على الهجرة الى الخارج
. ((304))
وعلى اثر ذلك، قام النظام باعتقال بعض افراد الوفود
ومطاردة
بعضها الاخر، او وضعهم تحت الرقابة، وطلب
الشهيدالصدر
لامتصاص رد الفعل من الوفود التوقف واغلق بابه
احتجاجا
على موقف السلطة. ولكن السلطة قامت على الفور
باعتقال
الشهيد الصدر في 16 رجب 1399ه.
وانفجر الوضع بتظاهرة في النجف بعد ان خرجت الشهيدة
بنت الهدى تعلن عن اعتقال الشهيد الصدر
وتستنهض الامة
واخرى في مدينة الثورة وثالثة في الكاظمية واماكن
اخرى من
العراق، ووقعت مصادمات مع رجال الامن، فاطلق سراح
الشهيد
الصدر في اليوم الثاني، ثم وضع رهن المراقبة وتم
احتجازه في
بيته ((305)).
وفي التحقيق، عند اعتقاله، طلب منه التخلي عن
تاييده
للثورة الاسلامية، وتعرض للتهديد الشديد اذا استمر
في
هذاالطريق.
وفي الوقت نفسه، تم القا القبض على عدة آلاف من
الاشخاص،
وتعرضوا للتعذيب الوحشي اثنا التحقيق.
وفي هذه الاثنا، وبسبب هذه التطورات والاحداث
ولمواجهة
الثورة الاسلامية والنهضة المحمدية في العراق
وايران وتطبيق
سياسة التصفية الشاملة والقبضة الحديدية والارض
المحروقة،
حدثت تغييرات مهمة واساسية سياسية في اوساط
النظام
الحاكم، حيث ازيح احمد حسن البكر، وذلك من خلال
الضغط
عليه لتقديم الاستقالة من رئاسة الجمهورية، وتم
تنصيب صدام
مكانه، فاستهل حكمه باراقة الدما بصورة وحشية، ثم
تمت
تصفية العناصر المعتدلة المحسوبة على البكر او
غير الموالية
لصدام بتهمة التعاون مع الحكم في سوريا للاطاحة
بنظام
صدام، حيث قتل عددكبير من قادة حزب البعث وسجن عدد
آخر، وذلك ضمن سياسة القبضة الحديدية الجديدة
والسيطرة
الكاملة لصدام ومجموعته.
كما اتخذ قرار التعامل الوحشي ضد الاسلاميين في
العراق،
وكانت النتائج الحكم بالاعدام بعد ايام قليلة
وتنفيذه على اكثر
من سبعين شخصا، فيهم مجموعة كبيرة من العلما
البارزين
في ليلة النصف من شعبان 1399ه، والحكم بالسجن المؤبد
على اكثر من مئتي شخص فيهم العلما والمثقفون من
مختلف اوساط الشعب العراقي.
وقد حاول النظام عدة مرات، في مدة الاحتجاز، من
خلال
الحوار والوسطا، ان يثني الشهيد الصدر عن موقفه
المؤيدللجمهورية الاسلامية، او الكف عن مواصلة
تنفيذ هذه
الخطة.
ومارس، من اجل ذلك، مجموعة من الضغوط النفسية
والبدنية
والتهديد، بالاضافة الى محاولات الاغرا
والاستمالة،ولكنه بقي
صامدا على موقفه، بل اذن بتصعيد الموقف السياسي
والجهادي ضد النظام في الداخل والخارج، بعد ان منع
النظام
الجمهور من الممارسة العادية للعمل السياسي وقام
بعمليات
القمع والاعدام.
وعلى اثر ذلك، قام بعض المؤمنين في التنظيمات
الخاصة
وفي غيرها بتشكيل مجموعات جهادية في الداخل،
واخذجهاز
الشهيد الصدر المرجعي يخطط لهذا العمل الجهادي
بشكل
واسع.
كما قام بعض طلاب الشهيد الصدر وانصاره بتاسيس حركة
المجاهدين العراقيين في لبنان للقيام باعمال
جهادية ضدالنظام.
وبذلك، دخل الشهيد الصدر المواجهة الجهادية
المسلحة بعد
ان بداها النظام بقسوة وتصفيات بدنية،
واصبحت الشهادة ماثلة
امام عينيه بسبب ظروف هذه المواجهة.
التخطيط لما بعد الشهادة
واخذ الشهيد الصدر (رض) يخطط لما بعد شهادته، وكانت
هناك قضايا اساسية امامه:
1- قضية القيادة النائبة التي يمكنها ان تنوب عنه،
وهو في
الاحتجاز وتقوم بدورها بعده في قيادة التحرك
الاساسي.وقد
رش ح اربعة اشخاص غير مرتبطين بالعمل المنظم الخاص،
وكتب بذلك رسالة مغلفة للامام الخميني
بهذاالترشيح،
وكلفني بالاحتفاظ بها للوقت المناسب، ولكنه سحب
ترشيحه
بعد ذلك ((306))
وطلب اتلاف الرسالة بعد ان وصلته اخبار
عن الوضع الخاص له في ايران غير مشجعة، وكذلك عن
الموقف العام تجاه حركته وتقييمها ((307))
ولاسيما من قبل
بعض العناصر المتنفذة في الاجهزة المسؤولة عن
اسناد
الحركات الاسلامية مثل مهدي هاشمي وغيره.
2-
قضية تطوير خط الجهاد في بنا الخط العسكري
الجهادي،
وقد طلب مني الخروج من العراق للقيام بهذا
العمل،وكانت
لدي ملاحظات عرضتها عليه فتوقف عن الطلب في حينه
. ((308))
3- قضية تعبئة الشعب العراقي، بجميع فئاته
وقطاعاته،
سياسيا، ضد البعث العفلقي، وقد وجه ندااته
الثلاثة الى الشعب
والتي سجلها بصوته، وطلب ان تبث وتنشر بعد شهادته
مباشرة، ووضعها امانة لدي حيث ارسلتها مع اول رسول
بعد
شهادته ((309)).
4- قضية الوقوف الى جانب الثورة الاسلامية وقيادتها
الحكيمة
والدولة المباركة التي كان يعدها تجسيدا لحركة
الانبيا،وقد
اكد ذلك في رسائله الخاصة قبل تطور الاحداث وكتبه،
بعد
ذلك، بدمه الزكي عندما اصر على الاستمرار في
موقفه المساند
لها حتى لو كان على حساب حياته الشريفة التي قدمها
غالية
في سبيل الاسلام ((310)).
