الصفحة السابقة

الصفحة التالية

وبذلك يطيح «الاسس المنطقية» بحجرة من البنا الذي شيدته المدرسة العقلية، والذي اسس عليه الشهيد الصدر في فلسفتنا.

وهل يعني هذا ان الشهيد الصدر اضحى تجريبيا برفضه لاساس من اسس المنطق الارسطي؟ ان المخاض الفكري الذي مر به الشهيد الصدر، في عقده الرابع، وفي كتاب «الاسس المنطقية» بالذات، لا يجيز هذاالتعجل في الاستفهام او الحكم. فالبنا المعرفي الذي اختاره الشهيد الصدر جديد على المدرسة العقلية، كما هو جديدعلى التجريبيين، وهو اعمق كثيرا من العجالة في الاحكام، ويستدعي صبر الباحثين، بغية ان يتم فهمه واستيعابه! ان «مشكلة الاستقرا»، لا تنتهي بالاستعانة بالمبدا العقلي المتقدم فحسب، فالمبدا العقلي المتقدم يعالج صوريامشكلة الطفرة، فيضع الاستقرا في قالب قياس منطقي مضمون النتائج في ضوء معالجة المنطق الارسطي ، ولكن تبقى هناك مشكلتان لا بد من تجاوزهما قبل ذلك: اننا حينما نلاحظ ان الحديد يتمدد كلما سلطنا عليه الحرارة نستنتج ان الحرارة سبب لتمدد الحديد، ولكي ننتقل الى القاعدة: «كل حديد يتمدد بالحرارة»، علينا اولا: ان نثبت ان التمدد بوصفه حادثا بحاجة الى علة، والا فمن الممكن ان يكون تمدد الحديد حادثا بلا سبب، ولا علاقة للحرارة بتمدده سوى الاتفاق المطلق.

وعلينا ثانيا: ان نتاكد من استبعاد امكان تسلط الحرارة على الحديد، من دون ان يتمدد في بعض الحالات.

ثم تطرح، بعد ذلك، المشكلة الثالثة، وهي: من قال لكم ان اقتران التمدد بتسلط الحرارة على الحديد ليس امرا اتفاقيا، لاعلاقة له بكون الحرارة سببا لتمدد الحديد؟ عالج العقليون المشكلتين: الاولى والثانية على اساس مبدا العلية، ثم وضعوا الاستقرا في قالب القياس بمعالجة المشكلة الثالثة، كما اشرنا.

اما المدرسة التجريبية فازمتها مع المشكلات الثلاث ازمة حادة، اذ انها رفضت كل معرفة قبل التجربة والاستقرا، فانى لها من معالجة «مشكلة الاستقرا» بعد ذلك؟ لقد اتى التجريبيون على معالجة مشكلة الاستقرا، وتنوعت حلولهم، تبعا لتطور المدرسة التجريبية، وقد جات جميع هذه المعالجات من دون ان تقر بمبدا العلية في تفسيره العقلي.

فالعقليون يرون «العلية» علاقة بين مفاهيم وفئات وليست علاقة بين مفردات، وهي علاقة الضرورة، ولا يرى التجريبيون «السببية» الا علاقة مطردة بين الافراد.

بل تتجه المدرسة العقلية الى اعتبار «مبدا العلية» معرفة عقلية اولية سابقة على التجربة والاستقرا.

وقد حاول بعض الفلاسفة العقليين اقامة الدليل على «العلية» بوصفها علاقة الضرورة بين الاشيا.

وعند هذه المحاولة، بدا الشهيد الصدر جولته الثانية مع المدرسة العقلية، حيث لم يكتم رفضه لدليلي «الاسفار»و«اصول الفلسفة» على فكرة الضرورة التي يتضمنها مبدا العلية في تفسيره العقلي، مشيرا الى ان الدليل الاستقرائي في ضوء الاسس والتفسير الذي طرحه له لا يحتاج الى اخذ مبدا العلية مصادرة، لا في تفسيره العقلي، ولا في تفسيره التجريبي، الذي اعتمده جون ستيوارت مل.

واخيرا، وقف عند الاتجاه الاحتمالي في معالجة «مشكلة الاستقرا»، الذي اقام معالجته على اساس حساب الاحتمال.مشيرا الى عجز هذا الاتجاه ايضا عن الافادة السليمة من مبادى الرياضيات، التي سيعتمدها بدوره في معالجة مشكلة الاستقرا.

ثم اتى حساب الاحتمالات، فثبت ما تعارف عليه الباحثون الغربيون من بديهيات لهذا الحساب، مدللا على عدم وفائهاللسير بالدليل الاستقرائي باتجاه التصديق الاحتمالي بنتائجه، مضيفا بديهيات اخرى تعاضد البديهيات السالفة، لكي يقوم الاستقرا على سوقه.

ثم امسك حساب الاحتمال ببديهياته التي اكتشفت له. ووفق التفسير الذي طرحه له، ليتخذ منه اداة في معالجة «مشكلة الاستقرا».

وقد انتهى الى ان الدليل الاستقرائي، اعتمادا على اساسه الرياضي، يمكن ان يبلغ بالحكم العام الى درجة تصديقية احتمالية عالية.

وحتى هذه المرحلة من البحث دلل «الاسس المنطقية للاستقرا» على ان الدليل الاستقرائي يعتمد بديهيات قبلية هي: ا بديهيات حساب الاحتمال.

ب الايمان القبلي بمبدا استحالة اجتماع النقيضين.

مضافا الى ذلك احتمال صحة المبدا العقلي في تفسير «العلية» وفقدان المسوغ القبلي لرفض ذلك المبدا.

واثبت ان مبدا استحالة التناقض، الذي تعده المدرسة العقلية الشرط الاساس لكل معرفة بشرية، شرط ضروري قبلي،لكي ينمو العلم بنتيجة الاستقرا والتجربة. والا فلا امكان مع الايمان بامكان اجتماع النقيضين لاي نمو في حساب احتمالات القضية المستقراة.

كما ان الموقف السلبي المسبق من التفسير العقلي للسببية يفضي الى تعطيل الدليل الاستقرائي عن نموه الاحتمالي،وبذلك سجل اول انتصار للمدرسة العقلية واول دفاع عنها بسلاح المذهب التجريبي نفسه.

كما اثبت، ايضا، ان احتمال مبدا العلية، في تفسيره العقلي، ينمو في كل تجربة واستقرا بالدرجة التي تنمو فيها القضية المستقراة، ومن ثم يمثل اعلى درجات التصديق الاحتمالية، التي تتمتع بها التجارب البشرية المجمع على صحتها.

وبعد ان انتقل، في مرحلة لاحقة، بالدليل الاستقرائي من مرحلته الاحتمالية الى مرحلة اليقين من خلال دراسة علمية مجهدة اتى على تحليل الموقف من المعرفة البشرية في ضوء ما سماه «المذهب الذاتي» مقابل المذهبين: التجريبي والعقلي.

