الصفحة السابقة

الصفحة التالية

بالرغم من ان العملين الاولين من تاليف السيد محمود الهاشمي الا انهما من دروس الامام الشهيد. الافكار له والتحريرلاحد تلاميذه، وذلك مثل نسبة افكار مقالات «العروة الوثقى » للسيد جمال الدين الافغاني، بالرغم من ان التحريروالصياغة للامام محمد عبده ((122)).

واذا كان في علم اصول الدين اختلاف واضح في العقائد بين السنة والشيعة فان علم اصول الفقه يقل فيه الخلاف الى اقصى حد. انما يظهر التوتر فيه بين قطبيه، الاصل والفرع، النص والمصلحة، التقليد والاجتهاد، وهو توتر يشارك فيه اصول الفقه السني والشيعي على حد سوا.

وتوجد مصطلحات غير مالوفة في اصول الفقه الشيعي، مثل:

المجزية، التعهد، المرآتية، العلامية، التبادر، التعبدي،التوصلي، التجري، الانتزاعي، الظواهر، الانسداد، الاحتياط، التزاحم، التعارض غير المستقر، التعارض المستقر،الورود، الادلة المحرزة.. الخ تجعل الاصولي السني يشعر ببعض التجريد على مستوى المعنى وعدم الالفة والغرابة على مستوى اللفظ . ((123)) ومع ذلك، توجد مصطلحات مشتركة بين الشيعة والسنة، مثل: الوضع، الاوامر والنواهي، الحقيقة والمجاز، المطلق والمقيد، الخاص والعام، الواجب، الشرط، الصفة، الضد، القطع، الظن، الحجة، الامارة، القرينة، الدليل العقلي، الدليل الشرعي، الامتثال، الاجماع، البراة، الاستصحاب، التعارض، الترجيح.. الخ تجعل من السهل عقد المقارنة بينهما((124)). ثانيا: دلالات المباحث اللفظية من الواضح تركيز الامام الشهيد العلم كله على قطب واحد، كما يقول الغزالي، وهو طرق الاستثمار وليس الثمرة(الاحكام) او المستثمر (بفتح الميم)، وهي الادلة الشرعية الاربعة، او المستثمر (بكسر الميم)، وهو الفقيه او المفتي اوالمجتهد.

العلم هو منهجه قبل ان يكون موضوعه وغايته. ولما كان المنهج يتعلق بطرق الاستدلال، فقد غلب عليه المنطق. ولما كان منطق الاستدلال يتعامل مع النص، وهو الاصل والواقع، وهو الفرع، اصبحت مباحث الالفاظ اهم جانب في منطق الاستدلال. ولما كان الفرع هو الواقع الجديد الذي في حاجة الى دليل ظهر دور العقل والدليل العقلي على التقابل. ولما كان منطق الاستدلال لا يتم عن طريق ربط آلي بين الدليل اللفظ ي والدليل العقلي ظهرالاستصحاب.

وهو نوع من الادلة لا تمايز فيه بين النص والعقل، بل الدوران مع المصلحة العامة، فالمصلحة اساس التشريع. وهذا هوالسبب في قسمة علم الاصول قسمة ثلاثية: الدليل اللفظ ي، والدليل العقلي، ودليل الاستصحاب. وهو موقف ابن رشدنفسه في «الضروري في علم اصول الفقه » ملخصا المستصفى للغزالي واقطابه الاربعة الى قطب واحد هو قطب الامام الشهيد نفسه، طرق الاستثمار. فقد كان هم ابن رشد هو الهم نفسه، كيفية الاستدلال. واعمال العقل بين النص والواقع،بين الكليات والجزئيات ((125)). وقد بلغت مباحث الالفاظ من الاهمية لدى الامام الشهيد انه خصص لها مؤلفاباكمله من اجزا اربعة:

«مباحث الدليل اللفظ ي ».

ومن مجرد المصطلحات تبدو حداثة الامام الشهيد في استعمال لفظ «الدلالة »، وهو الذي اصبح موضوعا باكمله في احد فروع اللسانيات الحديثة هو «علم الدلالة ». كما يستعمل لفظ العلامة الذي اصبح هو ايضا موضوعا لعلم مستقل في اللسانيات الحديثة هو علم العلامات ((126)). توضع الدلالة اللفظية في النظرية العامة للدلالة على المعنى الحقيقي.ويعرض عدة نظريات فيها، مثل نظرية التعهد ونظرية الاعتبار، ثم ينتقل منهما الى نظرية الوضع. والدلالة الوضعية ليست تصورية او تصديقية بل متوقفة على الارادة من دون ان تكون قيدا عليها. الدلالة جماع الموضوع والذات، الوضع والقصد، اشتراك علاقة بين طرفين. ويدخل المعنى المجازي في نظرية الدلالة. فاللفظ يدل حقيقة كما يدل مجازا.الحقيقة والمجاز اول ثنائي لغوي في مبحث الالفاظ التقليدي يتحول عند الامام الشهيد الى جزء من كل. كما يوضح في نظرية الدلالة جميع الفاظ الاشتباه عندما يدل اللفظ على اكثر من معنى ابتدا من الحقيقة والمجاز، والظاهر والمؤول،والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، والمجمل والمبين، والمستثنى والمستثنى منه، بل الخاص والعام، والامروالنهي. جميعها من مباحث الالفاظ.

والعلامات ليست مجرد رموز اصطلاحية، ومواصفات اتفاقية، بل هي علامات حقيقية لتشخيص المعنى وتحويله من عالم الاذهان الى عالم الاعيان. وهي على انواع: علامات التبادر، وعلامات صحة الجمل، وعلامات الاطراد، وعلامات التعارض، وجميعها علامات على الحقيقة لها اثرها العملي ((217)).

وكما ان هناك منطقا صوريا ومنطقا تجريبيا ومنطقا للاستعمال، تاتي نظرية الاستعمال بعد نظرية الدلالة. واذا كان علم اصول الفقه هو علم نظري عملي كان من الطبيعي ان يكون منطقه منطقا للاستعمال. ولا يعني الاستعمال مجرد كيفية العامل مع الاداة، بل هو مرآة وعلامة. وهي مصطلحات وتصورات مستحدثة في علم الاصول. والاستعمال ايجاد،اقرب الى الفعل الخلاق منه الى الاداتية والوسائلية.

ويدخل الامام الشهيد، واضع «الاسس المنطقية للاستقرا»، الدليل الاستقرائي مع الدليل اللفظ ي والدليل البرهاني اوالعقلي. بل انه يعد القياس خطوة من الاستقرا. ويعد المصادر الظنية الخارجية مثل الاجماع، والشهرة، والخبر، وسيرة المتشرعة، والسيرة العقلانية من الدليل الاستقرائي غير المباشر. ويعني الاستقرا تكرار الافعال الجزئية من اجل استخلاص قاعدة عامة، ثم اصبح مجموع هذه القواعد علما مستقلا هو «علم القواعد الفقهية »، وهو ما يسمى ايضا عنداهل السنة علم «الاشباه والنظائر» والذي الف فيه ابن نجيم والسيوطي. ويسميه الشاطبي «الاستقرا المعنوي »، ويعني تكرار احكام رفع الحرج او الضرر حتى يمكن الانتها الى الاحكام العامة حتى ولو كان الاستقرا ناقصا ((218)).

