الصفحة السابقة

الصفحة التالية

جده الحسين، والدما القانية التي لونت الارض في لحظة عاشورا تسري في عروقه، وللحسين سر في اعماق الصدرغير فصيلة الدم، ولكنها الثورة الكامنة فيه، وفي ذلك التصميم الملحمي على الشهادة.. على الموت من اجل الحياة..من اجل الخلود.

هو غصن من شجرة سماوية، والذين دققوا في حنايا التاريخ..

في زواياه المظلمة لا بد من ان تستوقفهم شمعة تتوهج،فعلى شواط ى المتوسط من ارض تركيا، وفي سنة 965ه.، سقط احد اجداده صريعا مضمخا بالدما، فقد اغتالته اليدالسودا على نحو مؤسف ((31)) من دون ذنب سوى الراي والفكر والعقيدة.

هذه جذور الصدر.. بعيدة الغور.. شجرة معمرة تقاوم عواصف التاريخ ورياح الزمن.

الميلاد في الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة، عام 1353ه.، اطل الوليد المبارك على الدنيا، في «الكاظمين»، على شواط ى دجلة، عندما يخترق النهر بغداد.

ويمر عامان ونصف فيسدد القدر اولى ضرباته القاسية.

كانت سنة 1356ه. علامة محفورة في ذاكرة الصبي، فقد ابتسم لانه راى الى جانبه اختا سترافقه الدرب حتى النهاية.

اجل مر عامان ونصف، فابتسم الصبي لحظة، ليحزن الدهر كله.

فجاة يختطف الموت اباه العظيم. غابت الشمس، فالدنيا برد وصقيع... لقد انهد العمود فتهاوت الخيمة خاوية على عروشها.

واصعب ليلة في الدهر ليلة يتيم ينتظر عودة ابيه فلا يعود. ها هي الاسرة الصغيرة تمضي الليل من دون طعام، من دون عشا.

وتعلم الصبي اول دروس الحياة... فالحياة مدرسة تعلم المرء كل شيء. يكفي ان تفتح عينيك.. ان ترهف سمعك، لترى الاشيا على حقيقتها.

تعلم الصبي الطهر اول ما تعلم من دروس الحياة... تعلم ان يكون نظيفا طاهرا كقطرة الندى تتالق في ضوء الشمس.واصعب شيء على الفقير ان يبقى نظيفا، كاني به يقول: اذا كان ثوبك وحيدا فلا ينبغي ان يكون قذرا.. ان نظافة الثوب الوحيد من انبل جهاد الفقرا. فاذا كتب عليك ان تكون فقيرا فحاول ان تكون شريفا.

وتعلم الصبي الصبر حتى تعود مذاق الحنظل. تعلم الطهر والصبر وعلمهما.. علم «آمنة» درسين من دروس الحياة..وكانت اخته رمزا للطهر ومثالا في الصبر.. كانت «زينب» هذا العصر المتوحش.

الخطوات الاولى وتمر الايام ويتدفق نهر الزمن، تتدافع امواجه غير آبه بهذا او بذاك. وباقر الصدر الان في الصف الثالث الابتدائي في مدرسة «منتدى النشر» ينطلق كل يوم الى مدرسته ينهل العلم والمعرفة ويتشرب ثقافة عصره... والتاريخ في غفلة عن تلك اللحظات.. عن تلك الحقبة الحافلة التي صقلت عبقرية كامنة في الاعماق. حتى اذا دوت عبقريته عاد التاريخ القهقرى يبحث هنا وهناك عن البدايات.. عن البذرة والموسم والحصاد.. يضيء شمعة هنا ويسرج قنديلا هناك.

والتاريخ ذاكرة الجنس البشري.. ذاكرة شيخ غارق في السنين والحوادث، وانى له الالتفات الى صبي صغير في سيمائه ملامح النبوات وعنفوان الرسالات.

باقر الصدر في الصف الثالث، ينطلق كل يوم الى مدرسته «منتدى النشر» ليكون اول الداخلين. يلج الصف كانه يلج معبدا..

وينظر الى معلمه بخشوع المريدين.

كان مثالا في ادبه وفطنته وذكائه.. بذرة تنطوي على سر شجرة معطا وعقل يكتنف سر عبقرية سيكون لها شان،واي شان.

وها هو التاريخ يعود القهقرى.. الى الورا، ربما اربعين سنة او تزيد. لنرى كيف يضغط على جبينه.. يعتصر ذاكرته ليضيءشمعة تلقي ولو بصيصا من الضوء على طفولة تحمل جذوة من اسرار الرسالات.

ارهف سمعك الى زميله في المدرسة، محمد علي الخليلي، وهو يلملم خيوط زمن بعيد عله يفلح في نسج مشهد من تلك الط فولة المشرقة:

«جمعتني واياه مدرسة واحدة.. كان حينها في الصف الثالث الابتدائي.. اما انا فكنت في السنة النهائية من هذه المرحلة الدراسية.

وطبيعي ان لا يكون بيننا اتصال مباشر.. ومع كل ذلك، فقد لفت انتباه الجميع، وكان محط انظار التلاميذ صغارا وكبارا،كما كان موضع احترام معلميه. كانت له شخصية تفرض وجودها، وسلوك يحمل المرء على احترامه.

كنا نعرف عنه انه مفرط في الذكا، متقدم في دروسه تقدما ندر نظيره.. يبز فيه زملاه كثيرا. وما طرق اسماعنا ان هناك تلميذا في المدارس الاخرى يبلغ بعض ما يبلغه من فطنة وذكا، لهذا اتخذه معلموه انموذجا للطالب المجد والمؤدب والمطيع.

وكان بعض التلاميذ يتاثرون به الى الحد الذي يجعلهم يقلدونه في المشي والحديث والجلوس في الصف، علهم يظفرون ولو بجزء يسير من الاعجاب والاحترام. وله في تواضعه الجم هيبة في النفوس. فلم يكن احد ليبداه الحديث الااذا شعر المتحدث برغبته في الحديث او يكون هو البادى.

ان في اعماق هذا الصبي قبسا من روح النبوات في ذلك التواضع الانساني الذي يزيد المرء هيبة في النفوس ومنزلة في القلوب.

كان عطوفا على من هو اصغر منه، ومؤدبا امام من يكبره سنا.

وكانت له في المدرسة زاوية ينفرد بها حتى اضحت مكاناله لا يجسر احد على الاقتراب منها.. فاذا انفرد تحلق حوله زملاؤه، ويتحول التلميذ الصغير الى معلم كبير.. معلم له سحره في النفوس وتاثيره في الارواح...

فلو اقتربت من تلك الحلقة العجيبة، لوجدت ذلك الصغير الكبير يتحدث عن اشيا عجيبة لا يطرقها الا الكبار.. وها هوابن التاسعة يتحدث عن الماركسية، والامبريالية والديالكتيك..

