الصفحة السابقة

الصفحة التالية

اما في حقل المنطق، فان كتاب «الاسس المنطقية للاستقراء» يعد من المؤلفات الاقل شهرة، بمعنى انه لم يعرف على نطاق واسع مقارنة بالكتابين المذكورين، مع انه الكتاب الذي يرى تلامذة المؤلف انه من اكثر مؤلفات السيد «الصدر» التي تبرز عبقريته العلمية. ولا شك في ان الكتاب يبرز هذا التفوق العلمي والفكري، فقد اقتحم حقلا فائق الدقة في نمطيه:

القديم والحديث، بكفاءة علمية عالية، وبثقة علمية كبيرة من المؤلف، حيث اعتبر محاولته في هذا الكتاب «اعادة بناء نظرية المعرفة على اساس معين» ((3)) اي على اساس اجتهادي خاص به. ومن الواضح ان الكتابات الاسلامية في هذا الحقل، لا اقل في القرن الاخير، لم تسجل تفوقا يذكر او ابتكارات ذات قيمة معرفية، والذي كان سائدا اما يتناول تاريخ المنطق بطريقة مدرسية، او لا يتجاوز المنطق الكلاسيكي القديم الذي ينتسب الى «ارسطو» مؤسسه الاول، وهوالمنطق الذي استطاع ان يفرض سيطرته لقرون طويلة، وعلى حضارات مختلفة، بما في ذلك الحضارة الاسلامية، مع انه تعرض لنقد علمي محكم ومتماسك من العلماء المسلمين يرجع بعضه الى القرن الخامس الهجري (الحادي عشرالميلادي)، مع ذلك هيمن المنطق الارسطي حتى على الحوزات والجامعات الدينية التي يعرف عنها الحذر في اختيارمناهجها الدراسية. اما عنصر التميز في محاولة السيد «الصدر» فيتمثل في قدرته النقدية والتحليلية وسعيه الجاد في التوصل لابتكارات وافكار جديدة.

فالكتاب يحاول ان يعالج عجز المنطق الارسطي عن اعطاء تفسير مقبول للدليل الاستقرائي، كما يدرس المذهب التجريبي الحديث الذي لا يمكنه، حسب السيد «الصدر»، ان يقدم التفسير الاساسي للدليل الاستقرائي. ثم ينتقل الكتاب من النقد والتحليل الى التاسيس والابتكار. وفي نظر الدكتور «عبد الكريم سروش»الذي كانت له محاولة نقدية لعلها الاولى التي تتناول هذا الكتاب، فهو يحوي حسب رايه على «ابدع الافكاروالابتكارات الفلسفية للشهيد السيد «محمد باقر الصدر»، وهو الى ذلك من احلى ثمرات ذهنه الوقاد وعقله الباحث المبدع. وما نستطيع ان نقوله بجراة هو ان هذا الاثر يمثل اول كتاب يصدر من يراع عالم وفقيه مسلم طوال التاريخ الاسلامي، يتناول واحدة من اهم المسائل المصيرية في فلسفة العلم والمنهج المعرفي العلمي، تعاطاها المؤلف ببصيرة واحاطة كاملة ترافقت مع عقل وآراء حكماء الشرق والغرب والتعامل معها نقديا. وفي الوقت نفسه لا يزال «الاسس المنطقية» هو اكثر كتب هذا العظيم خفاء وعدم شهرة، فهو لا يزال مجهولا خفيا لا يعرف اسمه ولا قدره» ((4)).

ما اريد التوصل اليه هو ان كتابات السيد «الصدر» لم تكن تستند على تراكمات معرفية سابقة عليه، تعكس تنامي تلك العلوم وتطورها، في نطاق الكتابات العربية والاسلامية، وانما هي تاسيسات واجتهادات وابتكارات لا تحسب اوتصنف الا الى صاحبها ومؤلفها، وهذا من اكثر ما يميز هذا العطاء الفكري ويلفت النظر اليه، وهو عطاء يمكن النظر اليه بوصفه يمثل ابرز انعطافات الفكر الاسلامي خلال العقود الاولى من النصف الثاني للقرن الاخير واهمها. الانعطافة المقطوعة الصلة بما قبلها كما اوضحت ذلك، وبما بعدها ايضا كما سوف اشرح ذلك لاحقا.

تحولات وتاريخات ما نجزم به هو ان كتابات السيد «الصدر» تؤرخ لتحول فكري في غاية الاهمية والتطور عند النظر الى سياقات تحولات الفكر الاسلامي المعاصر، فالتراجع، او الركود، الذي كانت عليه حركية هذا الفكر خلال تلك المدة، يختفي، واذا بتلك الحركية تشهد قفزة نوعية تصعد بها نحو مستويات متقدمة بظهور تلك الكتابات.

هذا التحول، على قيمته المعرفية والمنهجية، لم يؤرخ له بادراك، او بغير ادراك، في الكتابات العربية والاسلامية التي حاولت ان تؤرخ لحركة الافكار الاسلامية الحديثة والمعاصرة في تطو راتها وتحولاتها على اساس منهجية التقسيمات والتحقيبات الزمنية والتاريخية، مع معرفتنا بان هذا النوع من الاهتمام قد تراجع في الكتابات العربية، ولم تتحفز له الكتابات الاسلامية. فالكتابات العربية، في هذا المجال، توقفت في ازمنة معينة، ولم تستكمل في الازمنة التي جاءت بعدها مع انها كانت متاثرة بارضياتها ومكوناتها وشروطها.

والمحاولات الابرز هي تلك التي لم تتجاوز العقود الاولى من القرن العشرين، مثل محاولة «البرت حوراني» في كتابه:

«الفكر العربي في عصر النهضة» الذي اشتهر كثيرا في هذا المجال،والذي يتناول الحقبة ما بين 1798 و1939م، او كتاب «علي المحافظة»: «الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصرالنهضة»، حيث يؤرخ للحقبة الممتدة ما بين 1798 و1914م، وهكذا كتاب «هشام شرابي»: «المثقفون العرب والغرب»الذي يبحث في الحقبة التي يطلق عليها عصر النهضة، ما بين 1875 و1914م. والمحاولة التي تجاوزت تلك الحقبة امتدت ما بين 1930 و1970م للدكتور «محمد جابر الانصاري» في كتابه: «تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي».

اما الكتابات الاسلامية فان الابرز من بينها كتاب «الفكر الاسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي» للدكتور «محمدالبهي» الذي تتبع حركة الافكار الاسلامية الى حقبة الخمسينات. والمحاولات التي جاءت بعد ذلك، على قلتهاومحدوديتها، فان اشهرها كتاب «اسس التقدم عند مفكري الاسلام في العالم العربي الحديث» للدكتور «فهمي جدعان»،وهو العمل الذي يتوجه اليه النقد اكثر من غيره، وذلك من جهة موضوعه ومنهجه، فقد بذل المؤلف جهداواضحا في تتبع افكار علماء العالم العربي المسلمين ومفكريه، بمشرقه ومغربه، على مدار قرن كامل، مع تاكيده وحرصه، كمايقول، على «احياء اعمال عدد من المفكرين العرب المسلمين الذين اهملتهم الدراسات الحديثة بالاجمال اهمالا لايغتفر» ((5)). هذه الالتفاتة من الدكتور «جدعان» ترتد عليه بصورة اشد، وبشكل لا يغتفر، كما في عبارته، اذ انه اهمل والغى اعمال العلماء والمفكرين الشيعة في العالم العربي وكتاباتهم وافكارهم، وفي مقدمتهم السيد «الصدر»، الذي اعتبر الدكتور «الملاط» مؤلفاته بانها «ضامنة لصاحبها، في تاريخ العالم الاسلامي في القرن العشرين، منزلة توازي في رفعتها تلك التي يحظ ى بها المصلحون العظماء من وزن «جمال الدين الافغاني» و«محمد عبده» ((6)). ويضيف في مكان آخر: «فقد حوله نشر كتابيه: «فلسفتنا» و«اقتصادنا»، الى المنظر الاول للنهضة الاسلامية» ((7)). هذا الكلام من الدكتور«الملاط» يقوله بتجرد وبنزعة اكاديمية، ولم يخاطب به العالم العربي، فقد كتبه في الاصل باللغة الانكليزية، ونال عليه جائزة «جمعية الدراسات الشرق الاوسطية» في الولايات المتحدة الامريكية لافضل مؤلف اكاديمي لعامي 1993و1994م.