5- قضية الاهتمام بالشباب المؤمن المخلص المجاهد
الذي
كان ينتمي الى التنظيمات الاسلامية كحزب الدعوة،
اوغيرهم
من ابنا الاسلام والذين اثبتوا فناهم في الاسلام
وتعاليهم على
جميع الانتماات الاخرى غير الاسلام،
وقدمواالتضحيات في
سبيل القضية الاسلامية، حيث اوصى بهم خيرا لانهم
يمثلون
القاعدة الاسلامية التي يمكن ان تستنداليها
الثورة، وقد كان
يدرك بوضوح الفرق بين موقفهم واستعدادهم للتضحية
وموقف بعض العناصر القيادية المترددة.
وقد اثبتت تجربة السنين الماضية في الحرب العدوانية ضد الجمهورية الاسلامية كيف
تحول هؤلا الشباب، ومن سارفي خطهم، الى قوة جهادية ارتبطت بالولاية الشرعية
وبالقيادة السياسية الدينية، ووظفت قدراتها من اجل القضية،واكدت انتماها المطلق
للاسلام قبل كل شيء.
6- الاهتمام بدور المراة في العمل الاسلامي واهمية
دورها
المساند والمكمل لدور الرجل في العملية التغييرية،
حيث جسدت اخته الشهيدة بنت الهدى هذا الدور عمليا
في
مدة الاعتقال والاحتجاز وفي التحرك السياسي قبل
ذلك،
ثم في شهادتها العظيمة مع اخيها الشهيد.
وانتهت هذه المرحلة بشهادته، رضوان اللّه عليه، مع
اخته
الفاضلة العلوية بنت الهدى (رض) التي وقفت الى جانبه
في جميع مسيرته، وانتهت حياتهما الطاهرة بالشهادة
بعد
ابلاغهما الرسالة. وكانت هذه النهاية العظيمة
والمفخرة
بعدحوالى سنة من الاحتجاز ومحاولات الاحتوا
والتفاوض
وعروض الحرية المشروطة. وبعد ان قام النظام
باعدام كوكبات
من الشباب المؤمن الذين قاموا بالعمليات الجهادية
او خططوا
لها او تعاطفوا معها، بعد ان اصدر القانون المشؤوم
الذي لا
يعرف التاريخ الاسلامي له نظيرا، وذلك بقتل كل من
ينتمي
الى حزب الدعوة او يروج افكاره وجعل له اثرا رجعيا
وطبقه
على عشرات الالاف من الناس، وفيهم الكثير ممن لم
ينتم الى
حزب الدعوة، كما طبقه على الشهيدالصدر نفسه.
خاتمة المطاف
ويمكن ان نستنتج، من هذا الاستعراض السريع للاحداث
والمواقف والنشاطات، في هذه المرحلة، الابعاد
النظرية
التي كان يؤمن بها الشهيد الصدر في العمل
الاسلامي، وهي:
1- ان المرجعية الدينية السياسية المتصدية والرشيدة
هي
القيادة السياسية الشرعية والفعلية لمجمل العمل
السياسي والجهادي في الساحة الاسلامية.
2-ان المرجعية، وبتشكيلاتها ونشاطاتها العامة، هي
الاطار
العام الصالح للعمل السياسي والجهادي، كما هي
محورالولا
فيه.
3- ان المجتهد العادل الجامع لشرائط الدراية
والخبرة
السياسية والاجتماعية والتصدي يمكن ان يتولى
«القيادة
السياسية النائبة» عن المرجعية الدينية
السياسية العامة عندما
لا تتمكن القيام بدورها المباشر ((311))، وذلك من خلال
التكامل مع العمل المرجعي التقليدي.
4- ان العمل المنظم الخاص (حزب او حركة او منظمة او
جمعية) هو مؤسسة يمكن ان يكون لها دور هام
((312))ومتفاوت
المستوى ضمن الاطار العام للمرجعية
السياسية وتحت قيادتها واشرافها.
5- اللامركزية في العمل السياسي على مستوى التنفيذ
والتعددية على مستوى التشكيلات المرجعية
والمؤسسات وغيرها مع المركزية في القيادة
السياسية
للمرجعية، اي في تشخيص الخطوط السياسية العامة،
والمواقف الاساسية في التغيير والمواجهة،
والاشراف على عموم
التحرك الاسلامي والاموال والحقوق الشرعية،
والتخطيط
العام.
6- القيادة المرجعية السياسية لا بد من ان تتوافر
فيها الشروط
الاساسية، وهي: «الاجتهاد» و«العدالة» و«الكفاة
السياسية»و«الكفاة الشخصية» و«التصدي»
لقيادة الامة
ولقضاياها.
7- تجاوز فكرة «المرحلية» في العمل الثقافي
والسياسي
والجهادي، والايمان بفكرة التدرج في العمل، مع
الايمان بالتداخل بين العمل الثقافي والمواقف
السياسية.
ونلاحظ ان الشهيد الصدر انتقل في مدة قصيرة من
العمل
الثقافي الى المواجهة السياسية ثم الى المواجهة
الجهادية.
8- ان انتصار الثورة الاسلامية يمثل منعطفا اساسيا
ومهما في
المسيرة الاسلامية، فقد قلبت الثورة الكثير من
الموازين والتصورات تجاه العمل الاسلامي، ووضعت
المسلمين
امام مسؤوليات جديدة تهون ازاها التضحية الكبيرة
والفداالعظيم ((313))، وتفرض المزيد من التصدي
والالتحام
معها في موقف واحد امام قوى الاستكبار العالمي.
9- اهمية الوحدة بين المسلمين وتجاوز الخلافات
المذهبية
والقومية والفئوية في مثل هذه المواجهات الشاملة.
10- ضرورة التركيز في الطرح على القضايا الاساسية
والمصيرية للامة وحقوقها الشرعية والتعامل مع
القضايا
التي تعيشها الامة او تعانيها فعلا بشكل واقعي
وميداني.
11- الانفتاح على قطاعات الامة وجمهورها في القضايا
المختلفة والتخاطب معها بشكل مباشر والاعتماد على
اللّهتعالى وعلى قدرة الشعب في التغيير، ولا سيما
قطاع
الشباب والمراة. 12- اهمية العناية البالغة بالقاعدة الايمانية العامة، وخصوصا الطاقات (الشابة) المستعدة دائما للتضحية والفدا،وكذلك اهمية دور «المراة» و«النخبة» الاسلامية في العمل التعبوي. فقه التغيير بين سيد قطب
والسيد محمد باقر الصدر
يتحدث الامام علي (ع) عن نخبة فريدة تحمل هموم الامة
المسلمة، انهم نخبة، بالمصطلح المعاصر، لانهم
الاقلون عددا،
ولكنهم نخبة ربانية اختارتها الارادة الالهية
لتحمل عب ء
الحفاظ على حجج اللّه وبيناته حتى يودعوها
ويزرعوهافي
قلوب اشباههم.