ويتطرق في حديثه الى عباقرة غابرين «فكتور هيغو» او«غوته» وغيرهما من عمالقة التاريخ الانساني، ولم يخطر على بال الذين كانوا يصغون اليه، ولعله هو ايضا، لم يفكر انه سيكون قمة شامخة اين منها «هيغو» و«غوته» وكل عمالقة العصر الحديث! ها هو التاريخ يجود، فيشعل شمعة يعتصر ذاكرته فلا تسعفه الا بومضات اشبه ببروق سماوية تشتعل وتنطفى، امام عبقرية مبكرة وارادة ستغير في مسار التاريخ، ليكون هو بداية لمنعطف حاد في المسار الخالد».

ارهف سمعك، مرة اخرى، واصغ الى ما يقوله معلم له شهد تفتح تلك الشخصية على الحياة والفكر والدنيا:

«كان طفلا يحمل احلام الرجال، ويتحلى بوقار الشيوخ. وجدت فيه نبوغا عجيبا وذكا مفرطا، وكان كل ما يدرس في هذه المدرسة من كافة العلوم دون مستواه العقلي والفكري. شغوفا بالقراة كان.. لا تقع عيناه على كتاب الا وقراه وفقه محتواه، وما طرق سمعه اسم كتاب في ادب او علم او اقتصاداو تاريخ الا وسعى الى طلبه».

جا يوما الى احد معلميه، وقد اجتاحته رغبة عارمة في سبر غور الماركسية يقرا نظرياتها ونظرتها الى الانسان والطبيعة والكون.

ويتردد المعلم، يخشى على هذا الصبي من مزالقها ان تهوي به الى الحضيض والقرار، وبعد الحاح واصراروجدالمعلم نفسه امام ارادة عجيبة، فراح يهيى له كتابا ومجلات كانت في تلك الحقبة مثل الكبريت الاحمر.

وراح الصبي يغوص في الحجج العميقة ويطلب المزيد، وظن المعلم بعد ان جلب له امهات الكتب التي تشرح نظرياتهاان هذا الصبي سوف يقف امامها حائرا لا يفقه منها شيئا، فهو نفسه وقف عاجزا عن فهم دقائقها. واذا بالصبي يعيد له الكتب بعد اسبوع، ولعل المعلم قد ظن للوهلة الاولى ان الصبي قد اصطدم بجدار صخري اصم، فاعاد الكتب فاذا به قد احاط بها علما، وراح يشرح ما خفي على معلمه منها. ووقف المعلم ربما لاول مرة امامه مذهولا يتامل المعجزة مبهورا.

كان معلموه يتوجسون خشية ان يقتله الذكا المفرط.

وكان يؤم التلاميذ في الصلاة خاشعا للّه خشوع الزاهدين الذين عافوا الحياة ونبذوا الدنيا، وربما اعتلى المنصة خطيباتنساب كلماته مؤثرة في فصاحة ورصانة.

قال له معلمه يوما ، وقد بهرته عبقرية مبكرة: سياتي اليوم الذي ننهل فيه من علمك ونهتدي بافكارك وآرائك.

فاجاب الصبي العظيم، وقد اصطبغت وجنتاه بحمرة تنم عن ادب وحيا عظيمين: عفوا استاذ، فانا لا ازال، وسابقى تلميذكم وتلميذ كل من ادبني وعلمني في هذه المدرسة، وسابقى تلميذكم المدين اليكم بتعليمي وتثقيفي.

وكان، الى جانب دراسته في المدارس العصرية، قد طوى شوطا مهما في دراسة العلوم الدينية في مناهجها السائدة يومذاك، وربما تغيب عن الحضور في مدرسته في بعض الايام لانشغاله في تحصيل العلم والمعرفة.

وكان استاذه الاول اخوه اسماعيل الصدر الذي شهد تفتح نبوغه وبداية انطلاقته.

فقد درس، وهو في الحادية عشرة من عمره، علم المنطق وسبر غوره، حتى الف رسالة سجل فيها بعض اعتراضاته في مسائل منطقية. ودرس في الثانية عشرة من عمره علم الاصول لدى اخيه، وكان يعترض على بعض ما يرد في كتاب «معالم الاصول»، وهي اعتراضات لم يكن يكتشفها سوى علما لهم وزنهم وعمقهم.

الهجرة تبقى الهجرة في التاريخ الانساني واحدة من اهم الظواهر التي ارتبطت بالانسان منذ ظهوره، وهي العامل الاساس والمؤثر في انتشار الجنس البشري، بل وفي قيام حضارات ودول، كما هو الحال في انطلاق حضارة الاسلام على اثرهجرة النبي من مكة الى يثرب، حيث بدا التاريخ الاسلامي الذي اتسم بميسم الهجرة.

تبقى البواعث الاقتصادية والقهر السياسي والاجتماعي ورا اغلب الهجرات في التاريخ، اضافة الى الهجرات القسرية،وهي في الحقيقة لا تمتلك مقومات الهجرة بل هي في واقع الحال لصوصية على نطاق واسع. ولعل مصداقها الوحيد ماقام به الغرب من عمليات الخطف في افريقيا لملايين البشر في واحدة من ابشع الحوادث في التاريخ البشري.

وهناك، في تاريخ الشيعة، ظاهرة تستحق التامل، منذ سقوط بغداد في ايدي السلاجقة ونشوء المدن العلمية على اثرهجرة فردية او جماعية.

ومنذ ذلك الوقت، وحتى اليوم، نشاهد بوضوح ان الهجرة لطلب العلم هي ورا تمدد تلك المدن وتجذر الحالة العلمية فيها، وهي ايضا ورا نبوغ معظم عباقرة الفكر الشيعي.

ولقد كانت هجرتهم خالصة للّه ولدينه متحملين مشاق الغربة وشظف العيش، لا لشيء الا استجابة لندا يضج في الاعماق.

في عام 1365ه.، غادر محمد باقر الصدر مدينة «الكاظمية» الى «النجف الاشرف» وتتلمذ لدى علمين من علمائها،وهما:

السيد ابو القاسم الخوئي.

الشيخ محمد رضا آل ياسين.

امتدت مدة دراسته في النجف اربع عشرة سنة، وهذه المدة تبدو قصيرة نسبيا، ولكن المهاجر الذي يتوقد ذكا وعبقرية كان يستثمر من يومه ست عشرة ساعة في الدراسة والبحث والتحقيق.

واذا كان التقليد للاعلم هو قدر كل المنتسبين للمذهب الامامي، سوا العلما منهم ام البسطا، فان محمد باقر الصدرهو الاستثنا الوحيد، فهو لم يقلد احدا من العالمين، واذا كان قد قلد آل ياسين فقد كان ذلك في صباه اذ لم يصل سن البلوغ بعد.

ورحلته العلمية لم تكن اجترارا للعلوم، ولا تراكما للمعرفة والثقافة بقدر ما كانت تفاعلا كيميائيا موظفا العناصر الخام لميلاد شيء جديد لا ينتمي الى ما سبقه الا في الجذور فقط.

كانت رحلته مع العلم ابداعا واكتشافا، وكان يفج ر ينابيع المعرفة تفجيرا فتسيل اودية بقدر.