والحقيقة ان كل من اطلع على مؤلفات السيد «الصدر» لا يمتلكه الا ان يقدر هذا العالم ارفع تقدير، وهذا هو حال العديدمن الباحثين والمفكرين الذين يختلفون في اتجاهاتهم الفكرية حين تعرفوا على تلك الكتابات. لذلك سوف ننظردائماالى كتاب الدكتور «جدعان»، ونرى انه يتصف بالنقص والاجحاف والاقصاء الذي لا يغتفر لمؤلفه، مع تقديرنا لقيمة الكتاب وموضوعه والجهد الواسع المبذول فيه. واذا حاولنا ان نتحرى تفسيرا لموقف الدكتور «جدعان»، فقد نتوصل الى شيء من ذلك القبيل لعله يصلح ان يكون تفسيرا لموقفه، وذلك في كتاب آخر له بعنوان: «نظرية الت راث»، حيث يصنف العالم العربي بانه عالم سني في سياق حديثه عن «نظريات الدولة في الفكر العربي الاسلامي المعاصر» وتسويغه لعدم التطرق الى نظريات الشيعة حين يصل الى حدث التحول الاسلامي في ايران، وبنص عبارته: «لا مكان للخوض في هذا البحث في نظريات الشيعة في الدولة، لان المفكرين العرب المسلمين الذين يدور عليهم هذا البحث ينتمون جميعا الى العالم العربي الذي هو عالم سني. لكن يمكن التعرف على مبادى الفكر الشيعي الايراني المعاصر في هذه المسالة» ((8)).

ويذكر بعض المؤلفات الشيعية الايرانية، مثل كتاب «الحكومة الاسلامية» للامام «الخميني» (1409 1320 ه 1902 1989م) وكتاب «معالم الحكومة الاسلامية» للشيخ «جعفر سبحاني»، ويضيف اليها كتاب السيد «الصدر» :«الاسلام يقود الحياة» في طبعته الخاصة بوزارة الارشاد الاسلامي. فاذا كانت قناعة الدكتور «جدعان» بان الشيعة الموجودين في العالم العربي ليسوا عربا فانه يقع في خطا فادح لا يليق به على الاطلاق.

نقول هذا من غير ان نتوسع في نقض هذا الخطا.

في مقابل ذلك، ياتي العمل الذي انجزه «منير شفيق» في كتابه: «الفكر الاسلامي المعاصر والتحديات» وهو اشبه ما يكون ببليوغرافيا لقضايا الفكر الاسلامي المعاصر ومسائله ومفاهيمه، حيث تتبع بجهد واضح نصوص علمائه ومفكريه وكتاباتهم، ومع انه حصر عمله في اهل السنة العرب لاسباب منهجية كما يقول، الا انه المح الى اهمية ما قدمه الشيعة العرب، وبعبارته لم تتعرض هذه الورقة، كما يصف عمله، «لدراسة الفكر الذي انتجه علماء ومفكرون من اهل الشيعة العرب، بالرغم من اهميته الموازية، لسبب نقص في بعض المراجع التي ارخت لها، ولاسباب منهجية، علما ان لهذاالفكر اسهامات جادة وهامة، يظل كل بحث عن الفكر الاسلامي المعاصر في البلدان العربية ناقصا ان لم يدرسها.

الامرالذي يتطلب اجراء دراسات تناسق في تاريخها بين مختلف اسهامات الفكر الاسلامي المعاصر سنيا وشيعيا وعالميا» .ومع ذلك، ((9)) فان المؤلف لم يستطع ان يتجاوز اسهامات السيد «الصدر» الذي تكرر ذكره في ثمانية مواقع من الكتاب،فيصف مؤلفاته بانها من الدراسات العميقة والجادة ((10))، ويخص بالذكر كتابيه: «اقتصادنا» و«فلسفتنا»، فعن الاول يقول:«اما كتاب اقتصادنا للامام محمد باقر الصدر فيمثل موقعا علميا مرموقا، لا من جهة الفقه فحسب، وانما ايضا من جهة علم الاقتصاد. وقد اثبت قدرة عالية في مناقشة النظريات الاقتصادية في الماركسية والراسمالية» ((11)). اما كتاب «البنك اللاربوي في الاسلام» فيصفه «بجهد علمي فائق الاهمية» ((12)).

لذلك فاي محاولة تؤرخ لتطور الافكار الاسلامية المعاصرة، على اساس منهجية التقسيم والتحقيب التاريخي والزمني،وتستثني كتابات السيد «الصدر»، او تغيبه لاي سبب كان، هي محاولات ناقصة، ولا تفسر الا على خلفيات غيرموضوعية وعلمية. والمحاولات التي وقعت في مثل هذا الاشكال تعامل معها المثقفون الشيعة بنقد شديد يصاحبه في العادة احساس نفسي غير مريح. وهذا ما يفسر الطابع العاطفي والنفسي المهيمن على بعض الكتابات التي نشرها بعض تلامذة السيد «الصدر» او المقربين منه، حيث تنطلق في الغالب بدافع المظلومية او التجاهل، فتندفع نحو المبالغة احيانافي تصوير شخصية السيد «الصدر» ومنزلته الفكرية، مع ما له من عظمة وعبقرية. الا ان هذه الصورة قد تغيرت بشكل كبير مع حدث الثورة الاسلامية في ايران، حيث اكتسب السيد «الصدر» معرفة واسعة، لكن ليس بصفته الفكرية ونبوغه في هذا الجانب، وانما بصفته السياسية كزعيم معارض في العراق، خصوصا بعد استشهاده المفجع سنة 1980م. فقدغطت شهرته السياسية، خلال مدة وجيزة، على شهرته الفكرية، وتوجهت اليه الانظار باهتمام كبير من تلك الناحية.ولعل في دراسة الدكتور «الملاط» شهادة على هذه الحقيقة، فقد تعرف الى السيد «الصدر» من وجهته السياسية بوساطة صوره التي علقت على جدران المناطق الشيعية في بيروت بعد استشهاده، حيث كان يمر في طرقها وشوارعها تجنبالزحمة السير وهو في طريقه الى الجامعة اليسوعية التي تقع في الشق الشرقي من بيروت، وذلك في شتاء سنة 19811982م، قبيل الغزو الاسرائيلي للبنان، وقد قاده هذا التعرف، بعد سلسلة مواقف، الى ان يكتشف الوجهة الفكرية للسيد «الصدر»، فقاده هذا الاكتشاف الى قرار الكتابة عنه. فقبل الثمانينات، كما يرى «الملاط»، كان السيد «الصدر» عالمامجهولا في العالم العربي، ولا يعني لاحد في الشرق الاوسط، باستثناء قلة من المتبحرين في العلم والدراسة، اكثر من مجرد كتاب، عنوانه: «اقتصادنا»، وعشية فاجعة في العراق، انتهت بالاعدام في ظروف غامضة.