المعرفة البشرية في ضوء المذهب الذاتي تجدر الاشارة، مرة اخرى، الى اننا نعرض النتائج التي آل اليها بحث «الاسس المنطقية للاستقرا» من دون ان نباشرالحديث عن هذا البحث العلمي، تاركين المجال امام من اراد، قناعة او تقويما لهذه النتائج، لكي يعود الى قراة كتاب «الاسس المنطقية» عله يتفاهم مع هذه الدراسة، ويطلع على الاساس الذي انطلقت في ضوئه النتائج التي نعرضها،فيقيم قناعته على بينة، او يرفض بدليل! ما المانع من ان نضع نتائج «الاسس المنطقية» في الاطار الذي رسمه الشهيد «مطهري» لبحث المعرفة البشرية في مشكلاتها الثلاث، والذي طرحته موسوعة الدكتور بدوي ايضا، عسى ان يسهم هذا الوضع في انسجام مرحلتي المقارنة في بحثنا القائم؟ 1 قيمة المعرفة تكشف المعارف البشرية عن الواقع الخارجي، وتتطابق مع هذا الواقع، وهذه ليست النتيجة الجديدة التي اتى بها كتاب «الاسس المنطقية للاستقرا»، بل هي ما ادعته المدرسة العقلية عينه، وهي الاتجاه الذي تبناه كتاب «اصول الفلسفة»وكتاب «فلسفتنا»، كما لا تتعارض مع الموقف المبدئي الذي تتبناه جميع الاتجاهات الواقعية في تفسير قيمة المعرفة البشرية، بما فيها المادية الجدلية.

انما الجديد في «الاسس المنطقية» هو انه اكتشف سبيلا مبتكرا لاثبات موضوعية المعرفة البشرية، والتدليل على الواقع الخارجي، كما استخدم السبيل نفسه في اثبات التطابق والتماثل بين محتوى المعرفة والواقع.

وكان سبيل «الاسس المنطقية» الى ذلك هو الدليل الاستقرائي نفسه.

وقد عجزت المدارس الواقعية، كالماركسية، عن اقامة الدليل على واقعيتها، ولم نجد، في حدود تتبعنا، في ادبيات الفكر الماركسي، الا محاولة كتبها بعض المفكرين السوفييت على هامش بعض بحوثهم.

وقد قال الشهيد الصدر عن المشروع الذي طرحه لاثبات موضوعية الواقع والمعرفة انه اول محاولة في تاريخ الفكرالبشري، حيث ان مشروعه جديد غاية الجدة. والا فاننا وجدنا في فكر «صدر المتالهين» ما يدلل على ان «الشيرازي»استدل على موضوعية المعرفة البشرية، وواقعية المدرك بالدليل الاستقرائي نفسه، حيث يقول: «فالحواس او النفس الحساسة، بما هي حساسة، ليس لها علم بان للمحسوس وجودا في الخارج، انما ذلك مما يعرف بطريق التجربة»((105)).

ويقول ايضا: «اذا حملت شيئا ثقيلا فانما تحس بالثقل وتنفعل عن الثقل فقط، واما ان هذه الكيفية قد حصلت بسبب جسم ثقيل في الخارج، فذلك ليس ادراكه بالحس، ولا بالنفس في ذاتها، بل بضرب من التجربة» ((106)). وقد قلنا في دراستنا عن الادراك: ان بذور المحاولة العملاقة التي دبجها «الاسس المنطقية» ، موجودة في كلمات «صدر الدين الشيرازي»، واستشهدنا بالنص المتقدم، غير ان السيد الشهيد كما اشرنا آنفا لم يرتض هذا الاستشهاد، واعترض بقوله لي: «انهم يعنون من التجربة معنى آخر...» وسوا اكانت لهذه المحاولة بذور في عمق تاريخ الفكر الفلسفي الاسلامي ام لم تكن لها، فهي محاولة في غاية الابتكار والخطورة، حيث اعتمدت تفسيرا صدريا للدليل الاستقرائي، وحيث انهاتناولت اخطر قضايا الفكر البشري والمعرفة البشرية.

2 مصدر المعرفة قلنا ان «الاسس المنطقية للاستقرا» لم يتعرض للمعرفة التصورية في عرض دراسته، ويبدو لي ان ما تبناه الشهيد الصدر،في «فلسفتنا»، من موقف ازا مصدر التصور البشري، لم يعرض عليه لاحقا اي تغيير اساسي. اذن ينصب البحث هنا على مصدر المعرفة التصديقية.

يمكن ان نلخص موقف «الاسس المنطقية» من هذه المشكلة في الن قاط الاتية: ا ان المعرفة البشرية تبتدى من معارف قبلية، تسبق التجربة والاستقرا، ويعتمدها الاستقرا، وهي عبارة عن بديهيات حساب الاحتمال، ومبدا استحالة التناقض. ومن دون الانطلاق من هذه البديهيات تفقد التجربة والاستقرا مسوغهماعلى ارض المعرفة.

ب ان المعرفة البشرية، في سيرها التكاملي، لا تتوقف على ما سوى المصادرتين السابقتين بديهيات حساب الاحتمال، مبدا استحالة اجتماع النقيضين من مبادى قبلية.

ج ان جملة من القضايا التي عدها الاتجاه العقلي مبادى عقلية قبلية، هي في واقعها مبادى وقواعد مستدلة في ضوءالدليل الاستقرائي.

د ان جميع المبادى التي عدها الاتجاه العقلي في المعرفة مبادى اولية قبلية، يمكن اثباتها بالدليل الاستقرائي، سواكانت قبلية في واقعها ام لم تكن.

ه ان المعرفة البشرية لا يتحتم ان تسير من الكل الى الجزء، بل يعتمد نمو المعرفة في الاعم الاغلب السير من الجزءالى الكل، وتكتسب اليقين على اساسها بلوغها اعلى درجات التصديق الاحتمالية، وفي ضوء طبيعة تركيب الذهن البشري الاعتيادي.

ومن هنا لا يتحتم ان يكون نمو المعرفة قائما على اساس التلازم الموضوعي بين المعرفة المقدمة والمعرفة النتيجة.

3 حدود المعرفة في ضوء قياس قدرة المدرسة التجريبية على تفسير قضايا المعرفة البشرية المختلفة، وفي ضوء تقويمه لمعنى القضية في ما سماه «المنطق الوضعي» ((107))، احكم الاساس الذي انطلقت منه «فلسفتنا» في الاعتراف بجدارة العمل الفلسفي خارج اطار التجربة والمعطيات الحسية، وبذلك اباح عمل الميتافيزيقيا، واحتفظ للفلسفة بكيانها، ولكن على اساس المنطلقات التي تتبناها المدرسة العقلية.