سنوات العطا كان كتاب «فدك في التاريخ» باكورة اعماله التي فاجا بها عصره، وكان عمره يومذاك سبعة عشر عاما. على ان المقدمة تشير الى اقل من هذا العمر بكثير. وقد يتسال المرء لماذا فدك؟ وهي مشكلة تاريخية حول قرية صغيرة في الحجاز؟ ولكن من يتامل في حيثيات هذه القضية وملفاتها التاريخية المعقدة، لا بد من ان ينظر باجلال الى هذا الكتيب،المحدود في اوراقه والواسع بافكاره ومنهجه في دراسة واحدة من اكثر معضلات التاريخ تعقيدا، اذ انها كانت ولا تزال تثير اسئلة عديدة.

ففدك لم تعد تلك القرية الصغيرة في قلب الحجاز.. لقد اضحت رمزا لكل الارض الاسلامية. فهي لدى «الصدر» تمتد آكما عبر عن ذلك جده «الكاظم» من عدن الى سمرقند.. الى افريقيا.. الى سيف البحر، مما يلي الجزر وارمينيا. ومشكلة فدك في التاريخ التي حدثت في غمرة التحولات الهائلة التي اعقبت رحيل الرسول الاكرم (ص) لا تزال الى اليوم مشكلة تواجه المنهج التسويغي لتاريخ صدر الاسلام باسئلة محيرة.

والجدير ذكره، هنا، ان المؤلف، وبالرغم من كتابته للموضوع وهو في فورة الشباب، الا انه كان يجسد اسمى صيغ التعامل الرفيع مع رجالات العصر النبوي، وهو ادب ظل يطبع جميع فصول حياته القصيرة حتى استشهاده.

واذا علمت ان هذا السفر لم يستغرق من الوقت سوى مدة العطلة الدراسية ادركت اية عبقرية مخزونة في اعماق هذاالانسان.

ومن «فدك في التاريخ» الى «فلسفتنا» الذي احدث دويا كبيرا في الاوساط الفكرية، حتى يمكن القول انه قلب موازين القوى اذا صح التعبير لصالح الاسلاميين الذين بداوا مرحلة الهجوم بعد ان ظلوا في مواقع الدفاع سنين طويلة.

والذين عاشوا حقبة الصراع الفكري المريرة في العراق يدركون ماذا فعل «فلسفتنا» و«اقتصادنا» في معادلات الصراع آنذاك.

ان المرء ليحس حرارة ايمان هذا الانسان من انتخاب اسم الكتاب. انه اعتداد بالنفس وبالشخصية التي تستمد من الاسلام مقوماتها وبناها، وكان الشهيد العظيم بصدد اصدار كتاب آخر هو «مجتمعنا» ولكن القدر لم يمهله.

ومع كل هذا الدوي الذي احدثه الكتاب، فاننا نصغي الى كلمات تنم عن روح عجيبة هي قبس من روح الانبيا:

«حينما طبعت هذا الكتاب، لم اكن اعرف انه سيكون له هذا الصيت العظيم في العالم والدوي الكبير في المجتمعات البشرية، مما يؤدي الى اشتهار من ينسب اليه الكتاب، وانا الان افكر احيانا اني لو كنت مطلعا على ذلك، وعلى مدى تاثيره في اعلا شان مؤلفه لدى الناس، فهل كنت مستعدا لطبعه باسم «جماعة العلما» وليس باسمي كماكنت مستعدالذلك اولا؟ واكاد ابكي خشية اني لو كنت مطلعا على ذلك لم اكن استعد لطبعه بغير اسمي» ((32)).

ثم ياتي كتاب «اقتصادنا» ليكون مفاجاة اخرى، فيجد المسلم الرسالي الذي ينافح عن دينه ملامح اول نظرية للاقتصادالاسلامي، ولا يقف الكتاب عند البنا الاقتصادي للاسلام، بل يتعداه الى نسف المذهبين السائدين في النظم الاقتصادية وتقويضهما، وهما النظامان: الراسمالي والاشتراكي.

وبالرغم من ان الكتاب قد يبدو معالجة لمسائل اقتصادية بحتة، الا ان القارى سوف يعثر على افكار تدعو الى التامل،وحتى يمكن القول انها اذا صيغت ضمن اطار خاص، فانها ستكون اساسا لنظرية رائعة في الحضارة الاسلامية. فالصدر،وهو يكتب، انما يعالج مشكلة كبرى هي مشكلة المسلم المعاصر التي تتمثل في استلهام تجربته الرائعة قبل مئات السنين، ثم بعث حضارته الكبرى من جديد...

لنصغ الى ما يقوله هذا المفكر العظيم في «اقتصادنا»:

التوجيهات الاسلامية هي قوانين علمية تؤتي ثمارها متى توافرت الشروط التي تقتضيها هذه القوانين ((33)).

بالرغم من ابتعاد المسلمين عن روح تلك التجربة والقيادة بعدا زمنيا امتد قرونا عديدة، وبعدا روحيا يقدر بانخفاض مستوياتهم الفكرية والنفسية واعتيادهم على الوان اخرى للحياة الاجتماعية والسياسية، بالرغم من ذلك كله، فقد كان للتحديد الذاتي الذي وضع الاسلام نواته في تجربته الكاملة للحياة دوره الايجابي الفعال في ضمان اعمال البر والخير.((34))

 استطاعت «الرسالة الاسلامية» ان تحدث هزة روحية كبيرة في نفسه جالانسان العربي ج وتفجر في اعماقه الاحساس بالمسؤولية.

العلم لا يستطيع حل المشكلة الاجتماعية انما ينبه لها.

العلم يكشف الحقيقة بدرجة ما.. وليس هو الذي يطورها . ((35)) الدين هو صاحب الدور الاساس في حل المشكلة الاجتماعية عن طريق تجنيد الدافع الذاتي لحساب المصلحة العامة((36)). ثم انظر كيف يفلسف قيام الحضارة الاسلامية:

ان الانسان هو القوة المحركة للتاريخ ((37)).

ولم يكن هذا الواقع الانقلابي الذي خلق امة واقام حضارة وعدل من سير التاريخ وليد اسلوب جديد في الانتاج اوتغير في اشكاله وقواه ((38)).

الدين هو الاطار العام لاقتصادنا ((39)).

واصغ الى ما يقوله عن الالة:

الالة التي تنتج النسيج يوميا ليست ثروة طبيعية خالصة، وانما هي مادة طبيعية كيفها العمل الانساني خلال عملية انتاج سابقة ((40)).

لا تلعن الظلام، اشعل شمعة! لم يكتف الصدر بوضع اليد على الجراح النازفة، ويشير الى مواطن المرض، لان اكتشاف المرض لا يعني بداهة معرفة الدوا.

فهذا الفتى الذي وصل «النجف» على قدر، ادرك كل آلام امته بعمقها التاريخي النازف، وبحاضرها المريض، فراح يفجرينابيع الخير لتسيل اودية بقدر.

لقد عاش المفكر الصدر في حقبة تاريخية بالغة الخطورة، وكان الفكر الاسلامي يعيش حالة من الجمود، في زمن كانت الافكار المستوردة تجد لها انصارا متحمسين، وكان الدين في مهب اعصار فيه نار، وكانت الحصون مهددة من داخلها،وفي هذه الظروف ولد محمد باقر الصدر قائدا ومفكرا وابا رحيما لامة منكوبة.