لكن هذه الصورة، كمايضيف «الملاط»، قد تغيرت في الثمانينات، وكان «حنا بطاطو» قد لفت الانتباه الى اهمية «الصدر» بالنسبة الى حركات المقاومة الشيعية السرية في العراق، في مقال نشرته له عام 1981م، فصلية «ميدل ايست جورنال» التي تصدر في واشنطن.. وفي خلال مدة قصيرة، اصبح من المستحيل تجاهل اهمية «الصدر» في انبعاث الحركات السياسية الاسلامية في العراق، وفي العالم الشيعي، وحتى في العالم الاسلامي كله. فقد عده كتاب، قارنوا بين ظواهر الحركات الاسلامية في الشرق الاوسط، محوريا في ما يتعلق بالعراق. ثم جاء الاقرار بهذه الاهمية من اسرائيل، وبعدها فرنسا، حيث خصته بملف مطول عام 1987م، مجلة جديدة، حسنة الاطلاع على شؤون المنطقة ((13))، كما يصفها «الملاط».

ولا شك في ان كتابات بعض الاسلاميين العراقيين، في تلك الاونة، اسهمت في تعزيز الوجهة السياسية للسيد«الصدر»، الوجهة التي تزايدت، وكانت على حساب وجهته الفكرية التي هي بالتاكيد الابرز والاعمق والاكثر جوهرية في شخصية السيد «الصدر».

تجديدات وتطويرات لقد كشفت مؤلفات السيد «الصدر» عن مدى الجهد الذي بذله في تكوين هذه المعارف، وفي غير حقل معرفي، فقداصبح متمكنا وبارعا فيها، وناقدا لها، ومجددا في الرؤية الاسلامية المتصلة بها، كمحاولته، مثلا، اكتشاف المذهب الاقتصادي في الاسلام.. وهذه العلوم لم تكن من الحقول الدراسية في البيئة العلمية التي كان ينتسب اليها في مدينة النجف الاشرف بالعراق، والتي تعرف بالحوزة العلمية الدينية. والذي كان سائدا من تلك العلوم، كالفلسفة والمنطق، لايتجاوز الجانب القديم منها، ولا يتعدى الى الجانب الحديث، الذي نشا وتطور في منظومة الفكر الاوروبي الحديث،وامتد الى نطاق عالمي واسع، حيث اصبح هو المهيمن على دراسات التعليم العالي في المعاهد والجامعات، بما في ذلك جامعات العالم العربي والاسلامي.

فالسيد «الصدر»، وان كان قد درس هذه العلوم في جوانبها التقليدية القديمة، الا انه بالتاكيد لم يدرسها في جوانبها الحديثة، وهي الجوانب التي برع فيها واشتهر بها. الامر الذي يلفت النظر الى مستوى التثقيف والمعرفة والاطلاع الذي بذله السيد «الصدر» في هذه الحقول. وهو الاستفهام الذي حمله معه الدكتور «محمد شوقي الفنجري»، استاذ مادة الاقتصاد بجامعة القاهرة، في لقائه بالسيد «الصدر» في بيته، عن اي جامعة من جامعات العالم تلقى دراسته ((14)) كما ان هذه المؤلفات اظهرت درجة الوعي والادراك اللذين اتصف بهما السيد «الصدر» تجاه علاقة الدين بالثقافة، والشريعة بالحياة، والاسلام بالعصر، وتجاه حركة الافكار وتطور الثقافات، وانعكاساتها على المجتمعات العربية والاسلامية.

وهوالذي طور بنفسه هذا الوعي بالمستوى الذي وصل اليه، حتى لو كان متاثرا بالنشاطات الاصلاحية التي نهض بها بعض المصلحين السابقين عليه في داخل العراق بوجه خاص، امثال الشيخ «محمد حسين آل كاشف الغطاء» (1295 1373ه 1876 1954م) ، والسيد «هبة الدين الشهرستاني» (1301 1386 ه 1884 1967م)، والشيخ «محمد رضاالمظفر» وآخرين. الوعي الذي قاده لان يقتحم علوم العصر والمعارف الانسانية، لكي يبرهن على جدارة الاسلام وقدرته على ان يقدم معالجة لمشكلة النظام الاجتماعي، وينفرد بمنهج ورؤية يختلفان كليا وجذريا، وفي المنظور الفلسفي والكوني العام والشامل، عن النظامين الراسمالي والشيوعي، ويقدم الاسلام في صورته الحضارية المشرقة ليكسب به ثقة العالم. فكان طموحه، في نهاية المطاف، كما يقول: تكوين «صورة ذهنية كاملة عن الاسلام، بوصفه عقيدة حية في الاعماق، ونظاما كاملا للحياة، ومنهجا خاصا في التفكير والتربية» ((15)).

فقد استطاع السيد «الصدر» ان يعيش العصر، ويصنع لنفسه حضورا في قمة العلم والثقافة، وهو في بيئة كثيرا ما يتوجه اليها النقد من العلماء المصلحين داخلها بانغلاقها وجمودها وتقليديتها وانقطاعها عن قضايا العالم والعصر والحياة.والذي يعرف طبيعة هذه البيئة ومكوناتها وشروطها يدرك كم يحتاج المرء الى شجاعة نفسية وجهود فكرية لكي يتغلب على عقبات كثيرة وتقاليد ضاغطة ونظام شديد التمسك بموروثاته الموغلة في القدم.

وحينما استحوذت هذه العلوم الحديثة على اهتمامات السيد «الصدر»، لم تتاثر اهتماماته التخصصية والاصلية، بالعلوم التي تعد «الاساسية»، حسب النظام التعليمي الديني السائد في الحوزات العلمية، واهم هذه العلوم، بصورة خاصة،الفقه وعلم اصول الفقه، ولم يشكك احد بقدرته الاجتهادية والاستنباطية في هذه العلوم، فقد شملها بتجديداته وتطويراته، خصوصا في جوانب المنهجية التي هي من اكثر الجوانب حاجة للتجديد في تلك العلوم وطبيعة مناهجها.ففي مجال الفقه، كانت له محاولة لتطوير ما يعرف في الدراسات الدينية الشيعية بالرسالة العملية في كتابه: «الفتاوى الواضحة»، فقد كان يسعى لان تكون هذه الرسالة على غير النمط التقليدي المتوارث وباللغة التي لا تفهم الا بصعوبة حتى عند المتعلمين والمثقفين، واقترح منهجية جديدة لتقسيم الاحكام الشرعية، حيث قسمها الى اربعة اقسام، هي:

1 العبادات، وتشمل الطهارة والصلاة والصوم والاعتكاف والحج والعمرة والكفارات.

2 الاموال، وهي على نوعين: الاموال العامة، وتشمل كل مال مخصص لمصلحة عامة، وتدخل ضمنها الزكاة والخمس.

والاموال الخاصة، وهي ما كان مالا خاصا.

3 السلوك الخاص، وهو كل سلوك شخصي للفرد لا يتعلق مباشرة بالمال، ولا يدخل في عبادة الانسان لربه.