غير ان في كتاب «الاسس المنطقية» شيئا جديدا، حيث انه استخدم الدليل الاستقرائي وسيلة اثبات في اخطر قضاياالميتافيزيقيا (وجود اللّه). ودل على ان الدليل الاستقرائي، الذي يمثل المسوغ المنطقي لجميع قضايا العلوم، يثبت «وجود اللّه» بالطريقة التي يثبت بها تلك القضايا.

وبذلك اعار المدرسة العقلية سلاح خصمها اللدود (التجريبيون) فتاكد ان المعرفة العلمية بمعناها الاشمل لا تنحصرفي اطار المعط ى الحسي، بل تتجاوز هذا الاطار، وتستحق قضايا الميتافيزيقيا الحياة.

كلمات تنبى بتحول كبير ويخيل الي ان يد القدر لو لم تعالج المعلم الشهيد بالقتل لكان منه الجديد في هذا المضمار: «حقل نظرية الوجودوابحاث الميتافيزيقيا في الفلسفة الاسلامية». فقد كان يتحفظ على كثير من آرا السلف، ورغم تحفظه العام تسربت،على لسانه الكريم، اسرار تطلقها كلمات موجزة، اصغى اليها بعض المقربين من طلابه، تنبى بتحول كبير سيطرا على نظرية الوجود، وابحاث الميتافيزيقيا، وقد كان السيد الشهيد في خيفة وتردد، وهو على اعتاب طرح هذا التحول. ولعل العقل لم يبلغ الرشد الكافي لقبول تلك الافكار، فقدر رب العقل لتلك الافكار ان تلحق في عالمه، وبقيت نفوس مخلصة تتوق اليها، عسى ان يحدث اللّه بعد ذلك امرا!

نقد نظرية المعرفة عند السيد محمد باقر الصدر الدكتور جميل قاسم في نظرية المعرفة يعد التمييز بين المذهب العقلي (الاستنبطي، الاستدلالي) والمذهب التجريبي (الاستقرائي، الاستنتاجي)، في نظرية المعرفة، علامة من علامات التمييز بين ذهنيتين تميزان العقل البشري الفلسفي والعلمي: الذهنية الجوهرية، والذهنية الوجودية.

يولي انصار المذهب العقلي، الاستنبطي، الاهمية، عادة للفروض، والقضايا، والنظريات، فتظهر التجربة عندهم تاييداللفرضية والنظرية والماهية والعقيدة.

اما اصحاب المذهب التجريبي (الاستقرائي) فيولون الاهمية لما هو ظواهري وحسي، وعملي، ووجودي.

واذا كان المنهج العقلي، منهجا قبليا حس زخزرخزر چ التجريبي بعدي حس زخزرخزحژژرر چ ويطغى على الاتجاه الاول المنحى التحليلي، بينما يطغى على الاتجاه الثاني المنحى التركيبي.

والمزدوجات، في تاريخ الفكر، كالصورة والمادة، والاسمية والواقعية، والمادية والمثالية، والوجود والماهية، هي تجليات لهذه القسمة في نظرية المعرفة.

وواقع الحال ان العلم يقوم على كلا الامرين، فالتجربة تقوم على موضوع واقعي مشخص يقود الى التعريف المجرد.بينما التحليل الرياضي يجرد التماثلات المطردة القائمة في الاشيا.

وعملية المعرفة كلية، ظواهرية وعموميةدچژزحسخذس يتضافر فيها التحليل والتركيب، والحدس والعقل، والنظرية والتجربة في علاقة الذهن بالعين.

والادراك الظواهري يقوم على الذهاب الى الاشيا مباشرة، في كليتها وجملتها، والمعرفة الادراكية، وفق هذه النظرية،ليست عقلية، قبلية، ولا تجريبية، بعدية، وانما هي معرفة ظواهرية، علائقية، كلية، تقوم على الكلي، بما يتحدد به،وحده، بوصفه ظاهرة كلية.

والعقل الاستدلالي، الاستنبطي، هو عقل صوري، ماهوي، (ترانسندنتالي) قبلي، وفطري، تصدر فيه النتائج عن مقدمات معلومة ومسبقة، وهي تنطلق من العام الى الخاص، ومن الكلي الى الجزئي. اما العقل الاستقرائي، التجريبي،فهو عقل «مادي»، وجودي، محايث (بعدي)، تصدر فيه النتائج عن تصفح الظواهر الموجودة، وهي تنطلق من الخاص الى العام، ومن الجزئي الى الكلي.

كانت النظرة العقلية، في تاريخ الفلسفة والعلوم، غائية الطابع، جوهرية، فالعقل اليوناني ظل، في الهندسة والمنطق ومابعد الطبيعة، عقلا استدلاليا وصوريا. والاستدلال هو عملية منطقية تصدر فيها النتائج عن مقدمات معلومة ومسبقة.وكان المنطق الصوري، والعلم الطبيعي، في المنظور الارسطي، عبارة عن بحث في ماهيات الاشيا والصفات الجوهرية المقومة لها، بغية التوصل الى المبادى والتعريفات المستنتجة من القياس المنطقي المجرد، وهو بحث في القضايا البينة بذاتها بوساطة «البرهان» وفيه تكون القضايا والنتائج مستضمرة في مقدماتها. وكان المنطق الصوري اذا، بحثا في الكليات، وليس علاقة مباشرة بين الكليات والجزئيات، العقل والظاهرة.

والقياس اساس التفكير المنطقي الصوري،بعكس المنطق التجريبي الشرطي الذي ينتقل من الخاص الى العام، من الجزئيات الى الكليات، ومن الاعيان الى الاذهان، وهذا المنطق التجريبي استقرائي الوجهة، واستنتاجي المنحى، يعتمد على الاختبار والتمحيص والامتحان.

وقد راى «فيتجنشتين» و«كارناب»، في العصر الحديث، ان منطق القضايا هو منطق تحصيلي (توتولوجي)، لانها قضاياصورية بحتة لا تعبر عن الواقع، كما هو، وانما تصوغه في تعبيرات جديدة. وعلى عكس ذلك يقوم المنهج التجريبي على استقرا الظواهر، والجزئيات، وقياس الغائب على الشاهد، في الواقع المعط ى، حيث يتم البحث عن النتائج والقوانين باستقرا ما هو مطرد في الموجودات بوساطة الدربة او الخبرة او التجربة.

وقد اكتشف «جابر بن حيان»، في بواكير التاريخ الاسلامي، مبدا الدربة، واكد على امكانية مباشرة الطبيعة، وعلى مبداالاختبار العلمي، وهو كان من المشتغلين بعلم الكيميا.

وادرك «الحسن بن الهيثم»، في وضعه لعلم المناظر، مبدا الاستقرا بمغزاه الحديث، وشرح منهجه في البصريات بانه النظر في المبادى والمقدمات، باستقرا الموجودات، وتصفح احوال المبصرات، وتميز خواص الجزئيات. وقد ميز«ابن الهيثم» بين دور العالم الطبيعي في تقرير ما هو واقع بالفعل، ودور العالم الرياضي (التعليمي) في تفسير الظواهرالطبيعية.

والنظرية، عند «ابن الهيثم»، هي شرح وتفسير للعلاقة بين الظواهر الطبيعية في الواقع الموجود. وقد قام المنهج العلمي في الغرب والعودة الى الطبيعة، على هذا النمط من المعرفة الاختبارية والتجريبية.

كما قام المنطق العلمي الجديد على التجربة والامتحان، وعلى اعادة التجربة، مع سيادة النزعة الاسمية التي تؤكد على الصفة الاسمية للكليات، وعلى وجودها الذهني لا العيني.

ما هي طبيعة الحكم العقلي؟ هل هو حكم عقلي، مفهومي، يقوم على مبادى الهوية، والتناقض، والثالث المرفوع؟ او هوحكم ميتافيزيقي، قبلي (ترانسندنتالي) ؟ او هو حكم جمالي، ذوقي، تخييلي، استيطيقي؟ وما هي حدود الدقة،والمدى الذي يذهب اليه الذهن في عملية المعرفة والادراك؟ جوابا على هذه الاسئلة انقسمت الفلسفة الحديثة بين نزعتين: عقلية وحسية.

كان «رينيه ديكارت» على راس الفلسفة الشكية العقلية، وقد استهدفت فلسفته الشكية ايجاد علم يقيني بدلا من العلم المدرسي الكلامي، وتطبيق هذا العلم بحيث يصير الناس سادة الطبيعة ومالكيها، وتحديد العلاقة بين هذا العلم والميتافيزيقا، فتتكفل بحل العلاقة بين الدين والعلم.

و«الكوجيطو» الديكارتي (الذات المفكرة الموجودة) او الذاتية هي ذاتية عقلية، فكروية، فطرية. والمعرفة العقلية تقوم، عنده، على مبادى العقل الفطرية، وهي اساس الحكم على الوجودبوصفه وجودا «انا افكر، اذن انا موجود»، وليس «انا موجود، اذن انا افكر» في الفلسفة الوجودية اللاحقة على «ديكارت».

وكان المذهب العقلاني الديكارتي، يؤمن ببداهة العقل، المعادلة لليقين الرياضي، ويدين الخيال باعتباره مصدرا من مصادر الخطا.

وقد اهتم فلاسفة المذهب الحسي ليس بالبحث والفحص عن اصل الافكار، وانما على تبرير مبادى المعرفة والاحتمال. وقد عد «كوندياك» الاحساس اساس الملكات كافة، واللغة العلمية في نظره، هي لغة الحساب والرياضيات والمنهج الطبيعي.

وشكية «ديفيد هيوم» تقوم على اولوية الانطباعات الحسية على الافكار، فالانطباعات هي الاصول. وبنا على ذلك، فمامن فكرة بذات قيمة، وذات وجود، اذا كنا لا نستطيع تعيين الانطباع او الانطباعات الصادرة عنها.

ويخلص «هيوم» الى نقد الافكار الفطرية، كما ذهب الى هذا «ديكارت»، وهو يرى ان جميع افكارنا صادرة عن التجربة،وان المعرفة كل معرفة هي معرفة انطباعية حسية. والافكار العامة المجردة ليست، في نظر «هيوم»، غير افكار عن اشيا وانطباعات جزئية، فلفظ «انسان»، او «مثلث»، انما يدل على افكار مستمدة ومكتسبة من المشاهدة والتجربة،الحسية والانطباعية والعينية.

وتنقسم الفلسفة التجريبية الحديثة، بوصفها امتدادا للشكية عند «هيوم»، بين من يرى ان معيار العلمية والقضية وكونهاذات معنى، هو امكان تحقيقها تجريبيا، فيما يرى بعض آخر، «كارل بوبر» مثلا، ان هذا المعيار لا يصلح لتقويم معنى القضايا الكلية (القوانين العلمية) وتفسيرها، ويرسي المعرفة والادراك العلمي على معيار التفنيد والبطلان، اي ان المعرفة لا تقوم على امكان التحقيق، وانما على لا امكان التحقيق، اي هي معرفة سلبية، يقوم فيها القانون العلمي التجريبي كما لاحظ «هيوم» على بطلان المعرفة الايجابية الخالصة، وينجم عن ذلك عد الاحكام التقويمية قرارات واقتراحات وليست قضايا تجريبية تامة. وهذا الامر يقيد الجبرية والحتمية في العلم والمعرفة، ويفتح المجال امام النظريات النسبية والاحتمالية.

النظرية الاحتمالية كانت معظم الفلسفات الحسية تنطلق من فكرة المطابقة بين معطيات التجربة الداخلية (الصميمة) ومعطيات التجربة الخارجية، فجا «برغسون»، في العصر الحديث، ليميز، في كتابه «المعطيات المباشرة للوجدان»، بين التجربة الجوانية،والتجربة الخارجية. فالعقل لا يعطينا الا نظرة متقطعة، كمية، عن الاشيا والعالم، ولغة المعرفة ليست متطابقة مع الحياة.وعلوم العالم الخارجي، من هذه الوجهة، وليدة الكم، وهي تحتاج الى علاقات ثابتة، يمكن قياسها، والى ارقام واشكال،والى مكان فيزيائي. اما الوجدان (الوعي الكلي) فيجهل الكم، ومجاله مجال كيفي، اجمالي.

والادراك الظواهري، هو ادراك كلي، بعيدا عن اي تجزي ء منطقي، او تحليل هندسي، او تقنين عقلي.

وقد احدث تطور العلوم المختصة باللامتناهيات في الصغر قفزة معرفية كبرى في القرن العشرين، تمخض عنها اندحارللمبادى العلمية الكبرى كمبدا «نيوتن» حول تساوي الفعل ورد الفعل، اذ اظهرت النظرية «الكوانتية» ان الطاقة والمادة،في المجال الفيزيائي اللامتناهي في الصغر، هي عبارة عن تموجات كهرو مغناطيسية متفلتة على القياس التام، فالمادة هي موجة، والموجة مادة، ولا يوجد ثمة فعل ورد فعل الا في نطاق المراقب والمشاهد والمعاين.

كما ان مبدا العلية التقليدي صار يقوم على قياس الزمن بالحركة مضاعفة بالسرعة، الامر الذي يؤكد مبدا النسبية العلية.ويرى «اينشتاين»، بنا على ذلك، ان ثمة علاقة تكافؤ بين المادة والطاقة. وصارت مفاهيم الزمان والمكان والسببية مفاهيم تقوم على المواضعة، اذ لا توجد مفاهيم للزمان والمكان والسببية منفصلة الا في الوعي الخارجي. وهذا الامريؤكد على مبدا وحدة الوجود اللاانفصالية بين الكائنات والاشيا، في وحدة «مدرحية» (رحمادية) تفيد بان الكون واحدمتحد، وان الكل يتضمن في الكل، في الحركة الكلية او الحركة الجوهرية، بنظر «صدر الدين الشيرازي» مؤسس الفلسفة الوجودية الاسلامية (والحديثة).

نظرية المعرفة عند السيد الصدر يسعى المفكر «محمد باقر الصدر»، في مؤلفه «فلسفتنا» في نقده لنظرية المعرفة، الى تاكيد صحة الطريقة العقلية (النظرة العقلية) في التفكير، بتبيان ان العقل، بما يملك من معارف ضرورية «فوق التجربة»، هو المقياس الاول في التفكيرالبشري. ويرى انه لا توجد ثمة فكرة فلسفية او علمية لا تخضع لهذا المقياس العام. وحتى التجربة، ليست في الحقيقة،في نظره، الا اداة لتطبيق المقياس العقلي والمنطق العقلي ((108)). يقسم الصدر الادراك، في نظريته للمعرفة، الى نوعين:احدهما التصور، وهو «الادراك الساذج»، وثانيهما التصديق، وهو «الادراك المنطوي على حكم».

والتصور، في الحد السينوي (ابن سينا)، هو «حضور صورة الاشيا عند العقل» ((109)). ويرى «الجرجاني»، في «التعريفات»، ان التصور هو «حصول صورة الشيء في العقل» وهو «ادراك الماهية من غير ان يحكم عليها بنفي او اثبات»((110)). ويعرف «الفارابي» التصور بانه تصور الشيء بما يخصه، اما التصديق، او اليقين، فهو ان يكون الامر خارج الذهن على ما يعتقد فيه بالذهن ((111)).

يستنتج، من هذه التعريفات، ان حد التصور، وهو حضور صورة الاشيا في العقل، يعني التجريد، او الانتزاع بالمعنى «السينوي».

اما التصديق فهو الحكم. وكانت النظرة الفلسفية الاسلامية تقوم، بصفة عامة، على مطابقة ما في الاذهان لمافي الاعيان.

ولكن كيف يمكن مطابقة ما في الاذهان لما في الاعيان؟ وهل ثمة فوارق بين اشكال التصديق او الحكم؟ لم يتسن لابن سينا والفارابي وابن رشد الاط لاع على نظريات نقد الحاكمة «الكانطية». ولكن هل اطلع المفكر الصدر على نظرية الحكم الحديثة، «الكانطية» وما بعدها؟ ثمة فرق في نقد الحاكمة، او ملكة الحكم، بين الحكم العقلي المفهومي، الماهوي، دحس ژرحح ذرح العاقلة، وبين الحكم الجمالي الذوقي، وبين الحكم الميتافيزيقي، فالحكم العقلي هو حكم احصائي، كمي، وضعي، يخضع لمبادى الهوية والتناقض والثالث المرفوع، والقواعد العلية الظواهرية.

اما الحكم الجمالي فهو حكم ذوقي، يجمع الهوية والغيرية في ذات الشيء، ويقرن المتناقضات، ويقبل الوسطية،المرفوعة والممتنعة في المخيلة الجمالية، فيكون الانسان اسدا (ابا الهول) او ثورا بابليا، ومناط هذا النوع من الحكم الاحساس والمخيلة.

اما الحكم الميتافيزيقي فيختص بالموجودات الاولى، المتعالية، كاللّه، والنفس، والعالم، والوجود المحض. والخلط بين الاحكام ومجالاتها، ومقام الحكم ومقاله هو الذي يؤدي الى الادراك غير المحكم (الابستمي).

كيف قدم المفكر الصدر نظريته في الحكم المعرفي؟ قسم الصدر الادراك الى تصور وتصديق. وراى ان التصور هووجود الشيء في مداركنا، وان ليس للتصور قيمة موضوعية، لانه لا يبرهن على وجود الشيء موضوعيا خارج الادراك،وان التصديق هو الذي يكشف الواقع الموضوعي للتصور.

ويقسم الصدر المعارف التصديقية جميعا الى معارف اساسية ضرورية، لا يمكن اثبات ضرورتها، او البرهنة عليها،كمبدا عدم التناقض ومبدا العلية والمبادى الرياضية الاولية، ويشبهها ب «الاضوا العقلية» التي تقوم على هديها سائرالمعارف والتصديقات ((112)).

ويسعى الصدر الى ان يدلل على ان المعرفة انما يمكن التسليم لها بقيمة على اساس المنطق العقلي، لا المنطق التجريبي، او المنطق الديالكتيكي.

والبحث، في الحلقة الثانية من كتابه، يتناول الديالكتيك الجدلي، فيدرسه الفيلسوف في خطوطه العريضة التي رسمها«ماركس» و«هيغل» اساسا.

وفي الحلقة الثالثة، يدرس مبدا العلية وقوانينها التي تسيطر على العالم، وما تقدمه لنا من تفسير فلسفي، على ضوءالتطورات العلمية الحديثة.

وينتقل، بعد ذلك، الى الحلقة الرابعة «المادة او اللّه»، وهو البحث في المرحلة النهائية من مراحل الصراع بين المادية والالهية كما يقول ليصوغ مفهومه الالهي للعالم في ضوء «القوانين» الفلسفية، وفي ضوء مختلف العلوم الطبيعية والانسانية. وفي الحلقة الاخيرة، يدرس مشكلة الادراك، التي تمثل ميدانا مهما من ميادين «الصراع بين المادية والميتافيزيقية»...

ويمهد السيد الصدر لدراسته المعمقة والشاملة هذه بفصل حول المسالة الاجتماعية، يتسال فيه عن النظام الاصلح في الحياة الاجتماعية، ويستعرض لهذا الغرض اهم المذاهب الاجتماعية، النظام الراسمالي، النظام الاشتراكي، النظام الشيوعي، النظام الاسلامي. ويرى ان النظام الاسلامي هو النظام النموذجي في ما يرتكز عليه من فهم معنوي للحياة واحساس خلقي بها، ذلك ان الخط العريض لهذا النظام هو اعتبار الفرد والمجتمع بشكل متوازن، ولما ينطوي عليه الاسلام من نظرة كلية كاملة نحو الحياة والكون والاجتماع والسياسة والاقتصاد والاخلاق، فهذه النظرة الشاملة هي الوعي الاسلامي الكامل ((113)).

ونحن، في ما ياتي، سنقتصر، على عرض جانب نظرية المعرفة ومناقشته، فقط، مع ان المفكر الصدر، لا يفصل، في الحقيقة، نظرية المعرفة عن النظرية الاجتماعية، ويؤسس الاولى على الاخرى.

يستعرض السيد «الصدر» النظريات العقلية عند «ديكارت» و«كانط» بشكل اساسي. ويلخص النظرية العقلية في الاعتقادبوجود منبعين للتصورات: احدهما الاحساس (تصور الحرارة والنور والطعم والصوت)، والاخر الفطرة (فكرة اللّهوالنفس والامتداد والحركة)، وتلك هي مبادى التصورات الفطرية عند «ديكارت».

اما عند «كانط»، فالجانب الصوري للادراكات والعلوم الانسانية، كله فطري (قبلي) بما فيها الزمان والمكان والمقولات.والحس على اساس هذه النظرية مصدر فهم للتصورات والافكار البسيطة، ولكن الفطرة التي تبعث في الذهن طائفة من التصورات هي مناط الذات الفاهمة والحاكمة.

ويستعرض «الصدر» النظرية الحسية، وهي النظرية المقابلة للنظرية العقلية، وهي نظرية ترجع جميع التصورات والافكارالى الحس، وتركز النظرية الحسية على التجربة، التي تبرهن على ان الحس هو الينبوع الاساسي للتصور، فلولا الحس لماوجد تصور في الذهن البشري.

لكن «الصدر» يعترض على هذه النظرية بالقول: انه ليس من الضروري ان يكون قد سبق تصوراتنا البسيطة جميعاالاحساس بمعانيها، كما تزعم النظرية الحسية. بل يمكننا ان نوضح فشل النظرية الحسية في محاولة ارجاع جميع مفاهيم التصور البشري الى الحس...، على ضوء دراسة كثير من مفاهيم الذهن البشري كالعلة والمعلول، الجوهروالعرض، الامكان والوجوب، الوحدة والكثرة، الوجود والعدم، وما الى ذلك من مفاهيم وتصورات يعدها مبادى عقلية فطرية.

وفي مجال التصديق، ويعرفه السيد «الصدر» بانه ينطوي على «الحكم الذي يحصل به الانسان على معرفة موضوعية»((114))، يتبنى وجهة نظر المذهب العقلي التي تقسم المعارف البشرية الى طائفتين، احداهما ضرورية وبديهية،كالايمان البديهي بان النفي والاثبات لا يصدقان معا في شيء واحد (مبدا التناقض) والحادث لا يوجد من دون سبب(مبدا العلية) الخ...

اما الطائفة الاخرى، فهي المعارف المستندة الى المعارف الاولية الضرورية (الارض كروية، زوايا المثلث تساوي قائمتين، المادة تتحول الى طاقة).

وهو يرى ان الحجر الاساسي للعلم هو المعلومات العقلية الاولية، وان المقياس الاول للتفكير التصديقي هو المعارف العقلية الضرورية، لانه يجهز الفكر البشري بطاقات ما ورا المادة من حقائق وقضايا، ويحقق للميتافيزيقا والفلسفة العالية (القائمة على الحركة الجوهرية، وفكرة الحدوث المستمر، ومفادها عند الصدر ان المادة حادثة لانها متحركة،وكل متجدد حادث) ادلتها وبراهينها.

وفي نقده للمذهب التجريبي، يرى «الصدر» ان العلوم الطبيعية التي يريد التجريبيون اقامتها على اساس التجربة الخالصة تحتاج هي بنفسها الى اصول عقلية اولية سابقة على التجارب، وتحتاج الى التسليم بمعارف عقلية سابقة.

وفي كتابه «الاسس المنطقية للاستقرا» وسع الامام الصدر نقده للمنهج التجريبي، ولكنه ظل محافظا على التزامه بالموقف والمذهب العقلي.

يرى «الصدر» ان ثمة ثغرة في تركيب الدليل الاستقرائي لا توجد في الدليل الاستنبطي، ففي الاستنبطيرتكز استنتاج النتيجة من مقدماتها دائما على مبدا عدم التناقض، ويستمد مسوغه من هذا المبدا، لان النتيجة في حالات الاستنباط مساوية لمقدماتها او اصغر منها كما تقدم، فمن الضروري ان تكون النتيجة صادقة اذا صدقت المقدمات.

اما في حالة الاستقرا، فان الدليل الاستقرائي، يقفز من الخاص الى العام، لان النتيجة في الدليل الاستقرائي اكبر من مقدماتها، وليست مستبطنة فيها. ويجد «الصدر»، بنا على هذا، ان الاستدلال الاستنبطي صحيح من الناحية المنطقية،وان الانتقال فيه من المقدمات الى النتيجة ضروري على اساس مبدا عدم التناقض ((115)).

والسؤال، عن اي استقرا يتحدث الصدر ههنا، عن الاستقرا القياسي ام الاستقرا التجريبي؟ وعن اي ضرورة، الضرورة العقلية الميتافيزيقية ام الضرورة الحسية الفيزيقية؟ وكان اليونانيون، وعلى راسهم «ارسطو»، قد استخدموا الكلمة «استقرا» للاشارة الى القضية الكلية التي تندرج تحتها الجزئيات المدركة ادراكا حسيا.

ان المنطق الارسطي واليوناني القديم يغلب عليه الطابع الحملي على الطابع الشرطي والوضعي. ورات الرواقية ان القضية الحملية في المنطق الصوري تحتوي على الحدود الكلية، وقد لجا الرواقيون، من جهتهم، الى الواقع،والمحسوس، والعياني، واسسوا المنطق الشرطي الذي تقوم فيه المعرفة على اولوية الموضوع على المحمول، على المحسوس، كمعيار للصدق والكذب في عملية المعرفة المنطقية.

واهتمت الرواقية بالقضايا التركيبية، الشرطية، المتصلة والمنفصلة، وهذا ما يتفق مع نزعتها الحسية والتجريبية، ومنهج الاستقرا. واولى هؤلا عنايتهم بمادة الفكر لا صورته، بعكس المنطق الصوري الذي كان يركز على صورة الفكر لامادته.

وقد وجه «فرنسيس بيكون» نقدا عنيفا للاستقرا الارسطي على اعتبار انه يستند الى الاحصا البسيط، وراى ان هذاالنوع من الاستقرا لا يفضي الى نتائج يقينية، وقد وجه «بيكون» اهتمامه للامثلة السلبية في عملية التعميم المنطقي،تلك التي من شانها ان تناقض صدق التعميم والقانون العقلي. وهو الامر الذي طورته التجريبية الحديثة والمعاصرة في المعرفة الشرطية.

وقد راى «برتراند راسل» ان وجود الواقعة الذرية سابق على وجود القضية الذرية.

كما راى «فتجنشتين» ان الوقائع الذرية موجبة او سالبة، وهذا ليؤكد الفرق بين الوقائع الظواهرية والوقائع الاحتمالية والنسبية.

وهذا الامر هو الذي قاد الى التمييز بين التقريرات العلمية والتقريرات غير العلمية، وارسا المعنى على معيار الشك لااليقين، التفنيد لا التوكيد.

اما السيد «الصدر» فقد تبنى الموقف الارسطي، الذي يؤمن بوجود معارف عقلية مستقلة عن الحس والتجربة والخبرة الحسية، تقوم على التشابه والتماثل (ان الحالات المتشابهة من الطبيعة تؤدي الى نتائج متماثلة) ((116)) مع فارق وحيدهو انه تبنى الاستقرا الناقص، وهو استقرا يقوم على الانتقال من المعلوم الى المجهول، من الجزئيات الى الكليات في اطار القياس الكلي، ورفض القياس التام، الاستدلالي الكلي.

والنتائج التي يخرج بها الامام الصدر هي كما يلي: اولا: لان الدليل الاستقرائي اذا قام على اساس الاستقرا الكامل يؤدي الى العلم بالنتيجة، لانها لازمة للاستقرا الكامل لزوما منطقيا. لكن الاستقرا الكامل لا يمكن ان يعد برهانا لعدم قدرته بمفرده على اكتشاف العلة. وذلك لان الاستدلال بالاستقرا الكامل صحيح من الناحية الصورية ولكن ليس من قبيل الاستدلال على الشيء بنفسه.

واخيرا: لان «الاستقرا الكامل لا يمكن ان يتوفر في القضايا الكلية في العلوم (الصحيحة)» ((117)).

ويرى الامام «الصدر»، في كتابه «فلسفتنا»، ان جميع النظريات التجريبية في العلوم الطبيعية ترتكز على معارف لا تخضع للتجربة، بل يؤمن العقل ايمانا مباشرا بها، وهي (المعارف او المبادى): اولا: مبدا العلية بمعنى امتناع المصادفة.

ثانيا: مبدا الانسجام بين العلة والمعلول.

ثالثا: مبدا عدم التناقض الحاكم باستحالة صدق النفي والاثبات.

ومن الامثلة التي يوردها السيد الصدر ردا على المذهب التجريبي اعتبار قضايا الرياضيات تحليلية (اي تحصيلية) تقوم على رد الشيء الى عناصره المكونة له، فعندما نقول: 2 + 2 =4 لا نتحدث بشيء جديد لنفحص درجة يقيننا به، فان الاربعة هي نفسها تعبير آخر عن 2 + 2، فالعملية الرياضية آنفة الذكر، في تعبير صريح، ليست الا اربعة تساوي اربعة. اماقضايا العلوم الطبيعية (التجريبية) فهي قضايا تركيبية، اي ان المحمول فيها يضيف الى الموضوع علما جديدا ينبى بجديد على اساس التجربة والخبرة والاكتشاف.

ورد الصدر على هذه المسالة هو ان هذه القضية الرياضية تتوقف على التسليم بمبدا عدم التناقض، وان كانت تحليلية،فما هي علاقة مبدا عدم التناقض بالتمييز بين المنهج التحليلي الصوري، والمنهج التركيبي الذي يقوم على الجمع والاضافة بين عناصر متفرقة؟ هذه المسالة تبين، في الحقيقة، الالتباس وعدم التمييز بين الافكار الفطرية، والافكار الكونية العمومية، فمبادى الهوية،والتناقض، والثالث المرفوع، والعلية، هي مبادى ضرورية، كونية، وجودية، ولكنها ليست عقلية، ولا حسية بحتة، انما يقوم العقل والحس، كل في نطاقه، في استخدامها (من خلال التجربة والخبرة)، من الجزئي الى الكلي، ومن الكلي الى الجزئي، وفي القضايا التحليلية والتركيبية في آن.

والعقل لا ينطوي، في الحقيقة، بالفطرة على مبادى الهوية، والتناقض، والثالث المرفوع، والمقولات، والعلية، لا بالذات ولا بالقوة، بل هي مبادى كونية، خارجة على العقل والحس، هي مبادى وجودية، كامنة في منطق الوجود، والحركة،والزمان والمكان، والحال والوضع الخ... اما العقل فيتميز بقوة «العقل»، والعقل لغة، يعني الربط، اي يتميز العقل البشري بالقدرة والامكانية على الربطي «العقل»، وبقدرته على العكس والانعكاس، وعلى التراكم، اي على مراكمة التجارب طردا وعكسا، بوساطة الذاكرة، وهذه المراكمة تقوم على معية التجربة و«العقل» معا، ولا عقل من دون تجربة ولا تجربة من دون عقل. والدليل على ذلك ان الصغار لا بل الكثير من الكبار لا يعرفون مبادى المنطق والاخلاق، وهي مبادى مكتسبة وليست فطرية. هذا حتى لا نقول بان النخبة والصفوة من البشر هي التي تدرك مبادى المقولات والعلية، والهوية والتناقض والثالث المرفوع والاخلاق والوازع والواجب!! ومن المفارقات ان السيد «الصدر» يؤكد، في تبنيه لنظرية الكوانتا ((118)) الحديثة، ونظرية اصالة الوجود، ما يعاكس النظرية العقلية الارسطية والديكارتية الفطرية، والكانطية القبلية. ذلك ان نظرية اصالة الوجود تقدم الوجود على الماهية، اي انها تنطلق مما هو عيني وليس مما هو ذهني في علاقة الوجود الظواهرية.

كما ان النظرة القبلية الكانطية، تتعارض مع اعتبار علاقة الفكر بالوجود، تعلقية، وتعد معطيات الزمان والمكان معطيات قبلية، فيما يرى السيد «الصدر»، مستندا الى نظرية اصالة الوجود، والامكان الوجودي عند «صدر الدين الشيرازي»، ان الحقيقة هي حقيقة تعلقية، او بالاحرى علائقية بلغة الفلسفة الحديثة.

وبنا على هذا، فليس الوجود الخارجي محكومابمبدا العلية، بل انه يحكم مبدا العلية على الوجودات التعلقية، والعلاقة بين العلة والمعلول ليست ميكانيكية،ولان ديالكتيكية تقوم على (الاطروحة والطباق والتركيب) بل علية متعاصرة، وهي علية تقوم على الحركة الجوهرية((119))، وهذا الموقف يخالف المذهب الفطري العقلي.

ويستشهد الفيلسوف الاسلامي بنظرية الكوانتا التي تفيد بامكانية تبديل المادة الى طاقة والطاقة الى مادة في علاقة الفيزيا بالميتافيزيا، والطبيعة بالالوهة. واستنتاجاته، في هذا المجال، صحيحة، تنسجم مع العلم. فالكتلة ليست الاطاقة مركزة، والمادة هي موجة كهربية. ويستنتج بان المادة الاصيلة للعالم، حقيقة واحدة عامة في جميع مظاهره وكائناته، ويتوصل الى نتيجة تقول بان الجزء الذي لا يتجزا (الذرة اللامتناهية في الصغر بلغة الفيزيا الحديثة) ليست مسالة علمية، وانما مسالة فلسفية. ويريد ان يقول بذلك ان ثمة بعدا ميتافيزيائيا في الفيزيا الطبيعية.

والنظرية الكوانتية تؤكد الطابع الكهرو مغناطيسي للذرة اللامتناهية في الصغر، باعتبار ان الالكترون هو عبارة عن موجة، وان المادة ذات طاقة تموجية، غير قابلة للقياس، وهذا الامر يؤكد الطابع الاحتمالي في نظرية المعرفة، وعدم كفاية النظريات العلية والحتمية في المجال الميكروفيزيائي.

كما تؤكد البيولوجيا الكونية ان الكون عبارة عن وحدة عضوية تشمل الكائنات، في وحدة الطبيعة والكينونة، ووحدة الحياة في الحركة الكلية ژذحذحسس رذ ردرب وابداع غير خطية ولا حتمية الا اذا قسناها بمقاييس العقل الخارجية، والا فالكائنات في وحدة وجود يتضمن فيه الكل في الكل، او كما كان يقول «جابر بن حيان»: «في الاشيا كلهاوجود للاشيا كلها».

والفرق، اذن، بين النزعة المادية، والنزعة الالهية، ليس في بطلان نزعة وطغيان نزعة اخرى، وانما في مقام الحكم ومقاله.

ففي مجال المادة «الماكروفيزيائية» (الظواهرية) يطغى الحكم العلي والسببي والعقلي والمنطقي، وفي مجال المادة الميكروفيزيائية، اللامتناهية في الصغر، يطغى الحكم الفلسفي التاملي، الميتافيزيقي، على الحكم الفيزيقي. هل تستدعي جدلية الطبيعية ان يدحض الالهي المادي، او ان يفند المادي الالهي؟ او ان ادراك مقام الحكم ومقاله يجعل من اعتراف الواحد بالاخر وجهين للتعدد والاختلاف في المعرفة؟ هذا هو السؤال.

تجديد علم الاصول قراة في كتابات الامام الشهيد محمد باقر
الصدر

 
الدكتور حسن حنفي

 
اولا: كتابات الامام في علم الاصول علم الاصول له شقان: علم اصول الدين وعلم اصول الفقه. علم اصول الدين هو علم العقائد، او علم الكلام، او علم التوحيد، او علم الذات والصفات. وهو علم نظري يضع اصول النظر، اي التصورات العامة للعالم، مثل التوحيد والعدل بلغة الاعتزال، او الذات والصفات والافعال بلغة الاشعرية. وعلم اصول الفقه علم عملي يضع قواعد النظر واستنباط الاحكام. هو علم نظري عملي يضع قواعد الاستدلال من اجل تطبيق الاحكام. علم اصول الدين اشبه بالعقل النظري،وعلم اصول الفقه اشبه بالعقل النظري العملي. اما علم الفقه فهو العقل العملي.

واختيار علم اصول الفقه للتجديد فيه هو اختيار لاهم مواطن الابداع في العلوم الاسلامية. فعلم الاصول هو العلم الاسلامي الابداعي بالاصالة. تاسس بشقيه قبل عصر الترجمة. ومن ثم، فهو سابق على الفلسفة، وكما لاحظ الشيخ مصطفى عبد الرازق ضد اتهامات المستشرقين للفكر الاسلامي بتبعيته لليونان . ((120)) وهو العلم الذي يعبر عن روح الحضارة الاسلامية، التوجه نحو الواقع من اجل السيطرة عليه عن طريق تنظيم الافعال الانسانية فيه، ووضع قواعد للسلوك البشري. ليست غايته الاخرة بل الدنيا، وليس الدين بل عمارة الارض، وليس اللّهبل العالم. فاللّه هو الشارع، واضع الشريعة، ولما كانت الشريعة وضعية لها بنيتها في الواقع الاجتماعي وفي الموقف الانساني لم تكن هناك حاجة الى تشخيص الشريعة في شخص الشارع، وليس الاشراقيات والاتصال بالعقل الفعال بل العقل الاستنبطي والاستقرا التجريبي مع مباحث اللغة وتحليل الالفاظ.

لذلك اهتم الامام الشهيد بعلم الاصول. وخصص له كثيرا من اعماله، على الاقل خمسة:

1
- مباحث الدليل اللفظ ي (ثلاثة اجزا): يضم، بعد التمهيد في تعريف العلم وموضوعه وتقسيمه، والمدخل في الدلالة والاستعمال وعلامات الحقيقة وتشخيص المعنى والتطبيقات، قسمين: البحوث اللفظية التحليلية، وتضم الحروف والهيئات، والبحوث اللفظية اللغوية مثل الاوامر والنواهي، صيغها ودلالاتها وعلاقتها مع بعض المفاهيم الرئيسية فيهامثل الخاص والعام، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين.

2- مباحث الحجج، والاصول العملية (اربعة اجزا): الجزء الاول عن الحجج والامارات. ويتوجه نحو منطق الاستدلال، وقسمته الى قطع وظن، وتفسير الظن في السيرة والظواهر والاجماع والشهرة والاخبار، ومطلق الظن عندماتنسد الدلائل جميعها.

والقطع يستبعد التجري وهو العمل بلا دليل يقيني. والدليل هو اساسا الدليل العقلي على عكس ما يقال في الاصول الشيعية التقليدية من تقليد الامام المعصوم او اجماع آل البيت، آل العترة، الاجماع الخاص وليس الاجماع العام. والثاني عن البراة والتخيير والاحتياط، وهي من مقولات الفعل التي تؤكد على البراة الاصلية، وان الاشيا في الاصل على الاباحة، وعلى حرية الافعال وان الانسان على التخيير كما هو الحال في المندوب والمكروه،وعلى الاحتياط والحذر والبعد عن الشبهات حرصا على راحة الضمير. والثالث عن الاستصحاب، حجيته، والاقوال فيه، ومقدار ما يثبت به، ثم تطبيقات عليه. والرابع في تعارض الادلة الشرعية وتقسيمه الى غير مستقر ومستقر.

3- دروس في علم الاصول (ثلاث حلقات في جزاين): ويتضمن ثلاثة مباحث بعد المقدمات التمهيدية الاولى،جميعها في الادلة. الاول: الادلة المحرزة، الدليل الشرعي، والدليل العقلي. والثاني: الاصول العملية التي تتركز في الاستصحاب. والثالث في تعارض الادلة.

4- المعالم الجديدة للاصول: وينقسم، بعد المدخل التمهيدي الاول، الى جزاين: الاول: عن الدليل وانواعه: اللفظ ي،والبرهاني، والاستقرائي، والثاني: الاصل العملي مثل الاستصحاب، وهي القسمة نفسها في المؤلفات السابقة مع تلخيص شديد.

5- الاسس المنطقية للاستقرا: بالرغم من انه ليس في علم اصول الفقه مباشرة الا انه تنظير له، بحيث يصبح منطقاخالصا يجمع بين الاستنباط والاستقرا، بين استنباط الاصل واستقرا الفرع بعد نقد المنطق الصوري الخالص،ونقد المنطق التجريبي الخالص من اجل تاسيس منطق ذاتي للمعرفة . ((121))

الصفحة السابقة

الصفحة التالية