يعد عام 1958م 1378ه بداية التغيرات الهائلة فكريا وسياسيا، حيث كانت الجبهة الاسلامية اذا صح التعبير آتهتزبعنف. ففي غمرة الصراع بين التيار الماركسي المدعوم حكوميا والتيار القومي، ولدت الحاجة لموقف اسلامي واضح، فكانت «جماعة العلما» التي يمكن ان نقول بحق ان وجودها يرتبط بشكل رئيسي بعقلية السيد الشهيد الصدر((41)).

ورغم ان السيد الشهيد، رضوان اللّه عليه، لم يكن احد اعضا «جماعة العلما» لصغر عمره!! الا انه كان له دور رئيسي في تحريكها وتوجيهها» ((42)).

وشقت «جماعة العلما» طريقها في غمرة تلك الافكار، فكانت «الاضوا» البداية المشرقة لاطلالة الموقف الاسلامي فكريا وسياسيا، وكان للمفكر الصدر عمود «رسالتنا» الذي بدا يحرك الاصدقا ويغيظ الاعدا.

الكثيرون، بل والكثرة الغالبة لا تفهم لعبة الصراع الفكري، حيث يرصد الاستعمار الافكار الخطيرة، ثم يبدا تطويقهاوقتلها بخفا، وهكذا وضع الصدر في قائمة الخطرين منذ ذلك التاريخ، وبدات الملاحقة لافكاره.

ومن نافلة القول ان الصدر كان بمستوى الرجل الذي ادرك اساليب العدو جميعها، فكان يتصرف بهدوء ويفوت الفرص التي يحاول الاستعمار التسلل منها.

كتب مرة، وكان ذلك عام 1380ه، الى احد تلامذته يبثه همومه: «... لقد كان بعدك انبا وهنبثة، وكلام وضجيج وحملات متعددة جندت كلها ضد صاحبك وبغية تحطيمه».

وتامل هاتين الكلمتين: «انبا وهنبثة»، لتستشف من ورائهما عمق المعاناة، وبخاصة اذا علمنا انهما وردتا ربما مرة واحدة في التاريخ وعلى لسان فاطمة الزهرا(عليها السلام)، في حادثة اغتصاب الميراث المؤسفة.

لقد كانت الزهرا(عليها السلام) تعيش اول محنة في الاسلام، عندما خاطبت اباها الراحل بكلمات تقطر حزناولوعة:

قد كان بعدك انبا وهنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب ابدت رجال لنا نجوى صدورهم لما مضيت وحالت دونك الترب واللّه وحده الذي يراقب الاعماق، ويحيط بكل شيء. وربما ياتي اليوم الذي ينكشف فيه كثير من الاسرار والخفايا،ويسجل التاريخ تفاصيل المحنة التي مرت بهذا الرجل العظيم، والخناجر المسمومة التي كانت تسدد له في قلب الليل.

ومخط ى من يتصور ان الحرب التي شنت ضده كانت محلية تواجه كل انسان يحاول القا حجر في البحيرة الساكنة وكسرحالة الجمود، وانها نابعة من بعض ذوي النفوس المريضة والمتخلفة.

ان محمد باقر الصدر كان ظاهرة تهدد الوجود الاستعماري.

واذا شئت فقل: «القابلية للاستعمار»، وان اطرافا دولية يهمهامستقبل العراق هي التي كانت تدير لعبة الصراع فكريا ومن ورا حجاب، وان تلك الاطراف استفادت من الواقع الفكري والنفسي في تجنيد اعدا محليين، كانوا يضربون بقسوة. وكان الصدر يتاوه وحيدا ويسكت على مضض، فالصبر كان سلاحه الوحيد، والصبر سلاح الانبيا.

يقول الشاهد الشهيد:

«ابتدات تلك الحملات في اوساط «الجماعة» التوجيهية المشرفة على «الاضوا»، او بالاحرى لدى بعضهم ومن يدور في فلكهم».

وفي رسالة اخرى يقول: «لا استطيع ان اذكر تفصيلات الاسما في مسالة (جماعة العلما) وحملتها على (الاضوا)!...ولكن اكتفي بالقول، بان بعض الجماعة كان نشيطا في زيادة اعضا (جماعة العلما)، لاثارتهم على (الاضوا) وعلى(رسالتنا)» . ((43)) ويمكن القول: ان الصراع المرير الذي خاضه الصدر قد وصل الى تعادل في الاهداف، فقد وفق الصدر بعبور الازمة،فمرت بسلام واستمرت «الاضوا» بالصدور كما توقع لها:

«حدسي ان (الاضوا) سوف تستمر ان شا اللّه تعالى، لانها تتمتع الان برصيد قوي من الداخل والخارج» ((44)).

اما خصومه فقد نجحوا في ايقاف القلم الذي كان يمد «رسالتنا» بالافكار المقاتلة.

الحسين يولد من جديد هل يعيد التاريخ نفسه حقا، فتعود سنوات القهر سنوات عجاف، تنسلخ الامة فيها عن نفسها.. عن هويتها.. وعن ذاتها،فتغدو هياكل ميتة او تكاد.

في غفلة من التاريخ، حيث المنعطفات الحادة المظلمة يسطو ابنا الليل والظلام ليسرقوا وطنا ومجدا، فلا تجد من يرفع راسه او صوته. فالناس نيام او عاكفون على عجل له خوار. والصدر كان يقاتل.. تسكن في اعماقه ثورة، وتبرق في عينيه رؤى كربلا.. يوم كان «الحسين» يقاتل وحيدا، وكانت الامة تمجد عجلا اسمه «يزيد»، وكان على «الحسين» ان يذبح ليوقظ بدمائه التاريخ والحضارة والانسانية.

لا ينكر احد ان العراق، وربما هو البلد الوحيد الذي يقدس التضحية، كان يقف مفتونا امام البطل وهو يقتحم الموت اقتحاما، وهو يكاد لهذا المشهد يفقد وعيه تماما.

ولعلها ظاهرة تاريخية ان تنتاب هذا البلد، وهو يبحث في كل عصر عن بطل ينوب عنه في التعبير عن عذاباته وآلامه وطموحاته.. يبحث عن فرد ينوب عن المجتمع العاجز عن التغيير ليقدم احد ابنائه الى المذبح، من اجل ان ينوح عليه..انه لا يريد ان يدفع ثمنا ما، وهو الموت، فيبحث عمن ينوب عنه في هذه المهمة.. حتى امست البطولة في رايه لا تعني شيئا سوى الموت.

ومن المفارقات اننا نجد المجتمع، وهو يبكي «الحسين»، يشعر بالسعادة وهو يبكي من اجله، بعد ان تبلغ التضحية اوجها بذبح «الحسين» في مشهد درامي فريد..

لهذا كان على ابطال الامة اذا ما ارادوا التغيير ان لا يفكروا بطريق آخر غير الموت، وكلما كان المشهد قريبا من صورة كربلا كانت الصدمة اكبر وسعادة الامة بالبكا اكثر...

اليس عجيبا ان يقول الصدر: «ليس كل الناس يحركهم الفكر بل هناك من لا يحركه الا الدم»؟! ولقد شا القدر ان يهب الصدر هذه البطولة باروع صورها حتى اننا نجد الى جنبه شقيقته «آمنة» لتستلهم موقفا زينبيايوفرللبطولة قدرا اكبر من التاثير.