4 السلوك العام، وهو سلوك ولي الامر في مجالات الحكم والقضاء والحرب ومختلف قضايا العلاقات الدولية، ومن ذلك القضاء والشهادات والحدود وغير ذلك.

ولعل السيد «الصدر» هو اول من لفت الى علاقة الفقه والاجتهاد بالمستقبل في موضوع نشره منذ وقت مبكر بعنوان:«الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد»، عبر فيه عن رؤية تنويرية شديدة الوعي والادراك بالانكماش والتراجع الذي حصل لحركة الاجتهاد، وتحول الفقه من فقه الامة والمجتمع الى فقه الفرد والاحوال الشخصية، وهيمنة النزعة الفردية على ذهنية الفقيه، وعلى التفكير الفقهي بصورة عامة، وانكماش الفهم والمضمون الاجتماعي العام والواسع في النظرللنص الفقهي والديني عموما.

اما في حقل اصول الفقه، فقد ادرك الحاجة الى كتابة مدخل يشرح فيه تاريخ حركة الاجتهاد وطبيعة الظروف التي اثرت على تطوراتها وتحولاتها على صورة مراحل متعاقبة في كتابه: «المعالم الجديدة في الاصول»، صدر سنة 1385 ه آ1964م، ولا يزال هذا الكتاب يعد من افضل ما كتب في موضوعه، ومرجعا مهما في حقله. اما كتابه: «دروس في علم الاصول»، صدر سنة 1397 ه 1977م، فقد اراد منه ان يدرس «اصول الفقه»، بوصفه علما، من خلال منهج متعاقب المراحل، وبطريقة تصاعدية تسهل عملية الفهم وتطور الذهنية الاصولية بصورة تدريجية، على النمط الاكاديمي الحديث في التعليم العالي، لا ان يدرس هذا الحقل بوساطة آراء وافكار تنتمي الى ازمنة غابرة، وتنسب الى اشخاص مهما كانت درجة تفوقهم العلمي. ولهذا فقد راى ان هذا الكتاب لا يعبر عن آرائه ووجهات نظره الاصولية التي يستقل بها، او يشرح قناعاته التي توصل اليها. كما انه اراد من هذا الكتاب دراسة علم الاصول بالمستوى الذي وصل اليه هذا العلم في حلقات تطوره وتقدمه، وبالنظريات والابتكارات المتجددة التي دخلت على هذا الحقل، لا ان يدرس بالمستوى الذي كان عليه قبل عدة قرون. وقد شرح رؤيته المنهجية في مقد مة هذا الكتاب، حيث تضمنت ملاحظات نقدية مهمة، جديرة بالتامل.

من جهة اخرى، فقد كشف السيد «الصدر» للاوساط العلمية والاكاديمية قيمة الفقه الاسلامي وثروته العلمية، وعلاقٍته بالعلوم الاجتماعية وبالاقتصاد بوجه خاص، وهو من اكثر العلوم اهتماما في الانظمة الاجتماعية السائدة عالميا، وذلك حينما اصدر كتابه: «اقتصادنا» الذي رجع فيه الى الفقه بتراكماته العلمية واجتهاداته التشريعية، التي هي من اوسع التراكمات في تاريخ الاسلام والحضارة الاسلامية، كما تشهد على ذلك المؤلفات والموسوعات الضخمة في هذا الحقل. وعزز من القناعة بهذا العلم المهجور في الدراسات الاقتصادية الحديثة وفي التعليم الاكاديمي. وقد راى الدكتور«محمد المبارك» ان كتاب «اقتصادنا» هو «اول محاولة علمية فريدة من نوعها لاستخراج نظرية الاسلام الاقتصادية من احكام الشريعة الاسلامية بطريقة جمع فيها بين الاصالة الفقهية ومفاهيم علم الاقتصاد ومصطلحاته» ((16)).

كما ان مؤلفات السيد «الصدر» وجهت الانظار الى الحوزات العلمية وحوزة النجف بالذات، بوصفها نظاما للتعليم والبناءالعلمي الذي ينسب الى المدرسة الاسلامية الشيعية، وهي الحوزات التي لم يكن يعرف عنها الا القدر القليل والغامض احيانا عند النخب والاوساط العلمية والثقافية في العالم العربي والاسلامي. وقد ظلت هذه الحوزات تدافع عن نفسهاوسمعتها ووجودها وكسب الاعتبار العلمي لها، مقابل ما كانت تتمتع به جامعة الازهر في مصر من شهرة واسعة.فالموقع الفكري للسيد «الصدر» كان يمثل وجها ناصعا ومشرقا للحوزة العلمية التي ينتسب اليها، وحينما كان جوابه على سؤال الدكتور «محمد شوقي الفنجري» انه لم يدرس في اي جامعة من جامعات العالم، لا في العراق ولا في خارجه وانما في مساجد النجف، وهي امكنة الحوزة للدراسة والتعليم، رد عليه «الفنجري»: ان مساجد النجف افضل من جامعات اوروبا.

وفي احدى زيارات المفكر الفرنسي «روجيه غارودي» الى العراق طلب من الجهة التي دعته ان يلتقي بالسيد «الصدر» بعد ان عرف به الدكتور «الفنجري» واطلعه على كتابي «فلسفتنا واقتصادنا» ((17))، وكانت هذه رغبة الكثيرمن الباحثين والمفكرين العرب عند زيارتهم للعراق. وعندما انعقد مؤتمر المحامين العرب، في احدى دوراته بالعراق،قام وفد كبير من المشاركين يتقدمهم الدكتور «عصمت سيف الدولة» بزيارة السيد «الصدر» في النجف. وفي هذه اللقاءات كانت تجري مناقشات موسعة حول القضايا الفكرية البارزة في وقتها.

اما المثقفون الدينيون فقد وجدوا في تلك المؤلفات ثقة كبيرة بانفسهم، وبالذات في مطارحاتهم مع اصحاب الايديولوجيات المغايرة، والماركسيين منهم بوجه خاص الذين كانت تنشط معهم المطارحات في اروقة الجامعات في العالم العربي بصورة عامة، وفي جامعات العراق بصورة خاصة. فكتاب «اقتصادنا» كان المنطق الاقوى في مواجهة المقولة الشهيرة التي كانت تتردد في ذلك الوقت من الماركسيين بانه لا يوجد في الاسلام اقتصاد او نظام اقتصادي. اماكتاب «فلسفتنا» فكان برهانا دامغا في نقد الاسس العلمية للنظرية الماركسية، بشكل احرج اصحاب هذه التوجهات الذين طالما تبجحوا بشعاراتهم التي لم تحقق لهم شيئا، مثل شعارات العدالة الاجتماعية، ومجتمع بلا طبقات، ودولة رعاية الكادحين والمحرومين، الى جانب مقولات الاشتراكية العلمى ة والجدلية التاريخية وغيرها. كما ان تلك الكتابات اسهمت في اقناع بعض اولئك بالتوجه نحو الدين، والاقتلاع الفكري من تلك الايديولوجيات.

والمثقفون الدينيون، من جهتهم ايضا، كانوا يرون ان تلك الكتابات تمثل برنامجا طموحا وعاليا في بناء الثقافة الدينية المتماسكة وتكوينها، وفي تكوين المثقف الديني الواعي بقضايا العصر وتحدياته الفكرية.

تقويمات وملات في سنة 1997م، وبمناسبة الذكرى السابعة عشرة لاستشهاد السيد «الصدر»، نشر الاستاذ «محمد عبد الجبار» موضوعاملفتا للانتباه، ولعله محرج في نظر الكثيرين، كشف فيه عن نقاشات تدور، كما يقول، في بعض الاوساط الاسلامية حول فكر السيد «الصدر»، تتمحور، على حد وصفه، بالتساؤل المبكر عن امكان تجاوز هذا الفكر، وما اذا كان الوقت قد حان للقيام بهذه الخطوة، واختار عنوانا لموضوعه من صلب ذلك النقاش، وهو:

«هل حان الوقت لتجاوز فكر الامام الصدر؟وما هي شروط ذلك؟» ((18)). ومع ان الكاتب برهن على مشروعية هذا النوع من النظر والنقاش، لدواع فكرية وموضوعية تحدث عنها، وحاول الرجوع الى بعض آراء السيد «الصدر» ليقنع على ما يبدو بهذه المشروعية، مع ذلك فانه كان مقتنعا، وهذا ما خلص اليه في نهاية مقاله، بان فكر السيد «الصدر» لا زال يملك الكثير مما يمكن ان يقدمه للبشرية. وبعدخمسة اشهر على نشر الموضوع، كنت في زيارة الى لندن، وتداولنا الحديث معا حول تلك القضية، وكانت وجهة نظري آنذاك، ان صياغة الاشكالية بذلك الشكل ليست دقيقة، فالمسالة ليست في التجاوز او عدم التجاوز، وانما في القدرة على بناء التراكمات المعرفية والانطلاقة منها نحو تاسيسات جديدة، فنحن لم نرتق الى مستوى ذلك الفكر في قمته وشموخه، ولم نتمثله في المستوى الذي كان عليه فكريا ومنهجيا، فكيف نتجاوزه!؟ فالتحدي الذي امامنا، منذ غياب السيد «الصدر» الى هذا الوقت، والى سنوات قادمة على ما يبدو، هو كيف نبني على ذلك الفكر؟ السيد «الصدر»، بمؤلفاته، فتح على الحوزات اوسع باب للحداثة والمعاصرة، وهو من اشد ما تفتقده هذه الحوزات،ومن اكثر ما يعرقل تواصلها مع العصر، ويشل قدرتها في مشاركاتها الحضارية على النطاقات العالمية. مع ذلك، فان هذه الحوزات قد تنكرت لتلك المؤلفات، ولم تنفتح عليها او تتاثر بها، وبذلك تكون قد ضيعت عليها فرصة حيوية في الاقتراب من العلوم والمناهج الحديثة، وذلك في الوقت الذي وجدت فيه بعض الجامعات العربية، في تلك المؤلفات،وبالذات كتاب «اقتصادنا»، معرفية ومنهجية تصلح لان تكون مناهج من نوع قيم ومتقدم لبرامجها الدراسية، وهذا مااقدمت عليه بالفعل بعض جامعات العالم العربي في مشرقه ومغربه ((19)). الامر الذي يبرز جدلية الحداثة والمعاصرة بين الحوزات والجامعات ويؤكدها، ويبين انه بقدر ما تنفتح هذه الحوزات على قضايا العصر، وتسري فيها روح التجديدوالتطوير، بقدر ما تدرك قيمة تلك المؤلفات.

من جهة اخرى، فتلك المؤلفات كشفت ان الحوزات العلمية لم تكن غائبة عن الحداثة والمعاصرة بالمطلق وبصورة نهائية، فمن قلب تلك الحوزات وعمقها برز السيد «الصدر» ، وهو الذي لم يسافر في حياته من العراق الا مرتين، واحدة الى الحج، والثانية لزيارة اقربائه في لبنان. وقد برهن في الوقت نفسه على امكانية ان تكتشف الحوزة طريقها الى الحداثة والمعاصرة، وتتواصل مع العالم والعصر، وتنفتح على العلوم والثقافات والمناهج.

يضاف الى ذلك ان تلك المؤلفات لم تستكشف او تهضم او تستوعب بالمستوى العلمي والمنهجي الذي عرفت به،ولم يظهر من يتخصص في تلك العلوم، او من يتحفز نحوها باهتمام كبير، او من يدرك آفاقها وابعادها ويسعى سعيه الى ذلك. فلم تظهر كتابات او دراسات وابحاث في هذا الاتجاه، ولم يبرز من يواصل النهج العلمي الذي شق طريقه السيد«الصدر»، او من يرتقي الى درجات عالية من الفهم والنقد والتجديد نحو تلك العلوم.

اما الكتابات التي نشرت حول السيد «الصدر» وان كانت مؤثرة وجدانيا ونفسيا، باعتبارها تبرز مظلوميته واستشهاده،فمعظمها قليل الاهمية على مستوى الدراسات والابحاث العلمية والاكاديمية، التي يفترض منها الالتزام بقواعد البحث العلمي وشروطه، حيث تدرس الظواهر والقضايا والمفاهيم بقدر كبير من التجرد والعقلانية وعدم التحيز.

وهذه هي الملاحظة التي التفت اليها، منذ سنوات، بعض المثقفين العراقيين، من الوسط الاسلامي، بقصد النهوض بدراسات جديدة تكون على قدر من الكفاءة العلمية انضج فكريا من التي قبلها. وهي ايضا الملاحظة التي التفت اليهاالدكتور «الملاط» في اثناء اعداده وتحضيره لكتابه، واشار اليها حينما اطلع على ما كتب عن السيد «الصدر».

وقد ظهرت بعض الكتابات المحدودة والضعيفة والعاجزة التي حاولت ان تبرز المنحى المذهبي في كتابات السيد«الصدر»، وبالذات كتابه «اقتصادنا»، وتلمس الاختلاف والتباين على اسس ذهنية مذهبية تكرس الفروقات، كان القصدمنها وضع حد امام توسع تلك الكتابات وانتشارها. وفي هذا الصدد، جاء كتاب «الاقتصاد الاسلامي بين فقه الشيعة وفقه السنة: قراءة نقدية في كتاب اقتصادنا» ((20)) اشترك في تاليفه كل من «يوسف كمال» و«ابو المجد حرك»، وقد وصف الناشر كتاب «اقتصادنا» بانه من اشهر الكتب الشيعية في الاقتصاد الاسلامي، لكي يؤكد اهمية النقد الذي يحتويه هذاالكتاب وضرورته. لا نريد التوغل في ملاحظات هؤلاء الكتاب لعدم موضوعيتها ولتواضع كفاءتها العلمية والمنهجية،خصوصا اذا وضعت الى جانب ما يناقضها من شهادات الكثيرين، وازاء الشهرة الواسعة التي اكتسبها الكتاب بين مجتمعات وجامعات ونخب متعددة المذاهب والاتجاهات والبلدان. الامر الذي يعزوه «الملاط» الى حرص السيد«الصدر» على تجنب مطبات التعصب الطائفي..

ونجاحه في هذا المضمار في العالم السني، حيث تدرس كتاباته في الجامعات، هو شهادة على اهمية الشمولية في اسهاماته على الصعيد الاسلامي. ويصح هذا القول، على نحو خاص عن كتابه «اقتصادنا» الذي يرى فيه انه فريد بغياب اي نعرة طائفية شيعية ظاهرة عن تحليله ومصادره ((21)). وفي تونس نشرالاستاذ «صلاح الدين الجورشي» نصوصا من كتابات السيد «الصدر» الاجتماعية والاقتصادية في اواخر الثمانينات، وقدبذل الناشر، كما يقول «الملاط»، كل جهد لشرح مدى خلو كتابات «الصدر» من التعصب الطائفي ((22)) الى غير ذلك من الشهادات.

القسم الاخر من هذه التقويمات هو الملات التي وصلت اليها، او التي ستصل اليها افكار السيد «الصدر» نتيجة التحولات والتغيرات المتسارعة والمتعاظمة التي حصلت في العقدين الماضيين على نطاقات مختلفة، عربية واسلامية وعالمية،وفي مجالات عديدة، اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وجغرافية واعلامية وتكنولوجية، حيث تغيرت معهاصورة العالم في مراكزه واقطابه ومنظوماته، وسوف تتغير اكثر مع ظاهرة العولمة وثورة المعلومات، حيث جعلت المجتمع الانساني مفتوحا لكافة احتمالات التغيير واتجاهاته المتوقعة وغير المتوقعة. فكتابات السيد «الصدر» قدارتبطت باوضاع فكرية واجتماعية واقتصادية كانت ملحة وضاغطة في وقتها ومتاثرة بها الى حد كبير، وبالذات مؤلفاته:«فلسفتنا» و«اقتصادنا» و«البنك اللاربوي في الاسلام»..

فكيف يمكن ان تقوم هذه الكتابات على ضوء التحولات الراهنة؟ لعل كتاب «فلسفتنا» هو اكثرها تاثيرا واشدها وضوحا، وهو يمثل مسوغا لمشروعية فتح مثل هذا النوع من النظروالتقويم. فقد ارتبط هذا الكتاب بتصاعد الافكار الشيوعية في العراق والعالم العربي خلال حقبة الخمسينات التي شهدت ازدهارا لحركة الشيوعيين العرب وتوسع نشاطهم الفكري، واحتكاكه بالاوساط الدينية، وتغلغله في شرائح تنتسب لهذه الاوساط، فقد خرج منها من اصبح، في ما بعد، مفكرا بارزا مثل «حسين مروة» في لبنان، وغيره في مناطق عربية اخرى. هذا الصعود فتح معه سجالات ساخنة وعنيفة مع الاسلاميين. وقد صدر كتاب «فلسفتنا» استجابة لتلك الوضعيات، وتحديا للافكار الشيوعية والماركسية، ويمكن اعتباره من اقوى واعمق ما صدر عن الاسلاميين في نقدالاسس الفلسفية والعلمية التي ترتكز عليها الماركسية وتحليلها. فهذه هي قضية الكتاب ومهمته الرئيسية كذلك.

والسؤال المشروع والمقنع الذي يفرض كامل النظر حوله: ماذا بقي من موضوع الكتاب وقضيته بعد سقوط الماركسية وانهيار معقلها التاريخي في الاتحاد السوفييتي والمنظومة الشرقية في اوروبا؟ فقد عادت الماركسية الى الماضي كماجاءت منه، وانقلب عليها التاريخ بعد ان جعلت منه علمها الرئيسي ووصفت حركتها بالجدلية التاريخية. اما بقاياهااليوم بالقدر الضئيل والمحدد التي هي عليه فتطفح بالانكسار والهزيمة، ولا تمثل حضورا ونشاطا فاعلا ومتضامنا. وهذه هي النتيجة التي توصل اليها «الملاط»، ومن السهولة ادراكها واكتشافها.

وحسب راي «الملاط» فانه «من الصعب الجزم بان هذا الكتاب اثرى النقاش الفلسفي في العالم الاسلامي الى حدكبير،..فهو يحمل طابع الاوضاع الملحة والمستوجبة عناية عاجلة، التي انتجته،.. فقد صدر كرد فعل على تعاظم التيارالشيوعي في العراق، وبخاصة في اوساط الشيعة الاكثر حرمانا. وكان الهدف الاول للصدر صد ذلك التيار بتوفير فهم افضل وتفحص ادق لمنهج الماركسية والمصطلحات الخاصة بها.. اما الجهد المبذول لهذا الكتاب، بالنسبة الى مجتهدشيعي، فهو امر لافت للانظار بمنحاه الفذ. لكن امكانات النجاح البعيد الامد لكتاب بني على اساس المادية الجدلية لستالين والشيوعي الفرنسي «جورج بوليتزر»، كان محكوما عليها بالاخفاق. ولذا يشعر القارى الان بان لكتاب «فلسفتنا»تلك النكهة المميزة للغة تخطاها الزمن.. فالاوساط الفلسفية اليوم تعتبر دعاوى «ستالين» و«بوليتزر»، وحتى «انغلز»، عتيقة الطراز. وكان لاضمحلال تلك الحجج تاثير سلبي على البحث الفلسفي للصدر لانه اولاها اهمية لا تستحقها.. اماالاعمال الاصلية الاكثر جدية، مثل «راس المال» لماركس، فلم تكن قد صدرت بعد ترجمة موثوقة وجديرة بالاعتماد من الاصل الالماني الى العربية، ولذا اعاقت نوعية المواد المتوفرة في قراءة «الصدر» للكلاسيكيات الماركسية» ((23)). هذاالنقد من «الملاط» يشفعه في اكثر من مكان في كتابه بالاشادة به، اذ يعده قد «نجح الى حد كبير، وخرج بنقد فذ في تعمقه وشموله، وفي الحرص على تجنب الافراط في التبسيط،.. ويبقى كتاب «فلسفتنا» نموذجا جيدا للجهود الشاملة التي بذلها «الصدر» لوضع منهاج فكري اسلامي مكتمل» ((24)).

اما الكتابات الاقتصادية للسيد «الصدر»، فقد استجابت لتطورات متعاقبة اعطت فاعلية وحركة لتلك الكتابات، فكتاب «اقتصادنا»، في الجانب النقدي والمقارن منه الذي تضمنه القسم الاول من الكتاب، قد اولى اهمية اكبر لنقد الفكرالاقتصادي الماركسي في تطوره التاريخي الجدلي والحتمي، اكثر من اهتمامه بنقد الفكر الاقتصادي الراسمالي، وذلك لان طبيعة الظروف التي احاطت بالكتاب كانت محرضة على ما يبدو، وشكلت بواعث اساسية لقضايا البحث وموضوعاته ومفاهيمه، كما ان المساحات المخصصة في الكتاب تبرز هذه الاهمية. وفي وقت آخر، جاء كتاب «البنك اللاربوي في الاسلام» الذي ارتبط بقضايا ذات علاقة بالاقتصاد الراسمالي، حيث شهد نشاطا ملحوظا في حقبة السبعينات مع السيولة المالية الكبيرة في الدول المنتجة للنفط، بعد ما عرف اقتصاديا بالطفرة النفطية التي نشط معهانظام البنوك والمصارف المالية، واستدعت معها نقاشات حول قضايا الربا والفائدة، وامكانية ان تكون هناك بنوك لاربوية. وفي عام 1979م، صدر كتاب «الاسلام يقود الحياة» استجابة لظروف مختلفة تماما عن التي قبلها، حيث اخذت منحى اسلمة الدولة والمجتمع بعد التحول الاسلامي في ايران. وقد تضمن هذا الكتاب ست حلقات، ثلاث منها كانت ذات علاقة بموضوع اقتصاد المجتمع الاسلامي، وهي: «صورة عن اقتصاد المجتمع الاسلامي» و«خطوط تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الاسلامي» و«الاسس العامة للبنك في المجتمع الاسلامي».

وقد بقيت هذه الكتابات الى هذا الوقت تحتفظ بحضورها، وبمكانة مرموقة، وتعد مراجع اساسية في مجالاتهاوموضوعاتها، ونادرا ما تجد كتابا في الاقتصاد الاسلامي لا يكون كتاب «اقتصادنا» من مراجعه المهمة، وهكذا في مايكتب حول البنوك اللاربوية والمصارف الاسلامية. ومن شهادات الدكتور «الملاط» قوله: «الى هذا اليوم، ما زال «اقتصادنا» الاثر الاهم شانا والاكثر شمولا بين كل ما كتب عن الاقتصاد الاسلامي» ((25)). وهذه هي رؤيته لكتاب «البنك اللاربوي في الاسلام». مع ذلك فقد استجدت تطورات غير تلك التي استجابت لها الكتابات المذكورة، وكانت على احتكاك بها، وفي امتحان لاطروحاتها، منها تطورات ذات علاقة بحركية الافكار والمفاهيم والنظريات، ومنها ذات علاقة بالوقائع والتطبيقات والتجريبات.

ففي نطاق الافكار، فان كتاب «اقتصادنا» وقت صدوره، كانت هناك ندرة واضحة في الكتابات الاسلامية حول قضايا الاقتصاد الاسلامي ومفاهيمه، فكان هذا الكتاب هو الابرز من بينها بلا منازع.فالكتب التي يقارنها الدكتور «الملاط» بكتاب «اقتصادنا» هي كتاب «السيد قطب»: «العدالة الاجتماعية في الاسلام»، صدرفي عام 1949م، وكتاب «علال الفاسي»: «في المذاهب الاقتصادية»، صدر في عام 1971م، حيث يرى فيهما هيمنة «سيد قطب» و«علال الفاسي» على الساحتين المصرية والمغربية، ويعلق على ذلك بقوله: «لكن افضل انجازاتهما في هذاالمجال قاصرة عن بلوغ مستوى اعمال «الصدر» من حيث النوعية والمنزلة» ((26)).

وحسب نظر الدكتور «محمد مبارك» فان افضل من كتب، في الدراسات المقارنة، اثنان هما: الاستاذ ابو الاعلى المودودي (1321 1398 ه 1903 1979م) في كتابه: «الاسلام والنظم الاقتصادية المعاصرة»، والسيد «محمد باقرالصدر» في الجزء الاول من كتابه «اقتصادنا». وقد التفت «الملاط» للاستاذ «المودودي» في هامش الكتاب، وكانت لديه وجهة نظر حوله، عبر عنها بقوله: «من الممكن اضافة «المودودي»، الذي كان من المجاهدين الباكستانيين الهامين في الحركة الاسلامية، لكنه اقل تشويقا على المستوى الفكري» ((27)).

اما في العقدين الاخيرين فقد صدرت كتابات اسلامية جديدة ومهمة، ونخص بالذكر منها مؤلفين للدكتور «محمد عمرشابرا» هما: «نحو نظام نقدي عادل» ((28)) و«الاسلام والتحدي الاقتصادي» ((29))، وعنصر التميز في هذين الكتابين انهمايعكسان الخبرة العملية والتجريبية التي عايشها المؤلف الى جانب المعرفة العلمية المعاصرة في هذا الحقل، فقد عمل منذ سنة 1965م لاكثر من عقدين مستشارا اقتصاديا لمؤسسة النقد العربي السعودي، كما عمل مدرسا لمادة الاقتصادفي غير جامعة امريكية.

مع ذلك، فان هذه الكتابات، بما في ذلك كتابا الدكتور «شابرا»، لا تتجاوز، او تتخط ى، كتاب «اقتصادنا» الذي يتفوق عليهافي الجانب النظري والتاصيل المعرفي والفقهي، الا انه ليس الكتاب الوحيد البارز والمتفوق في مجاله كما كان سابقا.

وفي نطاق الوقائع والتجريبات، فقد ظهرت محاولات اسلامية جادة في حقل البنوك والمصارف المالية، واستطاعت ان تقطع شوطا كبيرا ومهما، كسبت على اثره اعترافا وحضورا على الصعيد العربي والاسلامي وحتى العالمي، وكونت لهاخبرة وتجربة وراكمت معارفها وعلومها في هذا الحقل، وقد وصل عدد البنوك الاسلامية، حتى عام 1999م، الى 200بنك موزعة على اكثر من 25 بلدا، في مختلف قارات العالم، وجذبت من الودائع ما قيمته 112 مليار دولار، وحققت نموا بمعدل 3.5 بالمئة في عام 1997م. فاذا كان كتاب «البنك اللاربوي في الاسلام» قد صدر مع بدايات التفكيروالاهتمام بانشاء نظام البنوك اللاربوية وامكانية توافقها مع قوانين الشريعة الاسلامية، فان المصارف الاسلامية اليوم قدتجاوزت الاشكاليات النظرية ونوعية المشكلات التي كانت قائمة في ذلك الوقت. ويبقى لكتاب «البنك اللاربوي في الاسلام» قيمته بوصفه جهدا نظريا وتاصيلا فقهيا هو من بواكير الاهتمام بذلك الموضوع.

وهناك تطور آخر حاول دراسته وتكوين نتيجة حوله الدكتور «الملاط» مع انبثاق تجربة اسلامية سعت الى اسلمة الدولة والمجتمع والحياة العامة على نطاق شامل ومحكم بعد التحول الاسلامي في ايران، حيث يتوافق السيد «الصدر» مع هذه التجربة من جهة الانتساب الى قاعدة الاجتهاد الاسلامي الشيعي. فقد طرح «الملاط» سؤالا حاول البحث عن اجابة له، وهو: «هل نجح «الصدر» في جعل اكتشافه «الاقتصاد الاسلامي» قابلا للتطبيق؟» والنتيجة التي توصل اليها «الملاط» هي ان كتاب «اقتصادنا» لم ياخذ حيزه وفاعليته من التطبيق في التجربة الاقتصادية والاسلامية في ايران، على عكس المبادى الدستورية، كما يرى «الملاط»، حيث من الممكن اقتفاء اثر تسلسل شبه مباشر في نصوص محكمة مثل «اللمحة الفقهية»للصدر والدستور الايراني لعام 1979م. وعن وجهة نظره في كتاب «اقتصادنا» يقول: «على الرغم من التحليل المطول لملكية الاراضي والنظام الاقتصادي، لم يعرض «اقتصادنا» التقنيات الممكن تطبيقها في اقتصاد يبحث عن ارشادات محددة بدقة»، ويرى ان ثروة الكتاب وضلاعته العلمية توحيان بان بعض النماذج اسست في هذا المجال وفقا لافكاربحثت اول مرة بالتفصيل في «اقتصادنا».. وما يخلص اليه ان فضائل الكتاب تكمن في هذه النماذج والمثل، اكثر مما هي في تطبيق الاراء على اقتصاد دولة اسلامية ((30)).

من المؤكد ان هذه الاراء الناقدة لا تقلل من شان كتاب «اقتصادنا» الذي برهن بكفاءة عالية، وفي وقت مبكر، على امكانية اكتشاف المذهب الاسلامي والنظام الاسلامي في الاقتصاد، واعط ى ثقة كبيرة لاي محاولة اسلامية لان تتخذ من الاسلام قاعدة مرجعية واطارا معرفيا في بلورة النظم الاقتصادية والتفكير الاقتصادي العام وصياغتها. وهذه من اكثرالقضايا جوهرية، حيث تتاسس عليها جميع الخطوات الاخرى التخطيطية والتطبيقية وجملة السياسات العامة.

وحينماظهرت التجربة الاسلامية في ايران لم يقدم لها السيد «الصدر» كتاب «اقتصادنا» ليكون تصورا لاقتصادها الوطني، وانمااسهم برؤية اخرى تلك التي عبر عنها في كتابه: «الاسلام يقود الحياة»، ولم يتطرق فيه الى كتاب «اقتصادنا»، مع ان اغلب موضوعاته تدور حول الاقتصاد. ولعله كان قاصدا في استعماله لتسمية «اقتصاد المجتمع الاسلامي»، والفارق ان في كتاب «اقتصادنا» كان الحديث يدور حول المذهب الاسلامي في الاقتصاد، ولم يكن للمجتمع الاسلامي موضوع يسوغ الحديث حوله في اطار خصوصياته ومكوناته وشروطه الزمانية والمكانية..

كلمة اخيرة من المؤكد ان الفكر الاسلامي المعاصر قد تاثر كثيرا، في حركة نموه وتطوره وتجدداته، بغياب السيد «الصدر» الذي مثل قمة عالية في منظومة هذا الفكر، ونهض بوعي لم تنقطع تاثيراته الى هذا اليوم، واعط ى زخما للمشروع الاسلامي المعاصر على امتداد العالم الاسلامي، وتاثر به اوسع قطاع من المثقفين الدينيين المتنورين. فهو المفكر الذي كان التجديد والتطوير والابتكار منطلقاته الاساسية في جميع ابحاثه ودراساته ومؤلفاته، ولم يكن مجرد داعية لهذه العناصر، بل كان ممارسا ومتمثلا لها، كما برهنت على ذلك مؤلفاته.

وباستشهاده اصبح مصدقا لافكاره وشاهدا عليها وعلى الفكر الاسلامي. لقد كان اعدامه من اعظم فواجع الفكرالاسلامي، فاي امة هذه التي يعدم فيها مثل «الصدر» ، واي امة هذه التي يقتل فيها عظماؤها!؟ مع ذلك توج «الصدر»عظمته بتلك الشهادة، وبعث في الامة روحا وصحوة ويقظة، حيث كان رسوليا في فكره وحسينيا في شهادته. لقد ادى «الصدر» مهمته ورسالته، ونحن الذين لم نؤد مهمتنا ورسالتنا لاننا لم ننجب صدرا بعد «الصدر»! الامام الشهيد محمد باقر الصدر التجربة التاريخية.. والانسان الاستاذ كمال السيد ما هي الدنيا؟!.. مجموعة من الاوهام.. لكن دنيانا اكثر وهما من دنيا الاخرين. الامام الشهيد في البدء التقيتك مرتين، مرة قبل «صفر» (انتفاضة صفر الشعبية عام 1977م)، والاخرى بعده... وكنت يومها في العشرين، وها اناقد ذرفت على الاربعين.

ودار الزمن وطوحت بي الايام، وقد زلزلت الارض زلزالها.

والعراق الذي كان ارض الخصب والامل والحياة ومرفا الائمة الاطهار، اضحى ارض الجمر. كل شيء فيه يحترق. وبدت الاشياء عارية ومقرفة، وقد ذر الشيطان قرنيه يعربد ويدمر،ويحيل الاشياء الخضراء رمادا تذروه الرياح. الامال...

الاماني... الحياة المطمئنة الامنة.. كل شيء اضحى هباءمنثورا.

لن اكون قاسيا، او مجانبا للحقيقة، لو قلت: ان الامة في العراق قد ركعت للنمرود، وان كل المذابح التي حدثت في العراق لا تمثل ارادة امة، وحالة شعب، وان الدماء التي لونت ارض الرافدين ما هي الا صرخة الضمير المثقل. ولو كانت الحقيقة غير ذلك ما بقيت وحيدا يا سيدي، لم يبق الى جانبك احد حتى من اهل بيتك الا «آمنة»، وقد تشربت «زينب»،بعدما رات فيك ملامح الحسين. ولكن الاوغاد الذين عضوا انامل الندم لانهم لم يقتلوا «زينب» يوم عاشوراء، قتلوا«آمنة» من اجل ان تبقى ثورتك من دون صوت.

اجل يا سيدي. التقيتك مرتين، مرة قبل «صفر»، ولا ازال حتى اليوم احس دف ء نظراتك الحانية. بريق عينيك يتالق فيه الحسين، وكان هذا مصدر عظمتك، فالذين كانوا يحجون اليك لم يقراوا «فلسفتنا» او «اقتصادنا». لقد غرقوا في شواط ى روحك العظيمة وقلبك الكبير.

اجل يا سيدي. التقيتك مرتين، مرة بعد «صفر»، ولا ازال اتذكر دف ء الكلمات وعمق الحروف، وانت تحتل زاوية صغيرة في مكتبك، والذين جلسوا في حضرتك لم يدركوا بعد انك ستحتل التاريخ.

ما زلت اتذكر ذلك المشهد المحفور في ذاكرتي، ولا يزال وجهك المضيء ماثلا امامي رغم ضباب الايام وغبارالسنين.

ما زلت اتذكر سيل الاسئلة التي اعدها طالب جامعي.. وكانت اسئلة مصيرية حساسة يتهيب الكثير الاصغاء اليهاخوفاوعجزا ، وكنت وحدك الذي يصغي ويجيب من دون عجز او وجل...

سال الطالب عن اوراق اليانصيب، وان لها غايات سامية، فلم تحرمها؟! فقلت: ان الغايات السامية تلزمها وسائل سامية.

وسال الطالب عن اللحوم المستوردة، فاجبت بحرمتها رغم «العيون الزجاجية».

وسال الطالب مرة اخرى عن مجتمع الجامعة، فقال: نحن، يا سيدي، طلاب وطالبات في الجامعة، ونحن ملتزمون بالدين، فانبثق تعريف للمجتمع الاسلامي بانه مجتمع مختلط، ولكنه ملتزم، فما هو رايكم؟ وسكت هنيهة، يا سيدي، ثم انسابت كلماتك هادئة. ما زلت اتذكرها بعد عشرين سنة.

فقلت، يا سيدي، ما لا انساه: ان الاسلام لا يقف موقفا حديا من مسالة الاختلاط، ولكنه ياخذ بنظر الاعتبار عدم الاختلاط ما امكن. انني اسجل هذه للذكرى فقط، لاني وعندما ودعتك، يا سيدي، تخطفتني الكلاب. اقتادوني الى اقبية التعذيب في بغداد. سالوني عنك. انهم يخشونك... يخشون بريق نظراتك لانها ترنو الى المستقبل. يخشون قلبك لانه قنبلة موقوتة ربما تنفجر في اية لحظة فتحيل قصورهم وعروشهم هباء منثورا.

عذبوني، يا سيدي، لاني التقيتك مرتين. سالوني من اقلد، فقلت غيرك، ولو قلت اقلد الصدر لقتلوني.

العالم، يا سيدي، لن يصدق محنتك.. لن يصدق الاهوال التي مرت على عينيك، ولهذا ستبقى مجهولا، فالجيل الذي سيدرك سرك لا يزال في رحم الايام. عذرا يا سيدي، انا لا اريد ان اؤرخ لك.. انا اؤرخ لنفسي، فالتاريخ يخص الموتى،اما انت فقد التحقت بالقافلة... قافلة الحسين، والذين انطلقوا مع الحسين لن يموتوا... لقد حطموا قضبان الزمن الصدئة،واكتشفوا سر الخلود.

الجذور غصن في شجرة معطاء، اصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي اكلها كل حين باذن ربها.