الصفحة السابقة

الصفحة التالية

وقد عدت هذه النقطة بالذات نقطة الضعف في عملية الاكتشاف، كما سنوضح ان شا اللّه تعالى.

8- وقد تحدث الامام الشهيد عن الاخطار التي تحف بعملية الاجتهاد، وخصوصا حول تلك الاحكام التي ترتبط بالجوانب الاجتماعية من حياة الانسان، «ولاجل هذا كان خطر الذاتية على عملية اكتشاف الاقتصاد الاسلامي اشد من خطرها على عـملية الاجتهاد في احـكام فردية»  ((166)).

وذكر من الاخطار الامور الاتية:

ا- تبرير الواقع.

ب- تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه.

ج- اتخاذ موقف معين بصورة مسبقة تجاه النص ((167)).

9- ويعد من اخطر مراحل هذا المنهج الموضوع الذي عالجه المرحوم الشهيد تحت عنوان: «ضرورة الذاتية احيانا»، فهويذكر ان الاجتهاد في اكتشاف الحكم التفصيلي يتمتع بصفة شرعية وطابع اسلامي ما دام يمارس وظيفته، ويرسم الصورة ويحدد معالمها في اطار الكتاب والسنة ووفقا للشروط العامة التي لا يجوز اجتيازها.

ولكنه يمتد بعملية الاجتهاد هذه الى مرحلة تكوين الفكرة العامة عن الاقتصاد الاسلامي (المذهب الاسلامي)، حيث تشكل الاحكام والمفاهيم المستنبطة اجتهاديا كلها ذخيرة بالنسبة للاقتصاد الاسلامي، ويمكن لهذه الذخيرة ان تعطيناصورا عديدة: كلها شرعية وكلها اسلامية، ويمكننا ان نتخير في كل مجال اقوى العناصر، واقدرها على حل مشكلات الحياة وتحقيق الاهداف العليا للاسلام، فالمكتشف يمتلك مجال اختيار ذاتي بين المعطيات، فهو حر ولكن في نطاق الاجتهادات المختلفة.

ويضيف الى ذلك ان هذا المكتشف (والمؤلف هنا مكتشف) لا يتقيد بفتاوى مجتهد معين بل لا يتقيد هو بفتاواه لكي يصل الى المطلوب.

ولتبرير هذه الحرية يذكر ان هذا الامر هو السبيل الوحيد في بعض الحالات لاكتشاف النظرية الاسلامية والقواعدالمذهبية في الاقتصاد، ولتوضيح ذلك يذكر ما ياتي:

ا ان المتفق عليه من الاحكام بين المسلمين، بحيث لا يزال يحتفظ بموضوعه وصفته القطعية، قد لا يتجاوز ال 5% من مجموع الاحكام.

ب- ان الاجتهاد عملية معقدة تواجه الشكوك من كل جانب، ومهما كانت نتيجته راجحة في نظر المجتهد فهو لا يجزم بصحتها في الواقع. رغم ذلك فان الاسلام قد سمح بها وحدد للمجتهد المدى الذي يجوز له ان يعتمد فيه على الظن ضمن قواعد تذكر في علم اصول الفقه.

ج- اذا، فمن المعقول ان توجد لدى كل مجتهد مجموعة من الاخطا والمخالفات لواقع التشريع الاسلامي وان كان معذورا فيها.

د- ومن المعقول، ايضا، ان يكون واقع التشريع الاسلامي موزعا هنا وهناك بنسب متفاوتة في آرا المجتهدين(ويختلف واقع الشريعة عن الصورة الاجتهادية التي يرسمها المجتهد).

ه- فليس، اذا، من الضروري ان يعكس لنا اجتهاد كل واحد من المجتهدين بما يضم من احكام مذهبا اقتصادياكاملاواسسا موحدة منسجمة مع بنا تلك الاحكام وطبيعتها.

و- وهنا قد يختلف موقف الممارس لاكتشاف المذهب الاقتصادي عنه حين يحاول اكتشاف الحكم الشرعي التفصيلي، فموقفه بوصفه مجتهدا يكتشف الحكم الشرعي قد يؤدي به الى نتيجة لا تنسجم مع غيرها من الاحكام من حيث كشفها المنظم عن الخط المذهبي العام، الامر الذي يفرض عليه بوصفه فقيه نظرية اختيار مجموعة متسقة من الاحكام، وحتى لو كان بعض تلك الاحكام مما ادى اليه اجتهاد غيره من المجتهدين، فهو يعمل حريته وذاتيته لحذف النتائج المتنافرة او العناصر التي لا تنسجم مع المجموعات الاخرى مستبدلا اياها بعناصر او احكام اكثر انسجاما.

وتتم عملية تلفيق لاجتهادات عديدة يتوفر فيها الانسجام لينطلق منها باكتشاف الرصيد النظري لها.

ز- ويؤكد هنا ان اقل ما يقال في تلك المجموعة: «انها صورة من الممكن ان تكون صادقة كل الصدق في تصوير واقع التشريع الاسلامي، وليس امكان صدقها ابعد من امكان صدق اي صورة اخرى من الصور الكثيرة التي يزخر بها الصعيدالفقهي الاجتهادي، وهي بعد ذلك تحمل مسوغاتها الشرعية لانها تعبر عن اجتهادات اسلامية مشروعة تدور كلها في فلك الكتاب والسنة، ولاجل ذلك يصبح بالامكان للمجتمع الاسلامي ان يختارها في مجال التطبيق من بين الصورالاجتهادية الكثيرة للشريعة، التي يجب عليه ان يختار واحدة منها» ((168)).

10- ويحذر، في النهاية، مما يسميه ب «خداع الواقع التطبيقي»، ويعني به ان الاسلام دخل الحيز التطبيقي خلال عشرات السنين، ولذا فقد تتم محاولة اكتشاف المذهب الاقتصادي من هذا الواقع، ولكنه يؤكد ان الكاشف النظري اقدرعلى التصوير، لان الواقع التطبيقي قد لا يعكس المضمون الضخم لنص نظري، وقد يخدع التطبيق الشخصي، لامر ما،المكتشف فيوحي له مثلا بوجود عناصر راسمالية من خلال كون الافراد في صدر الاسلام احرارا في الاستفادة من الثروة المعدنية. ولن ندخل في تفاصيل هذا الموضوع.

هذا هو منهج الامام الشهيد في اكتشاف المذهب الاقتصادي الاسلامي، قمنا بعرضه بامانة من خلال نقاط عشر.

الاجابة عن اشكالين اثيرا حول هذه العملية ولنحاول، في ما ياتي، الاجابة على بعض ما اثير حول هذه العملية من اشكالات، ونختار منها اشكالين:

الاول: حول جدوى هذه العملية.

الثاني: حول مشروعيتها.