اننا لا نستطيع مواكبة كل المسيرة الجديدة للاستشهاد، ولكن التامل في بعض محطاتها سوف يمنحنا رؤية لحقبة تاريخية شا القدر ان يكون الصدر بطلها الوحيد.

ان جميع المؤشرات تشير الى ان الصدر لم يكن متفائلا ازا مستقبل العراق، بل كان يدرك ان الشعب العراقي يعيش حالة تشبه الى حد كبير الحقبة التي سبقت سنة 61ه، حيث الحق مغلوب على امره. وكان اعدام «عارف البصري»ورفاقه، بعد محاكمة صورية، يدل على ان البعث العراقي اختار البطش والقسوة مع التيار الاسلامي الذي يمثل الوعي العميق لامة مسلوبة الارادة.

كان الصدر في مكتبته عندما وصله نبا اعدام الشيخ «عارف البصري» ((45)) ورفاقه لمجرد الراي، وربما يكون هذاالحادث، وبالرغم من خطورته، اول اختبار يجريه النظام لارادة الامة التي سجلت فيه ادنى درجات الوعي وانعدام الارادة.

كان الصدر يبكي بحرقة، فقال له تلميذه، وهو يحاوره:

اذا انت تصنع هكذا، فماذا نفعل نحن؟ اجاب الصدر، وهو يكفكف دموعه:

يا بني! واللّه لو ان البعثيين خيروني بين اعدام خمسة من اولادي وبين اعدام هؤلا لاخترت اعدام اولادي.

كان البعث العراقي قد بدا قدرا صارما لا تمكن مواجهته، فكانت خططه التدميرية تنفذ بقوة ونجاح، وكانت الامة تنسلخ من تاريخها وحاضرها ومستقبلها لتصبح العوبة بايدي اوغاد قذرين.

كانت عجلة البعث العراقي تسير بقوة، تسحق كل من يقف في طريقها.. حتى ان الشعارات المرفوعة بدت فيها روح الاستفزاز واضحة، بل وكانت تبعث على القيء من قبيل: «جئنا لنبقى».

وكان من المتوقع ان تسير الامور على هذه الوتيرة، لولا حادث كبير وقع فايقظ الجميع.. الاعدا والاصدقا..

لقد انفجرت ثورة الاسلام، وجا رجل يحمل ملامح الانبيا ليطيح بعروش الجبابرة. ويوم اعلنت طهران انهاصوت الثورة الاسلامية في ايران، بدا تاريخ جديد، واتخذ الصراع في العراق منحى آخر اتسم بتسارع الاحداث نحومشهد لا يقل بريقا عن مشهد عاشورا «الحسين» (ع).

اشتعالات قبيل الغروب جات انتفاضة الاربعين من «صفر»، عام 1397ه 1977م، اول صدام عنيف بين الشعب والنظام. وفي غمرة تلك الحوادث الدامية بات واضحا لدى الطرفين ان «الحسين» (ع) لا يزال يقاتل في كربلا، وان دمه الطاهر يهب الاحرارحماسا فريدا في الاقدام والتضحية والفدا. وكان للسيد الصدر في تلك الحادثة موقفه الرائع في دعم الانتفاضة وتغذيتها بالروح، كان روح «الحسين» (ع) تسكن في اعماقه، وكان من رايه دعم المواكب الحسينية التي تتدفق صوب كربلا في موسم عاشورا، لانها الطريق الامثل في بعث الروح الاسلامية وانبعاث الضمير المسلم من جديد، وكان يقول: «ان هذه المواكب شوكة في عيون حكام الجور، وانها يجب ان تبقى».

ان الفكر وحده، مهما كان عميقا، لا يخرج عن دائرة العقل، وان التغيير المنشود يحتاج الى العاطفة المتاججة.. العاطفة التي يمكن ان تشعل لهيب الثورات في العالم. من اجل هذا كان الصدر يتطلع الى جده «الحسين» (ع)، يستلهم ذكراه ويحاول السير في خطاه، فالضمير المثقل بالخوف والارهاب يحتاج الى عمل بطولي يحطم حاجز الرعب، وقد قال الصدر من قبل: «لقد وضع البعثيون طوقا من الخوف على رقاب الشعب العراقي وساعمل على تحطيم هذا الطوق».

وبالرغم من عدم وجود الصدر في الواجهة ابان الانتفاضة، ولكن كان هناك ما ى شير الى القلب النابض فيها كما تشيرالبوصلة الى القطب دائما.

واذا كان «ابن سعد» قد ظهر، سنة 61ه، بوصفه بيدقا امويا، لتنفيذ ابشع مذبحة في التاريخ، فان عام 1397ه شهدكلبادنيئا هو «ابو سعد» ليتولى اعتقال السيد الصدر واقتياده مخفورا الى بغداد.

وفي بغداد، تعرض الصدر الى تعذيب نغول بغداد، وكان قرار الاعدام جاهزا، فقد بات الصدر نقيضا للعث الحاكم في العراق، حيث وجود احدهما يعني فنا الاخر.

وقد كشر النظام القذر عن انياب تنز صديدا، وخاطب الصدر بلهجة مليئة بالتهديد والوعيد:

اننا نعلم انك ورا هذه الاعمال العدوانية، ونعلم انك قدمت لهم الاموال، لكننا نعرف كيف ننتقم منك في الوقت المناسب.

لولا انشغالنا بالقضا على هؤلا (المشاغبين) لنفذنا الاعدام الان! ولكن سترى بعد حين مصيرك.

لقد وقع الحادث قبل انتصار الثورة الاسلامية في ايران بعامين تقريبا، ولما حدث الزلزال الايراني، برز الصدرمتقلداسيف جده «الحسين» (ع)، برز لوحده يقاتل نظاما دمويا مجهزا بجميع وسائل القمع والموت والدمار. ونظام البعث العراقي يمثل ذروة الوحشية.. نظام لا يتورع «الشرطي الاول» فيه حتى عن اكل رؤوس الاطفال.

وهكذا انتخب الصدر طريقه العجيب.

ولعل الامة في العراق كانت تحلم بالبطل الجديد.. البطل الذي سيقدم ثمن البطولة، وهو الموت.

لحظات الغروب لقد سجل التاريخ عام 61ه على شواط ى النهر بكربلا قصة اولئك النفر من جيش «يزيد» كيف كانوا يبكون وحدة «الحسين» (ع)، وكانوا يتضرعون الى اللّه ان ينصره!.. انها قصة الضمير مسلوب الارادة.

هكذا كانت النجف، وهي ليست عن كربلا ببعيدة..، حالة مدمرة من الترقب وانتظار المعجزة.

بدت المدينة الصغيرة ذلك المسا، من يوم الاثنين السادس عشر من «رجب» 1399ه، حيث التاريخ الهجري على اعتاب قرن جديد.. بدت موحشة. ذئاب الليل تنتشر هنا وهناك، واستعد الصدر للبلا، وكانت الى جانبه شقيقته امراة تحمل ملامح «زينب»(عليها السلام) في كل شيء.

العيون الزجاجية مفتوحة ترقب منزلا صغيرا اوى صاحبه الى النوم آمنا مطمئنا، والعالم من حوله يموج بالغدر.

انطوى الليل، واستيقظ الفجر كئيبا رمادي اللون، وجا زوار الفجر.

قال رجل الامن، وهو يلوك الكلمات بصفاقة:

السادة المسؤولون في بغداد يريدون الاجتماع بكم في بغداد.

اجاب الامام بانفعال:

اذا كنت تحمل امرا باعتقالي فنعم اذهب، وان كانت زيارة فلا.

واضاف بالم:

انكم كممتم الافواه وصادرتم الحريات، وخنقتم الشعب، تريدون شعبا ميتا، يعيش بلا ارادة ولا كرامة، وحين يعبرشعبنا عن رايه او يتخذ موقفا من قضية ما، حين تاتي الالوف لتعبر عن ولائها للمرجعية وللاسلام، لا تحترمون شعبا ولادينا، ولا قيما، بل تلجاون الى القوة، لتكموا الافواه وتصادروا الحريات وتسحقوا كرامة الشعب.. اين الحرية التي تدعونها؟! لاذ رجل الامن بالصمت.. الصمت الذي يعبر عن لا شيء وعن كل شيء.

هل فوجى رجل الامن بموقف لم يتوقعه.. لقد راى امة باسرها تركع، وها هو يشهد تمرد فرد واحد يعبر عن كرامة شعب سحقت تحت الاقدام؟ وغادر موكب عجيب البيت المتواضع الذي بدا في ذلك الفجر الرمادي شيخا ينتحب بصمت.

كلمات منقوعة بالنار الطريق المؤدي الى شارع «زين العابدين» هو مجرد خط ى معدودة في حساب الجغرافيا. اما التاريخ فله حساباته التي لاتختلف عن الجغرافيا فحسب، بل وقد تتناقض معها في بعض الاحيان.

اصحاب العيون الزجاجية (الغربا) منبثون في الزوايا هنا وهناك، وفي ايديهم رشاشات «الكلاشنكوف»، يريدون ان يوقفوا عجلة التاريخ.

فبدت، ذلك الفجر، حيات وافاع تنظر من خلال فوهات مدهوشة الى رجل يحمل في وجهه ملامح «موسى بن عمران»(ع) وفي عينيه بريق «الحسين» (ع).

كانت «آمنة» تستلهم «زينب».. تستلهم صبرها وشجاعتها، وهي تخطو الى حيث احتشد الذئاب.

ووقفت «آمنة» في مواجهة نظام مدجج بالسلاح، ووقف التاريخ يصغي الى كلمات منقوعة بالنار، مضمخة بصهيل كربلا:

انظروا! اخي وحده بلا سلاح.. بلا مدافع ورشاشات.. اما انتم بالمئات..

وهتفت، وهي تشير الى عشرات «الغربا»:

انظروا.. انتم بالمئات.. هل سالتم انفسكم لم هذا العدد الكبير وكل هذه الاسلحة؟ لانكم تخافون، وواللّه لولا ذلك لماجئتم لاعتقال اخي في هذه الساعة من الفجر..

واطلقت صرخة مدوية:

لماذا لا تجيئون الا والناس نيام؟.. لماذا تختارون هذا الوقت، هل سالتم انفسكم؟ هناك لحظات يتحول فيها الصمت الى حديث هو ابلغ من جميع الاحاديث.. لغة عجيبة.

كان الصمت يغمر المكان تماما، وكانت العيون الزجاجية ترقب امراة عجيبة كانها ليست من بنات «حوا».. سيدة من سيدات التاريخ، ما زال التاريخ يردد كلماتها، وهي تخاطب اخاها في قبضة الجلادين:

اذهب يا اخي.. اللّه معك، فهذا هو طريقنا، وهذا هو طريق اجدادك الطاهرين.

عادت «آمنة» الى المنزل.. كانها تعود الى قلعة مهجورة، فيما رحل الرجل الذي اختار طريق «الحسين» (ع)..

قال رجل يخشى الموت ويشفق منه على «آمنة»:

اما كان من الافضل ان تتريثي؟ كلماتك الثائرة تبشر بالخطر، سوف يفتحون لك صفحة جديدة في سجلاتهم.

اجابت «زينب هذا العصر»:

ان ديني يدفعني لاتخاذ هذا الموقف.. لقد انتهى زمن السكوت.. ولا بد لنا من ان نفتح صفحة جديدة من الجهاد..

لقدسكتنا طويلا.. وكلما طال سكوتنا، كبرت محنتنا. لماذا اسكت وانا ارى مرجعا مظلوما في قبضة هؤلا المجرمين؟ قال الذي اشفق من الموت: ولكنهم قد يعدمونك، فهم مجرمون.

قالت «آمنة»، وفي قلبها دوي من كربلا:

واللّه! اني اتمنى الشهادة في سبيل اللّه.. منذ يوم «الوفود» وانا اتمنى ذلك، انا اعرف هذه السلطة واعرف وحشية هؤلاوقسوتهم.. الرجل عندهم والمراة سوا.. اما انا فسيان عندي ان اعيش او اموت ما دمت واثقة من ان موقفي كان للّه ومن اجله.

«آمنة» تتحدث بلغة عجيبة.. لغة لا يفهمها الا قليل من العالمين. من اجل هذا بقيت وحيدة الا من بعض المشفقين.

وكان على «آمنة» ان تفعل شيئا.. لقد ولدت «زينب».

اشرقت الشمس.. شمس يوم الثلاثا.. حزينة كعين تنحب، او حجرة متوقدة تبشر بالثورة..

حثت «آمنة» الخطى نحو مرقد جدها العظيم... «علي».. «علي» الذي قال مرة، وهو على شاطى الفرات بصفين:

الموت في حياتكم مقهورين.. والحياة في موتكم قاهرين. كل شيء كان هادئا داخل الضريح، حيث يرقد بطل الاسلام الخالد «علي بن ابي طالب» (ع) كانه عاد توا من صفين اوالنهروان.. كل شيء كان هادئا سوى تمتمات الدعا من شفاه المؤمنين.. او تاوهات المظلومين..

وجات «آمنة» تتوشح عزم «زينب»(عليها السلام).

يا جداه! لقد اعتقلوا ابنك الصدر.. فالى اللّه المشتكى! والتفتت الى ثلة من امة نائمة.. علها تستيقظ.. تهب من نومها فتتذكر بيعة قديمة للحسين (ع).

كلما ادلهمت الخطوب، او قسا الزمان.. وكلما ظهر «يزيد» يعيث في الارض فسادا، تطلعت القلوب الى رجل يدعى «الحسين» (ع)، والى حفيده الذي ياتي في آخر الزمان.. يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.

وهكذا شهد «الحرم الطاهر» اول تجمع يستنجد «بالمهدي الموعود»، فلقد امتلات الارض ظلما وجورا وفسادا.

كثيرون هم الذين يتصورون ان «المهدي» من اختراع «الشيعة»، فهذه الطائفة من البشر مظلومة عبر التاريخ، فابناؤها لم يعيشوا بسلام ابدا، مقهورون اينما حلوا. لهذا ركنوا الى من سيخلصهم..

الى من يمنحهم الامن والطمانينة والسلام.و«المهدي» منحهم ذلك الشعور، فناموا على القهر. كلا.. «المهدي» ليس اسطورة وان حيكت حوله الاساطير. «المهدي»رجل من ولد «الحسين» (ع) علوي ثائر.. مطلوب من جميع حكومات الدنيا.. من جميع طغاة التاريخ. ينتظره المعذبون..في كل زمان ومكان. انه الامل، والامل اعظم شيء يملكه الانسان.

من اجل هذا اجتمع المؤمنون في حرم الامام «علي» (ع) يهتفون باسم المنقذ المنتظر.

من اجل هذا ينهضون كلما ذكر «المهدي» (ع)، حركة اشبه بالرمز تعبر عن الارادة والاستعداد للثورة تحت لوائه (ع)...يضعون اكفهم فوق رؤوسهم تحية مباركة طيبة للفارس الاخضر.

يوم الثلاثا.. يوم طويل.. من ايام اللّه.. لقد استيقظ الضمير المثقل بالخدر.. ايقظته صرخة لها صدى زينبي، وكانت انتفاضة «رجب» بكل زخمها الشعبي صدى لصرخة هذه السيدة العظيمة.

خرجت تظاهرة في النجف.. تندد.. تهتف باسم الصدر.. بحسين العصر. وخرجت تظاهرة في الكاظمية (مدينة الميلاد)،ومثلها في «الخالص» من ارض ديالى، وتظاهرة في مدينة «الثورة» خاصرة بغداد عاصمة «السفاح».

كان «الصدر» اسيرا في قبضة «المغول» من نغول بغداد. العيون الزجاجية تبرق حقدا وشتائم بذيئة كلعاب الافاعي تنفلت من الافواه الكريهة.

وجا «البراك» يحمل سيف الشمر، وكان كل شيء ماثلا..

والجريمة وشيكة. الجميع ينتظرون لحظة الذبح. حتى الامام الصدر كان هو الاخر ينتظر ميلاده الجديد.. ميلاده شهيدا. سوف تتدفق دماؤه حمرا.. حمرا.. تمتزج بمياه الرافدين..وعندها سيهب النائمون وتحدث المعجزة. هكذا علمه «الحسين» (ع).

كان سيف الشمر على وشك الانقضاض عندما جا رجل من اقصى المدينة يسعى.

قرا «البراك» ورقة صغيرة. تراجع الذئب المتحفز في الاعماق.

اختبا ورا قناع لحمل وديع.

اخفت الافاعي انيابها.. السنتها المشقوقة، وحاولت ان تبتسم لرجل اسير في يده عصا «موسى» وفاس «ابراهيم» (ع).

وفكر الصدر لحظة: ربما حدثت المعجزة واستيقظ الشعب. ها هو يصغي الى صهيل فرس غاضبة تقاتل في كربلا تدفع عن فارسها غائلة السيوف الغادرة.. تمرغ ناصيتها بالجراح النازفة.

وعاد الصدر الى النجف، وهو اكثر تصميما وعزما على المضي في طريق «الحسين» (ع)، طريق قل سالكوه.. طريق مصبوغ بدما الانبيا، وتنتصب على جانبيه اعواد المشانق.

هاجس عاشورا لعل شيعة العراق وحدهم هم الذين يدركون هواجس الامام الصدر، وهو يتحدث عن لغة الجراح وموت الشهادة، فهذاالرجل ادرك نفسه ودوره، وادرك الظروف التي تحيط به، وشم في الافق رائحة «الحسين» (ع) واصغى الى صهيل جواده، والى صوته وهو يشحذ سيفه عشية عاشورا..

ولقد سمعه العديدون، وهو يتمتم قائلا: «العراق بحاجة الى دم كدمي».

واذا كان قرار النظام العراقي هو اعدام الصدر او اغتياله، فان ذلك يعود الى تصميم الامام نفسه على الشهادة..

فالشهادة لدى الشيعة انتصار، والموت الاحمر في نظرهم خلود اخضر.

لا احد يدري متى ولد «الحسين» (ع) في اعماق الصدر، ومتى اضحت كربلا هاجسه الوحيد... ولكن من المؤكد ان شقيقته «آمنة» هي الانسان الوحيد الذي ادرك ما يعتمل في ذلك القلب الكبير، وادركت انه يحتاج الى «زينب».. لهذاتشربت «آمنة» «زينب» ومضت معه في الطريق العجيب الذي انتخبه اخوها العظيم.

في آونة مبكرة كان الامام الصدر يعيش هاجس كربلا، وكان يردد امام بعض تلامذته ذلك قائلا: «ان الامة مبتلاة اليوم بذات المرض الذي ابتليت به في زمن «الحسين» ، وهو فقدان الارادة، فالامة تعرف حزب البعث، ولا تشك في طبيعة الحاكمين في العراق.. لا تشك في فسقهم وفجورهم وفي طغيانهم وظلمهم.. ولكنها فقدت ارادتها..

ان علينا ان نعالج هذا المرض بذات الخطوة التي قام بها «الحسين» (ع)، وهي التضحية الكبرى التي هز بها المشاعر،واعاد دما الحياة الى عروق الامة من جديد».

ويبدو ان الفكرة قد اختمرت في ذات الامام الصدر حتى لم تعد الا خطوات يقطعها الى مسرح كان قد عينه من قبل،وهو الصحن الطاهر لبطل الاسلام «علي بن ابي طالب» (ع).

عندما نفتش في زوايا التاريخ، نقلب صفحاته السودا والبيضا والصفرا، فاننا نجد في هذه البقعة او تلك من دنيا اللّه..في هذا العصر او ذاك من نهر الزمن المتدفق ثلة تجتمع تحت جنح الظلام على ضوء القناديل او الشموع او المصابيح الخافتة، تتهامس لقلب نظام حكم ما، او الاطاحة بعرش او دولة.. تخطط للهجوم.. للثورة والانتصار، وهي في كل ذلك تتمنى النصر والغلبة والسيطرة.

اما ان يجلس انسان اعزل وحيد يخطط لذبحه، ليتدفق دمه في مكان ما اعد له من قبل، فهذا لم يحدث به التاريخ ابدا،الا ان نقول ان «الحسين» (ع) قد اختار كربلا ليذبح وينتصر. واذا كان ذلك كذلك فان الصدر سيكون ابن «الحسين» (ع)،وتلميذه الاوحد عبر التاريخ.

وهكذا تكلم الصدر.. بلغة الجرح.. لغة عجيبة تستمد ابجديتها من شاطى الفرات بكربلا.. فيها دما قانية.. وصهيل..وفيها ابا، وفيها ما يشبه الجنون، وبخاصة لدى «العقال» من العالمين! ولكن ما الذي منع الصدر من تنفيذ فكرته؟ من الذي حال دون اتمام وعده؟ لقد عاش الصدر في زمن عجيب له مقاييسه «الماسلمة»..

مقاييس ليست من الدين في شيء، حيكت لتكون ثوبا يستر«العورة».