ويغلب على كثير من مباحث الالفاظ ما وضعه اهل السنة ضمن المقدمات العامة الاولى عن المبادى اللغوية، كما هوالحال في «المستصفى » للغزالي، مثل الحديث عن اقسام الكلام: الاسم، والفعل، والحرف، والمعرفة، والنكرة، وازمان الفعل، وصيغ الخطاب ((129)). فعلم اصول الفقه يستمد بعض مواده من العلوم الاخرى، في ما يتعلق بالاخبار، التواتروالاحاد، مثل علم اللغة في مقدمة مبحث الالفاظ، وعلم الحديث في الدليل الثاني، السنة، وعلوم القرآن، في ما يتعلق بالنسخ في الدليل الاول، والمنطق واشكال القياس في ما يتعلق بالدليل الرابع.

لذلك يقسم الامام الشهيد مباحث الالفاظ الى تحليلية ولغوية.

التحليلية هي التي يسميها اهل السنة المبادى ء اللغوية،وهي مباحث الالفاظ التقليدية. وتضم التحليلية الحروف والهيئات، اي صيغ الخطاب، مثل الخبر والانشا والشرط،والهيئات الارادية وهي هيئة الفعل والمصدر والمشتقات، ثم وضع الحروف بالهيئات، واثر ذلك في الممارسات العملية ((130)).

ومبحث الاوامر والنواهي هو صلب مباحث الالفاظ التقليدية.

وهي ايضا مبحث من مباحث الدلالات العامة: دلالة مادة الامر، اي مضمونه من حيث العلو والاستعلا او الوجوب او الطلب.

فالامر فعل ارادي او طلب فعل. واهم صيغه التعبدي والتواصلي مع دلالته على الوجوب النفسي وتكراره. اما اجزا الامر فتتعلق بالوقت، اي زمان الفعل. ومقدمة الواجب تعني شرطه او اطلاقه بلا شرط. وهو واجب تجاه النفس وتجاه الغير. ومبحث الضد تقليدي، وهي مسالة هل الامر بالشيء نهي عن ضده. وفي الحالات الخاصة تثار مسائل الامر بعد الامر، والامر بالامر، ونسخ الامر. وفي كيفيات الامر يبحث موضوع التخيير، والكفاية، والعين، والغور والتراخي والقضا، والضيق والموسع، وكلها تحقيق الامر في الزمان. فالامر على هذا النحواشبه ببنية تجمع بين النص والواقع وفي وسطها الفعل. له ابعاد لغوية وسلوكية وواقعية في تادية الفعل في الزمان اكثر منه في المكان ((131)). ويتم التعرض لموضوع النواهي بالطريقة نفسها. ويقسمها الى قسمين: الاول: بحوث النواهي وتشمل الصيغة، واجتماع الامر والنهي، والفساد. والثاني: المفاهيم، وتضم معنى المفهوم، ثم بعض المباحث اللغوية التقليدية، مثل الخاص والعام، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين. فصيغ النهي تدل على الاستغراق، وتستدعي الامتثال، وتوفر الدواعي «الجامع الانتزاعي ». وقد تجتمع الاوامر والنواهي في الصيغة نفسها. فالفعل ترك ايجابي، والترك فعل سلبي. ولما كان الامر طلبا للصلاح فان النهي كف عن الفساد. اما المفاهيم فانها الاسس التي يرتكز عليها النهي مثل الشرط والوصف والغاية والاستثنا والحصر. الامر الذي يدل على رغبة الامام الشهيد في العرض النظري، وتحويل علم الاصول الى منطق شعوري خالص.

اما مباحث العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، فانها مباحث تقليدية مع قدر كبير من التجريد من دون اعطا امثلة توضيحية من الفقه او الدخول في مناقشات كلامية نظرا للتمييز بين العلمين: اصول الدين واصول الفقه.

انمايزيد الامام الشهيد تحليل الخطاب الشفاهي، ويضيف مفهومي الموافقة والمخالفة من لحن الخطاب ومفاهيم السياق عند اهل السنة. ويسترجع بعض المفاهيم الفلسفية الخالصة لمساعدة التحليل الاصولي على الوصول الى درجة عالية من التجريد، مثل قسمة المجمل الى مجمل بالذات ومجمل بالعرض ((132)).

ثالثا: منطق الاستدلال وعلم القواعد الفقهية وهو البعد الثاني في علم الاصول بعد مباحث الالفاظ والتحليلات اللغوية، انتقالا من منطق اللغة الى منطق العقل.ويتكون من اربعة اجزا: الاول الحجج والامارات التي تؤدي الى اليقين، او الظن، وهما اهم مقياسين في المعرفة.

وفي الاصول يسمى اليقين القطع كما هو الحال في التعبير المشهور: «قطعي الدلالة، ظني الثبوت ». والقطع عكس التجري،القطع يقين نظري وعملي في حين ان التجري ظن نظري ويقين عملي، وهو ما يعادل وضع خبر الواحد عند اهل السنة.التجري هو ظنية الدلالة، ومع ذلك يتم تنفيذ الفعل جريا ورا العادة او العرف ((133)). ويثبت الامام الشهيد حرمة التجري دفاعا عن القطع وضرورة اليقين المعرفي المسبق.

والقطع يقين مسبق لا تكفي فيه الامارة او العلامة او القرينة.

الامارة مؤشر على اليقين ودليل عليه وليس برهان اليقين نفسه. لذلك كان الدليل العقلي قطعي الدلالة، لانه برهان اليقين نفسه الذي يقوم على الاتساق وليس على مجردمؤشرات خارجية. اليقين الذاتي يتطلب «موافقة التزامية »، اي تصديقا برهانيا ذاتيا وانتسابا اليه. فالالتزام ليس فقط في السياسة والمواقف العملية، بل ايضا في المعرفة النظرية. والدليل العقلي ليس مجرد برهان عقلي، بل هو مفتوح على لحظة «الجعل »، اي رؤية الحقيقة نفسها وهي تتخلق، ولحظة «الكشف » وهي رؤية مباشرة وادراك حدسي لحظ ي، ولحظة «التنجيز» اي المشاركة في الحقيقة بادراكها اي باكمال خلقها. وهذه هي بقايا الجوانب العرفانية في اصول الفقه الشيعي.وفي نهاية المعرفة القطعية يتم الانجاز ويتحقق الامتثال الاجمالي، كما يقول الشاطبي في «الموافقات » وضع الشريعة للامتثال في احكام الوضع ((134)).