تلك النخبة المختارة المتحلقة حول امام الزمان
المنصوب من
عند اللّه هي واسطة العقد في اطروحة التغيير عند
اتباع مدرسة
اهل البيت، ولا شك في ان كميل بن زياد النخعي كان
واحدا
من هذه النخبة العظيمة التي هجم بها العلم
الرباني على
حقيقة البصيرة، وباشرت روح اليقين، فاستلانت ما
استوعره
المترفون من معارف ثقيلة على نفس لم تخبت للّه
ولم تخشع
لرب الارض والسما نفس مترفة (واتبع الذين ظلموا ما
اترفوا
فيه وكانوا مجرمين) [هود 11/116].
انها ليست وعورة الملبس والفراش، انها وعورة
الطريق الى اللّه
وصعوبة احتمال الحق والصدع به في مواجهة
مجتمعات فسق
فيها مترفوها فحق عليها القول: (واذا اردنا ان نهلك
قرية امرنا
مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول
فدمرناهاتدميرا)
[الاسرا: 17/16].
لا نشك في ان كميل بن زياد النخعي، صاحب الرواية
وتلميذ
امير المؤمنين (ع)، كان من طلائع هذه النخبة
المتقدمة ممن
هجم بهم العلم الحقيقي على حقيقة البصيرة، وباشروا
روح
اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وانسوا
بمااستوحش
منه الجاهلون.
ومن ثم، فالتاريخ لقضية التغيير، في مدرسة اهل
البيت، يبدا
في موعد مبكر عن التاريخ للمسالة نفسها في فكر
سيدقطب،
ولاسباب تختلف تماما عن الاسباب المودعة في ملف تلك
القضية عند مدرسة «الاخوان المسلمين» التي
نبت فيها سيد
قطب زاد ام نقص، فالكل يسقى بما واحد، وان اختلف
بعضها
على بعض في الاكل.
من هنا نلج الى قضية التغيير عند الامام الشهيد
محمد باقر
الصدر مقارنة بما اورده سيد قطب ممثلا للمدرسة
الفكرية المقابلة.
ركائز مفهوم سيد قطب
ويمضي سيد قطب ليزيد الامور ايضاحا فيقول: «لا بد
لهذه
الطليعة التي تعزم هذه العزمة من معالم في الطريق،
معالم تعرف منها طبيعة دورها وحقيقة وظيفتها وصلب
غايتها
ونقطة البدء في الرحلة الطويلة، كما تعرف منها
طبيعة
موقفهامن الجاهلية الضاربة الاطناب في الرحلة
الطويلة»
. ((317))
اذن فالامة كانت موجودة ولم تعد، متى انقطع
وجودها؟؟
يجيبنا سيد قطب فيقول: «يوم ان توقف العمل
باحكام الشريعة
الاسلامية». متى توقف العمل باحكام الشريعة
الاسلامية؟ لا
يجيبنا سيد قطب عن هذا السؤال، ولا اجابنا
غيره،بالرغم من
اهمية هذا السؤال المطلقة.
وبنا على ما تقرر، ولا ندري كيف تقرر، فاننا نعيش
في جاهلية
معاصرة. ولانه، رحمه اللّه، لم يجبنا عن السؤال
الاول:متى
انتهى العمل باحكام الشريعة الاسلامية؟ فلا هو ولا
تلامذته
بامكانهم الاجابة على معنى كلمة «معاصرة»،
وعلينا ان نبقيها الى مفاوضات الحل النهائي، هذا اذا ما بقي شيء
نتفاوض عليه.
4- المثل الاعلى
للامة الاسلامية ر الصحابة جيل قرآني فريد
ينطلق سيد قطب، رحمه اللّه، في تصوره للامة التي
كانت،
وللطليعة التي ينبغي ان تكون حتى تعود الامة للوجود
من جديد، من رؤيته للصدر الاول للاسلام، فهو يرى
ان رجالات
تلك المرحلة، اي الصحابة، كانوا يشكلون جيلا
قرآنيافريدا لابد
من السير على خطاه من اجل بعث الامة الاسلامية
الفقيدة من
جديد، فيقول:
«لقد خرجت هذه الدعوة جيلا من الناس، جيل الصحابة
رضوان
اللّه عليهم، جيلا مميزا في تاريخ الاسلام كله وفي
تاريخ البشرية
جميعه، ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة اخرى. نعم وجد
افراد
من ذلك الطراز على مدار التاريخ، ولكن لم يحدث قط
ان
تجمع مثل ذلك العدد الضخم في مكان واحد، كما وقع في
الفترة الاولى من حياة هذه الدعوة» ((318)).
ما هو سبب هذا التفرد؟ السبب يتمثل في ان النبع الذي
استقى
منه ذلك الجيل هو نبع القرآن.. القرآن وحده، اذن،
هوالنبع
الذي يستقون منه ويتخرجون عليه ((319)) ذلك الجيل
استقى اذن من ذلك النبع وحده، فكان له في التاريخ
ذلك الشان الفريد.. ثم ما الذي حدث؟ اختلطت
الينابيع بفلسفة
الاغريق واساطير الفرس وتصوراتهم واسرائيليات
اليهودولاهوت النصارى، وتخرج على ذلك النبع المشوب
سائر
الاجيال بعد ذلك الجيل، فلم يتكرر ذلك الجيل ابدا ((320)).
العامل الاخر هو ان الصحابة، اي الجيل الاول، كانوا
يقراون
القرآن، كمن يتلقى الامر ليعمل به فور سماعه كما
يتلقى الجندي في الميدان الامر اليومي ليعمل به
فور تلقيه،
وهو ما اسماه منهج التلقي ((321)).
العامل الثالث لتفرد هذا الجيل، من وجهة نظر سيد
قطب، هو
العزلة الشعورية الكاملة بين ماضي المسلم في
جاهليته وحاضره في اسلامه، تنشا عنها عزلة كاملة
في صلاته
بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية، فهو
قد
انفصل تماما عن بيئته الجاهلية، واتصل نهائيا ببيئته الاسلامية، حتى ولو كان
ياخذ من بعض المشركين ويعطي في عالم
التجارة والتعامل اليومي، فالعزلة الشعورية شيء والتعامل شيء
آخر ((322)).
ثم يخلص سيد قطب الى القول: «نحن، اليوم، في جاهلية
كالجاهلية التي عاصرها الاسلام او اظلم، فلا بد اذن
من
ان نرجع ابتدا الى النبع الخالص الذي استمد منه
اولئك
الرجال، النبع المضمون، انه لم يختلط ولم تشبه
شائبة، نرجع
اليه نستمد منه تصورنا لحقيقة الوجود كله ولحقيقة
الوجود
الانساني، ولكافة الارتباطات بين هذين الوجودين
وبين
الوجود الكامل للحق» ((323)).
5- اعادة اعتناق
لا اله الا اللّه من جديد
ثم ينتقل سيد قطب الى تقرير نقطة البدء في العمل
الاسلامي
المعاصر، فيقول: «كذلك ينبغي ان يكون
مفهومالاصحاب الدعوة الاسلامية انهم حين يدعون
الناس
لاعادة انشا هذا الدين يجب ان يدعوهم، اولا، الى
اعتناق
العقيدة حتى لوكانوا يدعون انفسهم مسلمين وتشهد
لهم
شهادات الميلاد انهم مسلمون، يجب ان يعلموهم ان
الاسلام
هو، اولا، اقرارعقيدة لا اله الا اللّه بمدلوله
الحقيقي، وهو رد
الحاكمية للّه في امرهم كله وطرد المعتدين على
سلطان اللّه
بادعا هذاالحق لانفسهم. ولتكن هذه القضية هي اساس
دعوة
الناس الى الاسلام اول مرة، فاذا دخل في هذا الدين،
بمفهومه
هذاالاصيل، عصبة من الناس فهذه العصبة هي التي يطلق
عليهم اسم المجتمع المسلم، الذي يصلح لمزاولة
النظام الاسلامي في حياته الاجتماعية، لانه قرر
بينه وبين
نفسه ان تقوم حياته كلها على هذا الاساس والا يحكم
في حياته
كلهاالا اللّه» ((324)).
6- ضرورة تبلور
هذا المشروع العقدي في اطار تنظيمي
وحركي
يقول سيد قطب: «ان العقيدة الاسلامية يجب ان تتمثل
في
نفوس حية وفي تنظيم واقعي، وفي تجمع عضوي،
وفي حركة
تتفاعل مع الجاهلية من حولها، كما تتفاعل مع
الجاهلية
الراسبة في نفوس اصحابها، بوصفهم كانوا من
اهل الجاهلية
قبل ان تدخل العقيدة الى نفوسهم وتنتزعها من الوسط
الجاهلي».
ويضيف: «ومرة اخرى، اكرر ان التصور الاعتقادي يجب
ان
يتمثل من فوره في تجمع حركي، وان يكون التجمع
الحركي،في الوقت ذاته، تمثيلا صحيحا وترجمة للتصور
الاعتقادي» ((325)).
ويكرر سيد قطب، بعد ذلك، اصراره على ان تتمثل
نظريته عن
الحاكمية في تجمع عضوي حركي منذ اللحظة الاولى:«لم
يكن بد من ان ينشا تجمع عضوي حركي آخر غير التجمع
الجاهلي منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي...
تجمع يخدم الفكرة الاساس، وهي عودة العباد لرب
العباد
واخراجهم من عبادة العباد الى عبادة اللّه
وحده،باخراجهم من
سلطان العباد في حاكميتهم وشرائعهم وقيمهم
وتقاليدهم
الى سلطان اللّه وحاكميته وشريعته وحده في كل شان
من
شؤون الحياة» ((326)).
7- تطبيق الشريعة
الاسلامية امر سهل وميسور
ثم يفصل لنا رؤيته عن طبيعة الحاكمية وطريقة الوصول
اليها
فيقول: «ومملكة اللّه في الارض لا تقوم بان يتولى
الحاكمية في
الارض رجال باعيانهم، ورجال الدين كما كان الامر في
سلطان
الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الالهة كما كان
الحال في ما
يعرف باسم الثيوقراطية، او الحكم الالهي المقدس،
ولكنها
تقوم بان تكون شريعة اللّه هي الحاكمة وان
يكون مردالامر الى
اللّه وفق ما قرره من شريعة مبينة» ((327)).
ودين اللّه ليس غامضا ومنهجه في الحياة ليس مائعا،
فهو
محدد بشطر الشهادة الثاني: «محمد رسول اللّه»، في
ما
بلغه رسول اللّه (ص) من النصوص والاصول، فان كان هناك نص فالنص هو الحكم ولا
اجتهاد مع النص، وان لم يكن هناك نص، فهنا يجيء دور الاجتهاد وفق الاصول
المقررة في
منهج اللّه نفسه لا وفق الاهوا والرغبات (فان
تنازعتم
في شيءفردوه الى اللّه والرسول) [النسا: 4/59].
والاصول
المقررة للاجتهاد والاستنباط مقررة كذلك ومعروفة
وليست غامضة ولا مائعة ((328)).
كيف نحكم بما انزل اللّه؟
ان الالحاح على قضية الحاكمية الالهية، وانها
وحدها التي
تجعل من شهادة ان «لا اله الا اللّه» ذات مفهوم
حقيقي،واي مفهوم غير ذلك هو جاهلية معاصرة،
يستغرق
القسم الاكبر من كتاب سيد قطب: «معالم في الطريق».
اما
الجانب العملي من هذه القضية، وهو: كيف نحكم بما
انزل اللّه؟
فهذه مسالة لا تحتاج اكثر من ثلاثة اسطر من فكر رجل،
كان
ولايزال، من اهم الشخصيات في التاريخ الاسلامي
المعاصر.
رحم اللّه سيد قطب، فقد اتعبنا واوجع قلوبنا على
الاسلام
السليب، واثار فينا الحماسة لاقامة الحكومة
الاسلامية،وعندما
وصلنا الى نقطة الحسم وقمة الاثارة لم نجد شيئا،
وكان
الجواب: ان شريعة الاسلام واضحة ومعروفة،
وقواعدالاسلام
مقررة، ولا اجتهاد مع النص، والاسلام هو الحل ..
فها نحن مضطرون، اذا اردنا ان نعمل باحكام الشريعة
الاسلامية لتصبح الحاكمية للّه وتزول دولة
الطواغيت، لان
نرجع الى «وعاظ السلاطين» الذين جعلوا القرآن
عضين،
لنسالهم عن حكم اللّه في هذه المسالة او تلك،
فماساة
الامة الاسلامية اقتصرت على الحكام وحدهم، ولم
تمتد على
الاطلاق الى مباني الامة الفقهية والاخلاقية،
والمشكلة محصورة في «الطواغيت» الذين يمنعون
تطبيق
الشريعة الاسلامية التي يقوم على حراستها كوكبة من
«وعاظ
السلاطين»الذين لم يفتوا يوما بالباطل، ولا
اسهموا في ارسا
بنا الطواغيت ولا تسويغ افعالهم وجرائمهم ولا
وضعوا
الاحاديث ولا كذبوا على اللّه ورسوله!؟
انه تصور في غاية السذاجة والتبسيطيغفل حركة الامة
الاسلامية ومسارها التاريخي منذ بعثة محمد بن
عبداللّه
(ص)والى يومنا هذا، ويختصر اوجاع الامة وآلامها في
كلمة
واحدة هي غياب الشريعة الاسلامية من الساحة،
ويقترح حلامكونا من عبارة واحدة هي «تطبيق
الشريعة
الاسلامية»، ولا نقلل من قيمة الشريعة ولا من
اهمية تطبيقها،
ولكننا لايمكننا ان نتغاضى عن تلك العوامل المعقدة
والمتعددة التي اوصلت الامة الى حالتها الراهنة.
اهمية قراة فكر الشهيد الصدر
انه، ايضا، تصور يغفل ان الامة الاسلامية كانت حلقة
من حلقات
التطور والتغيير في مسار البشرية كلها. من هنا
تاتي اهمية قراة
الشهيد الصدر فكرا واسلوبا وفلسفة لا تستخدم تلك
المصطلحات المباشرة التي استخدمها سيد قطب حتى
انه
يخيل للقارى انه يتعامل مع مادة مختلفة، فماذا قال
الشهيد
الصدر في كتابه: «المدرسة القرآنية»؟
نظرية التغيير عند الشهيد الصدر
تستند نظرية التغيير عند الشهيد الصدر الى عدة
ركائز،
نتحدث عنها في ما ياتي:
1- حركة التاريخ
غائية سببية
تتميز حركة التاريخ عن جميع الحركات الاخرى بانها
حركة
غائية لا سببية فقط، انها ليست مشدودة الى سببها،
الى ماضيها
فحسب، بل هي مشدودة الى الغاية، لانها حركة هادفة
لها علة
غائية متطلعة الى المستقبل، فالمستقبل هوالمحرك
لاي
نشاط من النشاطات التاريخية، والمستقبل معدوم
فعلا، وانما
يحرك من خلال الوجود الذهني الذي يتمثل فيه هذا
المستقبل ((329)).
2- اهمية المحتوى
الداخلي للانسان
يرى الشهيد الصدر(قدس سره) ان المحتوى الداخلي
للانسان
هو الاساس لحركة التاريخ والبنا الاجتماعي
العلوي بكل ما
يضم من علاقات، ومن انظمة، ومن افكار وتفاصيل. هذا
البنا
العلوي يرتبط بهذه القاعدة ويكون تغيره
وتطوره تابعا لتغير
هذه القاعدة وتطورها، فاذا تغير الاساس تغير
البنا العلوي، واذا
بقي الاساس ثابتا بقي البنا العلوي
ثابتا.فالعلاقة بين المحتوى
الداخلي للانسان والبنا الفوقي والتاريخي
للمجتمع هي علاقة
تبعية، علاقة سبب بسبب (ان اللّهلا يغير ما بقوم حتى
يغيروا ما
بانفسهم) [الرعد: 13/11]، فالاية تتحدث عن تغييرين:
احدهما
تغيير القوم (ان اللّه لا يغيرما بقوم) يعني تغيير
اوضاع القوم،
شؤون القوم، الابنية العلوية للقوم، ظواهر القوم،
وهي لا تتغير
حتى يتغير ما بانفسهم.
فالمحتوى النفسي والداخلي للامة، بوصفها امة، لا
لهذا الفرد
او ذاك، هو الذي يعد اساسا وقاعدة للتغييرات في
البناالعلوي
للحركة التاريخية كلها.
والاسلام والقرآن الكريم يؤكدان ان البنا الداخلي
للانسان
يجب ان يسير جنبا الى جنب مع البنا الخارجي، مع
بناالابنية
العلوية.
ولهذا سمى الاسلام عملية بنا المحتوى الداخلي،
اذا اتجهت
اتجاها صالحا، بالجهاد الاكبر، وسمى عملية
البناالخارجي
بالجهاد الاصغر، وربط بين الجهاد الاصغر والجهاد
الاكبر، فاذا
فصل الجهاد الاصغر عن الجهاد الاكبر فقدمحتواه
وفقد
مضمونه وفقد قدرته على التغيير الحقيقي على الساحة
التاريخية والاجتماعية ((330)).
3- المثل الاعلى
ان الغايات التي تحرك التاريخ يحددها المثل
الاعلى، وهي
تنبثق عن وجهة نظر رئيسية الى مثل اعلى للانسان
في حياته،
وهذا المثل الاعلى هو الذي يحدد الغايات
التفصيلية، وينبثق
عنه الهدف الجزئي. فالغايات بنفسها
محركات للتاريخ، وهي
بدورها نتاج لقاعدة اعمق منها في المحتوى الداخلي
للانسان،
وهو المثل الاعلى الذي تتمحور فيه جميع تلك
الغايات، وتعود
اليه جميع تلك الاهداف.
اذن المثل الاعلى هو نقطة البدء في بنا المحتوى
الداخلي
للجماعة البشرية، والقرآن الكريم يطلق على المثل
الاعلى في
جملة من الحالات اسم الاله، باعتبار ان المثل
الاعلى هو القائد
الامر المطاع والموجه ((331)).
تباين الرؤيتين
هذه الركائز الثلاث تتباين بوضوح تام مع ما يطرحه
«سيد
قطب» في معالمه للطريق، ويتمثل هذا التباين في ما
ياتي:
اولا: ان الحركة الغائية للتاريخ تختلف بصورة جذرية
عن
التصور القائل بالعودة الى ما كانت عليه الامة في
عصر
ذلك الجيل القرآني الفريد (جيل الصحابة)، فمسيرة
الامة
مسيرة تكاملية متواصلة، والعودة الى الورا، او
الى نماذج
تاريخية ذاهبة، امر مستحيل، فنحن في انتظار عودة
جديدة
للدين لا ترتبط حرفيا بذلك الانموذج الذاهب، بل هي
عودة
جديدة بقيادة جديدة واساليب جديدة، وان بقي
المضمون
واحدا، وهو الاسلام.
ثانيا: ان علة انهيار «الدولة الاسلامية» تكمن في
العطب الذي
اصاب البنا الداخلي لهذه الامة وليست في الغزو
الثقافي الخارجي، ولا في اختلاط الثقافات
الفارسية والاغريقية
او اليهودية الى آخر هذا الكلام الساذج الذي يفتقر
الى
دليل،فعملية تمزيق الامة الاسلامية بدات على ايدي
اناس من
ذلك (الجيل القرآني الفريد) الذي يتحدث عنه سيد
قطب،وقد
تم ذلك يوم الجمل ويوم صفين، لان اللّه لا يغير ما
بقوم حتى
يغيروا ويزحزحوا مبادئهم واخلاقياتهم لتصبح
ذات افانين
والوان، مثلما فعل قادة حزب الجمل، ونعني بكل تاكيد
قادة
الناكثين لبيعتهم، فضلا عن اولئك
الساكتين والمعوقين
والمرجفين في المدينة والقائلين لاخوانهم: «هلموا
الينا»، ولا
ياتون الباس الا قليلا، والقائلين: «لا مساس»،على
شاكلة ابي
موسى الاشعري والاشعث بن قيس، وجميعهم، وفقا
لنظرية
سيد قطب، من ذلك الجيل القرآني الفريدالذي تربى من
ذلك
النبع الصافي، وكانوا يتلقون الامر القرآني تلقي
الجندي لامر
القتال اليومي!
انه بنا داخلي قد انهار على يد اصحابه، ولا بد من
مواجهة
الحقائق كما هي، لا كما نتمنى ان نراها. ومن هذه
النقطة(البنا الداخلي) لا بد من ان يبدا الانطلاق.
ثالثا: قضية المثل الاعلى ترتبط ارتباطا متسلسلا
بالركيزتين:
غائية الحركة والمحتوى الداخلي، فالامة الاسلامية
التي نعتقد
نحن انها بقيت اسلامية ولم تختف من الوجود قد تبنت
مثلا
عليا من النوع الاول في تصنيف الشهيد الصدر(رضوان
اللّه
عليه) «الذي يستمد تصوره من الواقع نفسه، ويكون
منتزعا من
واقع ما تعيشه الجماعة البشرية من
ظروف وملابسات»
. ((332))
وهذا ما حدث بالفعل بعد استيلا بني امية على
مقاليد السلطة
في العالم الاسلامي، حيث نجحوا في خلق
قيم ومعايير، بل
وعقائد دينية، تخدم اغراضهم المتدنية في ادامة
الهيمنة على
رقاب المسلمين. ومن هنا تسللت الى كتب الحديث تلك
الروايات المعطوبة التي تجعل طاعة الطواغيت مقدمة
على
طاعة اللّه ورسوله من الناحية الواقعية، مهمافعلوا
او ارتكبوا من
جرائم وآثام، والتي جعلت من الشريعة الاسلامية
الواضحة اصلا
مسالة مليئة بالالغاز، والتي طمست مدرسة اهل
البيت وجعلت
من شيعتهم واتباعهم مجرمين ومنحرفين عقائديا لدى
الكثرة
الكاثرة من المسلمين البسطا. ومع ذلك ظل هؤلا
الخلفا
متمتعين بالسمع والطاعة، باعتبار ذلك واجبا شرعيا
ورمزا
لوحدة المسلمين سقط بسقوط الخلافة العثمانية
السنية.
انه الانموذج الاول الذي طرحه الشهيد الصدر، المثل
الاعلى
المنخفض الذي استمر بحكم الالفة والعادة.
والسبب الثاني لاستمرار قيادة هذا النوع المتدني
هو التسلط
الفرعوني على مر التاريخ الذي يحاول دائما ان يحول
هذاالواقع
المحدد الى مطلق، ويحاصر الجماعة البشرية في اطار
هذه
الحدود (الطاغوت) ((333)).
ويستعرض الشهيد الصدر النوع الثاني من المثل
العليا، او من
الالهة، ويرى انها مثل عليا مشتقة من طموح الامة،
من تطلعها
للمستقبل. انها قبضة يقبضها الانسان من المطلق، هذه
الكومة
المحدودة، هذه الومضة من النور التي يقبضها من هذا
المطلق
يحولها الى نور السماوات والارض، يحولها الى مثل
اعلى،
يحولها الى مطلق.
اي ان الانسان يصنع مثله الاعلى، وينتزع هذا المثل
الاعلى من
تصور ذهني محدود للمستقبل، ثم يتحول هذا
التصورالذهني
المحدود الى مطلق بقدر امكاناته المستقبلية، لكنه
سرعان ما
يصل الى حدوده القصوى، الى حدود هذا المثل الاعلى.
وحينئذ
يصبح هذا المثل نفسه الى قيد للمسيرة، الى عائق عن
التطور،
الى مجمد لحركة الانسان لانه اصبح واقعا قائما،
يومها يصبح
عقبة امام استمرار زحف الانسان نحو كماله الحقيقي ((334)).
وهذا ما نعتقده بالنسبة لحالة تلك الجماعات
والاحزاب
الاسلامية بما فيها التيار القطبي، فقد قبضت قبضة
من
المطلق، او الحقيقة، قبضت بالفعل قبضة من نور
اللّه بدعوتها
الى الحاكمية الالهية، ولكنها افتقدت الصلة بالمثل
الاعلى
الحقيقي الممنوح من نور اللّه ونفحته الى رسول
اللّه (ص) والى
الائمة من ولده (ع)، فقد عجزت حتى عن تحديد معنى واضح
للحاكمية الالهية، فضلا عن كيلهاالتهم جزافا
للظالم
والمظلوم، القاتل والضحية، بل انها ادانت الضحية،
اي الامة
الاسلامية، ونفت وجودها وتسامحت مع القتلة الذين
بدلوا نعمة
اللّه كفرا، واحلوا قومهم دار البوار، ولم تتجه الى
ادانتهم الا بعد
دخولهم في دائرة النفوذالغربي، كان الظلم والاجرام
وسفك
الدما وتبديل احكام اللّه لا ينبغي ادانتها اذا
جات من «حكام
مسلمين» باركهم ويباركهم «وعاظ السلاطين».
اما النوع الثالث من المثل العليا فهو المثل الاعلى
الحقيقي،
وهو اللّه سبحانه وتعالى ((335)). ان الحديث عن
المثل الاعلى
الحقيقي، وهو اللّه سبحانه وتعالى، يحتاج الى
تدقيق وتخصيص
من خلال الاستمساك بنهج رسول اللّه (ص)والائمة (ع) من
بعده. ومن هنا يكون للحديث عن المثل الاعلى معنى
واضح،
وهذا ما ابرزه الشهيد الصدر بعدهذا.
الجهاد في سبيل اللّه بمن؟ وفي مواجهة من؟
اتساقا مع منهجه السابح في بحار الانفعال ينتقل سيد
قطب
من تقريراته عن الجاهلية المعاصرة وضرورة اعادة
اعتناق الاسلام من جديد، ليحدد لنا ما ينبغي عمله،
انه الجهاد
والكفاح المسلح. فالجهاد في سبيل اللّه، كما يقول:
«هو
الشان الدائم لا الحالة العارضة، الشان الدائم ان
لا يتعايش الحق
والباطل في هذه الارض، وانه متى قام الاسلام
باعلانه العام لاقامة ربوبية اللّه للعالمين
وتحرير الانسان من
العبودية للعباد، رماه المغتصبون لسلطان اللّه في
الارض ولم
يسالموه قط، وانطلق هو كذلك يدمر عليهم ليخرج
الناس من
سلطانهم ويدفع عن الانسان في الارض ذلك السلطان
الغاصب،انها حالة دائمة لا يقف معها الانطلاق
الجهادي
التحريري حتى يكون الدين كله للّه» ((336)).
ويرى سيد قطب ان مباداة القوى الجاهلية بالقتال
واجب
شرعي «ورؤية الموقف من خلال ملابسات الواقع لا
تدع مجالا
للقول بان الدفاع، بمفهومه الضيق، كان هو قاعدة
الحركة
الاسلامية كما يقول المهزومون امام الواقع الحاضر
وامام الهجوم الاستشراقي الماكر» ((337)).
والمد الاسلامي ليس بحاجة الى مسوغات ادبية له اكثر
من
المسوغات التي حملتها النصوص القرآنية. انها
مسوغات تقرير
الوهية اللّه في الارض وتحقيق منهجه في حياة الناس
ومطاردة الشياطين ومناهج الشياطين وتحطيم سلطان
البشرالذي يتعبد الناس، والناس عبيد اللّه وحده لا
يجوز ان
يحكمهم احد من عباده بسلطان من عند اللّه، انها
مسوغات التحرير العام للانسان في الارض باخراج
الناس من
العبودية للعباد الى العبودية للّه وحده بلا شريك،
وهذه
وحدهاتكفي ((338)).
وهنا يطرح السؤال الاتي: بمن يكون الجهاد في سبيل
اللّه؟ وفي
مواجهة من؟ ما هي القضية التي عجزت الوسائل الاخرى
عن
حلها، فلم يعد هناك بد من اعلان الجهاد ورفع
السلاح؟
لا يختلف اثنان من المسلمين، او غير المسلمين، على
ان القوة
هي احدى الوسائل المتعارف عليها من اجل
تحقيق الاهداف
والغايات. ليس المسلمون وحدهم هم الذين اخترعوا هذا
المبدا، ولكن يبقى السؤال: بمن والى من؟ من يقاتل من وتحت اي شعار؟ وهل يكفي ان
تعلن جماعة ما انها اعادت اعتناق الاسلام من جديد، بشقه الاهم، وهوالحاكمية، لتعطي لنفسها
ولاية عامة على الامة المسلمة تحكم في اموالها
ودمائها بما
ترى انه هو الحق؟ لقد اعلنت حروب كثيرة بموجب هذا
المبدا
ضد «الانظمة الطاغوتية»، ثم عاد هؤلا المجاهدون
ليعلنوا
المبادرات السلمية التاريخية لحقن دما
«المسلمين» والحفاظ
على مصالح «الامة الاسلامية» التي اعلنوا وفاتها
قبل اعلان
الجهاد!
اننا نتفق مع سيد قطب في ان الاسلام لا يستبعد القوة
والجهاد
في مواجهة اعدائه، ولكننا ننظر الى التغيير نظرة
اشمل واعم
من هذه النظرة الانفعالية الضيقة، فالقتال في سبيل
اللّه، على
علو قيمته، ليس دوا لكل دا، فالقضية اكبر من
هذابكثير، ولو
ان سيد قطب كان هادئا في انفعاله، وحاول ان يتعرف
الى
الاسباب التي اوصلت هؤلا «الطواغيت» الى
سدة الحكم،
ومكنتهم من الهيمنة على رقاب المسلمين وممارسة
الفرعنة،
بدلا من القا اللوم على اسباب وهمية مثل الفلسفات
الرومانية
والاغريقية الى آخر هذه الاتهامات، لاختلفت
النتائج عما توصل
اليه من نتائج سطرها في كتيباته التي تلقفتها
اجيال من
الشباب المتحمس والثائر بحرفيتها، واقامت تنظيمات
واشعلت
معارك احرقتها بلهيبها من دون ان تمس «الطاغوت»
باي اذى.
ان الملاحظ، على اسلوب سيد قطب، هو غلبة الاسلوب
الخطابي عليه، اما بالنسبة للشهيد الصدر، فاللغة
السائدة
هي مزج الفلسفة بتفسير القرآن وومضات من التاريخ،
فالكارثة
التي يعيشها المسلمون ذات اعماق متجذرة في
عمق تاريخهم،
وهي كارثة متعددة الاسباب، انها ليست مجرد غياب
تطبيق
الشريعة الاسلامية، انها مسيرة تاريخية متراكمة.
هل كان عمرو بن العاص، صاحب خدعة التحكيم، متاثرا
بالفلسفات الرومانية او الفارسية؟ الاجابة
معروفة، وهي
ان عمرو بن العاص كان واحدا من «ذلك الجيل القرآني
الفريد».
ما هي علاقة تلك الفلسفات «المظلومة» بالقبلية
والنعرة
العنصرية، ضاربة الجذور في العقل العربي؟ وما هو
جواب
سيدقطب عن الاسلوب الذي تم به اختيار الحكمين في
واقعة
التحكيم الشهيرة واصرار القبليين والعنصريين، من
ذلك الجيل القرآني الفريد، على ان لا يكون الحكمان
من مضر
قائلين: «لئن يحكم فينا الحكمان، واحدهما من مضر
ببعض الحق احب الينا من ان يحكما بكل الحق وهما من
مضر»
. ((339))
اذن فانحدار الامة الى هذه الهاوية السحيقة التي
نحن فيها
الان هو انتاج ذاتي متعدد المراحل اسهمت فيه طبقات
الامة المختلفة، وكانت تعبيرا عن وعي اجتماعي
وثقافي
وسياسي ونفسي عام لم يطق البقا في وضع مرتفع كذلك
الوضع الذي عاشه مع رسول اللّه (ص). وهو، بعبارة
الشهيد
الصدر: «المحتوى الداخلي للامة» (ان اللّه لا يغير
ما بقوم
حتى يغيروا ما بانفسهم). وهي حالة افرزت نماذج
مختلة
وفاسدة من المثل العليا، اما من النوع الاول من
«الطواغيت» او
من النوع الثاني «قبضة محدودة من النور المطلق
تحاول ان
تحاكي الحق والحقيقة وتتشبه بها وتصادر عليه»،
وهي
حالة الكثير من تلك «الحركات الاسلامية
المعاصرة».
الطريق الوحيد للامة
ويبقى المخرج الوحيد للامة، من هذه الظلمات
المتراكمة، هو
مواصلة السير نحو اللّه عز وجل (يا ايها الانسان
انك كادح الى
ربك كدحا فملاقيه) [الانشقاق: 8/6]. يقول الشهيد الصدر:
هذه الاية الكريمة تضع اللّه سبحانه وتعالى
هدفااعلى للانسانية
كلها. والكدح يعني السير المستمر بالمعاناة والجهد
والمجاهدة، لان هذا السير ليس سيرا اعتياديا،
بل هو سير
ارتقائي، هو تصاعد وتكامل، هو سير تسلق،
فالانسانية حينما
تكدح نحو اللّه، فانها تتسلق الى قمم
كمالهاوتكاملها وتطورها
الى الافضل باستمرار.
وهذا السير الذي يحتوي على المعاناة باستمرار
يفترض طريقا
لا محالة هو سبيل اللّه الصراط صراط اللّه. هذا
التقدم،بقدر
فاعليته، وبقدر زخمه، هو اقتراب نحو اللّه، سبحانه
وتعالى،
ولكن فرق بين تقدم مسؤول وتقدم غير مسؤول،فحينما
تتقدم
الانسانية في هذا المسار واعية المثل الاعلى وعيا
موضوعيا،
يكون التقدم تقدما مسؤولا، اما حينما يكون التقدم
منفصلا عن
وعي ذلك المثل فهو تقدم على اي حال...، سير نحو
اللّه، ولكنه
تقدم غير مسؤول.
واللّه، سبحانه وتعالى، هو نهاية هذا الطريق،
ولكنه ليس نهاية
جغرافية، فاللّه، سبحانه وتعالى، هو المطلق، هو
المثل الاعلى،
اي المطلق الحقيقي العيني.
وبحكم ان اللّه، سبحانه وتعالى، هو المطلق، اذن
فالطريق ايضا
لا ينتهي، انه اقتراب مستمر بقدر التقدم الحقيقي
نحواللّه،
ولكن هذا الاقتراب يبقى اقترابا نسبيا، يبقى مجرد
خطوات
على الطريق لا يمكن ان تصل الى اللامتناهي،
فالفسحة الممتدة بين الانسان وبين المثل الاعلى
هنا فسحة لا
متناهية.
اي انه ترك له مجال الابداع الى اللانهاية، مجال
التطور
التكاملي الى اللانهاية، فالمسيرة الانسانية،
حينما توفق
بين وعيها على المسيرة وبين الواقع الكوني لهذه
المسيرة،
بوصفها سائرة ومتجهة نحو اللّه، سوف يحدث تغيير كمي
وكيفي لها.
التغيير الكمي، حينما يكون الطريق الى المثل
الاعلى الحق غير
متناه يبقى مجال التطور والابداع والنمو
قائما،ابداودائما ،
ومفتوحا للانسان من دون توقف. هذا المثل الاعلى
حينما
يتبنى سوف تمسح من الطريق جميع الالهة المزورة،
جميع
الاصنام، وجميع الاقزام المتصنمة على طريق
الانسان، والتي
تقف عقبة بين الانسان وبين وصوله الى اللّه
سبحانه.
اما التغيير الكيفي الذي يحدثه المثل الاعلى على
هذه
المسيرة، فهو اعطا الحل الموضوعي الوحيد للجدل
الانساني،للتناقض الانساني. ومن ثم ينشا لديه شعور
معمق
بالمسؤولية تجاه هذا المثل الاعلى، لان المسؤولية
الحقيقية لا
تقوم الا بين جهتين: مسؤول ومسؤول لديه.
ان المثل الاعلى يحدث تغييرا كيفيا في المسيرة، لانه يعطي
الشعور بالمسؤولية، وهذا الشعور هو شرط اساسي
في امكان
انجاح هذه المسيرة، وتقديم الحل الموضوعي للتناقض
الانساني، للجدل الانساني في تركيبته الداخلية من
تراب ونفحة من روح اللّه سبحانه. حفنة التراب تجره
الى
الشهوات، وروح اللّه سبحانه التي نفخها فيه تقوده
الى اعلى،
تتسامى بانسانيته الى حيث صفات اللّه، الى حيث
اخلاق اللّه.
بين اصول الدين وعملية التغيير المتواصلة
ثم ينتقل الشهيد الصدر (رضوان اللّه عليه) ليلقي
نظرة علمية
على العلاقة بين اصول الدين الخمسة وعملية
التغييرالمتواصلة التي يجب على البشرية المؤمنة ان
تسير في
طريقها:
1- التوحيد هو
الذي يعطي الرؤية الواضحة، فكريا وايديولوجيا،
هو الذي يجمع ويعبى جميع الطموحات وجميع الغايات
في
مثل اعلى واحد، وهو اللّه سبحانه وتعالى.
2- العدل، وهو
جانب من التوحيد، لانه صفة من صفات اللّه
سبحانه وتعالى، ولكنه خص بالذكر، لانه الصفة التي
تعط ى للمسيرة الاجتماعية وتغنيها، وهي بحاجة
اليه اكثر من
اي امر آخر.
3- النبوة التي
توفر الصلة الموضوعية بين الانسان والمثل
الاعلى، اللّه عز وجل.
4- الامامة تلك
القيادة التي تندمج مع دور النبوة، النبي امام
ايضا، ولكن الامامة لا تنتهي بانتها النبي اذا
كانت
المعركة قائمة، واذا كانت الرسالة لا تزال بحاجة
الى قائد يواصل
المعركة فسوف يستمر هذا الجانب من الدور من
خلال الامامة.
5-
الايمان بيوم القيامة هو الذي يعطي تلك الطاقة الروحية
ذلك الوقود الرباني الذي يجدد دائما ارادة الانسان
وقدرته،ويوفر الشعور بالمسؤولية والضمانات
الاجتماعية
. ((340))
مدرستان
اذن فنحن امام مدرستين: مدرسة ترى ان العلة التي
ضربت
الامة الاسلامية، بعد كمالها وتمامها، انما تنبع
من
تبنيهالمفاهيم خاطئة لشهادة لا اله الا اللّه
وتنحية الشريعة
الاسلامية جانبا، ومن ثم فقد انقطع وجود الامة
الاسلامية،
واصبحنانعيش في جاهلية معاصرة، ولا خروج من هذا
الظلام
الا بظهور طليعة تعيد اعتناق الاسلام من جديد وتجعل
اعلان الشهادتين معلقا بتاكيد مفهوم الحاكمية
واعتباره ركنا
اساسيا من اركان الشهادتين. وان هذه الطليعة عليها
ان
تواجه البشرية كما واجهتها الطليعة الاولى من
المسلمين التي
التفت حول رسول اللّه (ص)، استعلا على الجاهلية
المعاصرة
ومواجهة لها بالقوة والجهاد الهجومي
لازالة جميع
العوائق. وبالنسبة للامور الفقهية ومسائل الاجتهاد، فهي مسائل سهلة وميسرة، ويمكن الاستعانة باي كتاب فقهي في مكتبة المجاهدين لتحقيق الغرض، وبخاصة انه لا اجتهاد مع النص، انها وصفة سهلة ومبسطة!
|
|---|