الاشكال الاول جدوى هذه العملية وقد تصور بعض النقاد ان هذه العملية مضيعة للوقت والجهد، فما دمنا قد اكتشفنا الحكم الاسلامي في مختلف المواردالاقتصادية، فما الداعي لممارسة هذه العملية الثانية وهي لا تضيف جديدا الى تكاليف الفرد والمجتمع، بل تتحدث عن الاسس النظرية لهذه الاحكام، والمفروض ان الشريعة نفسها تكلفت معرفة مجمل الواقع الاقتصادي وحقائق العالم وعلاقات الانسان بالطبيعة وباخيه الانسان من حيث واقعها ثم لاحظت الصورة المذهبية، وما ينبغي له من سلوك، ثم اعطتنا هذه الاحكام ضمن نظم علينا تطبيقها اذا شئنا الانسجام مع معتقداتنا وتحقيق اهداف الشريعة. فلماذا هذاالتحقيق المتعب لمعرفة الاسس النظرية التي اتبعتها؟ هذا هو مجمل الاشكال.

وفي مجال الاجابة نقول:

ان التامل في النتائج الضخمة التي تركتها هذه العملية في المجال النظري على الاقل، وملاحظة الاستقبال الواسع لهذه الدراسة الرائعة والمبتكرة والرائدة، حتى عادت الجامعات الاسلامية في شتى انحا العالم، والبيوت الاقتصادية المتخصصة، ومختلف التحقيقات الاقتصادية الاسلامية لا تستطيع ان تستغني عنها وحتى تلك الجامعات المصبوغة بلون معين من التعصب ضد فقه اهل البيت (ع) وفتاوى مجتهدي مدرستهم تعصبا يصل الى حد التكفير والتنفير من كل ما يمت بصلة اليهم، راحت تدرس هذا الكتاب القيم، وتطرح مقولاته على مائدة البحث العلمي الرصين.

وراحت الامم تعمل على ترجمته الى لغاتها لتنعم بالحصيلة الفكرية الضخمة التي حواها وتوصل اليها.

كما عمل المفكرون الغربيون على التامل في هذه النظرية لاكتشاف المعالم العامة للاسلام الاصيل. كل ذلك يدعونالاكتشاف نقاط الخلل في هذا الاشكال.

والذي نتصوره ان هناك نتائج ضخمة يمكن الحصول عليها من خلال هذه العملية، ويمكن ان نلخص اهمها في ماياتي:

1- امكان المقارنة بين الاسلام وسائر المذاهب الاخرى لتحقيق الوضوح المطلوب فان المقارنة بين المذاهب لا تتم من خلال التركيز على الخطوط التفصيلية النوعية، ولا يبدو الفرق بوضوح الا عندماتتم المقارنة بين الخطوط المذهبية العامة لكل منها، ذلك ان اجتهادات التطبيق قد تؤدي الى اختلافات ظاهرية ويبقى الاصل المذهبي واحدا، كما اشار الى ذلك الامام الشهيد نفسه، عندما تحدث عن (العلاقة بين المذهب والقانون)،وهذا مما يؤدي حتما الى غموض الحدود في التطبيق، وضياع الافهام، بل وقد يؤدي الى نوع من التلفيق بين المذاهب المتعارضة، الامر الذي شهدناه تماما لدى الكثير من المفكرين الذين طرحوا افكارا ودعوا الى العمل بها، من قبيل فكرة «الاسلام الراسمالي» و«الاشتراكية الاسلامية» حتى بلغ الامر ببعضهم لتصو ر عدم التناقض بين «الاسلام» و«الشيوعية»!! ان هذا الخلط العجيب كان ثمرة الجهل بالمعالم الرئيسية للاسلام والنظريات المذهبية له لا ريب، وقد عانى العالم الاسلامي، ولا يزال يعاني، من عملية «التهجين» و«التلفيق» و«التركيب المتناقض» و«الالتقاط».

ولذلك جات محاولات الشهيد لعرض الواقع وتعيين الحدود العامة وفرز المواقف كاروع ما تكون، وما نظنه هو اننابحاجة الى مواصلة هذه الطريقة لاكتشاف المعالم الاسلامية الاخرى وتغذية الجيل الاسلامي، وبالتالي تحصينه من الوقوع في عمليات الخلط الفكري لا في المجال الاقتصادي فحسب، بل في مختلف المجالات الحياتية الاخرى، كمايجب الا ننسى الدور الذي تلعبه هذه الدراسات في مجال بيان التفوق النظري الاسلامي على المذاهب الاخرى.

2- التاثير على عملية الاستنباط للاحكام الفرعية ونحن نتصور ان مثل هذه العملية يمكنها ان تؤثر حتى على عملية الاستنباط المعروفة بشكل واقعي من خلال ماياتي:

ا قد يتوصل المجتهد الى قناعة خاصة بالقاعدة التي يستنبطها بهذه الطريقة ويؤمن بها على اطلاقها من خلال كثرة الاحكام التي تكشف عنها، الامر الذي يوجد قناعة خاصة في نفسه بان الشارع المقدس اعتمد القاعدة حين اصداره للاحكام الفرعية الكثيرة، وحينئذ تؤثر هذه القناعة على مجرى استنباطه، وتبدو آثارها في مختلف المجالات التي قديتوقف فيها نتيجة ضعف الدولة الخاصة.

ب وقد توجد لديه ذوقا خاصا يغير مواقفه حتى من عمليات الاستنباط المالوفة، وذلك ان الذوق الفقهي شيء غيرالاستحسان المرفوض شرعا. انه قد يقوى سندا وقد يقوى دلالة لم تكن لتتحقق لولا مثل هذا الذوق المستند الى اصول شرعية مقبولة.

ولعل موقف الشهيد الصدر، قدس سره، من روايتي محمد بن الفضيل حول «منع بيع الدين باقل منه والعود بالقيمة الاسمية على المدين» والقبول بهما، رغم ما في الاستدلال بهاتين الروايتين من بعض الثغرات ومنها جهالة «محمد بن الفضيل» هذا، الا انه يقول: «فاني شخصيا لا انسجم نفسيا ولا فقهيا مع الاخذ بالراي المعاكس، ولا اجد في نفسي وحدسي الفقهي ما يبرر لي بوضوح ترك هاتين الروايتين والاخذ براي يناقضهما» . ((169)) ان الانسجام النفسي قد يكون ناجما كما نعتقد من تاثير الخطوط المذهبية التي توصل اليها في مجال توزيع ما بعدالانتاج.

ومهما يكن من امر فلا يمكن ان ننكر اثر التوصل الى الخطوط المذهبية العامة في تكوين ذوق فقهي شخصي لدى المجتهدين يكون له دوره في نتائج عملية الاستنباط.

3- الاسهام الضخم في عملية تطبيق الشريعة الاسلامية وهذه الخاصية تبدو بوضوح عندما ندرك الدور الذي تلعبه النظريات في عملية التطبيق، فعندما تقوم دولة اسلامية،وينهض ولي الامر، فان عملية التطبيق تستدعي رصيدا ضخما من النظريات الاسلامية التي تعالج اهم المشاكل الحياتية ملاحظة الخطوط الاساسية للرؤية الاسلامية، والمصلحة الاسلامية العليا للامة، مستوعبة لمختلف الدوافع والعقبات،مطبقة ذلك على المجتمع وصولا الى تحقيق خصائص المجتمع الاسلامي المتحرك.

ولا ريب في ان النظرية المذهبية الاقتصادية تسد فراغا ضخما في هذه المسيرة وتهديها نحو الحالة المثلى.

وسوف نتحدث بمزيد من التوضيح ان شا اللّه عن هذه النقطة عند الاجابة على الاشكال التالي.

وينبغي ان نشير، هنا، الى ان المعترضين بهذا الاشكال لم يعد لهم وجود رغم كثرتهم عند طرح هذه الدراسات، وهي حالة ربما تكون طبيعية بعد انطلاقها في جو لم يالفها، ولا يزال حتى الان بعيدا مع الاسف عن انتاج امثالها رغم توفرالدوافع العملية الضخمة، ورغم الحاجة العميمة.

وقد راينا المرحوم الامام الشهيد نفسه يعد عمله مجرد صورة يمكن ان تقوم الى جانبها صور اخرى مستنبطة من فهم آخر للتناسق بين الاحكام.

الا اننا لم نجد حتى الان من ينهض بتقديم هذه الصورة الاخرى، ونسال اللّه (جل وعلا) ان يحقق لنا هذا الامل لتكون هذه الدراسات منبعا فياضا يدعم مسيرة تطبيق الاحكام الاسلامية، ويحقق لنا الامل المرجو في غد الحكم الاسلامي الشامل.

الاشكال الثاني: مشروعية هذه العملية ولعل هذا يعد اهم اشكال يبدو للذهن عند ملاحظة هذه العملية المبتكرة، وقد اشرنا من قبل الى تطبيقين للاجتهاد في مراحل هذه العملية.

التطبيق الاول: ويتم في مجال استنباط الاحكام الفرعية من مظانها الاصلية (الكتاب والسنة) وعلى اساس من علم اصول الفقه، وهو اجتهاد مشروع لا غبار عليه يؤدي الى حجية النتيجة المستنبطة حتى مع احتمال مخالفتها للواقع الاسلامي، وذلك بعد حصول الظن المعتبر المنتج للحجية والتي تؤدي للمعذرية عند مخالفة النتيجة للواقع الشرعي آتماما كما تعني التنجيز للاحكام على المكلف.

التطبيق الثاني: ويتم في مجال استنباط الخطوط النظرية من الاحكام والمفاهيم، وهنا يكمن الاشكال في عملية الاجتهاد هذه، فيقال: انها لا تنتج الحجية القطعية حتى ولو كانت هذه الاحكام مستنبطة من قبل المجتهد الممارس للعمليتين معا، فكيف بها تكون حجة؟ والحال ان بعض هذه الاحكام الكاشفة لا يقبلها هذا المجتهد نفسه وانما اختارهامن مجتهدين آخرين لانها اكثر انسجاما مع باقي الاحكام التي اريد ان تعبر عن خط نظري عام.

ولتوضيح الامر يقال:

ان استنباط الخط النظري يعني الوصول الى اللازم العام عرفا او عقلا لهذه الاحكام وهو الخط النظري العام . ومن المعلوم ان الكثير من تلك الاحكام قد تم التوصل اليها من خلال تطبيق (الاصول العملية) من قبيل: (الاستصحاب،والتخيير، والاحتياط) بعد فقدان الدليل الاجتهادي عليها، ومن المسلم به ان لوازم الاصول ليست بحجة كما يؤكدالاصوليون بل حتى لو افترضنا ان تلك الاحكام الكاشفة قد استنبطت كلها من الامارات (التي تعد لوازمها حجة) فان هناك شكا حقيقيا في كون لازم الجمع بين الحكمين من الامور المعترف بحجيتها في التصور العرفي الممضى من قبل الشارع، وتكون النتيجة هي الشك في حجية اللازم، (وهو هنا هذا الخط المذهبي المستنبط) والشك في الحجية كاف للقطع بعدمها كما هو تعبير الاصوليين ايضا.

فكيف الخلاص؟ وقد قلنا: ان هذا الاشكال يرد على العملية حتى لو كانت جميع الاحكام مستنبطة من قبل الممارس لعملية استنباط الخطوط المذهبية، فكيف به وهو ينتقي ذاتيا الاحكام التي لا يؤمن بها هو وانما ادت اليها اجتهادات الاخرين.

واذا فقدت هذه الخطوط حجيتها فقدت معذريتها ومنجزيتها وصحة انتسابها الى الاسلام، فكيف يمكن ان نطلق عليهاصفة «النظرية الاسلامية»؟! والجواب على هذا الاشكال: يتلخص في ما ياتي:

نحن نؤم،ن ايضا، بان الاصول العملية لا تثبت لوازمها، كما نؤمن ان دليل الحجية لا يثبت لوازم الجمع بين الامارتين،ونؤمن، ايضا، بان الشك في الحجية كاف للقطع بعدمها، ولكننا نقول: اننا في مورد النظريات لا نحتاج الى عنصر الحجية المطلوب بكل دقة في مجال الاحكام العملية الفرعية، وانما يكفي فيها صحة الانتساب الى الاسلام، وهذا ما نختلف فيه مع صاحب الاشكال، وهذا بالضبط ما ركز عليه الامام الشهيد حينما صرح بما ياتي:

«ولاجل ذلك كان من الممكن لمفكرين اسلاميين مختلفين ان يقدموا صورا مختلفة للمذهب الاقتصادي تبعا لاختلاف اجتهاداتهم، وتعتبر كل تلك الصور صورا اسلامية للمذهب الاقتصادي»، وكانه يريد التاكيد على امور: الاول: ان كل الناتج عن عملية الاجتهاد، «ما دام قد تم بسماح اسلامي»، هو شرعي وهو اسلامي.

الثاني: ان المجموع الاسلامي موزع هنا وهناك بنسب متفاوتة.

الثالث: ان اقل ما يقال عن الصورة المستنبطة من مجموعة من الاحكام المنسجمة انها صورة من الممكن ان تكون صادقة كل الصدق في تصوير واقع التشريع الاسلامي، وليس امكان صدقها ابعد من امكان صدق اي صورة اخرى من الصور الكثيرة التي يزخر بها الصعيد الفقهي الاجتهادي، وهي بعد ذلك تحمل مسوغاتها الشرعية، لانها تعبر عن اجتهادات اسلامية مشروعة تدور كلها في فلك الكتاب والسنة.

والحاصل: ان هذا المقدار من الاتصال بالواقع الاسلامي يحقق لنا انتسابا عرفيا مقبولا من الاسلام، ولا يمكننا، والحال هذه، ان ننفي هذه النسبة عنها بعد ان كان احتمال تعبيرها عن الواقع الاسلامي بمستوى احتمال اية صورة اخرى عنه.

ثم اننا اذا ضممنا الى هذه النتيجة ما ذكره الشهيد الصدر، قدس سره، نفسه من ان هذه الوسيلة هي الوسيلة الوحيدة التي يمكننا من خلالها الوصول الى المبادى العامة للاسلام، وهي ما نحتاجه لتنظيم حياتنا الاجتماعية وتحقيق ما ذكرناه من ضرورات وفوائد عند الحديث عن جدوى هذه المحاولات، اذا ضممنا ذلك ادركنا عقلا القبول الشرعي بهذا المقدارمن الانتساب، وليكن ذلك من خلال «مقدمات دليل الانسداد» الذي نقبل به في مثل هذه الموارد.

ولكن يبقى التساؤل قائما: لنفترض اننا قبلنا النسبة الاسلامية لهذه العملية، فمن اين نكتسب «الحجية المطلوبة»، وهي غايتنا وبها نستطيع الاعتذار الى اللّه تعالى اذا خالفت هذه الصورة الواقع الاسلامي المطلوب منا تطبيقه، بل كيف تكتسب هذه الصيغة عنصر «التنجيز» والالزام الاجتماعي، وهو المطلوب هنا؟ وهنا نقول: ان الخلط تم بين الحكم العملي الفردي والمسيرة الاجتماعية الحكومية، فاذا كنا نحتاج في مجال اجتهادالمرحلة الاولى الى الحجية الملازمة للقطع بالحكم المستنبط او بحجية محصول الظن المعتبر، فاننا لسنا بحاجة لمثل هذه الحجية هنا. ذلك ان الذي يمنح هذه الخطوط المذهبية صفة الالزام والتعذير هو حكم ولي الامر بها وجعلهاسياسة عامة تمشي البلاد على ضوئها، والحكم الولائي ملزم ومعذر بلا ريب بمقتضى قوله تعالى: (اطيعوا اللّه واطيعواالرسول واولي الامر منكم) [النسا:59].

ومن المعلوم ان ولي الامر، وعلى ضوء من الزامه بعنصر «الشورى» وملاحظته ل «الاضوا الكاشفة» التي قدمها الشرع الشريف له، وكذلك ملاحظته لمصالح الامة العليا، يمكنه ان يصدر اوامره باعتماد الخطوط الاساسية الافضل لتحقيق تلك المصلحة حتى لو لم يتوصل هو شخصيا لحجية جميع الاحكام الكاشفة بل يستطيع ان يلزم الامة بحكم شرعي مستنبط على اساس شرعي من قبل غيره، كما انه يستطيع ان يلزم الامة كلها بالعمل بفتاواه بعد تحويلها الى احكام حكومية وعلى باقي المجتهدين العمل الاجتماعي وفقها تحقيقا لوحدة المسيرة الاجتماعية وعملا بمقتضيات طاعة ولي الامر.

وحينئذ، فاذا راى هذا الولي العمل بهذه الخطوط اصدر اوامره، باعتمادها ومنحها الحجية اللازمة وتحقق المطلوب.

وفي الختام، نسال اللّه، جل وعلا، ان يوفقنا لتطبيق احكام اللّه تعالى في الارض واستدامة الطريق الذي سلكه استاذناالامام الشهيد، ويقر عينيه بتحقيق اهدافه العليا.

اقتصادنا.. من وجهة نظر مختلفة دراسة في قراة نقدية متعسفة! الاستاذ محمد الحسيني كتاب «الاقتصاد الاسلامي بين فقه الشيعة وفقه اهل السنة قراة نقدية في كتاب اقتصادنا» هو كتاب من تاليف «ابوالمجد حرك» بالاشتراك مع «يوسف كمال»، في بحثين منفصلين.

قال الناشر: «انه كتاب يهدف الى تعرية كتاب ذائع الصيت يعني كتاب اقتصادنا مقابل بحسن ظن كبير، رغم احتوائه على حد تعبيره على اخطا منهجية قاتلة ونتائج فقهية ((170)). وقد ذكر الناشر ان المؤلفين لم يتقابلا ولم ير مضللة» احدهما الاخر ولو لمرة واحدة حتى كتابة هذه السطور وذلك للايحا بصدقية نتائجهما، وانها مما يمكن اكتشافه دونما تاثير من احد، ولكن رغم ذلك يلاحظ الباحث ان المقولات النقدية المزعومة واحدة وتكاد تكون نسخا متطابقة، ان لم تكن هي كذلك بالفعل.

جدير بالذكر ان من حق الكاتبين وغيرهما ان يسجلا تحفظاتهما على بعض المقولات العلمية التي اشتمل عليهاكتاب «اقتصادنا»، وهو منجز فكري نظير جميع المنجزات الفكرية التي تركها لنا المبدعون والمفكرون، ومع ذلك وقعت موقع النقد، بل ان مصيرها الى ذلك يعد اكبر شاهد على قيمتها العلمية واحترام المفكرين والمثقفين لها ولمنجزيها،والا لم تكن موضع عنايتهم ومحط انظارهم.

ولذا لم نفاجا بنقد كتاب «اقتصادنا»، وقد تمنى الشهيد الصدر ذلك كما يبدو في مقدمة كتابه، انما المفاجى للباحثين هومنطلقات هذا النقد التي تكشف عن نوايا ومعايير نقدية لا تنسجم مع روح البحث العلمي والاخلاق العلمية.

منطلقات النقد مطلع البحث الاول: «اقتصادنا كما نراه قراة متانية في كتاب اقتصادنا لمحمد باقر الصدر» بقلم «ابو المجد حرك»:

كتب حرك في الهامش: «قدم محمد باقر الصدر كتابه الى القرا تحت عنوان: اقتصادنا: دراسة موضوعية تتناول بالنقدوالبحث المذاهب الاقتصادية للماركسية والراسمالية والاسلام، في اسسها الفكرية وتفاصيلها». و«هذا العنوان الضخم آبهذه الديباجة يشكل من البداية احد المواضع، التي جانب المؤلف فيها الصواب، حيث جعل نقده حسبما يتضح من هذا التعريف، منصبا ايضا على المذهب الاقتصادي للاسلام، وهو ما لا نعتقد ان المؤلف قد قصد اليه» ((171)).

وفي الوقت الذي يلاحظ فيه الباحث الموقع العلمي الذي يحظ ى به السيد الشهيد الصدر في الاوساط الاسلامية السنية، وبخاصة في مجال الفقه الاقتصادي، فقد جات عبارات الكاتب «حرك» خلوا من ذلك، بل سيتضح بعد حين آفي هذه السطور ان «حرك» وصاحبه «يوسف كمال» ينعيان على علما الاسلام السنة تاثرهم بفكر السيد الشهيد في المجال الاقتصادي، وما يحظ ى به هذا الفكر من اكبار وتقدير. ولذلك وبكل اسف تبدو الفقرة التي صدر بها «حرك»بحثه، مشبعة بالاتهام والتشكيك بنوايا السيد الشهيد، وكانه في مهمة سبر لاغوار النفس والسرائر، بما يتنافى ومهمة الباحث وبخاصة في ظل فقدان القرائن التي يمكن ان تدعم مثل هذه القراة الاتهامية.

واذا كان الشهيد الصدر لا يقصدالتاسيس لخطاب اقتصادي اسلامي والكشف عن مذهب الاسلام في الاقتصاد كما يحاول تاكيده «حرك» فماذا كان هدفه؟! وما هي موضوعات البحث اذن؟! وقد استغرق السيد الشهيد في الحديث عن «المذهب الاقتصادي في الاسلام» اكثر من نصف الكتاب، التي زادت صفحاته على سبعمئة صفحة.

ومهما يكن من امر، فان منطلقات النقد عند «حرك» كما حددها نفسه ليست في الاطار العلمي وليست ذات صلة به، بل هي تنبع من رؤية خاصة يؤطرها الانتما الطائفي او المذهبي، كما يبدو ذلك، واضحا في خطاب «حرك» وزميله «كمال».

وربما تكفي صراحة «حرك» لتاكيد ما ذكرناه، فقد كتب في هذا الصدد: «.. من هنا، فان معرفتنا لانتما محمد باقر الصدر،كمؤلف شيعي المذهب، لا يجب ان تفارقنا طوال رحلة قراتنا للكتاب، وسنجد ان هذه المعرفة بالرجل، وبالمذهب،وبمنطلقاته الفكرية، قد قدمت لنا خير عون في تقييم الكتاب... غير ان سؤالا آخر كان ملازما لنا، منذ البداية، وهو: ان لم يكن بمقدور باقر الصدر التجرد عن تكوينه العقائدي، والفكري، فما هي المواطن التي ظهر فيها تاثره بالمذهب الشيعي واضحا في هذا الكتاب؟.. غير ان المحظور الذي حرصنا على عدم الوقوع فيه هو الا نندفع بدورنا الى ادانة هذا الجهدالمبذول لاكتشاف مذهب اقتصادي اسلامي بشكل مبدئي. وبنا على ذلك فلا نجد غضاضة في قبول ما توافق مع فقهنا السني من اجتهادات واحكام وهو قليل، مع ثبوت الحق في النقد والاعتراض على ما نراه مخالفالاصولنا الفقهية المعول عليها..» ((172)).

والكاتب «حرك»، وان حاول تلطيف عباراته احيانا، الا ان النقد عنده يقوم اساسا على منطلق طائفي ومذهبي ضيق،يكون فيه معيار النجاح والصحة والخطا هو توافق فكر الاخر مع فكره الخاص، وتطابقه معه تطابقا لا يسمح معه بالاختلاف في وجهات النظر، والا كان مجانبا للصواب، واصبح من تحصيل الحاصل ان يكون موقفه سلبيا من اشهرواعمق كتاب فقهي اقتصادي في المكتبة الاسلامية، باعتراف العلما من المدرسة الاسلامية والمدارس الفكرية الاخرى.

كتب «حرك»: «فالفكر الشيعي، والفقه الشيعي هو المكون الرئيسي اذن لفكر مؤلف «اقتصادنا»، ولا غنى عن معرفة هذه الحقيقة، التي اصبحت غير قابلة للنقاش، اثنا شروعنا في تناول موضوعات الكتاب بالعرض والتحليل» ((173)).

ولا يخلو تركيز «حرك» وزميله على الانتما المذهبي للشهيد الصدر من مغزى، لان انتما الشهيد الصدر الى مدرسة اهل البيت (ع) مما لم يخف على احد، من حيث لغته وادوات البحث عنده، ومعظم مصادره... ولذلك نرجح ان يكون هذاالتركيز نوعا من التحريض المذهبي والدعوة الى الانغلاق وتعميق الهوة بين اتباع المذاهب الاسلامية، والا فما ينقم به «حرك» وزميله على الشهيد الصدر من عنايته بفقه مدرسة اهل البيت (ع) ((174)) على حساب فقه مدرسة اهل السنة، لاتسلم منه كتابات علما اهل السنة في مجال الاقتصاد، اذ اقتصروا في ذلك على تراثهم الخاص، دونما اهتمام بتراث المدارس الفقهية الاخرى، وبخاصة مدرسة اهل البيت (ع).

وربما نجد العذر للسيد الشهيد ولغيره ايضا في ذلك، بما يمكن تسميته بالانس الذهني الذي يغلب على تفكيرهؤلا، فيانس كل واحد منهم بما حوله من تراث فقهي على حساب تراث المدارس الاخرى، بل يمكن ان يقال: ان الشهيد الصدر، وان بدا عليه تاثره بالمصادر الفقهية في اطار مدرسة اهل البيت (ع)، الا انه نقل كثيرا عن عدد غيرقليل من المصادر الفقهية الاسلامية الاخرى، والمصادر الحديثية ايضا، في وقت تخلو فيه كتب علما السنة في الحقل الاقتصادي من الارا الفقهية لمدرسة اهل البيت (ع) او احاديثهم.

على ان الاقتصار على بعض المصادر الفقهية، وفي اطار بعض المذاهب الفقهية، لا ينفي اسلامية هذه الرؤى والافكارولا يعمق المشكلة، وذلك لاشتراكها في عدد كبير من هذه المسائل الفقهية، بل ربما في القسم الاكبر منها.

كتب الدكتور محمد المبارك (احد ابرز مفكري اهل السنة المعاصرين) بصدد تقييم كتاب «اقتصادنا» ما نصه:

«اقتصادناللبحاثة الاسلامي المفكر السيد محمد باقر الصدر، وهو اول محاولة علمية فريدة من نوعها لاستخراج نظرية الاسلام الاقتصادية من احكام الشريعة الاسلامية، من خلال استعراضها استعراضا تفصيليا بطريقة جمع فيها بين الاصالة الفقهية ومفاهيم علم الاقتصاد ومصطلحاته. وقد جعل المؤلف كتابه في جزاين كبيرين، خصص اولهما لعرض المذهبين الراسمالي والماركسي ومناقشتهما ونقدهما نقدا علميا، والثاني لاستخراج معالم النظرية الاسلامية في الاقتصاد. وحبذالو ان المؤلف لم يقتصر في الارا الفقهية التي استند اليها على المذهب الجعفري وحده، كما فعل غالبا، وجعله شاملاللمذاهب الفقهية الاخرى، اذن لكانت الصورة اكمل واتم، وان كان هذا لا ينقص من قيمة الكتاب باعتباره معبراعن النظرية الاسلامية لاشتراك المذاهب كلها في هذه الارا اشتراكا يكاد يكون تاما، ولكن توسيع الاطار له دلالته البعيدة واثره المفيد» ((175)).

وعودا على بدء، يمكن تلمس التحريض المذهبي في خطاب «حرك» و«كمال» في عدة موارد يبلغ بعضها حدالاسراف،اذ يكتشف في بعضها كاتبنا «حرك» شيعية الشهيد الصدر: من التزامه بالصلاة على الال في كل مرة يصلي فيها على النبي(ص)، فقد كتب: «ويصادف القارى كتاب «اقتصادنا» في مواضع عديدة قول المؤلف عند ذكر النبي (ص): صلى اللّه عليه وآله (ص 401 مثلا). ونحن لا نعترض على ذلك في ذاته، الا اننا نراه من المؤشرات الدالة على صحة ما قررناه من تاثرالكاتب بمذهبيته. فمؤلف كتاب «اقتصادنا»، الشيعي المذهب، يكن من المعتقدات الشيعية كثيرا مما نعرفه، ونحن نعرف منها مثلا افتراات الشيعة على الصحابة، وبغضهم لعمر بن الخطاب وابي بكر الصديق... ويبدو ان باقر الصدر آحين شرع في كتابة كتابه هذا قد اخفق في التخلص من هذه المشاعر الشيعية ببغض الصحابة او اكثرهم، وبعدم الاعتراف بمشروعية الخلافة الاسلامية قبل وبعد خلافة علي بن ابي طالب..» ((176)). ولا ندري كيف اكتشف كاتبنا «حرك» شيعية الشهيد الصدر؟ وهو لم يخف انتماه الى مدرسة اهل البيت (ع)! بل لماذايخفيه؟! علاوة على انه معروف في الاوساط العلمية والشعبية، هذا اضافة الى انتمائه الى اسرة لا تخفي انتسابها ولاانتماها ايضا.

ولا ندري كيف تكون الصلاة على «الال» الميامين ذات مغزى! ونقل فضيلة ذلك صحاح اهل السنة وارباب المسانيدوالحديث الشريف ((177)). كما لا ندري كيف اكتشف كاتبنا «حرك» ان الشهيد الصدر لم يوفق للتخلص من عب ء العقائد الشيعية في كتابه «اقتصادنا»، بل وبالتحديد من بغض للصحابة، وعدم اعتراف بخلافة هذا او ذاك، اذ لم يدلنا «حرك» على المواطن التي تجلى فيها اخفاق الشهيد الصدر كما يدعي للتخلص من هذه الافكار!! واين تمظهر ذلك في كتابه موضوع النقد! واذا كانت منطلقات النقد عند «حرك» مذهبية ترتكز على تقييم الاخر من رؤية ذاتية، فهي كذلك عند «يوسف كمال» لاتشذ عما عليه محاكمات زميله «حرك» ومعاييره النقدية، هذا لو سلمنا انها معايير تستند الى الفقه السني، لاننا سنجدانها معايير يحكمها التعصب والانغلاق ايضا.

ومهما يكن من امر، فان مسوغ النقد ((178)) عند «كمال» لاقتصادنا يقوم على اساس مخالفة الخطوط الرئيسة في «اقتصادنا» لاصول اهل السنة الاعتقادية، وبناؤها لقواعد عقلية مصادمة لاصول فقه اهل السنة، ووصولها الى نتائج اقتصادية، مصادمة لفقه جماهير اهل السنة في الملكية والكسب والعقود. وبكلمة مختصرة: ان المشكلة تتمثل في انتما الصدر الى مدرسة اهل البيت (ع) وبما اسماه الكاتب بشيعية الصدر مذهبيا ((179)).

بل ان هذه الرؤية المذهبية الضيقة لا تشكل مسوغا نقديا عند «كمال» وحسب، وانما تشكل عنده مسوغا للالغا ايضا،فسيجد الباحث اسرافا في الجنوح وافراطا في الانحراف عن الضوابط العلمية للتقييم، اذ يعمد «كمال» في خاتمة المطاف الى التقييم النهائي ل «اقتصادنا» فيكتب في عدة سطور: «ومن الناحية الاقتصادية، فليس هنا جديد، لا في العرض، ولا في الاكتشاف، ولا في البنا حسب تعبيره. والكتاب بهذه الطريقة ينزع العقل المسلم من جذوره،ويسلمه الى متاهات لا ضابط لها..» ((180)). ويبدو الفرق واضحا بين رؤية متعصبة مفرطة في الغا الاخر، وبين رؤية تنتمي الى المدرسة نفسها مدرسة اهل السنة آوهي تعد «اقتصادنا» اول محاولة علمية تجمع بين الاصالة الفقهية والنضج الاقتصادي، على حد تعبير الدكتور محمدالمبارك احد ابرز مفكري مدرسة اهل السنة المعاصرين.

لكن لو سلمنا بتقييم «كمال»، وهو ينفي اي مظهر من مظاهر الابداع والتجديد في «اقتصادنا»، الا يحق لنا التساؤل عن سبب انبهار الباحثين الاسلاميين في المجال الاقتصادي بالصدر وتاثرهم بمنهجه كما يعترف به «كمال» وبما يعنون له في نقده! ب «نماذج لاثر الكتاب على المفكرين»، وهم كثر على حد تعبير «كمال» وفي مقدمتهم ابرز المفكرين الاقتصاديين الاسلاميين في مدرسة اهل السنة!؟ ((181)).

ومهما يكن من امر، فان تاثير العقيدة الشيعية من وجهة نظر «حرك» وزميله على اقتصادنا هو الخلل الكبير الذي يصادرجهود السيد الصدر ويجعلها بعيدة عن الاسلام وينزع العقل المسلم من جذوره على حد تعبير «كمال»!! هذه هي المنطلقات التي دعت «حرك وزميله» الى مهاجمة «اقتصادنا»، ومع انه من غير المنطقي ان يحاكم الباحث آراغيره وفقا لمعاييره الخاصة، فاننا نسال: ما هي هذه الاصول الاسلامية «السنية»! التي تجاوزها السيد الصدر واراد نقضهاوبنا اقتصاد اسلامي يتناقض معها تماما؟! ومن مجموع كلمات «حرك وزميله» يمكن ان نتبين اهم هذه «الاسس» التي شكلت اساس الفكر الاسلامي من وجهة نظر اهل السنة، بل ومن وجهة نظر الكاتبين بعبارة ادق وقد تنكر لها السيد الصدر.

اولا: مركز الحاكم الاسلامي تعليقا على ما ورد في «اقتصادنا» من ان «كل ما كان ملكا للمنصب الالهي في الدولة، فهو ملك للدولة ولمن يشغل المنصب اصالة او وكالة التصرف فيه وفقا لما قرره الاسلام»، استنكر «حرك» ان يكون هناك منصب الهي من المنظورالاسلامي، وتسال عما اذا كانت هناك مناصب الهية او غير الهية، وعما اذا كانت تشغل بالاصالة او الوكالة، مع انه كمااعترف لم يجد في «اقتصادنا» ما يوضح المراد من هذا المصطلح، ولذلك يرى «حرك» ان المصطلح المشار اليه مشبع بالفكر الشيعي ولا علاقة له بالنظرية التي يتبناها اهل السنة.

وبصدد بيان الموقف الصحيح من وجهة نظر حرك فانه يتصدى الى شرحه وباسهاب شديد، فيقول: «اما من وجهة نظرنا، فالحاكم في حقيقته مجرد فرد من افراد الامة، اختارته طوعا وكيلا عنها، لما يمتلكه من مؤهلات تراها الامة كافية لشغل هذا المنصب، والقصد من هذه الوكالة ان ينظر في تصريف امورها وتحقيق مصالحها، بالعدل والحكمة، وفقاللمقتضيات الشرعية... ومن هنا نفهم الزام الاسلام الحاكم باستشارة اهل الشورى الذين يحصلون على ثقة المسلمين،ويرى الاستاذ ابو الاعلى المودودي في (الحكومة الاسلامية): انه يجب على ولي الامر ان ياخذ بما يجمع عليه اهل الشورى واكثريتهم... فليس لولي الامر صفات خاصة تجعله طليق العنان في اختيار ما يراه... وطاعة ولي الامر مرهونة بطاعته للّه، اي طاعته لاوامره سبحانه، واقامته لحدوده، وعدم ظلمه للناس... ولكن اللّه (وحده) هو المطاع الرئيسي في النظام الاسلامي، وطاعة الرسول (ص) تاتي، لكونه مصدرا موثوقا به، تصل الينا عن طريقه احكام اللّه واوامره، فهي من طاعة اللّه اصلا... هذا هو اعتقاد اهل السنة في الائمة، ليس هناك عصمة، ولا ارتفاع فوق بشرية البشر ولا تمتع بخلافة تكوينية، تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات الكون كما يدعون» ((182)).

ويحسن ان نشير الى ان اهم ما يؤكده «حرك» هو: اعتبار الحاكم وكيلا عن الامة، وانه يتوجب عليه العمل وفقالمقتضيات العدالة والشرعية، وانه غير طليق العنان، ولا طاعة له باستقلال، وانه يتوجب عليه استشارة اهل الشورى والاخذ باكثرية آرائهم او الاجماع ان اتفق ذلك.

وهنا يمكن ان نشير الى ان ما يذكره «حرك» ليس شيئا مهما على مستوى التفاصيل، فهو عبارة عن مقولات عامة لايختلف عليها المسلمون عموما، وليس في المسلمين من يرى طاعة الحاكم ايا كان في عرض طاعة اللّه، ليقال له، كمايقول «حرك»: ان اللّه وحده هو المطاع الرئيسي في الفكر الاسلامي، ولا خلاف بين المسلمين في وجوب طاعة الرسول(ص). انما الخلاف بينهم في خليفة النبي (ص)، ومن هو صاحب الحق في تولي مهام النيابة عن النبي (ص): وما هي صفاته، على ان اختلافهم لا يضر في الاصل المذكور آنفا مما اشار اليه السيد الصدر من افتراض نيابة عن النبي (ص) بمااسماه بالمنصب الالهي في الدولة الاسلامية، على مستوى الحكم الولايتي وبصفته (ص) حاكما لا بوصفه نبيا، وبذلك يكون السيد الصدر قد احال على مسالة اولية، وهي المسالة الكلامية، مما لا مجال للبحث فيها، بل مما لا يمكن الخوض فيها، مع افتراض كونه بصدد صياغة نظرية اقتصادية اسلامية تنسجم وتتلام مع الخطوط الاسلامية العامة،بعيدا عن التفاصيل المذهبية، ولذلك اعط ى السيد الصدر لعبارته مما اعترض عليه «حرك» مرونة كافية تصلح لجميع الصيغ الكلامية، سوا على الصعيد الشيعي الاثني عشري في عصر حضور المعصوم او على الصعيد نفسه في غيبة الامام المعصوم، او على الصعيد السني ايضا.

وقد غفل «حرك» او تغافل عما ذكره الشهيد الصدر في هذا الصدد، وانه ليس في وارد البحث عن الصيغ الكلامية مما هوموضع النزاع والخلاف الكلامي بين المسلمين.

فقد كتب الشهيد الصدر في ذيل الفقرة التي نقل منها «حرك» ما نصه: «ومن الواضح ان هذا الكتاب ما دام يبحث في المذهب الاقتصادي، فليس من وظيفته ان يتكلم عن نظام الحكم في الاسلام، ونوعية الشخص او الجهاز الذي يصح ان يخلف الرسول شرعا في ولايته وصلاحياته، بوصفه حاكما، ولا عن الشروط التي يجب ان تتوفر في ذلك الفرد اوالجهاز، فان ذلك كله خارج عن الصدد. ولهذا سوف نفترض في بحوث الكتاب حاكما شرعيا، يسمح له الاسلام بمباشرة صلاحيات النبي كحاكم، ونستخدم هذا الافتراض في سبيل تسهيل الحديث عن المذهب الاقتصادي ومنطقة الفراغ فيه...» ((183)).

وقد تصدى الشهيد الصدر لبيان هذه الجهة في ما ذكره من اوجه الارتباط بين الاقتصاد الاسلامي وسائر العناصرالاسلامية الاخرى، فكتب في هذا الاتجاه ما نصه: «الارتباط بين الاقتصاد الاسلامي والنظام السياسي في الاسلام، لماتؤدي عملية الفصل بينهما في البحث الى خطا في الدراسة، فللسلطة الحاكمة صلاحيات اقتصادية واسعة، وملكيات كبيرة تتصرف فيها طبقا لاجتهادها. وهذه الصلاحيات والملكيات يجب ان تقرن في الدرس دائما، بواقع السلطة في الاسلام، والضمانات التي وضعها الاسلام لنزاهة ولي الامر واستقامته: من العصمة او الشورى او العدالة، على اختلاف المذاهب الاسلامية، ففي ضوء هذه الضمانات نستطيع ان ندرس مكانة الدولة في المذهب الاقتصادي، ونؤمن بصحة اعطائها الصلاحيات والحقوق المفروضة لها في الاسلام» ((184)).

وذكر المعنى نفسه في بحث تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ومسوغه الفكري الشرعي، فكتب في جملة ما كتب:«.. ولا خلاف بين المسلمين، في ان اولي الامر هم اصحاب السلطة الشرعية في المجتمع الاسلامي، وان اختلفوا في تعيينهم وتحديد شروطهم وصفاتهم. فللسلطة الاسلامية العليا اذن حق الطاعة والتدخل...» ((185)).

واذا كان الشهيد الصدر واضحا في لغته، مكرسا الاطار الاسلامي العام باعتباره الاطار الشامل لجميع المذاهب والتيارات والرؤى الاسلامية، فاين هذا الاطار المذهبي الضيق الذي يحاول «حرك» وزميله تغليف «اقتصادنا» به،وتقديمه للقرا بوصفه رؤية لا صلة لها بالاسلام حتى؟! والاكثر غرابة في ما ينقله «حرك» ما ذكره من تقييد «الحاكم»، وانه ليس لولي الامر صفات خاصة تجعله طليق العنان.. اوانه مقيد بحدود الوكالة، وكونه يصرف شؤون المسلمين وفقا لمصالحهم ووفقا للمقتضيات الشرعية، فانا لا ندري ما هوالسر في التاكيد على مثل هذه المقولات التي لا يختلف عليها اثنان؟! فهل عثر كاتبنا «حرك» على ما يوحي له باعتقادللشهيد الصدر على نحو مغاير، وبشكل يتناقض مع هذه المقولات؟! قد نلتمس لكاتبنا «حرك» العذر في التاكيد على هذه المقولات، ولكن للاسف عبارات الشهيد الصدر واضحة وجلية في استبعاد توهم من هذا القبيل، لانه الشهيد الصدر كان واضحا كل الوضوح في التاكيد على هذه المقولات، وكانه يستشرف المستقبل ويرى بعين القادم، وهو يدفع هذا التوهم، لكيلا يتهم او تحمل عباراته وكلماته ما لا تحتمل.

لقد كتب الشهيد الصدر في هذا الصدد: «فللسلطة الاسلامية العليا اذن حق الطاعة والتدخل لحماية المجتمع وتحقيق التوازن الاسلامي فيه، على ان يكون هذا التدخل ضمن دائرة الشريعة المقدسة. فلا يجوز للدولة او لولي الامر ان يحلل الربا، او يجيز الغش او يعطل قانون الارث، او يلغي ملكية ثابتة في المجتمع على اساس اسلامي، وانما يسمح لولي الامر في الاسلام بالنسبة الى التصرفات والاعمال المباحة في الشريعة ان يتدخل فيها، فيمنع عنها او يامر بها وفقا للمثل الاسلامي للمجتمع، فاحيا الارض، واستخراج المعادن، وشق الانهار، وغير ذلك من الوان النشاط والاتجار اعمال مباحة، سمحت بها الشريعة سماحا عاما، ووضعت لكل عمل نتائجه الشرعية التي تترتب عليه، فاذا راى ولي الامر ان يمنع عن القيام بشيء من تلك التصرفات او يامر به، في حدود صلاحياته كان له ذلك، وفقا للمبدا الانف الذكر» . ((186)) وكتب في موضع آخر: «وحدود منطقة الفراغ التي تتسع لها صلاحيات اولي الامر، تضم في ضوء هذا النص الكريم كل فعل مباح تشريعيا بطبيعته، فاي نشاط وعمل لم يرد نص تشريعي يدل على حرمته او وجوبه يسمح لولي الامرباعطائه صفة ثانوية، بالمنع عنه او الامر به، فاذا منع الامام عن فعل مباح بطبيعته اصبح حراما، واذا امر به، اصبح واجبا.واما الافعال التي ثبت تشريعا تحريمها بشكل عام كالربا مثلا، فليس من حق ولي الامر، الامر بها. كما ان الفعل الذي حكمت الشريعة بوجوبه كانفاق الزوج على زوجته لا يمكن لولي الامر المنع عنه، لان طاعة اولي الامر مفروضة في الحدود التي لا تتعارض مع طاعة اللّه واحكامه العامة..» ((187)).

وكتب في موضع آخر: «وفي المجال التشريعي تملا الدولة منطقة الفراغ التي تركها التشريع الاسلامي للدولة، لكي تملاها في ضوء الظروف المتطورة، بالشكل الذي يضمن الاهداف العامة للاقتصاد الاسلامي، ويحقق الصورة الاسلامية للعدالة الاجتماعية» ((188)).

وعليه، فاذا كانت صلاحية الحاكم المسلم من وجهة نظر الشهيد الصدر محدودة ومقيدة بالاهداف المحددة اسلاميا،وفي ضوء الصورة الاسلامية، وفي طول طاعة اللّه، فلا ياتي «حرك» بجديد وهو يتحدث عن تقييد صلاحيات «الحاكم»من وجهة نظر اهل السنة، لان هذه الصورة مما يشترك فيها المسلمون ولا يختلفون فيها، وان اختلفوا فانه اختلاف لايمس جوهر هذه الصورة.

على ان في آرا الكاتب «حرك» مصادرات فكرية لم يحسم فيها الجدل في دائرة اهل السنة، فضلا عن الدائرة الاوسع،ومن ذلك ما ذكره بشان الزام الحاكم باجماع اهل الشورى او اكثرية اصواتهم فيما نقله عن المودودي، لان مفكري اهل السنة انفسهم يختلفون في هذه المسالة، ويدور في ما بينهم جدل لم ينته الى اليوم، بين من يرى الزام الحاكم المسلم بذلك وبين من لا يرى ذلك كما هو راي الدكتور محمد سعيد البوطي احد ابرز مفكريهم في القرن الاخير. ((189)) وعندئذ يمكن ان نشير ومن دون مجازفة الى ان كاتبنا «حرك» غالبا ان لم يكن على الدوام ما يحاكم الاخرين وفقالاتجاهات فكرية معينة انس بها وتاثر، ليضفي عليها اطارا عاما وصفة شمولية، لتكون معاييره العامة التي يحتكم اليهاويدين وفقا لها، ويتهم الاخرين ان هم تنكروا لها.

على ان هناك من مفكري مدرسة اهل البيت (ع) من يتبنى الزام الحاكم المسلم براي اهل الشورى والاخذ بالاكثرية عندالاختلاف، وهو ما اختاره وتبناه الشهيد الصدر نفسه في كتابه «الاسلام يقود الحياة»، حيث كتب تعليقا على قوله تعالى:(وامرهم شورى بينهم) وقوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اوليا بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر) ما نصه: «فان النص الاول يعطي للامة صلاحية ممارسة امورها عن طريق الشورى ما لم يرد نص خاص على خلاف ذلك، والنص الثاني يتحدث عن الولاية، وان كل مؤمن ولي الاخرين. ويريد بالولاية تولي اموره بقرينة تفريع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه، والنص ظاهر في سريان الولاية بين كل المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية،وينتج عن ذلك الاخذ بمبدا الشورى وبراي الاكثرية عند الاختلاف» ((190)).

ويبدو ان «حرك» غير قادر على قراة افكار الشهيد الصدر بطريقة سوية، وذلك على خلفية التصنيف المذهبي مما اشرنااليه، وبما انعكس في عدد من التعليقات وبما لا ينسجم مع المنطق العلمي والنقد الموضوعي.

ولعل اسوا قراة له، قراته الشهيد الصدر في التمييز بين ما اسماه بملكية الدولة، وملكية الامام، وملكية الامة، اذ فهم «حرك» ان الشهيد الصدر يخلط على الدوام على حد تعبيره بين ملكية الدولة وملكية الامام واعتبارهما شيئاواحدا ، ولم ينس «حرك» تذكير القارى بخطورة هذا الخلط من جهة، وينبه على كون الحاكم وهو تنبيه سبق ذكره والاشارة اليه آمجرد وكيل للامة، في وقت يعد فيه الشهيد الصدر على حد زعمه ملكية الامام ملكية شخصية تخوله التصرف في املاك المسلمين واموالهم، كما يتصرف في املاكه وامواله الخاصة، كما هي سيارته الخاصة ومنزله الخاص ومتاعه الشخصي . ((191))

الصفحة السابقة

الصفحة التالية