اما مباحث الظن فتدور جميعها حول الحجج الظنية، وهي ما يسمى بالحجج النقلية بمصطلحات علم الكلام، العقل في مقابل النقل. وهي حجج خارجية وليست داخلية، شواهد وليست مشاهدات. وهي ست حجج:

الاولى حجة السيرة، وهي نوعان: السيرة الشرعية مثل سيرة الرسول والصحابة والتابعين او حتى سيرة الامام المعصوم،السيرة الفاضلة، السيرة العطرة التي هي موضوع علم السيرة. وهي حجة ظنية نظرا لصعوبة الرواية، والتمييز بين ما هوذاتي وما هو موضوعي، بين الشخصي والعام، وهو ما سماه اهل السنة بين التاسي والقدوة. اما السيرة العقلانية فهي اكثريقينا لان السيرة الذاتية رؤية الحقيقة وهي تتخلق بوصفها برهانا ذاتيا وجوديا، تتكشف فيها الحقيقة، لا فرق فيها بين الذات والموضوع. مع ان فن السيرة الذاتية لم يكن شائعا في التراث الاسلامي ((135)).

والثانية حجة الظواهر، او الظهور، اي الكشف. فالظاهر هنا له معنى باطني وليس كاهل الظاهر الذين ياخذون بظاهرالنصوص. وقد يكون الظهور للسيرة الشرعية او السيرة العقلية. وكل ظهور اصيل، يعبر عما يظهر. الظهور ذاتي وموضوعي، تجل مدرك، رؤية كاشفة. ويثبت بالبرهان.

والثالثة حجة الاجماع، وهي حجة ظنية. اذا ما قورنت بالحجة العقلية كانت لطفا. تقوم على دليل شرعي. اذ الاجماع المنقول اضعف من الاجماع المركب، اي الوعي بالاجماع الذي يثبت بقانون العقل النظري ويكشف عن الواقع،التجربة المشتركة الباطنية التي يمحي فيها الفرق بين الماضي والحاضر . ((136)) والرابعة حجة الشهرة، وهي ما يعادل المشهور في علم الحديث والماثور في الاقوال عن السابقين. وقد يستند القول المشهور الى قاعدة فيقل ظنه ويزداد يقينه. وقد يعتمد على مجرد الروايات الخاصة فيزداد ظنه ويقل يقينه.

والخامسة حجة الاخبار، المتواتر او الاحاد. وهي ظنية كما هو الحال عند النظام الذي ينكر حجة الخبر والاجماع،لانهما شاهدان خارجيان عن يقين العقل ((137)). مع ان شروط التواتر تجعله اقرب الى اليقين، مثل العدد الكافي من الرواة واستقلالهم وتجانس انتشار الرواية في الزمان، والاخبار عن حس مع الاتفاق مع مجرى العادات. فيقين التواترتجريبي.

ويقين خبر الاحاد في تحليل شعور الراوي وضبطه، والاتفاق بين السمع والحفظ والادا.

والسادسة حجة الظن المطلق ودليل الانسداد. وهو اقرب الى الموقف المعرفي المبدئي باستحالة الوصول الى اليقين،كما هو الحال في موقف الشكاك. فلا يوجد الا الظن، واليقين وهم.

ويتعرض الجزء الثاني للبراة، والتخيير، والاحتياط، وربما الاستصحاب. وهي اقرب الى الاصول العملية منها الى الحجج النظرية. فالحجة ليست مجرد برهان منطقي او هندسي، بل هي بحث عن اساس نظري للعمل ويقين للسلوك.لذلك تم الجمع في عنوان واحد «مباحث الحجج والاصول العملية ».

ويعني الاصل العملي اليقين النظري الذي يستنداليه الحكم الشرعي. ولا فرق بين الاصل والاصالة في البراة والتخيير.

وتعني اصالة البراة ان الاشيا في الاصل على الاباحة، وان التحريم طارى عليها في اصول الفقه السني. وعند الامام الشهيد نوعان: البراة العقلية والبراة الشرعية. فالعقل لا يعرف الاثم. انما تاتي الاثام من الاهوا والنزوات. لذلك كان من صفات اللّه الارادة، اي عدم اتباع الاهوا. وهناك ادلة نقلية من الكتاب والسنة على البراة الشرعية، مثل رفع الحرج وعدم جواز تكليف ما لا يطاق، وعدم جواز المسالة قبل بعثة الرسل، واستقلال الانسان عقلا وارادة. كما تثبت البراة الاصلية بالاستصحاب، اي بطبائع الامور ومجرى العادات. والبراة لا تنفيها الشبهة الذاتية والموضوعية لان البراة اصل. وعلى اصل البراة تقوم التكاليف غير الالزامية.

ويعني اصل الاحتياط الحذر العقلي والحذر الشرعي وعدم المخاطرة. ويثبت بنص الكتاب مثل عدم القا النفس الى التهلكة، والاحتكام في حالة النزاع، والتقوى الباطنية، وعدم الفتوى بغير علم. فالاحتياط حذر علمي وعدم المجازفة باطلاق الاحكام من دون دليل كاف. والبراة والاحتياط لا يتعارضان. البراة يقين اصلي في حين ان الاحتياط ظن طارى. البراة اصل، والاحتياط فرع. البراة قاعدة، والاحتياط استثنا. البراة يقين، والاحتياط شك .

والاحتياط واجب في الشبهات. وهو الذي يؤدي الى قاعدة التسامح في ادلة السنن وعدم ضرب الاخبار بعضها ببعض، وافتراض حسن النية في الرواة، وتصديق المتون مهما بلغ الاختلاف في صياغاتها اللفظية. التسامح نوع من الاستحسان كما ان الاستصحاب نوع من الاستصلاح. وعلى اصالة الاحتيطيتم الترخيص اخذا بالاحوط ورفع الضرر. الاحتياط انجازللعلم من دون الوقوع في الشبهات، اقدام واحجام، تقدم وتراجع، يقين وظن، ثقة وشك، قاعدة واستثنا، معرفة وابتلا، علم اجمالي في موقف خاص ((138)).

وتعني اصالة التخيير ان الحرية الانسانية هي نسيج الافعال، وان الاوامر والنواهي ليست قوالب مفروضة على طبائع البشر، وان الاحكام الشرعية فرض والتزام. صحيح ان في السلوك الانساني يقينا مطلقا يتمثل ايجابا وسلبا في الواجب والمحرم، ولكن هناك افعال انسانية على الاختيار طبقا لقدرات كل فرد ايجابا وسلبا ايضا، وهما المندوب والمكروه. اماالمباح فهو فعل البراة الاصلية وكان شرعية الافعال في وجودها، وكان الطبيعة والشرع نظام واحد. والتخيير في التوصليات والتعبديات في آن واحد في الفرق بين الفروض والسنن. وهو ما يسمح بالتمايز بين الافراد والسبق والتنافس(فالسابقون السابقون)، (لمن شا منكم ان يتقدم او يتاخر) ((139)).

وهناك اصول اخرى اشبه بالقواعد مثل الاقل والاكثر. وهو المقياس الكمي في الافعال، شرائطها والتخيير بينها.

ويكون ذلك عن طريق الاستصحاب. وهو اختيار بين الميسور والمعسور طبقا لقاعدة الميسور ومن دون شك في الزيادة،وطبقالقاعدة: «لا ضرر ولا ضرار» ((140)).

ويعرض الجزء الثالث للاستصحاب، وهو بيت القصيد، وما يجتمع عليه اصول الفقه السني والشيعي. فهو الدليل الرابع من الادلة الشرعية عند الغزالي في «المستصفى » ، ويسميه دليل العقل او الاستصحاب ((141)). ويعني مصاحبة الدليل ثقة فيه حتى ولو كان ينقصه اليقين النظري المطلق. وهو اقرب الى الذوق الفطري الذي يعتمد على اللغة والمصلحة، شاقاطريقه بينهما باسم العقل والفطرة والذوق والطبيعة الخيرة، واجتماع مصادر معرفية متباينة ظنية تصبح نوعا من اليقين، وتحول انصاف الشكوك الى شبه يقين. هو استصحاب للكلي من مجموع الاجزا.

ويثبت الاستصحاب بتحليل مصادر المعرفة واسسها العملية وبالحجج النقلية وبالسيرة العقلية. وعادة ما يستخدم في لحظات الشك التقديري وغياب اليقين المطلق. فيكون استصحابا للكلي اي مجموع القرائن والامارات، واستصحاب الامور المقيدة بالزمان والعصر، اي الاعراف والعادات والمصالح المتعارف عليها، واستصحاب النسخ احساسا بالتقدم والتغير سلبا ام ايجابا نحو المنسوخ او نحو الناسخ. فالتغير ليس خطيا بالضرورة. قد يكون تقدما وقد يكون نكوصا.

ومع ذلك تظل الامارات والقرائن اقوى من الاصول العملية.

فالامارات مؤشرات على اليقين وطريق اليه، والاصول العملية اجتهاد في الحصول عليه. لذلك تتقدم الامارات على الاصول، تتقدم بالورود وبالحكومة وبالقرينة على اصالة البراة والاستصحاب.

فاذا ما تعارضت الاصول العملية يتقدم الاصل المحرز والسببي على غير المحرز السببي. وهنا يدخل التعليل عند اهل السنة بوصفه احدى طرق رفع التعارف بين الاصول العملية. فاذا كان التعارض عرضيا بينها كان تزاحما على الاصل في مرحلة الامتثال وتدافعا على منجزية الافعال ((142)).

ونظرا لاهمية تعارض الادلة الشرعية يصبح هو موضوع الجزء الرابع، وقد يخفف لفظ التعارض بلفظ التزاحم، اي تدافع الادلة نحو الاثبات نحو اتجاهات متباينة في الفعل وجميعها صحيحة.

التزاحم مقبول والتعارض له تراجيح بمصطلح اهل السنة. وينشا التعارض في الادلة الشرعية في الروايات، اما لجوانب ذاتية فيها او لتغير احكام الشريعة طبقا للنسخ اولضياع القرائن او للنقل بالمعنى من دون اللفظ او مراعاة لظروف الراوي او للتقية او بسبب سوء النية والقصد للدس والتزوير ((143)).

والتعارض نوعان: غير مستقر ومستقر طبقا لنظرية الورود، اي تقابل الادلة وتقاطعها وتزاحمها. ويكون الحل بالتراجيح،اي باولويات الادلة طبقا للقوة والضعف. القدرة العقلية مقدمة على القدرة الشرعية، وترجيح القدرات الشرعية بعضهاعلى بعضها الاخر طبقا لاولوياتها في القوة، وترجيح الاقل شكا على الاكثر شكا، والاكثر يقينا على الاقل يقينا. وقدتكون الاهمية مقياسا للترجيح طبقا للقدرة الشرعية، وترجيح الاسبق زمنا على الاحدث في الرواية وليس في النسخ.

وقد يغني التزاحم عن الترجيح طبقا لاحكام التزاحم، وهي انه لا يحدث الا في المتضادين، فيخرج الورود عنه اذاتوافرت القدرة الشرعية في الحالتين وكانا متزامنين، واذا توقف فعل الواجب على فعل المحظور. ولا يقع التزاحم الا بين الواجبات الضمنية مثل الضيق والموسع.

وقد تكون المرجحات ادلة عقلية او نقلية او قرائنية، العقل او النقل او الطبيعة اي الواقع الحسي. والقرينة قد تكون نوعية كلية او شخصية فردية. وظيفتها تخصيص العموم او تعميم الخصوص، اطلاق المقيد او تقييد المطلق. وقد تكون منفصلة او متصلة. والمتصلة اقوى دلالة واظهر بيانا . ((144)) اما التعارض المستقر فهو التعارض الذي يبدو احيانا بين الادلة في مقابل غير المستقر الذي يبدو عند بعضها دون بعضهاالاخر، او في حالة دون اخرى. وينشا من عدم المقدرة على استيعاب الرؤية الكلية للواقع المتشابه وللوجود الانساني المحمل بالامكانيات المتباينة. ويحل التعارض عن طريق تحديد مركزه بين الدليلين، تاسيس الاصل الذي يقومان عليه. وكل تعارض بين دليلين له حل ثالث خلافا لمبدا الثالث المرفوع في المنطق الصوري. ولا يتعارض الوضع والحكم، لان الاحكام وضعية بمصطلحات الشاطبي ولا يتعارض الشمول مع البدل كما لا يتعارض الكلي مع الاجزا. ويحل التعارض عن طريق تغيير النسبة بين الدليلين المتعارضين.

اما التعارض في الروايات فحله الاتفاق او الاختلاف مع الكتاب، مثل اخبار العلاج وابن الراوندي. كما يتم الترجيح بالشهرة والذيوع او الروايات القريبة من الحدث او بالصفات اي الاتفاق مع العقل. فنقد المتن مكمل لنقد السند((145)).

رابعا: تجاوز القدما لقد استطاع الامام الشهيد تجاوز اصول الفقه الشيعي عند القدما، واصبح من الائمة المجتهدين المعاصرين. كان لديه احساس بالجدة وبضرورة التطوير على ما يبدو من بعض عناوين مؤلفاته في علم الاصول، مثل «المعالم الجديدة للاصول ». وفي تاريخه للعلم يلاحظ ظهور «مدرسة جديدة » في علم الاصول ((146)). فالعلم نشا وتطور وانتهى في دورته الاولى طبقا لتطور الحضارة الاسلامية. ويمكن ان يعاد بناؤه من جديد في النهضة الاسلامية الثانية التي بدات منذ القرن الماضي. وتلك مسؤولية العلما المجتهدين. فالزمان يتغير، والعصر يتبدل، والمصالح لا تثبت على حال. ولما كان علم الاصول هو علم المصالح المتجددة وجبت اعادة بنائه طبقا لظروف العصر. فالعلما ورثة الانبيا، وليسوا من المستشرقين الراصدين للماضي او للمقلدين الذين يكررون ما ابدعه الاسلاف في ظروف عصرهم، الخارجين على الزمان والتاريخ ((147)). لقد توقف علم الاصول عن التجديد بسبب التقليد، والتحجر في الاصول الرسمية باسم السنة،وسبق السنة على الاصول الرسمية باسم السنة، وسيادة مدرسة الاخباريين التي يمثلها الاسترابادي بالرغم من ردمحسن الاعرجي عليه في «الرد على الاخباريين »، والتقوقع في المذهبية ((148)).

علم الاصول هو منطق الفقه، هو نظر العمل واساس الفعل، علم القواعد العامة للسلوك البشري. هو العقل النظري العملي الذي يجمع بين النظرية والتطبيق. يتفاعل الفكر الاصولي مع الفكر الفقهي. الكل مع الجزء، القاعدة مع المثل.لذلك خرجت قواعد عدم جواز التكليف بما لا يطاق، ولرفع الحرج، ولا ضرر ولا ضرار. ليست الغاية من علم الاصول وضع مجرد مناهج للاستنباط من اجل الاتساق المنطقي واحكام اشكال القياس.

بل الغاية هي العمل. لذلك سمي المنطق الاصولي منطق الاستعمال ((149)).

ويتمثل التجديد في نقد المدرسة الاخبارية التي تعطي الاولوية للرواية على الدراية، وللمنقول على المعقول، مدرسة الاثر التي تعطي الاولوية للنص على الواقع كان الغاية هي اثبات صحة النصوص وليس حماية المصالح، كما قال احدالشعرا المعاصرين: «واحتمى ابوك بالنصوص فدخل اللصوص ». فللدليل العقلي الاولوية على الدليل النقلي، واليقين الداخلي ياتي من العقل الخارجي بما في ذلك مصادر التشريع والنصوص المدونة، والاخبار المروية لا تعطي الا الظن بالرغم من التلازم، على مستوى المبدا بين حكم العقل وحكم الشرع. ويتم الدفاع عن العقل ضد منتقديه والمنتقصين منه. وهو يشبه ما قاله علما الكلام المتاخرون مثل: الايجي في «المواقف »، ان جميع الحجج النقلية حتى لو تضافرت لاثبات شيء صحيح ما اثبتته، ولظل ظنيا، ولا يتحول الا بحجة عقلية ولو واحدة. وبالرغم من تميز علم الاصول عن علم الكلام الا ان التحسين والتقبيح العقليين الشهيرين عند المعتزلة، بوصفهما احد اصولهم، احدى القواعد الفقهية في علم الاصول الجديد التي يمكن استنباط قواعد فقهية اخرى منها، مثل «قبح العقاب بلا بيان ». الدليل العقلي هو الدليل البرهاني والسيرة، وهي احدى الحجج الظنية التي تعادل الحديث نوعان: سيرة شرعية تعتمد على الروايات، وسيرة عقلية يتم فيها تحكيم قاعدة العقل اقرب الى اليقين . ((150)) والدليل الاستقرائي هو الوجه الاخر للدليل العقلي. فالقياس خطوة من الاستقرا. العقل لا يواجه نفسه بل يواجه الواقع.ولا يعمل بمفرده بل بالاشتراك مع الحس، ومن دون الوقوع في الاستقرا التجريبي الصرف الذي لا يمكن الانتها فيه من الجزئيات الى الكليات. فالاستقرا له اسس منطقية. ويسميه الشاطبي «الاستقرا المعنوي » ، اي تواتر الجزئيات على صحة الكليات ((151))، وهي بينة «الاسس المنطقية للاستقرا» نفسها في نقد المنطق العددي اي الصوري الخالص، ونقدالمنطق التجريبي، لصالح المذهب الذاتي للمعرفة، ابتدا من التوالد الموضوعي، وهو منطق الاحتمال الى التوالدالذاتي حتى الوصول الى المذهب الذاتي. فالمنطق ليس لصور الفكر واشكال القياس ولا للربط بين الوقائع الجزئية، بل هو منطق الذاتية والكشف ((152)).

وجميع هذه الادلة مرتبطة بالوجدان. فالعقل والحس، الاستنباط والاستقرا، كلاهما في الشعور، وسائل اثبات وجداني.

فالشريعة ليست مجرد اوامر ونواه مفروضة على الانسان ويقوم بتنفيذها على نحو آلي، بل هي تقابل الشرع والطبيعة، الوحي والوجدان بوصفه نوعا من الضمان النظري لتلقائية الطبيعة.

الاحكام الشرعية لها اسس نفسية،والوجوب والحظر نفسيان، واللغة لها مدلول نفسي. بل ان الادلة الشرعية الظنية كالخبر والاجماع والسيرة المتشرعة والدليل اللفظ ي تقل ظنيتها باليقين الوجداني. بل ان مصادر الشرع هي مصادر الالهام، اي الجانب الوجداني الذاتي في المعرفة الشرعية. لذلك اصبح للاستصحاب دور رئيسي في علم اصول الفقه. والاستصحاب هو جماع الادلة العقلية والنقلية والوجدانية، البداهة العقلية ونزول الوحي والطبيعة التلقائية. هو نوع من الذوق الفطري، القادر على معرفة احكام الشرع. فهو مثل الادلة الشرعية غير اللفظية مثل دلالة السكوت والسيرة ((153)).

ومصادر الالهام هي البحوث التطبيقية في الفقه التي يسميها المغاربة «النوازل »، والكلام، والفلسفة رغبة في تطوير العلم الى اقصى درجة من التجريد والتنظير، والظرف الموضوعي اي المجتمعات الراهنة، وعامل الزمن اي اللحظة التاريخية الراهنة، واخيرا عنصر الابداع الذاتي، وشجاعة المجتهد وغيرته على مصالح الامة وعلى بقائها في التاريخ.

والطبيعة البشرية لا تعرف الجبر واحادية الاتجاه. لذلك جا «التخيير» ضمن الاصول العملية للاستدلال. فالطبيعة مملوءة بالامكانيات، والفعل الشرعي بالرغم من ان له صيغة وجوبية فقط في الافعال، بل يكون ايضا في الروايات طبقالباقي الادلة.

الدلالة تابعة للاشارة وليست مجرد معنى مجرد. لذلك يظهر مفهوم الامتثال الكلي فالشريعة موضوعة للامتثال كما هو الحال عند الشاطبي، اي ان تتحول الى طبيعة اولى او ثانية.

الافعال لها زمن مضيق او موسع، ادا ام قضا، على الفور ام على التراخي.

ثم يبرز مفهوم «البراة » للتاكيد من جديد على ان الطبيعة خيرة، وان الاشيا في الاصل على الاباحة، وان الشر طارى على الانسان. وان الانسان بري ء بفطرته، خال من الشر، على نقيض الشريعة المسيحية التي تقوم على الافتراض الاخران الشر فطري في الانسان بفعل الخطيئة، ومن ثم فهو في حاجة الى مخلص ((154)). وذلك لا يمنع من الاحتياط والحذر. فالبراة لا تعني الثقة الكاملة بالنفس، بل الاحتراز من الشبهات. الطبيعة محملة بامكانيات عديدة في جميع الاتجاهات، والشرع يساعدها على الاتجاه نحو الكمال. فالاحتياط هو محطة انذار في اتجاه الطبيعة نحو الاقل كمالا ((155)).

واخيرا تظهر مفاهيم الواقع والوضع والعرف لتدل على «ان غاية الشريعة هي العالم والتوجه نحوه، والدخول فيه،والكدح والعمل من اجل عمران الارض وصلاحها. وتتفرع مباحث الوضع بدل حقيقة الوضع، وتشخيص الوضع،واقسام الوضع، والهية الوضع وبشريته. فالشريعة وضعية اي بناؤها في العالم. واحكام الوضع يصفها الشاطبي في خمسة: السبب، والشرط، والمانع، والعزيمة والرخصة، والصحة والبطلان. وفي حالة التعارض بين الادلة يتم الجمع بينها عن طريق العرف. والعرف هو قوة الاستعمال والعادة والالفة والزمن. والعرف هو جزء من الواقع، والدليل جمع بين الظاهر والواقع. والعقل النظري كشف عن الواقع وليس كشفا عن نفسه. فالظهور ذاتي وموضوعي، عقلي وواقعي((156)). خامسا: تجاوز المحدثين وكما تجاوز المحدثون القدما يمكن للمحدثين ان يتجاوزوا المحدثين الذين اصبحوا قدما بفعل الزمن. فما زالت هناك بعض الموضوعات في علم الاصول عند الامام الشهيد في حاجة الى مزيد من التجديد. فبالاضافة الى الاسلوب الشفاهي، اسلوب المحاضرات والدروس، وبالاضافة الى التكرار الذي يمكن تجنبه مع مزيد من التركيز، يمكن التخفف من العجمة اللغوية التي تثقل احيانا عمق التحليل النظري، وقد تمنع علما الاصول المحدثين من الدخول في علم الاصول الجديد.

وما زالت عقيدة الامام المعصوم قابعة داخل علم الاصول، مع انه علم له بناؤه الذاتي المستقل، ويقينه الداخلي الذي يتجاوز حتى الادلة الشرعية التقليدية، اللفظية والظاهرية والاخبارية والسيرة الشرعية بل حتى الاجماع. يتمايز علم اصول الفقه عن علم العقائد، وعصمة الائمة من عقائد الشيعة التي يمكن اخراجها من البنية الداخلية للعلم. فما دام الزمن متجددا، بعد زمن الامام المعصوم، فلم التوقف على زمنه وتحويله الى اصل، او دليل ثابت؟ كما ان الحديث عن الواجب التوصلي والواجب التعبدي يدخل العبادات داخل علم اصول الفقه المتعلق بالمعاملات.فالعبادات لا استدلال فيها. اما المعاملات المتجددة فهي التي في حاجة الى اجتهاد مواكب لها ((157)).

ويمكن اعادة عرض الادلة الشرعية الاربعة: الكتاب والسنة والاجماع والقياس، وابراز اهم صفتين في الكتاب وهما:اسباب النزول والناسخ والمنسوخ، اي حضور المكان والزمان داخل الوحي. الواقع يسال والوحي يجيب. فالاولوية للواقع على الفكر، وهو ما يظهر في الفاظ الواقع والوضع في علم اصول الفقه الجديد. وقد تبرز اسئلة جديدة تحتاج الى اجابات من الوحي، مثل السؤال عن الاستعمار والتخلف والصهيونية والفقر والقهر والتجزئة والتبعية والعولمة والعالم ذي القطب الواحد، فماذا يقول الوحي؟ ومثل الاحساس في بعض جوانب الفقه بانها قد ولى زمنها وعصرها، مثل فقه العبيد، وفقه الغنائم، وفقه العلاقات الدولية مثل: الاسلام او الجزية او القتال، ومثل بعض جوانب فقه النسا((158)).

ويمكن التحول في السنة من نقد السند الى نقد المتن، من تحليل شروط التواتر والاحاد والمشهور والمرسل والمقطع الى نقد المتن نفسه ومدى اتفاقه مع العقل والحس والوجدان والمصلحة العامة المتجددة. السنة بيان للقرآن وتوضيح عملي لبعض مبادئه، ومن ثم تكون علاقة القرآن بالسنة مثل علاقة السنة بالعصور المتتالية وقياس مدى الفارق الزماني في التطور بين الاصل والفرع. والسنة تجربة متميزة مثل التجارب النموذجية في حياة الابطال ((159)).

ويمكن ان يتحول الاجماع الى تجربة جماعية مشتركة، ولا يلزم الاجماع السابق الاجماع الحالي نظرا لتغير الظروف.فيتحول من ظن خارجي الى يقين داخلي، ويظل السؤال: من هم المجمعون؟ من هم اهل الحل والعقد؟ من هم علماالامة، فقها السلطان وفقها الحيض والنفاس ام فقها الامة، فقها الثورة والغضب؟ اما القياس فما زال آليا شكليا صوريا، مجرد قياس فرع على اصل. واقع على نص، مصلحة عينية على اصل لفظ ي. في حين ان هناك اشكالات كثيرة للاجتهاد، تم التركيز فيها على الاستصحاب بوصفه اصلا عمليا. وهناك ايضا الاستحسان والاستصلاح، وجميع اشكال المصالح المرسلة، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن.

وما يدعو للتجديد ايضا هو اولويات الادلة الشرعية الاربعة.

كانت عند القدما ترتيبا تنازليا. الكتاب، فالسنة، فالاجماع،فالقياس، لان الوحي كان لا يزال حديث العهد، وكان النبي (ص) ما زال بين اصحابه في حديثه المشهور الى معاذ قبل ان يتوجه لتولي القضا في اليمن. اما الان فيمكن اعادة ترتيب الادلة ترتيبا تصاعديا من القياس الى الاجماع الى السنة الى الكتاب. اذ تستلزم تحديات العصر الرئيسية، مواجهة الاستعمار والصهيونية والتخلف والتبعية والتشرذم، البداية بتحليل الواقع مباشرة، معرفة علله، اي بالاجتهاد، فان صعب يمكن التوجه الى اهل الاختصاص لمعرفة الحلول الجماعية. فان صعب يمكن بعد ذلك قراة السابقين في مدوناتهم ابتدا من الخبرات المتميزة حتى حكمة الشعوب على مر السنين ((160)).

ويمكن اعادة قراة مباحث الالفاظ واكتشاف البعد الفردي الحر فيها حتى يمكن التخفف من تصور الشريعة كانها قهرواجبار.

فالحقيقة والمجاز يدلان على بعد الصورة الفنية، وان الغاية من الحكم الاقناع قبل الامتثال، وان الخيال لايقل اهمية عن العقل، والظاهر والمؤول يدلان على اختلاف الناس في فهم النصوص طبقا لاعماق النص المساوقة لاعماق الشعور. الناس متفاوتون في فهمهم، والنص متنوع في دلالته، ومن ثم لا يوجد فهم واحد ووحيد للنص، الامرالذي يسمح بالفروق الفردية في فهم الاحكام. والمحكم والمتشابه. والمجمل والمبين يشير الى ان النص يوحي بمجموعة من المبادى العامة التي تتكيف حسب ظروف كل عصر، وان هناك مساحة واسعة للاجتهادات في الفهم والتفسير طبقا لطبيعة المجتمعات وتباينها. والعام والخاص يبرزان البعد الفردي للاحكام وحضور الفرد داخل الحكم.والامر والنهي يتعلقان بالافعال، وان غاية الشرع ان يصبح منطق سلوك واساسا نظريا للفعل بين الاقدام والاحجام.

ولم يتعرض المحدثون لمنطق السياق، فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، ومفهومي الموافقة والمخالفة كثيرا. وهو مايتجاوز مبحث الالفاظ الى مباحث اللغة واللسانيات، النبرة والصوت، المنطوق والمسكوت. فالنص ليس مجموعة من الالفاظ، بل سياق وايحاات وايماات وتوجهات واشارات كما لاحظ الصوفية. ويمكن لمباحث التعليل التي اغفلها المحدثون ان تربط بين النص والواقع وان تساعد على صياغة المنطق التجريبي ومنهج الاستقرا وطرق اقتناص العلة مثل السبر والتقسيم. التعليل انموذج الجمع بين الاستنباط والاستقرا والاستصحاب.

اما المقاصد والاحكام التي حاول الشاطبي بلورتها فانها تعد آخر ما وصل اليه آخر القدما من تجديد لعلم اصول الفقه لاول المحدثين. وهي نوعان: مقاصد الشارع ومقاصد المكلف.

ومقاصد الشارع خمسة: وضع الشريعة وهي المحافظة على الضروريات الخمس: النفس او الحياة، والعقل لما كانت الحياة هي الحياة العاقلة، والدين اي الحقيقة الثابتة التي يمكن ان يلتقي عليها العقلا في مواجهة النسبية والشك، والعرض بالمعنى الواسع، ويعني الكرامة والعزة، العرض الخاص والعرض العام. فالارض عرض، والمال ويعني ثروات الامة، المال الخاص والمال العام. ثم وضع الشريعة للافهام. فكل شيء في الشريعة يدركه العقل. ولا شيء في الشريعة غير معقول والا لم يكن ملزما. فالعقل اساس الشرع.ومن ثم لا يمكن تطبيق الشريعة آليا من دون فهم، واجبارا من دون ادراك كما يحدث حاليا في فرض احكام الشريعة على المسلمين وغير المسلمين من دون افهام الناس مثرها ورعايتها للمصالح العامة. ثم وضع الشريعة للامتثال اي للتمثل وتحويلها من امر الى فعل، ومن نهي الى ترك، ومن نصوص واحكام الى افعال ارادية طبيعية. ثم وضع الشريعة اخيرا للتكليف اي للتطبيق. فالتطبيق لا ياتي في البداية بل في النهاية، ثمرة وليس بذرة، عربة وليس حصانا. اما مقاصدالمكلف فهي النية، فالاعمال بالنيات، الامر الذي يقضي باستبعاد سوء النية والتظاهر بالفعل من دون اساس، وبخاصة في العبادات.

اما الاحكام فهي ايضا قسمان: احكام الوضع واحكام التكليف.

تدل احكام الوضع على ان كل حكم، امرا او نهيا، هو في الحقيقة ليس حكما صوريا في صيغة «افعل » او «لا تفعل » بل هو بنية الفعل في العالم ومجاله الحركي. وهي خمسة ايضا: السبب اي ان كل فعل له سبب، ولا توجد افعال بلا اسباب، فلا عبث في الطبيعة ولا يعني السبب هنا العلة الفاعلة بل العلة الغائية، فالسبب الفاعل هو الغاية، السبب الذي يجذب الى الامام اكثر من العلة التي تدفع من الخلف. ثم الشرط وهو الظروف المادية التي فيها يصبح العلم ممكنا. هو سباق الفعل ابتدا من القدرة حتى التحقق. اذا توافر الشرط تحقق الفعل. واذا لم يتوافر لم يتحقق الفعل. فشرط حد السرقة الوفرة والكفاية واشباع الحاجات الاساسية. فان لم يتوافريتوقف الحد. ثم المانع وهو العقبة التي تمنع من تحقيق الفعل. فالجوع مانع من تطبيق حد السرقة. المانع هو الشرط السلبي اي غياب الشرط وتحول هذا الغياب الى عقبة. ثم العزيمة والرخصة وهما شكلان للفعل في حالتيه المثلى اوالواقعية، طبقا لقدرات الانسان البدنية طبقا لقاعدة: «لا ضرر ولا ضرار»، و«ان الضرورات تبيح المحظورات »، واتفاقا مع المحافظة على الحياة المقصد الاول للشارع. واخيرا الصحة والبطلان، اي ان الافعال قد تكون صحيحة من حيث الشكل، باطلة من حيث المضمون، حماية للانسان من التحايل على الشرع، مثل من يسافر قصدا للافطار في رمضان.

اما احكام التكليف فهي ثمرة علم اصول الفقه. وهي خمسة ايضا: اثنان في الحد الاقصى ايجابا وسلبا وهما الواجب والمحظور، الفعل المطلق بين الامر والنهي، الفعل والترك، ازدهار للطبيعة وكمالها بالفعل وحماية لها وجوداونمابالترك. وهناك اثنان بين الفعل والترك اختيارا من الانسان لو شا فعل ولو شا ترك، وهما المندوب والمكروه افساحا للمنافسة في الخير، فالسابقون السابقون.

واخيرا هناك منطقة وسط ى بين الايجاب والسلب، بين الضرورة والاختيار، منطقة الفعل الطبيعي الذي توجد شرعيته في داخله وليس في خارجه، وهو المباح. فالطبيعة بما تمثله من براة قادرة على ان تفعل من دون احتراز او احتياط وحتى لا تصبح الشريعة مغلفة لكل شيء، مغطية لكل فعل.

الشريعة تنظيم للطبيعة عن خروجها الى حدودها القصوى نحو الاطراف.

تجديد علم الاصول تيار مستمر عبر التاريخ منذ «الرسالة » للشافعي حتى العدة «للطوسي » و«الموافقات » للشاطبي و«المعالم الجديدة للاصول » للامام الشهيد محمد باقر الصدر. فكما استطاع تجاوز القدما يستطيع المحدثون تجاوزه حتى نصبح نحن المحدثين قدما حتى يرث اللّه الارض ومن عليها.

حول منهج الشهيد الصدر(قدس سره) في معرفة المذهب الاقتصادي الاسلامي ودفع الاشكال عليه

 
الشيخ محمد علي التسخيري

 مقدمة

 
من الظواهر الواضحة في فكر الامام الشهيد الصدر (قدس سره) مسالة التنظير.. فالذين عرفوه وتتلمذوا عليه يواجهون هذه الظاهرة، بكل وضوح، اينما اتجهوا في ابعاد هذا الفكر الرحيب.

فهو، رحمه اللّه تعالى، ينظر فلسفيا واصوليا كماينظر فقهيا وفكريا وحتى حينما يدرس التاريخ، او يحاول استعراض العلاقة بين البشرية وخالقها ومسؤولياتها، يطرح مثلا فكرة نظرية تستوعب التاريخ والانسان واهداف خلقته وذلك في اطار العلاقة بين خط الخلافة وخط الشهادة.

منهج الامام الشهيد في اكتشاف المذهب الاقتصادي الاسلامي ويمكن تلخيص هذا المنهج بالخطوات الاتية:

1- عمل على التفريق بين البحوث العلمية والبحوث المذهبية على اساس من ان العلم يعنى بما هو كائن وان المذهب يركز على ما ينبغي ان يكون. ومن هنا فان المذهب يعنى بموضوع «العدالة الاجتماعية، اما العلم فهو يفسر الواقع بصورة منفصلة عنها» ((161)). 2- كما فرق بين المذهب والقانون، باعتبار المذهب مجموعة من النظريات الاساسية التي تعالج مشاكل الحياة الاقتصادية، في حين يركز القانون المدني على تفصيلات العلاقات المالية بين الافراد وحقوقهم الشخصية والعينية،ولاجل ذلك يكون «من الخطا ان يقدم الباحث الاسلامي مجموعة من احكام الاسلام التي هي في مستوى القانون المدني حسب مفهومه اليوم ويعرضها طبقا للنصوص التشريعية والفقهية بوصفها مذهبا اقتصاديا اسلاميا، كما يصنع بعض الكتاب المسلمين، ولكن تشد الاثنين روابط قوية باعتبارهما مندمجين في مركب عضوي نظري واحد» ((162))،وعليه يكون القانون بنا علويا للمذهب.

3- اكد على ان العملية التي يقوم بها الباحث الاسلامي ليست عملية ايجادية تكوينية لمذهب ما كما هو حال المنظرالوضعي، وانما هي عملية اكتشاف لمذهب. ذلك انه امام اقتصاد منجز (تم وضعه وهو مدعو لتمييزه بوجهه الحقيقي وتحديده بهيكله العام)، ومن هنا اختلفت خصائص العمليتين.

فالمكون ينطلق اولا من معرفة الواقع القائم لوضع النظريات العامة للمذهب لتقوم عليها الابنية العلوية من القوانين التفصيلية، اما المكتشف فهو يبدا بعملية النزول من الطوابق العلوية لاكتشاف اعماقها النظرية، وقد يمكن للمكتشف لا ان يعثر على الخطوط النظرية من النصوص فحسب، بل حتى على الواقع العلمي الذي قامت عليه النظرية المذهبية (من قبيل اكتشاف موقف الاسلام من نظرية «مالتوس » العلمية).

4- اكد انه، لكي يتم اكتشاف المذهب، لا يجدينا عرض مفردات الاحكام التفصيلية بل يتحتم علينا ان ندرس كل فردباعتباره جزءا من كل، وجانبا من صيغة عامة مترابطة لننتهي الى اكتشاف القاعدة العامة التي تشع من خلال الكل((163)).

5- وكما تسهم الاحكام في عملية الاكتشاف، فان المفاهيم تشترك ايضا في ذلك، ونقصد بالمفهوم: كل تصور اسلامي يفسر واقعا كونيا او اجتماعيا او تشريعيا.

فالاعتقاد بصلة الكون باللّه تعالى هو مفهوم معين عن الكون.

والاعتقاد بان المجموع البشري مر بمرحلة الفطرة قبل الوصول الى مرحلة العقل هو مفهوم اسلامي عن التاريخ والمجتمع.

والاعتقاد بان الملكية ليست حقا ذاتيا وانما هي عملية استخلاف للانسان على مال هو للّه تعالى يشكل مفهوما عن الملكية.

وهذه المفاهيم يمكنها ان تساعدنا في اكتشاف المذهب. 6- ويلزم، هنا، ان نلتفت الى منطقة الفراغ عند القيام بعملية الاكتشاف المذهبي، ذلك ان النظام الاقتصادي يشتمل على جانبين: احدهما مملوء بشكل منجز، والاخر متروك امره للدولة الاسلامية، ومن هنا فقد طبق الرسول الاكرم (ص)الجانب الاول، وملا الجانب الثاني باعتباره ولي الامر، ورغم ان الاوامر التي تصدر على اساس من ولاية الامر لا تعبر عن احكام ثابتة الا انها (اي اوامر الرسول العظيم (ص) في مجال ملء منطقة الفراغ) تلقي اضوا كاشفة على اساليب الملءلهذه المنطقة بما ينسجم وتحقيق الاهداف الاقتصادية العليا ((164)). 7 وقد ذكر المرحوم الشهيد ان الاحكام والمفاهيم لما كانت هي الباب الذي نلج منه الى الخطوط المذهبية، ولما كانت النصوص الدينية في الغالب لا تعطينا هذه الاحكام والمفاهيم بشكل مباشر، بل تحتاج الى اجتهاد معقد لمعالجة تلك النصوص واكتشاف مضامينها، وعليه فان «الصورة التي نكونها عن المذهب الاقتصادي، لما كانت متوقفة على الاحكام والمفاهيم فهي انعكاس لاجتهاد معين.. وما دامت...

اجتهادية فليس من الحتم ان تكون هي الصورة الواقعية، لان الخطافي الاجتهاد ممكن. ولاجل ذلك كان من الممكن لمفكرين اسلاميين مختلفين ان يقدموا صورا مختلفة للمذهب الاقتصادي، تبعا لاختلاف اجتهاداتهم، وتعتبر كل تلك الصور صورا اسلامية للمذهب الاقتصادي لانها تعبر عن ممارسة عملية الاجتهاد التي سمح بها الاسلام واقرها، وهكذا تكون الصورة اسلامية ما دامت نتيجة لاجتهاد جائزشرعا» ((165)).

ونلاحظ، هنا، ان الاجتهاد يتم في مرحلتين:

الاولى: مرحلة اكتشاف الحكم او المفهوم من النصوص.

والثانية: في مرحلة استنباط الخط المذهبي من مجموعة من الاحكام والمفاهيم المنسجمة في نظر المكتشف في مجال الكشف عن ذلك الخط.

الصفحة السابقة  

الصفحة التالية