ارسل الصدر من يجس له «الضغط» والحرارة، في المدينة، فالفاها الرسول «ترتجف» لمجرد «التسفير»، وعاد بخفي حنين.

يمم الصدر صوب «الخميني» الرجل الوحيد الذي يفهم لغة الصدر.

اصغى الامام لحديث عجيب، وهزته الكلمات الثائرة تنساب مع الجراح.

يا لهول المشهد. الصدر يخطب في امة من الناس. يقاوم ويهاجم، ثم يسقط شهيدا تتدفق دماؤه طاهرة تلون الارض بلون الشفق.

سكت الصدر وظل «الخميني» مطرقا براسه ترى ماذا سيقول...

وبعد صمت مدو تمتم الامام:

لا ادري!! ان المرء لن يتوقع جوابا ابلغ من هذا، فيه حزب الانبيا.. انه يدري ويقول: لا ادري.

ونهض الصدر ينوء بثقل الرسالة.

لاات في زمن الذل لم يقل فرعون: «انا ربكم الاعلى» الا بعد ان وجد من يسجد له ويمجد اسمه، ولم يوجد الاستعمار الا بعد ان سبقته قابلية للاستعمار، ولم تظهر النظم الدكتاتورية الا في المجتمعات الخائفة المهزومة من الاعماق.

ان البطش الصدامي، في العراق، لم يولد من العدم. لم يظهر من الفراغ لولا وجود ارضية تضج بالخنوع والذل والعبودية.

ولم يكن «صدام» سوى انعكاس لمجتمع مثقل بالضعة، وخلاصة لعصر الانحطاط.

ومن هنا يبرز موقف الامام الصدر بطولة نادرة المثال اذا ما وضعت في ظروفها المريرة التي لا يمكن تصويراهوالها. وعندما تركع امة باسرها، فان تمرد فرد واحد سوف ينتزع الاعجاب.. اعجاب الاصدقا والاعدا معا.

ومن اجل هذا تكلم راس «يحيى» (ع)، وتحدث راس «الحسين» (ع). ومن اجل هذا لا يزال الصدر في ذروة الحضور رغم غيابه.

في الظهيرة، وقبل اسبوع من الكارثة، جا رجلان «خاقاني» و«تكريتي».. جاا من عند «النمرود» الذي يقول:

انا احيي واميت! جاا يخوفان رجلا لا يعرف ما هو الخوف. جاا يخوفانه بالموت، والموت لم يعد لديه منية بل امنية.

جاا يمنيانه بالحياة.. وما اتفهها في زمن الذل! قال «الخاقاني» بعد حديث طويل:

لقد جئتك من عند «صدام»، احمل معي خمسة شروط هي خمسة طرق للحياة، وسادسها الموت. فاختر لنفسك احدها:

ان تتخلى عن تاييد الثورة في ايران وعن «الخميني». ان تصدر بيانا تؤيد فيه بعض مواقف الحكومة حتى لو كان ذلك حل المسالة الكردية او تاميم النفط.

اصدار فتوى بتحريم الانتما الى حزب الدعوة.

الغا فتوى حرمة الانتما الى حزب البعث.

اجرا مقابلة مع مراسل صحيفة اجنبية، او عراقية، والاجابة عن مسائل فقهية عادية.

قال الصدر، وقد تاهب للرحيل:

فاذا لم استجب؟ كما قلت لك، يا سيدنا، واللّه لقد سمعت «صداما» يقول: سوف اعدمه.

قال الصدر:

ان كل ما كنت اطمح اليه في الحياة هو ان تقوم حكومة للاسلام في الارض، ولقد تحقق ذلك. والان فان الموت والحياة عندي سوا.

اما التاييد لبعض المواقف فلا.

واما حزب الدعوة فلا احرم الانتما اليه.

واما حزب البعث فلا اجيز الانتما اليه.

واما المقابلة فلا.

والتفت الصدر الى رجل تكريتي اذهلته لاات عجيبة.

اخبر صداما انه في اي وقت يريد اعدامي فليفعل.

العراقيون وبعض سكان شرق المتوسطيعرفون ماذا يعني «رجل الامن». انه ذئب في اهاب انسان، وحش بشري له عيون زجاجية وقلب منحوت من ثلوج سيبيريا. في اعماق هذا المخلوق المخيف يوجد انسان مغيب في ظلمات،مقيد بالسلاسل والاغلال.

ترى كيف تمكن الصدر، وفي لحظة، ان يحطم انياب الذئب، وان يحرر الانسان في الاعماق المظلمة لتدمع العينان الزجاجيتان.

لو كانت هناك اجهزة يمكنها رصد ما يجري في اعماق النفوس لسجلت انهيارات مدوية، ولسمعت اصدا الانقاض وهي تتراكم بعضها فوق بعض.

هتف التكريتي، وهو يبكي:

حيف واللّه حيف.

ونهض ليقبل يدا تشير الى طريق لا يسلكه احد من العالمين.

رؤيا عندما يغمض المرء عينيه عن الدنيا، فانهما تنفتحان على عالم آخر.. عالم لا يمت الى هذا العالم بصلة، وتشتد درجة الرؤية، حتى لتصل احيانا مرحلة الشهود الكامل وكشف الغطا، فاذا البصر حديد.

لقد ازفت ساعة الرحيل، وهذه اشارة من العالم الاخر. وقال الصدر:

رايت «اسماعيل» و«آل ياسين» جالسين وبينهما كرسي خال هو لي، وكان هناك ملايين الناس ينتظرون.

وتمتم الامام، وهو يروي رؤياه:

وانا ابشر نفسي بالشهادة.

جريمة في بغداد اهتز العراق من اقصاه الى اقصاه على اثر سقوط اعتى عروش الشرق الاوسط، ونجاح الثورة الاسلامية، وبدا الشعب العراقي يهتز طربا على اناشيد حماسية:... هنا طهران، صوت الثورة الاسلامية.

ومنذ ذلك التاريخ، شهد العراق تغيرات كبرى.. جات سريعة ومثيرة.

فقد تمت تنحية «البكر» عن «الرئاسة».. وظهر «صدام» الحاكم المطلق... ولم تكد تمضي اسابيع حتى استيقظ الشعب العراقي على مسلسل الاعدامات الجماعية التي بدات بشخصيات حزب البعث ممن تشم منهم رائحة الاستقلال.. انهاارادة «النمرود» الذي يزعم انه يحيي ويميت. وفي «آب» تساقطت رؤوس واحد وعشرين بعثيا.. وظهر «صدام» وحشامصاصا للدما، وسمع يقول:

واللّه لو وقفت زوجتي وابنائي في طريقي لاذبتهم بالتيزاب! وبدا عصر الرعب، وانتشرت رائحة الدم، وسادت ظاهرة ارتدا ثياب الحداد، والشباب المسلم يساق الى اعوادالمشانق زرافات زرافات..

واذا كان «معاوية» يدس السم في العسل ويقتل معارضيه، فان جلاد بغداد بدا يضع سم الفئران في اللبن. وكان الذين يطلق سراحهم من السجن يموتون بين ابنائهم واهليهم، بعد ان ضج الجلادون من حدة الاعدامات.

وفي هذا الزمن قال الصدر: لا.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية