الصفحة السابقة

الصفحة التالية

بدا النقاش حول الربا وموقف الاسلام من البنوك الربوية مباشرة بعد تاسيس عدد من البنوك الاجنبية وصناديق التوفيرفي مصر مع نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن. وقد اتسع النقاش الذي شارك فيه علماء الازهر في محاولة لايجادبديل مصرفي لا يتعامل بالربا المحرمة. وقد استمر النقاش والجدل حول الموضوع ليتفجر من جديد اوائل الستينات مع التدفق المالي نتيجة عائدات البترول، ومحاولة بعض الدول العربية انشاء بنوك لا تتعامل بالربا.

لذلك فقد جاء هذا الكتاب ردا على سؤال بعثت به اللجنة التحضيرية لبيت التمويل الكويتي التي شكلت في وزارة الاوقاف لوضع نظام لبنك اسلامي لا ربوي، وجاء جواب السيد الشهيد مفصلا ومكملا لما كان قد بداه في كتابه «اقتصادنا»، لان النظام المصرفي يعد ركيزة اساسية في هذا النظام الاقتصادي. وقد استطاع السيد الشهيد ان يقدم اطروحة جديدة للتعويض عن الربا، كشف عن اوجه النشاط البنكي اللاربوي، في ضوء الفقه الاسلامي.

في البداية تحدث السيد الصدر عن موقفه من الاطروحة التي سيقدمها، مبرزا الاختلاف الاساسي بين موقف من يريدان يخطط لبنك لا ربوي ضمن تخطيط شامل للمجتمع المسلم، وبين موقف من يريد ان يخطط لانشاء بنك لا ربوي بصورة مستقلة عن سائر جوانب المجتمع. وهذه الملاحظة مهمة لان النظام الاسلامي كل مترابط الاجزاء، ونجاح اي جزء منه يرتبط بتطبيق الاجزاء الاخرى. وبما ان تطبيق النظام الاسلامي في العالم الاسلامي تقف امامه عقبات كثيرة فان الاطروحة التي يقدمها السيد الصدر ستتماشى مع الموقف الثاني، وبالتالي فالبنك اللاربوي المقترح سيعمل في واقع يفرض عليه مجموعة من المعطيات والتحديات الموضوعية، لذلك يقترح السيد الشهيد ان تتحدد سياسة البنك اللاربوي في اطار ثلاثة اسس هي: 1 ان لا يخالف احكام الشريعة، 2 ان يكون قادرا على الحركة وتحقيق النجاح والربح كباقي المؤسسات، 3 ان تمكنه صيغته الاسلامية من النجاح بوصفه بنكا، وان يمارس دوره المطلوب في الحياة الاقتصادية.

في الفصل الاول تحدث السيد الصدر عن تنظيم علاقات البنك بالمودعين والمستثمرين، وحقوق المودع والبنك والمستثمر، وضمان الودائع، وكيف يتم الغاء العنصر الربوي في هذه العملية، بالاضافة الى ملاحظات عامة حول البنك اللاربوي..

في الفصل الثاني تحدث السيد الشهيد عن تقسيم الوظائف الاساسية للبنوك، القسم الاول الخدمات المصرفية، القسم الثاني والثالث حول وظائف البنك.

واخيرا الملاحق الفقهية التي عالج فيها عددا من الموضوعات ذات العلاقة مثل: مناقشة التخريجات التي تحول الفائدة الى كسب محلل، التخريج الفقهي لارباح البنك من المضاربة..

وبشكل عام، فهذا الكتاب يعد مكملا لبحوث «اقتصادنا»ومحاولة مبدعة لمعالجة اهم الموضوعات الاقتصادية المعاصرة، ونعني بها المصارف وموقعها في تحريك عجلة الاقتصاد العالمي، وبهذه الاطروحة قدم السيد الشهيد لدعاة الحل الاسلامي الدليل على قدرة الاسلام على الحلول محل الانظمة الوضعية المعاصرة والتفوق عليها.

يقع الكتاب في (248 ص)، وقد طبع عدة طبعات، منها الطبعة الثامنة التي انجزتها دار التعارف سنة 1983م.

(انظرالجزء 12 من المجموعة الكاملة). ويقول السيد كاظم الحائري بانه طبع قبل «الاسس المنطقية للاستقراء».

3 الاسلام يقود الحياة يحتضن هذا الكتاب مجموعة من البحوث المطولة التي تشكل بدورها كتبا مستقلة كتبها السيد الشهيد مباشرة بعدانتصار الثورة الاسلامية في ايران، وعالج فيها قضايا مهمة تتعلق بالمجالين السياسي والاقتصادي بخاصة، وقد تمت الاستفادة منها بالقدر المطلوب، وهذا ما ظهر في البحث او الكراس الاول الذي حمل عنوان: «لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الاسلامية في ايران»، وهو اجابة عن سؤال وجهه عدد من العلماء للسيد الصدر يتساءلون فيه عن هذا المشروع الذي طرحه زعيم الثورة الاسلامية الامام الخميني (قدس سره)، وقد جاء الجواب في (16 ص)اجمل السيد الشهيد فيها القول في عدد من الموضوعات تتعلق جميعها بطبيعة النظام السياسي الاسلامي، مثل ولاية الفقيه والعلاقة بين السلطات.

الكتيب الثاني: «صورة عن اقتصاد المجتمع الاسلامي» يقع في (28 ص)، وفيه مقدمات وشروح لما جاء في كتابه «اقتصادنا»، مع تفاصيل جديدة تعالج المعالم التفصيلية للاقتصاد الاسلامي.

الكتيب الثالث: «خطوط تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الاسلامي» يقع في (57 ص)، وهو تتمة للبحوث السابقة ومعالجة لمواضيع اخرى تفرعت عن البحث، مثل التوزيع الاولي لمصادر الثروة الطبيعية، الانتاج وكيف يتم توزيع منتوجاته،التصرف في الاموال مسؤولية الدولة العامة.

الكتيب الرابع حول: «خلافة الانسان وشهادة الانبياء» يقع في (40 ص)، وفيه توضيح لخطين ربانيين يقوم على اساسهمامجتمع التوحيد وتنسيق الحياة الاجتماعية للانسان على الارض.

اما الكتيب الخامس فتحدث عن: «منابع القدرة في الدولة الاسلامية» مستكشفا القدرات الهائلة التي تتميز بها الدولة الاسلامية في مجال التطوير الحضاري للامة والقضاء على اوضاع التخلف. يقع في (30 ص).

واخيرا بحث حول: «الاسس العامة للبنك في المجتمع الاسلامي»، ويندرج ضمن البحوث التي كان السيد الشهيد قدانجزها حول هذا الموضوع، يقع الكتاب في (204 ص) ، وجميع البحوث فيه طبعت عدة طبعات، منها طبعة دارالتعارف سنة 1990م. (انظر الجزء 12 من المجموعة الكاملة).

4- المدرسة الاسلامية لدراسة الاسلام من القاعدة الى القمة، كما كان السيد الشهيد يرغب ويعمل لذلك، وللاجابة على سؤال: ما هو النظام الذي يصلح للانسانية وتعتمده في حياتها الاجتماعية؟ وهل في مقدور الانسانية ان تقدم هذا الجواب؟ وما هو القدرالذي يتوفر في تركيبها الفكري والروحي من الشروط اللازمة للنجاح في ذلك؟ ولاتمام البحوث السابقة في كل من «اقتصادنا» و«فلسفتنا» وشرح الغوامض فيهما، كتب السيد الشهيد البحوث والدراسات التي تضمنها هذا الكتاب الذي يتكون من فصلين او حلقتين:

الحلقة الاولى تحت عنوان: الانسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية، وقد حاول السيد، من خلال مجموعة من البحوث، ان يعرض للحلول المقدمة للمشكلة الاجتماعية من طرف المذهبين الماركسي والديمقراطية الغربية، وان يبرز المؤاخذات والمسي التي تتخبط فيها الانسانية من جراء تطبيق هذين النظامين، كما اظهر فشلها الذريع في حل المشكلة الاجتماعية. ثم قدم وجهة نظر الاسلام في هذه المشكلة وكيف علل اسبابها ووضع الحلول الناجعة لها. ثم تحدث عن موقف الاسلام من الحرية والضمان مقارنة بالراسمالية والماركسية.

في الحلقة الثانية وتحت عنوان: ماذا تعرف عن الاقتصاد الاسلامي؟ يجيب السيد عن مجموعة من الاسئلة كان قدتحدث عنها بالتفصيل في كتابه «اقتصادنا»، مثل: ما هو نوع الاقتصاد الاسلامي؟ الاقتصاد الاسلامي كما نؤمن به؟اخلاقية الاقتصاد الاسلامي؟ ماذا ينقص الاقتصاد الاسلامي عن غيره؟ وما يميز هذه البحوث هو التوضيح والتبسيط لجعلها ميسرة ومفهومة لعدد اكبر من القراء، الامر الذي يساعد على انتشارهذه المعرفة الجديدة المتعلقة بالاقتصاد الاسلامي.

يقع الكتاب في (152 ص)، وقد طبع عدة مرات في لبنان سنة 1973 و1980م، وطبعته دار التعارف سنة 1990م.(انظر المجلد 13 من المجموعة الكاملة).

5- المحنة مجموعة من المحاضرات حول المحنة والامتحان، واستعراض لما تعرضت له الامة من مس وآلام على يد الحكام الظلمة في الماضي والحاضر. وموضوع التجديد والتغيير في النبوة.

ومحاضرة حول ثورة الامام الحسين (ع)، بالاضافة الى جواب السيد الصدر على سؤال بعث به اليه الشيخ محمد يعقوب حول الفرق بين الفتوحات الاسلامية والاستعمار.

يقع الكتاب في (112 ص)، وطبعته دار التعارف سنة 1990م.

(انظر الجزء 13 من المجموعة الكاملة).

6- رسالتنا مجموعة من المقالات ذات طابع فكري اجتماعي، كتبها السيد ونشرها في مجلة «الاضواء» النجفية، وبعد استشهاده جمعت ونشرت تحت هذا العنوان. وقد طبعت في طهران سنة 1982م.

مخطوطات غير مطبوعة هناك مجموعة من العناوين والبحوث التي انجزها السيد الشهيد ولم تعرف بعد طريقها الى النشر، ومن هذه البحوث عناوين لكتب صادرها النظام العراقي من ضمن ما صادر من كتب السيد الشهيد واوراقه ووثائقه، وقد تحدث عن هذه الكتب والعناوين تلامذته المقربون منه. من هذه المخطوطات:

1- مخطوطات تتعلق باسس الدستور الاسلامي، فقد ذكر الدكتور عبد الهادي الفضلي بان مجموع الاسس بلغ (30)اساسا، بينما المطبوع منها (9) فقط، اما البقية فقد صودرت، وقد يتم الكشف عنها في يوم من الايام.

2 دراسة تفصيلية عن الفلسفة الاسلامية مقارنة بالمذاهب الفلسفية القديمة والمعاصرة، كان قد شرع في تحريرها في ضوء منطق الاستقراء، وقد صادرها النظام البعثي، هذا ما ذكره السيد محمود الهاشمي في مقدمة الجزء السادس من «بحوث في علم الاصول»، واكد ذلك السيد كاظم الحائري.

3- تعليقة على صلاة الجمعة من «الشرائع»، لدى السيد كاظم الحائري نسخة منها.

4- تعليقة على الرسالة العملية للمرحوم آية اللّه العظمى الشيخ محمد رضا آل ياسين المسماة ب «بلغة الراغبين» ذكرهاالسيد الحائري كذلك.

5- تعليقة على «مناسك الحج» لاستاذه المرجع الاعلى السيد الخوئي، وتوجد نسخة منها لدى السيد كاظم الحائري.

خاتمة: هناك بحوث ودراسات كثيرة طبعت على شكل كتيبات او جمعت ضمن سلسلة يضم كل كتاب فيها مجموعة من العناوين، لكن ما اثبتناه في هذه الببلوغرافية يكاد يكون جردا لمجمل المؤلفات المطبوعة والمتداولة في الساحة وغيرها من العناوين المغمورة. لكن مع ذلك فهذه القائمة لا يمكن عدها نهائية، لانه من المحتمل ان تصدر بين الحين والاخر كتابات جديدة للشهيد الصدر، لان لدى تلامذته ومريديه مجموعة من المحاضرات المسجلة له، كما ان من الممكن ان تظهر تقريرات جديدة لبعض دروسه ومحاضراته العلمية.

منهج السيد محمد باقر الصدر في اثبات اصول الدين الدكتور حسين سعد تمهيد الغرض، من هذا البحث، تسليط الضوء على المنهج العلمي والفلسفي الذي اعتمده السيد الشهيد، الامام محمد باقرالصدر، في التصدي لواحدة من المشكلات التي واجهت الايمان والتصديق باللّه والنبوة ورسالة الاسلام، والناجمة عن تسرب فكر فلسفي، الحادي، وسم نفسه ب «العلمية» تارة، و«الوضعية»، بوصفها احدى خصائص العلم، تارة ثانية،و«المنطقية» ميزة الذهن البشري المعصوم عن الخطا، طورا، و«التجريبية» باعتبارها محك امتحان الحقائق، كرة رابعة، في عصر كادت فيه الثقافة الدينية الاسلامية تخسر لحساب تيارات فكرية وافدة، ارادت كسب العقول، بعيدا عن الدين،الذي رمته بالتقليد والابتعاد عن روح العصر، ووصمته بالتخلف ومعاداة التقدم العلمي والحضاري.

منهج الصدر، في رد الشبهة هذه، هو ما نطمح لعرض مقدماته، وتحليل نتائجه، من زاوية معرفية موضوعية، تطمح ايضاللاضاءة على منحى فكري، متجدد، في عقل كبير من عقول احياء الاسلام، واثبات جدارته في ساحة المعرفة،الملاى بتيارات مختلفة، وباتجاهات جديدة في الفلسفة من المادية الجدلية الى الوضعية المنطقية.

اما منهجنا في هذه المقاربة فيقوم على الحيدة والعرض الموضوعي، ما امكن، والعودة الى المقدمات الصدرية في منابعها الاصلية، لئلا تتاذى الفكرة الواقعة، فضلا عن الفضائل المعروفة للعودة المباشرة الى النصوص.

ا منهج الامام الصدر يحتل المنهج، عند الامام محمد باقر الصدر، على ما نظن، في النظر الى الكون والانسان من منطلق المصادر الالهية والبشرية للاسلام التاريخي، حجر الزاوية في مجمل البناء الفكري ومنظوماته المختلفة. ومفهومه للمنهج يقترب من مفهوم المنهج المعاصر، كما تدل عليه استخدامات الفلاسفة والمناطقة والعلماء، فهو طريق الادلة والبراهين على النظريات والافكار.

ويتنبه الامام السيد محمد باقر الصدر الى اهمية المنهج ودوره في المعرفة الحقة. ذلك لان «صحة الاستدلال ترتبط ارتباطا اساسيا بصحة المنهج الذي يعتمد عليه» ((47)).

لذا، اولى الصدر المنهج عناية خاصة، انتهت به الى توليد منهج في الاستدلال على آرائه واطروحاته، تناول ابرز قواعده في كتابه «الاسس المنطقية للاستقراء».

وعلى نحو خاص، نعني بمنهج الصدر في اثبات اصول الدين «المقدمة المطلوبة» ((48)) للاقتناع باصول الدين ودرجات الاستدلال على الصانع الحكيم والنبي المرسل محمد (ص) والاسلام باعتباره الرسالة.

فمنهج السيد الشهيد هو عودة على بدء للاجابة عن التساؤلات الكبرى: هل الماورائيات (اللّه، النبوة، المعاد) تخضع لاحكام العقل، او انها في طور خارج اطواره؟ وكيف يهتدي الانسان اليها بايمانه ام بعقله؟ هل علم الانسان طريق الاستدلال سابق على علم اللّه او ان علم اللّه سابق؟ وهو الاصل الذي يبتنى عليه مقتضى العلم الانساني؟ قبل الصدر بعشرة قرون، على الاقل، احتدم الجدل في الاسلام حول هذه المسائل: العقل ام النقل، وما يتفرع عنهما،ومسالة العلم الالهي. وقلب المعتزلة والاشاعرة افانين النظر حولها.

فقالت المعتزلة بكمال العقل وبالمعارف الضرورية التي تحصل للانسان طفلا كان ام ناضجا. «فمن عرف توحيد ربه وصفاته وعدله وحكمته بالضرورة فحكمه حكم المسلمين، وهو معذور في جهله بالنبوة واحكام الشريعة» ((49)). وهذا يفيد ان الانسان قادر على معرفة اللّه بالفطرة والضرورة.

وذهبت الاشعرية، على خلاف هذا، الى تثبيت الايمان بالقلب من دون نفي حصول معرفة اللّه بالعقل. قال ابو الحسن الاشعري (260ه 873مر 324ه 935م) : «... والواجبات كلها سمعية، والعقل لا يوجب شيئا، ولا يقتضي تحسيناولاتقبيحا . فمعرفة اللّه تعالى بالعقل تحصل، وبالسمع تجب» ((50)).

فالثابت، من كلام الاشعري، ان الايمان طريق معرفة اللّه، وان كان العقل قادرا على اكتسابها.

وعلى مشارف نهاية القرن العشرين، ياتي الصدر ليثير المسالة عن طريق العقل، لا ليثبت لنفسه بادلة العلم والعقل حقيقة الالوهية والنبوة، بل ليرفع الاسلام والمنهج الاسلامي الى مصاف النقاشات العالية مع اكتساح العقل البشري، على المستوى الكوني، نزعتان في التفكير هما: المادية الجدلية والوضعية المنطقية. وكلتاهما لا تقر، بحال، حقيقة الالهيات والماورائيات باشكالها كافة.

ولئن كان السيد الشهيد يسوغ منهجه، باعتباره المقدمة المطلوبة للاستدلال على وجود اللّه الخالق المدبر للكون، فاننانرى ان ثمة مشابهة بين مهمة هذا الامام الفيلسوف وبين ما لجا اليه ابن رشد (520ه 1126 م  595ه 1198م)باعتبار المنطق والفلسفة لا يضادان الشريعة، ذلك لان الفلسفة ليست «شيئا اكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع» ((51)).

اراد الامام الصدر ان يخاطب العقول النيرة خطابا عقليا مقنعا.

فوضع منهجا في الاستدلال على اللّه (المرسل) وعلى النبي (الرسول) وعلى الدين (الرسالة)، مميزا بين الدليل ومنهج الدليل، عارضا مراحل الاستدلال على اللّه مبدع الكون والوجود:

من الايمان بالفطرة او البداهة الى ادراك الخالق بالدليل الفلسفي، ثم ادراكه بالعلم. ويظهر الصدر طول باع في تتبع مراحل المعرفة من الحسي والتجريبي الى العقلي، فالوضعية المنطقية والمثالية الال هية والمادية الجدلية.

وبعد ان يتوقف عند رفض المادية الجدلية والوضعية المنطقية، ينتهي الى تركيب منهج يعتمد على الحس والتجربة بوصفهما بدايات للاستدلال، وهذا هو الاستقراء، وعلى العقل والاستنتاج لتنظيم الروابط والعلاقات الذهنية، وهذه طريق الفلسفة.

اذا، يلجا الصدر الى العلم والفلسفة لاثبات وجود الصانع. الى العلم من خلال الدليل العلمي، ومنهجه: «الدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات» ((52)). والى الفلسفة والعقل من خلال الدليل الفلسفي.

ب في الدليل العلمي الاستقرائي يمهد الصدر لدليله، بلغتنا، لثلاثة امور على طريقة ديكارت (1596 1650م) والغزالي (450ه 1059 م  501 ه آ1111م):

فالوضوح اولا، في عرض الدليل وتتبع نتائجه. وتحديد خطواته، ثانيا ببساطة وايجاز. والتحقق ثالثا من صحة المنهج او الوثوق بالنتائج التي تؤدي اليها على نحو ما نحا ابو حامد الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال» عندما حدداليقين بانه «هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه امكان الغلط والوهم» ((53)).

فاليقين، او الوثوق بالنتائج عند الغزالي، يتوقف على الايمان او الالهام والنور الذي يستضاء به. اما عند الصدر فاليقين ينجم عن اختبار الاحكام بالتجربة اليومية. فما دمنا نثق بنتائج منهج الدليل الاستقرائي في اثبات حقائق الحياة وحقائق العلوم صار بالامكان الوثوق به في الاستدلال على اللّه. ف «منهج الاستدلال على وجود الصانع الحكيم هو المنهج الذي نستخدمه عادة لاثبات حقائق الحياة اليومية والحقائق العلمية. فما دمنا نثق به لاثبات هذه الحقائق فمن الضروري ان نثق به بصورة مماثلة لاثبات الصانع الحكيم الذي هو اساس تلك الحقائق جميعا» . ((54)) والمماثلة، او المحاكاة، بين استدلالنا على ما هو ارضي، تصح بالضرورة على استدلالنا على ما هو الهي. هذا ما يخلص اليه الصدر، محددا خطوات منهج الدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات بخمس هي:

1- ملاحظة الظواهر بالعيان اي «بالحس والتجربة» ((55)).

2- بعد ملاحظة هذه الظواهر وتجميعها ننتقل الى مرحلة تفسيرها، «والمطلوب في هذه المرحلة ان نجد فرضية صالحة لتفسير تلك الظواهر وتسويغها جميعا، ونقصد بكونها صالحة لتفسير تلك الظواهر انها اذا كانت ثابتة في الواقع فهي تستبطن او تتناسب مع وجود جميع تلك الظواهر التي هي موجودة فعلا» ((56)).

واذا امعنا النظر في هذه الخطوة نجد الضوابط الاتية: 1 صلاح الفرضية، 2 ان تكون الفرضية صالحة يعني ان تثبت في الواقع 3- والثبات يعني الاستبطان (الدخول في باطن الشيء او ماهيته)، والتناسب (التشاكل والتماثل). فماهية الفرضية يتعين ان تتعلق بالممارسة مع ظاهر الظواهر وباطنها.

4- الخطوة الثالثة امتحان وجود الظواهر في ضوء الفرضية.

فهذه «الفرضية اذا لم تكن صحيحة وثابتة في الواقع ففرصة تواجد تلك الظواهر كلها مجتمعة ضئيلة جدا» ((57)).

بمعنى آخر، ان امتحان صدق الفرضية المفسرة للظواهر لجهة ثباتها في الواقع ترتبط باحتمال توفر الظواهر. فعلى افتراض عدم صحة الفرضية فان نسبة احتمال وجود الظواهرجميعها تكون اقرب الى احتمال عدمها، او عدم وجود واحدة منها على الاقل ضئيلة جدا.

5- والخطوة الرابعة ترتبط بسابقاتها. فكانها مقدمات صادقة لنتيجة طبيعية صادقة حتما. فمن الخطوة الثالثة «نستخلص ان الفرضية صادقة. يكون دليلنا على صدقها وجود تلك الظواهر التي احسسنا بوجودها في الخطوة الاولى» . ((58)) 6- والخطوة الخامسة تهدف الى التاكد من يقين الفرضية بعد افتراض صدقها. والقاعدة تصاغ هكذا: «ان درجة اثبات تلك الظواهر للفرضية تتناسب عكسيا مع نسبة احتمال وجود تلك الظواهر جميعا الى احتمال عدمها على افتراض كذب القضية.

فكلما كانت هذه النسبة اقل كانت درجة الاثبات اكبر حتى تبلغ في حالات اعتيادية كثيرة الى درجة اليقين الكامل بصحة الفرضية» ((59)).

وباختصار، فالخطوة الخامسة هي ربط بين ترجيح الخطوة الرابعة وض آلة الاحتمال في الخطوة الثالثة.

هذه خطوات الاستدلال الاستقرائي الذي يقوم على حساب الاحتمالات والذي يعتمده الصدر لاثبات وجود اللّه، وهي صادقة بذاتها. ولكن المنهج يحتاج الى اختبار وامتحان وتقييم: على مستوى الخبرة في الحياة، وعلى مستوى العلوم الطبيعية. فما يصح في هذين الحقلين يصح بالضرورة في حقل اثبات الصانع، فمفكرنا انتقل من التجربة الارضية العيانية الى العالم الالهي. فالفيزيقا طريق الاستدلال على المتافيزيقا بالاستقراء.

وما دام همنا ان نبحث في المنهج نفسه لا في نتائجه، فاننا نستعرض لماما فحوى طريقة الصدر الاستقرائية في اثبات وجود الصانع.

فالنظر الصدري ينطلق دوما من الظواهر العيانية. ففي الوجود نلاحظ «توافقا مطردا بين عدد كبير وهائل من الظواهرالمنتظمة، وبين حاجة الانسان ككائن حي وتيسير الحياة له على نحو نجد ان اي بديل لظاهرة من تلك الظواهر يعني انطفاء حياة الانسان على الارض او شلها» ((60)).

وبعد ان يستعرض الصدر تلك الظواهر المستمرة في الزمان ينتقل الى استكشاف الرابط بين الظواهر الطبيعية وحياة الانسان، خالصا الى «فرضية» الصانع الحكيم لهذا الكون» . ((61)) ثم يمتحن الصدر ثبات هذه الفرضية في الواقع، لينتهي الى «ترجيح ان تكون الفرضية التي طرحناها في الخطوة الثانية صحيحة، اي ان هناك صانعا حكيما» ((62)).

من صدق الافتراض الى اليقينية القاطعة يصل الصدر الى نتيجة لا يشوبها شك، وهي ان يكون «للكون صانع حكيم بدلالة كل ما في هذا الكون من آيات الاتساق» ((63)).

ويشفع الصدر دلالته الاستقرائية بتثبيت آية تدعم خلاصة استدلاله الوضعي (سنريهم آياتنا في الافاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق اولم يكف بربك انه على كل شيء شهيد) [فصلت:53].

فالاية تحث على الايمان باللّه وكتابه، بدلالة ما في السماوات والارض من النيرات والنبات من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، لتصديق ان القرآن منزل من اللّه الذي لا يغيب عنه شيء.

وعليه، فالاستقراء العلمي لا يتنافى قط مع الحقائق القرآنية.

وتدل التجربة على انهما يفضيان الى نتيجة واحدة هي وجود اللّه الصانع المدبر للكون وما فيه.

ج في الدليل الفلسفي ولم يكتف الصدر باللجوء الى العلم للاستدلال على اللّه الخالق، بل عمد الى الفلسفة يستدل منها على اللّه ايضا. وكانه اراد ان يختبر حقول المعرفة جميعها، ليثبت ان الاسلام حقيقة ربانية غير قابلة للنقض بادلة المعرفة المتاحة.

سبق ديكارت العقلاني الصدر الاسلامي باربعة قرون في محاولته تسخير الميتافيزيقا الفلسفية في اثبات الميتافيزيقاالالهية.

لم يكن ديكارت على شك بالكتب المقدسة التي تحدثت عن وحدانية اللّه. لكنه سعى الى اثبات ان «العقل الطبيعي قادر على اثبات وجود اللّه» ((64)) ايضا.

اعتمد ديكارت على «الكوجيتو»: «انا افكر اذن انا موجود»، وعلى قواعد منهجه في التميز والوضوح، ليخلص الى معادلات عقلية بديهية، اي صحيحة بذاتها من نوع ان «الاشياء التي نتذهنها بوضوح تام وتمييز تام هي صحيحة» ((65)).

لقد انطلق الفيلسوف الفرنسي من فكرتي العلة والمعلول، والكمال. والكمال يشهد وجوده من علة فاعلة، وهي بالضرورة خارجة عنا. وهاتان فكرتان فطريتان يمتلكهما الذهن، ولا يستدل عليهما بالحواس، بل هما مخلوقتان في النفس مع الانسان. ففي «الانسان فكرة عن اله» ((66)). وهي فكرة خارجة عن ذاتي. «وكلما امعنت النظر فيها، ان الفكرة التي لدي عنها لا يمكن ان اكون انا وحدي مصدرها. اذن يترتب علينا ان نستنتج، من كل ماسبق، ان اللّه موجود» ((67)).

فعلى خلاف الفلاسفة السابقين عليه لجا ديكارت الى العقل الطبيعي نفسه يستنبط منه بديهيات واضحة ومتميزة اسعفته على التثبت من وجود اللّه. فهو لم يلجا الى العلة والمعلول والواجب والممكن على غرار ارسطو وتلامذته من المشائين العرب.

وسواء اكان الصدر قرا ديكارت ام لم يقراه، فانه ينسج على منواله في اختبار قدرة العقل الطبيعي على اثبات الصانع الحكيم للكون والانسان، كانه لم يكفه الايمان والدليل العلمي الذي استعان به، فلجا الى الفلسفة لا ليكسب تاييدهالمبدا وجود اللّه الخالق الابدي، الازلي، ففلاسفة كثيرون اهتدوا الى اللّه وعمدوا الى اثبات وجوده بادلة عقلية، بل ليخضع سائر ادوات المعرفة للمعتقد القرآني وآياته البينات.

وقبل تحديد ما يقصده بالدليل الفلسفي وتقرير بديهياته العقلية، في التاسيس لقياس يفضي الى اثبات وجود اللّه، يميزالصدر بين الدليلين العلمي والفلسفي، ملاحظا ان الاول تقاس يقينيته بالتجربة والحس، ويصاغ بطريقة استقرائية.

اماالثاني فهو «الدليل الذي يعتمد لاثبات واقع موضوعي في العالم الخارجي على معلومات عقلية (المعلومات العقلية هي المعلومات التي لا تحتاج الى احساس وتجربة) اضافة الى مبادىء الدليل الرياضي» ((68)).

والمضايفة بين ما يسميه الصدر «معلومات عقلية» وبين «الاكسيوماتيك» الرياضي، هل تعني سوى مقايسة تلك بهذابغرض التثبت قبلا من صدق المعلومات المقدمات، لاقامة دليله الفلسفي انطلاقا من البرهان الارسطي المعروف بالقياس؟ تنبه الصدر الى الحاجة لاختبار مدى صدق المعلومات العقلية، فهو لم يبحث عن ضمان لاختبار مدى صدق المعلومات العقلية في التجربة والحس والاستقراء، كما هي الحال في العلوم الطبيعية، بل درس خاصياتها الصادقة بذاتها. فكما هي صادقة في الرياضيات البحتة هي صادقة ايضا في مجال المعرفة الفلسفية، وان لم يختبرها بالمشاهدة وتكرار المشاهدة «فان هناك في معلوماتنا ما يحظ ى بثقة الجميع كمبدا عدم التناقض الذي تقوم عليه كل الرياضيات البحتة، وهو مبدا يقوم ايماننا به على اساس عقلي، وليس على اساس الشواهد والتجارب في مجال الاستقراء» ((69)).

سلمت الفلسفة، منذ ارسطو، بالمقدمات الاولية المطلقة للبرهان. وسميت «علوما متعارفة»، مثل مبادىء عدم التناقض والثالث المرفوع والعلية «وهي لا تدخل عادة في القياس، بل يتمشى القياس بموجبها اي انها مقدمات بالقوة لا بالفعل،وهي ليست غريزة في العقل، لكن العقل يكتسبها بالحدس فتبدو كالغريزة» ((70)).

اما ابن سينا فنحا منحى مختلفا عن ارسطو عندما اعتبر المعقولات الاولى ضرورية لاستكمال عملية المعرفة العقلية.وهو يعني «بالمعقولات الاولى المقدمات التي يقع بها التصديق، لا باكتساب... مثل اعتقادنا بان الكل اعظم من الجزء،وان الاشياء المساوية لشيء واحد متساوية» ((71)).

والتسميات الثلاث، عند ارسطو وابن سينا والصدر، وان اختلفت على مستوى اللفظ، فانها تتفق على مستوى المعاني،وتفيد ان العقل الانساني يشتمل على حقائق فطرية، صادقة بذاتها، من شانها ان تسعفه في الانتقال قدما من المعلوم الى المجهول لبلوغ مطالبه، والتاسيس لمعرفة عقلية شاملة.

لا يعبا الصدر كثيرا بتاريخ الفلسفة بوصفه مرجعا لبناء الثقة بمعلومات العقل، ويحاكم الفلسفة على وجهين: الوجه الاول يتصل بالثقة بمبادىء الرياضة غير المرتبطة «بالاحساس والتجربة» ((72)). والوجه الثاني انتقاد الوضعية المنطقية ((73))ورفض المذهب التجريبي ((74)) واثبات المذهب العقلي ((75)). وهو يكرس القسم الرابع، من كتابه «الاسس المنطقية للاستقراء»، لامتحان مقدمات المعرفة البشرية، ويركز بصورة خاصة على هدم المنطق الوضعي التجريبي باثبات امكان الاستدلال استقرائيا على القضية الاولية النظرية من خلال «علاقة اللزوم» بين الموضوع والمحمول. مثال: «الكل بطبيعته يستلزم ان يكون اعظم من الجزء، وان اشتراك الزوايا في صنعة انها قائمة ليست بطبيعته انها متساوية.. فهناك اذن آموضوع يستلزم بطبيعته صورة معينة، ولا ينفك عنها في حال من الاحوال. وعلاقة اللزوم الذاتي هذه بين الموضوع والمحمول، يمكن من ناحية مبدئية الاستدلال عليها استقرائيا» ((76)).

وما يطمح ان ينتهي اليه الصدر، من جملة تشريحاته وانتقاداته للمنطق الوضعي، هو تسويغ الثقة بالاعتقاد بالمعلومات العقلية «على الرغم من عدم ارتباطه بالاحساس والتجربة، فمن الطبيعي ان نسلم ان بالامكان ان نثق احيانا بالمعلومات العقلية التي يعتمد عليها الدليل الفلسفي» ((77)).

ان الصدر يعنى عناية خاصة بمقدمات دليله الفلسفي او القضايا البديهيات التي يستقيم عليها الدليل، فهي مثبتة بالشعور الفطري الصادق بذاته وبالاستقراء العلمي الثابت بالتجربة.

ومن دليله هذا يرمي الصدر الى النفاذ الى اليقين القاطع بوجود اللّه، لذا، يميز بين نوعين من اليقين:

الذاتي والموضوعي، اي الفطري والاستقرائي. ويحدد لكل منهما نطاق مفهومه. «فاليقين الذاتي هو التصديق باعلى درجة ممكنة سواء كان هناك مبررات موضوعية لهذه الدرجة ام لا. واليقين الموضوعي هو التصديق باعلى درجة ممكنة على ان تكون هذه الدرجة متطابقة مع الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية. او بتعبير آخر: ان اليقين الموضوعي هو ان تصل الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية الى الجزم» . ((78)) والمعنى المقصود بما تقدم، اخضاع القضية الفلسفية الى شرط موضوعي (خارج الذات) هو الواقع، بغية اختبار مدى المطابقة بين الفكرة والروابط الخارجية المتموضعة التي تعبر عنها الفكرة. فاذا حصل التطابق دل على صدقها، واذاحصل عكسه دل على خطئها.

وبعد ان يمهد الصدر للقضايا التي يعتمد عليها دليله الفلسفي باثبات صدقها بذاتها ينتقل الى استعراضها ويحصرهابثلاث: «1 كل حادثة لها سبب. 2 الادنى لا يكون سببا لما هو اعلى منه درجة. 3 اختلاف درجات الوجود في هذاالكون وتنوع اشكاله كيفيا» ((79)). وهذه القضايا الثلاث يثبتها الصدر بدليل الشعور الفطري وبمعطيات العلم ومنهجه الاستقرائي. ويتوقف عند ظاهرة «التكامل في وجود المادة وزيادة نوعية فيه» ((80)). ليخلص الى اثارة التساؤل: من اين جاءت هذه الزيادة؟، «وكيف ظهرت هذه الاضافة ما دام لكل حادثة سببا» ((81)).

يجيب الصدر عن هذين التساؤلين من وجهين. ويمتحن نتائجهما على ضوء القضايا البديهيات التي يسلم بها. الوجه الاول: ان التكامل في المادة والزيادة فيها جاء من المادة اياها. «فالمادة التي لا حياة فيها ولا احساس ولا فكر ابدعت من خلال تطورها الحياة والاحساس والفكر، اي ان الشكل الادنى من وجود المادة كان هو السبب في وجود الشكل الاعلى» ((82)).

فالوجه الاول لا يصمد امام المنطق الداخلي للقضايا البديهيات، ذلك ان الادنى لا يمكن ان يكون سببا للاعلى.«فافتراض ان المادة الميتة التي لا تنبض بالحياة تمنح لنفسها او لمادة اخرى الحياة والاحساس والتفكير يشابه افتراض ان الانسان الذي يجهل اللغة الانكليزية يمارس تدريسها» ((83)).

اذا، لم يبق سوى الوجه الثاني، اي تطور المادة كيفيا وكميا بافتراض مصدر فاعل من خارج المادة، ليس هو العقل الفعال((84))، كما ظن ارسطو والمشاؤون العرب، بل هو اللّه تعالى فاطر الكون وخالق الانسان. والمصدر (اللّه) «يتمتع بكل ماتحتويه تلك الزيادة الجديدة من حياة واحساس وفكر، وهو اللّه رب العالمين، سبحانه وتعالى، وليس نمو المادة الاتنمية وتربية يمارسها رب العالمين بحكمته وتدبيره وربوبيته» . ((85)) لم ينطلق الصدر في بحثه في اثبات وجود الخالق (اللّه) في دليله الفلسفي على طريقة السبر العلمي، اي امتحان جملة المصادرات واختبارها للتبين بانها قادرة على اداء الغرض المقصود، بل لجا الى تسخير قضايا العقل المسلم بها لدعم الحكم القرآني الميقون عنده. فلا خلاف بين احكام العقل واستبطانه الداخلي وبين دلالة الايات الكتابية. فما انتهى اليه في دليله الفلسفي ينطبق شديد المطابقة مع الاية (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرارمكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشاناه خلقا آخر فتبارك اللّه احسن الخالقين) [المؤمنون: 23/12 14] فالاية بينة الدلالة على اللّه الخالق، الذي اخرج الانسان الى الوجود من مادة ميتة (طين) الى مادة حية (علقة) الى صورة بمادة لحم وعظم، فاستحالت المادة شيئا آخر هو الانسان، بعلة خارجة عن المادة هي اللّه احسن الخالقين، اي المقدرين، باتحاد الجسد بالروح، فاصبح المخلوق من طين وعلقة ومضغة انساناكاملا.

وعليه، يظهر لنا جليا ان الدليلين: العلمي الاستقرائي والفلسفي العقلي ينسجمان مع روح النص القرآني، بل الى اكثر من هذا يذهب الصدر، حين يرى ان الايات البينات راعت طبيعة العصر الذي نزلت فيه، باعتباره عصر علم وتجربة.

وهذا الامر يحملنا على التوقف عند مسالة مهمة تتمثل في ان القرآن قد ركز على هذين الاستدلالين في اثبات الصانع،الامر الذي حدا بالمفكر الصدر الى تتبع الارتباط بين الايمان والعلم، ليخلص الى البرهنة على انهما مرتبطان في اساسهما المنطقي بالاستقراء. «وهذا الارتباط المنطقي بين مناهج الاستدلال العلمي، والمنهج الذي يتخذه الاستدلال على اثبات الصانع بمظاهر الحكمة، قد يكون هو السبب الذي ادى بالقرآن الكريم الى التركيز على هذا الاستدلال من بين الوان الاستدلال المتنوعة على اثبات الصانع، تاكيدا للطابع التجريبي والاستقرائي للدليل على اثبات الصانع»((86)).

وهكذا، نرى ان الصدر سخر دليليه الاستقرائي التجريبي والعقلي القبلي لاثبات وجود اللّه، الذي هو على يقين من وجوده بالتقليد الديني.

وبعد ان يفرغ من البرهنة على وجود اللّه الصانع الحكيم، ينتقل الصدر الى اثبات النبوة اطلاقا، ونبوة محمد رسول اللّهالى عباده، بصورة خاصة. وذلك «بالدليل العلمي الاستقرائي وبنفس المناهج التي نستخدمها في الاستدلال على الحقائق المختلفة في حياتنا الاعتيادية وحياتنا العلمية» ((87)).

ولهذا، يعقد الصدر مطالعة استدلالية بالاستقراء العادي والعلمي: فينطلق من امثلة من الحياة العادية، ككتابة رسالة بمستوى رفيع اسلوبا وثقافة ونسبتها الى صبي صغير، ومن الحياة العلمية التي تنتج في ظروف معينة ظاهرة ما، واذاخرقتها بمعلومات جديدة، كان ذلك يعني توفير مصدر آخر اليه يعزى هذا الجديد المضاف، فالرسالة المحمدية، لا بدمن ان تفصح عن ان صاحبها هو غير ناقلها، باعتبار ان ما جاء في القرآن اكبر من الظروف والعوامل المحسوسة التي عاش في كنفها النبي محمد الذي «لم يتيسر له بحكم عدم تعلمه للقراءة والكتابة ان يقرا شيئا من النصوص الدينية لليهودية او المسيحية، كما لم يتسرب اليه اي شيء ملحوظ من تلك النصوص عن طريق البيئة، لان مكة كانت وثنية في افكارها وعاداتها، ولم يتسرب اليها الفكر المسيحي او اليهودي، ولم يدخل الدين الى حياتها بشكل من الاشكال،وحتى اولئك الحنفاء الذين رفضوا عبادة الاصنام من عرب مكة لم يكونوا قد تاثروا باليهودية او المسيحية، ولم ينعكس شيء من الافكار اليهودية او المسيحية على ما خلفه قس بن ساعدة او غيره من تراث ادبي او شعري» ((88)).

والمقصود من المماثلة بين الادلة الانفة اثبات ان اللّه هو الذي اوحى بالرسالة (القرآن) الى النبي محمد (ص). ويمضي الصدر في استقراء التاريخ والمعطيات المحيطة ببيئة الرسول وما اتى به. والغرض المنشود تفسير مهمة النبي محمد(ص) على اساس الوحي والامداد من السماء. وهذا ما ينسجم مع معنى الاية (وكذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وانك لتهدي الى صراط مستقيم)[الشورى:52].

فالنص القرآني بين الوضوح في مسالة الوحي، وابلاغ الايمان والقرآن لمحمد. ولكن الصدر، وهو على ايمان قاطع باللّهورسوله، شاء ان يحتذي حذو المفكرين في اثبات النبوة ليس على طريقة الغزالي الصوفية، بل على طريقة العلماء في اثبات صحة علومهم في الطبيعيات وسواها.

بعد ان فرغ الصدر من اثبات المرسل (اللّه) والرسول (النبي) بقي عليه ان يثبت الرسالة (القرآن). فاي طريق نهج في اقامة الدليل على ان الدين الاسلامي من لدن اللّه وليس من صناعة البشر؟ لا يثبت المفكر الصدر نبوة محمد بالاستقراء المستمد من الحياة العادية والحياة العلمية، بل من مواصفات الرسالة واشتمالها على ما يربط الانسان بربه كينونة ومصيرا.

فالاسلام «استهدف قبل كل شيء ربط الانسان بربه ومعاده» . ((89)) يسلك الصدر طريقا استدلاليا قوامه التعرف على الشيء من صفاته، فرسالة محمد الهية بجملة من الخصائص تبدابسلامة الرسالة، اي عدم تحريفها، وتنتهي بانها آخر «اطروحة ربانية» . ((90)) ويظهر، من تتبع استعراض مميزات الرسالة، ان الصدر يستغرق في بحث يفتقد الدلالة كما رايناه في المسالتين المتصلتين باللّه والرسول، فالرسالة اولا «ظلت سليمة ضمن النص القرآني» ((91))، انسجاما مع الاية (انا ن حن نزلنا الذكروانا له لحافظون) [الحج: 9/15]. وثانيا ان بقاء النص القرآني كما هو يعني اثباتا للنبوة ودليلا عليها لان «كل نبوة لا يمكن التاكد من دليلها لا يمكن ان يكلف اللّه سبحانه وتعالى بالاعتقاد بها» ((92)). وثالثا، ينهض الزمان شاهدا على الرسالة المحمدية، ليس فقط، على صعيد منهج القرآن القاطع على ربط الادلة على وجود الصانع بدراسة الكون وظواهره، «بل لان الانسان الحديث يجد اليوم في ذلك الكتاب الذي بشر به رجل امي في بيئة جاهلية قبل مئات السنين اشارات واضحة الى ما كشف عنه العلم الحديث» ((93))، وفي ذلك مثل ما جاء في الاية (وارسلنا الرياح لواقح) [الحج: 9].

وينسب الصدر الى المستشرق الانجليزي انجيري ((94)) (خزحخ ذآ) قوله: «انما اصحاب الابل عرفوا دور الريح في تلقيح الاشجار والثمار قبل اوروبا بقرون».

ورابعا وخامسا وسادسا، تتصف رسالة الاسلام باقامة التوازن بين مختلف جوانب الحياة، «واستطاعت ان تحول الشعارات التي اعلنتها الى حقائق في الحياة اليومية للناس» ((95))، فدخلت، حقيقة، في التاريخ، ليس بوصفها عاملامكونا، وانما صنعت التاريخ بدءا من لحظة دخولها حياة العرب، الامر الذي يؤدي الى استبعاد الفهم المادي الخاط ىءللتاريخ. الذي «لا ينطبق على امة بني وجودها على اساس رسالة السماء. وما لم تدخل هذه الرسالة في الحساب كحقيقة ربانية لا يمكن ان نفهم تاريخها» ((96)).

وسابعا: حفرت رسالة النبي محمد في التاريخ البشري كله، ولم يقتصر اثرها الدائم على حياة المسلمين، بل شمل حياة اوروبا بشهادة باحثين اوروبيين «يعترفون بان الدفعة الحضارية للاسلام هي التي حركت شعور اوروبا النائمة من نومهاونبهتها الى الطريق» ((97)).

وثامنا، ان كون رسالة النبي محمد آخر اطروحة ربانية هي خاتمة النبوات، وهذا يعني نفي «ظهور نبوة اخرى..

ويؤكداستمرار النبوة الخاتمة وامتدادها مع العصور» ((98)). اما كيف يكون هذا الاستمرار؟ فالجواب يكمن في ان ما ثبت طوال اربعة عشر قرنا «سيظل منطبقا على الواقع مهما امتدالزمن» ((99)).

وهذه ميزة اضافية للرسالة المحمدية القادرة «على الاستمرار مع الزمن وكل ما يحمل من عوامل التطور والتجديد»((100)).

والرسالة لا تستمر في الزمان الاتي قياسا الى استمرارها في الزمان الماضي وحسب، بل ان «الحكمة الالهية قضت اعداداوصياء يقومون باعباء الامامة والخلافة» ((101)). وهم الائمة الاثنا عشر، بدءا بعلي بن ابي طالب (ع) وانتهاء بمحمد بن الحسن المهدي (الامام المنتظر) (ع)، وهذا تاسعا. واذا ما اثير التساؤل عن يقينية تسمية هؤلاء الائمة، اجاب الصدر:

ان اليقين جاء به النص «في احاديث صحيحة اتفق المسلمون على روايتها» ((102)).

اما الخاصية العاشرة والاخيرة للرسالة المحمدية، فتكمن في استمرار الاسلام من خلال الفقهاء. ذلك انه في «حالة غيبة الامام الثاني عشر، عليه الصلاة والسلام، ارجع الاسلام الناس الى الفقهاء وفتح باب الاجتهاد بمعنى بذل الجهد في استنباط الاحكام الشرعية من الكتاب والسنة» ((103)).

خاتمة اتبع الصدر منهجا استقرائيا علميا في اثبات وجود الخالق، بالرغم من انه على يقين ثابت وقاطع بوجود اللّه وبعثة نبيه محمد ورسالته القرآن. وهو اراد ان يساجل عصره بمناهجه واحكامه ونظرياته، فاصطنع منهج العلوم الطبيعية(الاستقراء)، واستفاد من منهج الرياضيات (الاستنباط الاكسيوماتيكي) ليثبت ان ما صح في العلوم يصح، بالضرورة، في الدين، او في النظر الماورائي.

لقد مثل المنهج الاستقرائي، في الاستدلال على اصول الدين، محاولة اسلامية جريئة، وجديدة، في تجاوز منهج علم الكلام التقليدي القائم على القياس الارسطي، وذلك لان «الدليل الاستقرائي لاثبات الباري اقرب الى الفهم البشري،واقدر على مل ء وجدان الانسان بالايمان» ((104)).

وبهذا يكون الصدر قد نجح في استنباط منهج للاستدلال والاقتناع ينسجم مع روح العصر، ولا يتعارض مع اسلوب الاستدلال القرآني على الصانع الخالق. وهذه واحدة من مناحي التجديد في الفكر الاسلامي، التي صح اعتبار الشهيدالصدر رائدها الاول، فهو لا يوفر دليلا اهتدى اليه العقل، او حقيقة يسلم بها العلم، الا واستعان بها على بلوغه هدفه.

نظرية المعرفة في ضوء «الاسس المنطقية للاستقراء» السيد عمار ابو رغيف الموقف المعرفي الجديد عالج فلاسفة اليونان وحكماء المسلمين الذين سيطروا على التفكير العقلي في الاسلام «مشكلة الاستقراء» بروح واحدة، كما عالجها حكماء اوروبا المحدثون على الاغلب بروح اخرى، ورغم تعدد الوان المعالجة والمحاولة ظلت نتيجة الدليل الاستقرائي احتمالية لا تتعدى الظن الى اليقين! حتى ورود «الصدر» هذا الميدان. لقد صدر الشهيد الصدرمن هذا الميدان، خالصا الى عقم معالجة الارسطيين والتجريبيين معا لمشكلة الاستقراء، ثم اعلن نهاية عهده الاحتمالي، مدللا على يقينية الاستقراء.

لكن موضوع بحثنا ينصب على «المعرفة البشرية»، ولا يستقل في معالجة الدليل الاستقرائي منطقيا ورياضيا وفلسفيا.من هنا، فليس بوسعنا ان نعرض بالتحليل ل «الاسس المنطقية للاستقراء» بوصفه دراسة شاملة، انما يعنينا من هذه الدراسة موقفها من المعرفة البشرية. لذا يتعين علينا بدءا ان نستل نظرية الشهيد الصدر في المعرفة من خلال كتابه «الاسس المنطقية للاستقراء» استلالا، من دون ان نخرج عن خطة بحثنا، ومن دون ان نستلها موجزين ايجازا لا يفي بغرض البحث.

وينبغي ان ننوه بان الموقف المعرفي الجديد الذي طرحه الشهيد الصدر ينصب اساسا على المعرفة في طورهاالتصديقي، حيث تناول الدليل، وليس لهذا الطرح علاقة بالمعرفة التصورية.

اسس المدرسة العقلية في المعرفة البشرية يحسن بنا، قبل ان نعرض قصة المعرفة البشرية في ضوء «الاسس المنطقية للاستقراء»، ان نعرض النتائج والافكار التي انتهت اليها، وتبنتها المدرسة العقلية في قضايا المعرفة البشرية، حيث نسجل من خلال ذلك ما انتهى اليه «اصول الفلسفة» و«فلسفتنا» من اسس في هذا المجال:

المعرفة البشرية معرفة واقعية، تكشف عن واقع موضوعي بفضل المبادى الاولية التي يتوفر عليها العقل البشري قبل التجربة، وان هذه المبادى الاولية اليقينية هي التي تمنح استدلالات العقل البشري اليقين، وبذلك تبتدى المعرفة من الكل، «وهو عبارة عن هذه المبادى الكلية العامة»، ومن دون ان تنتهي المعرفة الى هذه المبادى لتستنبط بفضلها نتائجهالا يمكن الوقوف على صحتها والتيقن بها...

وهذه المعارف الاولية تنقسم الى قسمين رئيسين: احدهما ما هو شرط لكل معرفة بشرية، وهو مبدا الهوية الذاتية.والاخر ما هو شرط للحصول على بعض المعارف البشرية، كمبدا العلية، واستحالة ان يكون الاتفاق دائميا.

قصة «المعرفة البشرية»، في «الاسس المنطقية»، تبتدى من «مشكلة الاستقراء»، فهناك فجوة بين المفردات المستقراة،وبين الحكم العام، الذي يؤول اليه الاستقراء.

وقد حاولت مدارس المنطق المختلفة معالجة هذه الفجوة، تحت العنوان المتقدم: «مشكلة الاستقراء».

كيف صح الانتقال من المفردات المحدودة في الاستقراء الناقص الى قاعدة وحكم شامل، يصدق على الواقع المستقرا، كما يصدق على ما عداه من مفردات لم تستقرا وهي قائمة، او انها ستقوم؟ لقد حدا هذا الاشكال بالمنطق الارسطي، بل بالمدرسة العقلية في المعرفة بعامة، الى البحث عن قاعدة حل، تعالج في ضوئها المشكلة. وقد اتت المدرسة العقلية على حل ينسجم مع مبادئها المعرفية التي تقدم استعراضها فانقذت الدليل الاستقرائي بسلاحها العتيد «المبادى الاولية».

وقالت: ان الاستقراء المنتج ليس انتقالا من الجزء الى الكل، لكي تطرح مشكلة الطفرة الاستقرائية، بل يعود في جوهره الى قياس منطقي، تتمثل كبراه في القاعدة العقلية الاولية:

«استحالة ان يكون الاتفاق دائميا».

من هنا بدا «الاسس المنطقية للاستقراء» صراعه مع المدرسة العقلية، التي تبنى «الصدر» مبادئها كاملة في «فلسفتنا».

لاحظ «الاسس المنطقية» ان القاعدة التي استشفع بها المنطق الارسطي في معالجة مشكلة الاستقراء ليست قاعدة قبلية،بل هي بدورها قاعدة استقرائية، يصح الركون اليها بعد التجربة، ولا يمكن الاعتماد عليها، من دون استقراء وتجربة،ومن ثم لا يصح استخدامها اداة لاثبات حقانية الدليل الاستقرائي.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية