|
«اول المنهاج»
رئيس التحرير ذات امسية واحسب انها كانت احدى امسيات شهر محرم الحرام، حيث تتجدد ذكرى شهادة الامام الحسين (ع) في كربلا وتتعطل الدراسة في الحوزة تحدث استاذنا الصدر في «مجلسه» الذي كان يجلس فيه الى طلابه وخاصته في بيته في تلك الايام عن زيارة الحسين (ع) المعروفة بزيارة «وارث»، والتي جا في مطلعها: «السلام عليك يا وارث آدم صفوة اللّه، السلام عليك يا وارث نوح نبي اللّه، السلام عليك يا وارث ابراهيم خليل اللّه، السلام عليك يا وارث موسى كليم اللّه، السلام عليك يا وارث عيسى روح اللّه، السلام عليك يا وارث محمد حبيب اللّه، السلام عليك يا وارث اميرالمؤمنين ولي اللّه...».
قال الصدر، وقد تالقت عيناه، وسرى في اساريره وهج
شاعري:
حينما نسلم على الحسين بهذه الكلمات نشعر اننا نعيش
في
اجوا رسالات الانبيا، واننا متواصلون معهم
ومندمجون في
حركتهم الواحدة الممتدة في خطها المستقيم الواحد
الطويل..
انها ترينا الحسين في موقعه التاريخي من
الاطروحة الالهية
والتدبير الرباني لهداية البشر، فتصفه بحق انه وارث الانبيا
اولي العزم ووارث وصي خاتمهم امير المؤمنين علي بن
ابي
طالب... وهذه جملة ليست بحاجة الى تفسير، (والكلام
للشهيد
الصدر)، فهو بقية ذواتهم الطاهرة، وسليل اصلابهم
الشامخة،
كما انه مجسد معانيهم الشريفة وقيمهم الخالدة،
ومستودع
كتبهم المنزلة، ومبلغ رسالاتهم
المتتابعة،والمتحمل، وحده،
على قلة الناصر وخذلان الاصحاب، اعبا جهادهم
الشاق وآلام
تضحياتهم الدامية.. انها وراثة سموالذات وشرف
النسب الى
جانب كونها وراثة الخصال والمسؤولية والهدف
والموقف
الصعب.
هذا ما اتذكره الان من حديث الصدر في تلك الامسية
بعد
مضي ما يزيد على ثلاثين عاما عليه! وقد بقي هذا
الحديث محفورا في ذاكرتي بعد كل هذه السنين، ليس
لان
الصدر قد لامس فيه حقيقة الحسين (ع) وشخص فيه دوره
الرسالي بذكا وصدق فحسب، وان ما ايضا لانه هو
نفسه كان
يشعر في اعماقه، ويمثل في شخصه، ويجسد في حياته
وعمله وآثاره العلمية والفكرية، على نحو بارز،
هذا المعنى
العظيم لوراثة الانبيا الذي تضمنته هذه الكلمات
من زيارة
الحسين(ع) وشرحه هو هذا الشرح الصادق الجميل...
فعلى مستوى وراثة النسب، كان الصدر واضح الانتما
في نسبه
الشريف الى الرسول الاعظم والائمة الاطهار عبر
آبائه واجداده
العلما المشهورين الكبار، وكان الشعور بهذا
الانتما النسبي
الخاص حاضرا بقوة في وعيه من غير ان يحمله على
الفخر او
الاحساس بالامتياز والتفوق على الناس على نحو ما
يفعله بعض
مدعي النسب الشريف بحق وبغير حق،لانه كان مصحوبا
بشعور
اقوى واعمق بما يترتب عليه من مسؤولية خاصة في الاقتدا
بمن ينتمي في نسبه اليهم والالتزام بخطهم وقضيتهم.
ولقد حدثني بعض خاصته، المقربين منه، انه قال له
بعد ان
رزق بولده جعفر بعد ثلاث بنات على التوالي: «لا
يوجدبيني
وبين جدي الامام موسى بن جعفر الكاظم، من سلسلة
آبائي
واجدادي، الا من كان مرجعا او مجتهدا، وقد
سالت اللّه عز وجل
ان يرزقني ولدا تتصل به حلقات هذه السلسلة، ويحمل
من
بعدي تراثها المتراكم وارجو ان يكون اللّه
قداستجاب لي».
وعلى مستوى وراثة الخصال والسجايا والمزايا
الشخصية كان
الصدر صورة شبيهة باسلافه الطيبين الاطهار فنا في
ذات اللّه،
وعلما بدينه وآياته، وخشية له، ودابا في طلب
مرضاته، وصبرا
على بلائه وقضائه، وشجاعة في مجاهدة اعدائه وقول
كلمة
الحق في وجوههم وان جر عليه ذلك السجن والقتل،
وزهدا
في حطام الدنيا ومتاعها الفاني،
وتواضعاللناس،وبرا بارحامه
واصحابه وطلبته.
وآيات ذلك كله ودلائله ظاهرة بينة في معالم سيرته
التي
سوف نوجز ابرزها بعد قليل، مع ان المشهور والمكتوب
من هذه
السيرة لا يمثل الا جزا منها ولا يزال الباقي ينتظر
الذين عرفوه
عن قرب وآمنوا بخطه ونهلوا من علمه وفضله ليكشفوا
عن
دقائقه واسراره.
وعلى مستوى وراثة القضية والموقف الصعب ورث الصدر
قضية
الانبيا والاوصيا وقضية نوابهم مراجع الدين
الامناالاتقيا،
وهي قضية واحدة لا تتجزا.. انها قضية الدين الذي هو
عند اللّه
الاسلام.
كان الاسلام عشق الصدر الكبير، وكانت عودته الى
حياة
المسلمين او عودة المسلمين الى حياته وانفتاح
البشرية المعذبة كلها عليه ودخولها في رحابه هي
امله المعقود
وطموحه الاسمى، وقد فاضت بهذا العشق وهذا
الامل والطموح
كتبه ومؤلفاته واحاديثه ومحاضراته. ولا اعتقد ان
احدا ممن
عرفه او التقاه الا وسمعه يتحدث بشغف عن مزايا
الاسلام
ويحلل اسباب عظمته وخلود قيمه ونظمه وتشريعاته.
لقد عاش الصدر، طوال حياته، وهو يرنو الى انتصار
قضية
الاسلام ويتطلع الى بزوغ فجره، مكرسا في سبيل ذلك
كل طاقات نبوغه الفريد وعبقريته الفذة.
اما الموقف الصعب، موقف التضحية والفدا من اجل
الاسلام،
فقد ورث الصدر اروع ما ضرب مثلا له في سجل
آبائه واجداده
الطاهرين، وهو موقف وارث الانبيا وسيد الشهدا
الحسين بن
علي (ع) في كربلا، فكان بحق حسين عصره.
واننا، اذ ندرك دور الصدر الشهيد في تجسيد هذه
الوراثة، وفي
النهوض بمهماتها، نجد واجبا علينا في هذه الاونة
التي نعيش
فيها الذكرى السنوية العشرين لشهادته، ان نسهم في
تعريف
المسلمين بشخصيته وفكره... وفي سبيل ادا
هذاالواجب، كان
هذا العدد الخاص عن سمو ذاته وخلود عطائه. وقد يكون
من
البدهي ان نمهد للدراسات والابحاث والحوارات التي
تضمنها
هذا العدد بنبذة موجزة عن سيرة حياته.
سطور مضيئة من سيرة الشهيد الصدر
ولد السيد محمد باقر ابن السيد حيدر ابن السيد
اسماعيل ابن
السيد صدر الدين الموسوي في مدينة الكاظمية
في العراق، في
الخامس والعشرين من ذي القعدة، سنة ثلاث وخمسين
وثلاثمئة والف للهجرة، من اسرة علوية كريمة يتصل
نسبها
بالامام موسى الكاظم (ع)، انجبت العديد من افاضل العلما
والصلحا، وهي تعرف حاليا باسرة «الصدر»،وهو لقب
جدها
الاكبر السيد صدر الدين محمد الموسوي العاملي،
الذي كان
من اكابر العلما، وزعيما للشيعة الامامية في
بلاد الشام.
توفي عنه ابوه، السيد حيدر، وهو في الثالثة من
عمره، فتربى
في حجر والدته السيدة العابدة الفاضلة بنت آية
اللّه الشيخ عبد
الحسين آل ياسين، والتي كان ابوها واخوتها جميعا من
الايات
العظام، ومن اكابر العلما الاعلام، ونشا
تحوطه رعاية اخيه
الاكبر آية اللّه السيد اسماعيل الذي قرا عليه
مقدمات العلوم.
ترك المدرسة الابتدائية التي برزت فيها اولى
علامات نبوغه
وتفوقه بعد سنتها الثالثة، ليتفرغ لدراسته
الدينية،
ومطالعاته الخاصة، وهاجر، وهو في الثالثة عشرة من
عمره، الى
النجف الاشرف ليكمل في حوزتها العلمية تحصيله.
استطاع، لفرط نبوغه وذكائه، ان يقرا اكثر ابحاث
المرحلة
المسماة بمرحلة «السطح العالي» معتمدا على نفسه،
وتتلمذ،في مرحلة «الخارج»، وهي المرحلة الخاصة
بتخريج
المجتهدين، وهو بعد في اوائل سني بلوغه على يد
اثنين من
اكابرعلما عصره هما:
خاله آية اللّه العظمى، الشيخ محمد رضا آل
ياسين(قده) وآية
اللّه العظمى السيد ابو القاسم الخوئي(قده)، وبلغ
رتبة الاجتهاد
وهو في هذه المرحلة.
كتب في السابعة عشرة من عمره تعليقه على فتاوى خاله
آية
اللّه الشيخ محمد رضا آل ياسين المسماة «بلغة
الراغبين».
اطلع معتمدا على نفسه الى جانب دراساته المتخصصة
على
العلوم الحديثة، وبخاصة العلوم الانسانية اطلاعا
اهله للمشاركة
والابداع فيها، وعني منذ صباه بتثقيف نفسه ثقافة
عامة
وبمتابعة ما يجري من احداث سياسية واجتماعية.
بدا بالقا دروسه على مستوى بحث الخارج وهو في
الخامسة
والعشرين، سنة 1378ه، ونهل من علمه وفضله العشرات من
طلاب العلم، وتخرج على يديه العديد من افاضل
العلما.
عاش للّه وحده مكرسا حياته كلها للدفاع عن دينه واعلا
كلمته، عازفا عن حطام الدنيا وزخارفها، فلم يمتلك
دارا
ولاعقارا، ولا ادخر درهما ولا دينارا وانما كان
ينفق كل ما يصل
الى يده الشريفة من اموال الحقوق الشرعية على
قلتهانسبيا
في مصارفها ويضعها في مواضعها، وكانت اخلاقه
وسجاياه
صورة صادقة من اخلاق الائمة الطاهرين وسجاياهم..
زهدا،
وتواضعا، ونبلا.
الف في الفقه، واصول الفقه، واصول الدين،
والفلسفة،
والمنطق، والاقتصاد، والتاريخ، والفكر الاسلامي
الاجتماعي والسياسي، وكتب بحوثا ومقالات في
التاريخ والفكر
السياسي الاسلامي واصول الدستور الاسلامي، والقى
محاضرات في التفسير والاخلاق والتاريخ السياسي
لائمة اهل
البيت (ع).
طور مناهج البحث في العلوم الاسلامية الاساسية
التي يرتكز
عليها نظام التعليم في الحوزات الدينية، كالفقه
واصول الفقه
واصول العقيدة والحديث والتفسير والفلسفة والمنطق.
واسفرت جهوده، في جميع هذه المجالات، عن
نتائج علمية
هامة ونظريات جديدة، كما اسهم، بما كتبه من بحوث
ودراسات خارج النطاق الحوزوي التقليدي، في
اضافة مواد
ثقافية جديدة الى التعليم الديني وسعت آفاقه
وجعلته
يستوعب العلوم الانسانية الحديثة، وكانت مجمل
ابحاثه ودراساته صدى لحاجات عصره، واستجابة
للتحديات
الحضارية التي تواجه مسيرة الاسلام في العصر
الحديث،
وابرزمثل على ذلك كتابا: «فلسفتنا» و«اقتصادنا»
اللذان الفهما
بعد الانقلاب على العهد الملكي عام 1958م، وكان لهما
اثر
بالغ في صد التيارات الفكرية الوافدة والدفاع عن
عقيدة الامة،
كما كانت محاضراته ومؤلفاته مصدر جذب
واستقطاب لعناصر
جديدة من الشباب المثقف، اخذوا يدخلون الحوزة
العلمية
ويضخون دما جديدا في عروقها ويجندون
انفسهم للدعوة الى
اللّه والعمل في سبيل الاسلام، فضلا عن تاثيرها
الكبير في زيادة
وعي الامة وارتباطها بدينها.
اعط ى للعمل الاسلامي ابعادا وآفاقا جديدة، وفتح
امامه طرقا
واساليب حديثة، اسهم من خلالها في الانتقال
بوعي الامة
مراحل متقدمة على صعيد العمل لرفع الظلم عنها وضمان
تمكين قيم الاسلام واحكام شريعته بقوة في
واقعهاالاجتماعي
والسياسي.
ساند بقوة وفاعلية المرجعيات الدينية الصالحة
المتصدية
للعمل الاسلامي في العراق وفي غيره من الحواضر
الشيعية الاخرى كايران ولبنان، ورشد حركتها
واسلوب عملها
وامدها بالعديد من طلبته العلما الرساليين الذين
اصبحوا
في طليعة وكلائها العاملين في اوساط الامة،
وشجعها على
تبني قضايا الاسلام والامة الاسلامية في مواجهة
الانظمة المحلية الحاكمة والقوى الاستكبارية
الدولية الساعية
للنفوذ في العالم الاسلامي والسيطرة على مقدراته.
كما طرح افكارا جديدة لاصلاح نظام المرجعية
الدينية
والارتقا بها الى مستوى مؤسسة موضوعية تعتمد في
ادارة عملها على الخبرة والاجهزة الفنية
المتخصصة.
كان له دور رئيسي في جملة من الاعمال والمشاريع
الاسلامية
العامة، منها:
1- جماعة العلما في النجف الاشرف
تاسست بعد الانقلاب على العهد الملكي عام 1958م، وكان
له
دور رئيسي في تحريكها وتوجيهها، وان لم يكن لصغرسنه
عضوا فيها، وقد كان هو الذي يكتب افتتاحيات المجلة
التي
كانت تصدر باسم هذه الجماعة: «الاضوا»
ويوقعهاباسمها.
2-مدرسة العلوم الاسلامية في النجف الاشرف
وهي مدرسة لطلاب العلوم الدينية، اسسها المرجع
المرحوم
آية اللّه العظمى السيد محسن الحكيم، وكانت
للسيدالشهيد
رعاية خاصة لها من طريق عدد من طلابه الذين كانوا
يشرفون
عليها او يدرسون فيها.
3- كلية اصول الدين في بغداد
وقد شارك السيد الشهيد الصدر في تاسيس هذه الكلية
وفي
وضع مناهجها المقررة، ورعى بالخصوص
شؤونهاالثقافية.
شكلت نشاطات السيد الشهيد واعماله، في اطار الفهم
الواعي
والشامل للاسلام، تحديا كبيرا للانظمة الحاكمة
المرتبطة بعجلة الاستكبار العالمي، وخصوصا نظام
البكر
صدام في العراق الذي جا الى الحكم عام 1968م، وشرع
على
الفورفي العمل من اجل مصادرة الصحوة الاسلامية في
العراق
ومطاردة العاملين في الساحة الاسلامية.
وقد قامت هذه السلطة بمضايقة السيد الشهيد، واقدمت
على
اعتقاله اربع مرات منذ سنة 1972م، ذاق خلالها
ابشع الوان
التنكيل والتعذيب.
ولما قامت الثورة الاسلامية في ايران، بقيادة
الامام الخميني
(قده)، واعلن السيد الشهيد موقفه المؤيد لها، تملك
النظام العراقي المتسلط الخوف من المد الاسلامي
القادم، فامر
جلاوزته باحتجاز الشهيد الصدر في بيته ومنعه من
القادروسه، ثم قام اخيرا باعتقاله واعدامه، هو
واخته المجاهدة
الفاضلة بنت الهدى، ودفن سرا في النجف في منتصف
ليلة الثالث والعشرين، من شهر جمادى الاولى، سنة
1400 ه
ليلة التاسع من شهر نيسان سنة 1980م.. فسلام على
الصدرالشهيد في الشهدا الوارثين وقدس اللّه روحه
الزكية
واعلى في جنان الخلد مقامه مع الانبيا والصديقين
وحسن
اولئك رفيقا. خالد العطية «دراسات» المعالم الفكرية والعلمية
لمدرسة السيد الشهيد محمد باقر
وفي ما ياتي اهم مميزات هذه المدرسة التي ستبقى
رائدة
وخالدة في تاريخ العلم والايمان معا..
1- الشمول والموسوعية
اشتملت مدرسة شهيدنا الراحل على معالجة كافة شعب
المعرفة الاسلامية والانسانية. فهي متعددة الابعاد
والجوانب،ولم تقتصر على الاختصاص بعلوم الشريعة
الاسلامية
من فقه واصول فحسب، رغم ان هذا المجال كان هو
المجال الرئيس والاوسع من انجازاته وابتكاراته
العلمية،
فاشتملت مدرسته على دراسات في الفقه، واصول الفقه،
والمنطق،والفلسفة، والعقائد، وعلوم القرآن،
والاقتصاد،
والتاريخ، والقانون، والسياسة المالية والمصرفية،
ومناهج
التعليم والتربية الحوزوية، ومناهج العمل
السياسي وانظمة
الحكم الاسلامي، وغير ذلك من حقول المعرفة
الانسانية
والاسلامية المختلفة.
وقد جات هذه الشمولية نتيجة لما كان يتمتع به
امامنا
الشهيد من ذهنية موسوعية عملاقة، يمكن اعتبارها
فلتة
يحظ ى بها تاريخ العلم والعلما بين الحين
والاخر، والتي تشكل
كل واحدة منها على راس كل عصر منعطفا تاريخيا جديدا
في توجيه حركة العلم والمعرفة وترشيدها. فلقد كان،
رحمه
اللّه، آية في النبوغ العلمي، واتساع الافق،
والعبقرية الفذة.
وقدظهر نبوغه منذ طفولته، وبداية حياته، وتحصيله
العلمي،
كما شهد بذلك اساتذته وزملاؤه وتلاميذه، وكل من
اتصل
به بشكل مباشر، او التقى به من خلال دراسة مصنفاته
وبحوثه
القيمة.
2- الدقة في البحث والتحليل، وشمولية المعالجة
من النقاط ذات الاهمية الفائقة في اتصاف النظرية،
اية نظرية،
بالمتانة والصحة مدى ما تستوعبه من احتمالات
متعددة،وما
تعالجه من جهات شتى مرتبطة بموضوع البحث. بالاضافة
الى
التبويب المنطقي المتناسب مع الموضوع
المعالج،وهذه
الخصيصة هي الاساس الاول في انتظام الفكر والمعرفة
في اي
باب من الابواب، بحيث يؤدي فقدانها الى ان تصبح
النظرية
مبتورة، ذات ثغرات ينفذ من خلالها النقد والتفنيد
للنظرية.
وهذه الدقة في البحث العلمي، كانت من اهم ما ميز
بحوث
السيد الشهيد (قده) وظهرت بدرجة عالية في جميع ما
كتبه،
فلم يكن يتعرض لمسالة من المسائل العلمية، سيما في
الاصول
والفقه الا ويذكر فيها من الصور والمحتملات ما يبهر
العقول،
وهذا ما نجده في حلقاته الاصولية وبحوثه الاخرى،
ونذكر منها
على سبيل المثال: مباحث القطع، فقد اشتملت هذه
المباحث
على نكات دقيقة وتخريجات جديدة لم يلتفت لها من
قبل.
وقد ظهرت هذه السمة العلمية وهذه الخصيصة كذلك في
احاديثه الاعتيادية، فعندما كان يتناول اي موضوع،
ومهماكان
بسيطا واعتياديا، يصوغه صيغة علمية، ويخلع عليه
نسجا فنيا
ويطبعه بطابع منطقي مستوعب لجميع
الاحتمالات والشقوق،
حتى يخيل لمن يستمع اليه انه امام تحليل لنظرية
علمية
تستمد الاصالة والقوة والمتانة من مسوغاتها
وادلتهاالمنطقية.
3- الابداع والتجديد
ترتكز حركة العلوم وتطور المعارف البشرية على
ظاهرة
التجديد والابداع التي يقوم بها العلما والمحققون
في حقل
من حقول المعرفة. وقد كان سيدنا الشهيد (قده) يتمتع
بقدرة
فائقة على التجديد، ومحاولة تطوير ما كان يتناوله
من
العلوم والنظريات سوا على صعيد المعطيات ام على
مستوى
في الطريقة والاستنتاج. وكان من ثمار هذه الخصيصة
انه استطاع ان يفتح آفاقا للمعرفة الاسلامية لم
تكن مطروقة
قبله. فكان هو رائدها الاول، وفاتح ابوابها، ومؤسس
مناهجها،وواضع معالمها وخطوطها العريضة. وهذا ما
ظهر في
بحوثه الاقتصادية، فقد عالج موضوعات ومباحث جديدة
على الفقه الاسلامي، واستطاع ان يكتشف المذهب
الاقتصادي
الاسلامي. كذلك الامر بالنسبة لاطروحاته المبتكرة
حول البنك الاسلامي اللاربوي، ففي هذه البحوث كان
سيدنا
الشهيد (قده) مبدعا لم يسبق، ومبتكرا لم ينطلق من
بحوث
اودراسات منجزة من قبل في هذه المجالات.
كذلك الامر بالنسبة لتطبيقاته للمنهج الموضوعي في
التفسير
والتاريخ، فقد استطاع سيدنا الشهيد (قده) ان
يكتشف معالم
هذا المنهج الذي يمكننا كما يقول (قده) : «من تحديد
موقف
نظري للقرآن الكريم، وبالتالي للرسالة الاسلامية
من ذلك
الموضوع من موضوعات الحياة او الكون»، وهذا ما
اكده
واستطاع الوصول اليه في بحوثه حول «السنن
التاريخية في
القرآن» ووحدة ادوار ائمة اهل البيت في التاريخ،
رغم اختلاف
ازمنتهم وتنوع مجالات جهادهم.
كذلك الامر بالنسبة لدراسته المتميزة حول «الاسس
المنطقية للاستقرا»، فقد استطاع سيدنا الشهيد
(قده) ان
يعالج الثغرات التي كان يعاني منها المنطق
الاستقرائي، وقدم
تفسيرا جديدا مخالفا لارسطو وبرتراندرسل سماه
ب «المذهب الذاتي». كما استطاع ان يثبت ان الاسس
المنطقية
التي تقوم عليها جميع الاستدلالات العلمية
المستمدة من
الملاحظة والتجربة، هي الاسس المنطقية نفسها التي
يقوم
عليها الاستدلال على اثبات الصانع المدبر لهذا
العالم، كما
يقول سيدنا الشهيد (قده) الذي يؤكد في نهاية كتابه
هذه
الحقيقة قائلا: «وعليه فان هناك معادلة صارمة، فاما
ان يقبل
الانسان بالاستدلال العلمي ككل، فتدخل القضية
الالهية في
ضمنه، واما ان يرفضه ككل، ولذا لا بد ان يكذب كل
نتائج العلم
بمافيها النتائج التي تعتبر صحيحة ومسلمة!؟ وبهذا
يرتبط
العلم والايمان برباط لا يمكن زحزحته باي حال من
الاحوال».
اما بالنسبة للتجديد، فجميع بحوثه ومؤلفاته لا
تخلو ابدا من
عناصر تجديدية، خصوصا بحوثه في علمي
الاصول والفقه، فقد
اعاد ترتيب مباحث هذين العلمين، وقدم للحوزة
العلمية
مناهج جديدة في علم الاصول نذكر منها كتابه «معالم
الاصول»
الذي احتضن مقدمة علمية رائعة حول تاريخ علم الاصول
ونشاته وتطوره، اما بخصوص ترتيب ابواب هذا العلم،
فقد ادخل
تعديلات كثيرة بهدف تمكين الطلبة من استيعاب هذه
المادة
بشكل جيد ومتدرج، هذاالاستيعاب تظهر ثماره في بحث
الخارج، وهناك امثلة كثيرة عما اضافه السيد الشهيد
في علم
الاصول، كما ان بحوثه التفصيلية في علمي الاصول
والفقه
اشتملت على عدد كبير من الاضافات والتجديدات نذكر
منها،
في مجال الاصول،التجديد الذي ادخله على بحث
التعادل
والتراجيح وما اضاف اليه من فصول بخلاف المنهاج
المعهود
والمتعارف في هذا البحث، وفي الفقه اخرج الزكاة
والخمس من
قسم العبادات عندما كتب «الفتاوى الواضحة».
لذلك ستبقى المدرسة الاسلامية مدينة لهذه الشخصية
العملاقة في هذه الحقول. وخصوصا في بحوث
الاقتصادالاسلامي والمنطق الاستقرائي والتاريخ
السياسي
لائمة اهل البيت (ع)..
4- المنهج الموضوعي والنظرة الكلية
ظهر ذلك بشكل واضح في بحوثه حول التفسير الموضوعي،
وكذلك في مجال الاقتصاد، حيث عالج سيدنا
الشهيد(قده)
موضوعاته بشكل متكامل، وجمعها تحت عناوين جديدة،
بينما
كانت تعالج ضمن ابواب فقهية متفرقة مثل (ملكية
الارض،
الربا، المزارعة، المضاربة). كما دعا السيد الشهيد
الى تطبيق
هذا المنهج في جميع حقول المعرفة ليس فقط في مجال
الاقتصاد وانما في التفسير والتاريخ والسيرة الخ..
وقدم انموذجا
رائعا لتطبيق هذا المنهج الموضوعي في بحوثه حول
تاريخ ائمة
اهل البيت (ع)، وهذا الاتجاه الجديد في البحث كما
يقول
سيدنا الشهيد (قده): «يتناول حياة كل امام ويدرس
تاريخه
على اساس النظرة الكلية بدلا من النظرة التجزيئية،
اي ينظر
الى الائمة ككل مترابط، ويدرس هذا الكل وتكتشف
ملامحه
العامة، واهدافه المشتركة، ومزاجه الاصيل، ويفهم
الترابط بين
خطواته، وبالتالي الدور الذي مارسه الائمة جميعا
في الحياة
الاسلامية».
وظهر هذا المنهج التوحيدي والموضوعي، كذلك، في
التقسيم
الذي ابتكره في رسالته الفقهية «الفتاوى
الواضحة»ومحاضراته
التي القاها على الطلبة في النجف الاشرف في التفسير
الموضوعي للقرآن، وفيها اكد (قده) على اهمية
الانطلاق من
الواقع للوصول الى النص القرآني وفقهه، يقول سيدنا
الشهيد
بهذا الصدد: «التفسير يبدا من الواقع وينتهي الى
القرآن، لا ان
يبدا من القرآن وينتهي بالقرآن، فتكون القراة
منعزلة عن
الواقع، منفصلة عن تراث التجربة البشرية، بل هذه
العملية تبدا
من الواقع وتنتهي بالقرآن، بوصفه القيم والمصدر
الذي يحدد
على ضوئه الاتجاهات الربانية الى ذلك الواقع..».
اما اهداف تطبيق هذا المنهج فهي الوصول كما صرح به
سيدنا الشهيد في «المدرسة القرآنية» «الى نظرية
قرآنية
عن النبوة، نظرية قرآنية عن المذهب الاقتصادي،
نظرية قرآنية
عن سنن التاريخ، وهكذا عن السماوات والارض...».
5- تنسيق البحث واختيار الطريقة المناسبة للاستدلال
في
كل موضوع ومن معالم فكر سيدنا الشهيد (قده)، منهجيته
العلمية والفنية في معالجة كل ما كان يتناوله
بالدرس
والتنقيح.
ومن هنا نجد ان طرحه للبحوث الاصولية والفقهية
يمتاز عن
كافة ما جا في دراسات المحققين السابقين
عليه وبحوثهم،
من حيث المنهجية والترتيب الفني للبحث. فتراه يفرز
الجهات
والجوانب المتداخلة والمتشابكة في
كلمات الاخرين، خصوصا
في المسائل المعقدة، التي تعسر على الفهم، ويكثر
فيها
الالتباس والخلط، ويوضح الفكرة، وينظمها،ويحللها
بشكل
موضوعي وعلمي لا يجد الباحث المختص نظيره في بحوث
الاخرين. كما كان يميز بدقة طريقة الاستدلال في كل
موضوع،
وهل انها لا بد من ان تعتمد على البرهان او انها
مسالة
استقرائية ووجدانية؟ ولم يكن يقتصرعلى دعوى
وجدانية
المدعى المطلوب اثباته فحسب، بل كان يستعين في
اثارة هذا
الوجدان واحيائه في نفس الباحثين من خلال منهج خاص
للبحث، وهو منهج اقامة المنبهات الوجدانية عليه..
وهذه النقطة تظهر بوضوح في ابحاثه الاصولية، فمن
ذلك،
على سبيل المثال، ما ذكره «قدس سره» من «مبعدات
بشان القول ببشرية وضع اللغة بنا على نظريات
الاصوليين
المشهورة في تحليل حقيقة الوضع، لا على نظريته هو»
(انظرتقريراتنا لبحث السيد الشهيد في الاصل: «بحوث
في علم
الاصول»، (1/85).
6- الجمع بين المنهج المنطقي ومراعاة الوجدان
الانساني
من معالم فكر سيدنا الشهيد، نزعته المنطقية
والبرهانية في
التفكير ومعالجة القضايا العلمية، ومراعاة كون
تلك المعطيات
البرهانية تنسجم وتتطابق مع الوجدان وتحتوي على
درجة
كبيرة من قوة الاقناع وتحصيل الاطمئنان
النفسي بالفكرة، فلم
يكن يكتفي بسرد النظرية بلا دليل او مصادرة، بل كان
يقدم
الادلة والبراهين المقنعة على كل فرضية
يحتاج اليها البحث،
حتى لا تتعسر عليه صياغة اي برهان موضوعي كالبحوث
اللغوية والعقلانية والعرفية. وهذه السمة جعلت
آرا هذه
المدرسة ومعطياتها الفكرية ذات صبغة علمية ومنطقية
فائقة،
يتعذر توجيه نقد اليها بسهولة. كماجعلتها ابلغ في
الاقناع
والقدرة على افهام الاخرين وتفنيد النظريات
والارا الاخرى.
وجعلتها ايضا قادرة على تربية فكرروادها وبنائه
بنا منطقيا
وعلميا، بعيدا عن مشاحة النزاعات اللفظية او
التشويش
والخبط واختلاط الفهم الذي تسقط فيه الدراسات
والبحوث
العلمية والعقلية العالية في اكثر الاحيان..
وفي الوقت نفسه لم يكن هذا الفكر البرهاني المنطقي
يتمادى
في اعتماد الصياغات والاصطلاحات الشكلية، التي
قدتتعثر
على اساسها طريقة تفكير الباحث فيبتعد عن الواقع
ويتبنى
نظريات يرفضها الوجدان السليم. خصوصا في البحوث
ذات
الملاك الوجداني والذاتي التي تحتاج الى منهج خاص
للاستدلال والاقناع. فكنت تجده دوما ينتهي
من البراهين الى
النتائج الوجدانية، فلا يتعارض لديه البرهان مع
مدركات
الوجدان الذاتي السليم في مثل هذه المسائل، بل كان
على
العكس يصوغ البرهان لتعزيز مدركات الوجدان، وكان
يدرك
المسالة اولا بحسه الوجداني والذاتي، ثم يصوغ في
سبيل دعمها
علميا ما يمكن من البرهان والاستدلال المنطقي. ومن
هنا لا
يشعر الباحث بثقل البراهين وتكلفها اوعدم تطابقها
مع الذوق
والحس الوجداني للمسالة، الامر الذي وقع فيه
الكثير من
الاصوليين والفقها المتاثرين بمناهج العلوم
العقلية الاخرى..
من ذلك على سبيل المثال ما ذكره «قدس سره» في
مناقشة مدرسة السكاكي في حقيقة المدلول المجازي،
حيث انكرت هذه المدرسة ان يكون المجاز استعمالا
للفظ في
غير ما وضع له من المعنى بحسب القانون اللغوي، بل
اعتبرته من باب الاستعمال في المعنى الحقيقي،
وانما العناية
والتجوز في تطبيق ذلك المعنى على غير واقعه في
الخارج ادعا، فقد اكد السيد الشهيد ادلته
البرهانية على بطلان
هذه النظرية بالوجدان «القاضي بان اسباغ صفات
المعنى الحقيقي ادعا على شيء قد يؤدي عكس
المقصود
للمتجوز، فمن يريد ان يبالغ في جمال يوسف فيقول: انه
«بدر»ليس في ذهنه اطلاقا ادعا ان يوسف مستدير
كالبدر، والا
لفقد جماله كانسان، لان صفات البدر انما تكون سببا
للجمال في البدر بالذات لا في شيء آخر.
وعلى هذا الاساس، فما ذكره السكاكي لا يصلح ان يكون
تفسيرا
عاما للتجوز» (انظر تقريراتنا لبحث السيد
الشهيد:«بحوث في
علم الاصول»، 1/119).
وقد استطاع هذا الفكر العملاق، على اساس التوفيق
بين
خصيصته المنطقية والعلمية في الاستدلال، وبين
مراعاة المنهجية الصحيحة المنسجمة مع كل علم، ان
يتناول
في كل حقل من حقول المعرفة المنهج العلمي المناسب
مع طبيعة ذلك العلم من دون تاثر بالمناهج الغريبة
عن ذلك
العلم وطبيعته.
7- الجمع بين الذوق الفني والاحساس العقلائي
الذوق حاسة ذاتية في الانسان يدرك على اساسها جمال
الامور
وتناسقها. والذهنية العقلائية هي الاخرى يدرك
بهاالانسان
الطباع والاوضاع والمرتكزات التي ينشا عليها العرف
والعقلا،
ويبني على اساس منها الكثير من النظريات والافكار
في مجال
البحوث المختلفة كالدراسات التشريعية والقانونية
والادبية.
وهي في الاعم الاغلب مجالات للبحث لا يمكن اخضاعها
البراهين المنطقية او الرياضية او التجريبية،
وانما تحتاج الى
حاسة الذوق الفني والذهنية العقلائية والحس
العرفي الادبي.
ونحن نجد في مدرسة السيد الشهيد الصدر (قده) التمييز
الكامل بين هذه المجالات وغيرها في العلوم
والمعارف، ونجد
انه كان يتناول المسائل في المجال الاول بالاعتماد
على الذوق
الموضوعي والادراك العقلائي المستقيم حتى استطاع
ان يضع
المنهج المناسب في هذه المجالات وان يؤسس طرائق
الاستدلال الذوقي والعقلائي،ويؤصل قواعدها
ومرتكزاتها،
خصوصا في البحوث الفقهية التي تعتمد الاستظهارات
العرفية
او المرتكزات العقلائية،فابدع نهجا فقهيا موضوعيا
في مجال
الاستظهار الفقهي خرجت على اساسه الاستظهارات من
مجرد
مدعيات ومصادرات ذاتية الى مدعيات ونظريات يمكن
تحصيل
الاقناع والاقتناع فيها على اسس موضوعية..
وتحسن الاشارة الى انه قلما تجتمع النزعة
البرهانية المنطقية
في الاستدلال، مع الذوق الفني والحس العقلائي
والذهنية العرفية في شخصية علمية واحدة. فاننا نجد
ان
العلما الذين مارسوا المناهج العقلية والبرهانية
من المعرفة
وتفاعلوا مع تلك المناهج وطرائق البحث قد لا يحسون
بدقائق
النكات العرفية والذوقية والعقلائية، ولا يبنون
معارفهم
وانظارهم الاعلى اساس تلك المصطلحات البرهانية،
التي
اعتادوا عليها في ذلك البحث العقلي. وكذلك العكس،
فالباحثون في علوم الادب والقانون وما شاكل نجدهم
لا
يجيدون صناعة البرهنة والاستدلال المنطقي، ولكن
نجد ان
مدرسة سيدناالشهيد قد امتازت بالجمع بين هاتين
الخصيصتين اللتين قلما تجتمعان معا، وتمكنت من
التوفيق
الدقيق في ما بينهما،واستخدام كل منهما في مجاله
المناسب
والسليم من دون تخبط او اقحام ما ليس منسجما.
8- القيمة العلمية والحضارية لمدرسة السيد الشهيد
لقد كان سيدنا الشهيد الصدر مدركا لتحديات الحضارة
المعاصرة، وكان من مميزات مدرسته انها استطاعت
التصدي لنسف اسس الحضارة المادية لانسان العصر
الحديث،
بمنهج علمي نقدي، يرتكز على الموضوعية في عرضه
لهذه الاسس المادية، ثم توجيه النقد الموضوعي
لها، وكشف
تهافتها وعدم قدرتها على علاج المشاكل التي يتخبط
فيهاالانسان المعاصر، سوا في الغرب ام في العالم
الاسلامي،
وقد جا انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك دوله
وانظمته السياسية، ليؤكد صحة النقد الذي وجهه
السيد
الشهيد للاسس الفلسفية التي يرتكز عليها هذا
المذهب. اما
بالنسبة للمعسكر الراسمالي فان المسي والالام
التي اسفر عنها
تطبيق فلسفته المادية وترويجها تزداد اتساعا
وانتشارا،خصوصا
داخل الدول الفقيرة والتابعة لهذا المعسكر. في
المقابل
وبالمنهج العلمي والمنطقي نفسه استطاع ان
يعيدالثقة
بالاسلام وشريعته، عندما اكتشف نظرياته في عدد من
الحقول
المعرفية المهمة، مثل الاقتصاد والسياسة،
ويبرزتفوقها
وانسجامها مع الواقع والمجتمع الاسلامي، وقدرتها
على
انتشال المجتمعات الاسلامية من المشاكل التي
تعاني منها،
لقد استطاع السيد الشهيد ان يقدم الحضارة
الاسلامية شامخة
على انقاض تلك الحضارة المنسوفة، وعلى اسس علمية
قويمة.
وضمن بنا شامل ومتماسك ومتين استطاع سيدنا الشهيد
من
خلاله ان ينزل الى معترك الصراع الفكري الحضاري
كاقوى
وامكن من خاض غمار هذا المعترك ووفق الى تفنيد
مزاعم
ومتبنيات الحضارة المادية المعاصرة جميعها،
واستطاع ان
يخرج من ذلك ظافرا مظفرا وبانيا لصرح المدرسة
العتيدة
والمستمدة من منابع الاسلام الاصيلة والمتصلة بوحي السما
ولطف اللّه بالانسان.
هذه نبذة مختصرة عن معالم مدرسة هذا المرجع
والفيلسوف
والعارف الرباني والمجاهد الشهيد التي اسسها
واشادهالبنة
لبنة بفكره، ونماها مرحلة مرحلة بجهوده العلمية
المتواصلة،
وهي تعبر بمجموعها عن البعد العلمي، الذي هو
احدابعاد هذه
الشخصية العظيمة الفريدة في تاريخنا المعاصر.
السيد محمد باقر الصدر
وتجديدات الفكر الاسلامي المعاصر
الاستاذ زكي الميلاد
وضعيات وسياقات
وضعيات الفكر الاسلامي،
في النصف الثاني من القرن العشرين،
كانت متاثرة الى حد كبير بظهور الدولة العربية
الحديثة التي
ورثت مرحلة ما بعد الاستعمار الاوروبي، لكنها كانت
امتدادا
لانساقه الثقافية ومنظوماته الفكرية والمرجعية،
التي اخذت
منها كل ما يرتبط بتكوين الدولة، وتشكيل مؤسساتها
وصياغة
انظمتها وقوانينها وتشريعاتها. المهمة التي
نهضت بها النخب
السياسية والثقافية ذات النزعة العلمانية، التي
اكتسبت
تعليمها من مدارس اوروبا وجامعاتها، وظلت
وثيقة الصلة
بالثقافة الاوروبية. ومن الواضح ان هذه المهمة لم
تكن بعيدة
عن انظار الجهات الاوروبية المستعمرة
وتخطيطها،وهي
الجهات التي كانت تدرك، اكثر من غيرها، ان مهمتها
لا تنتهي
او تتوقف بمجرد سحب سيطرتها العسكرية المباشرة عن
المناطق التي استعمرتها. فاوروبا جات الى هذه
المنطقة لكي
تبقى فيها وتجذر وجودها وتربطهابمنظومتها
الثقافية
والسياسية والقانونية، وبنظام مصالحها القومية
والاستراتيجية،
وذلك لخلفيات ترجع الى طبيعة تاريخ هذه المنطقة
ودياناتها
وحضاراتها وتراثها، وهي الخلفيات التي شكلت
بواعثها في
الحروب الصليبية ما بين القرنين: الحادي عشر
والثالث عشر
الميلاديين، والتي دفعت «نابليون» الى ان يضم الى
حملته
العسكرية على مصر بعثة علمية سنة 1798م. فالغرب كان
مسكونا منذ القديم بالشرق الذي عرفت فيه اقدم
الحضارات،
وظهرت فيه الديانات السماوية الكبرى، وعرف بارض
الرسالات.
خلذلك، فان قيام الدولة العربية الحديثة كان بداية
لقطيعة
معرفية ومرجعية، وصدامية في ما بعد مع المنظومة
الثقافية الاسلامية، تشهد على ذلك الطريقة التي
تعاملت بها
الدولة العربية مع كل ما يرتبط بهذه الثقافة من
مؤسسات وهيكليات.
فقد تعرضت هذه المؤسسات الى الاهمال والاضعاف،
ووضعت
الدولة بعضها تحت وصايتها وهيمنتها، مثل المؤسسات
الوقفية
والمعاهد الدينية، وضيقت على الجامعات الدينية،
وقلصت من
وجودها وفاعليتها، واسست ما هوبديل عنها، وهي
الجامعات
التي حاولت الدولة الاهتمام بها ورعايتها لضرورات
بنا الدولة
المدنية الحديثة والنهوض بها وتحديثها.
فالثقافة الاسلامية لم تكن المنظومة المرجعية
للدولة العربية
الحديثة، فقد انقلبت عليها، وان دونت في دساتيرها
ان الاسلام
هو دين الدولة الرسمي والمصدر الرئيسي للتشريع، او
المصدر
الوحيد...، على اختلاف التعابير...، واشترطت ان يكون
رئيس
الدولة مسلما، جميع هذه البنود التي دونت في مقدمة
الدساتير لم يكن لها اي اثر حقيقي في علاقة مرجعية
بالثقافة
الاسلامية، الا في بعض الجوانب الشكلية والطقوسية
المخصصة لبعض المناسبات، حيث تحاول الدولة
بتقصد ان
تظهر شكلا من علاقتها بالدين.
هذه الوضعيات اسهمت في تراجعات الفكر الاسلامي
وركوده،
والذي كان بارزا في المنطقة العربية آنذاك هو
فكرالاسلاميين
المصريين، وبالذات المحسوبين على جماعة الاخوان
المسلمين، والذين كان لهم دور مهم على
الصعيدالفكري في
اكثر المراحل والظروف حساسية وخطورة، وذلك بعد الغا
الخلافة العثمانية سنة 1924م، وتوسع النفوذالاوروبي
وتغلغله
في المنطقة العربية والاسلامية على مختلف الاصعدة.
لذلك، فان المقولة الرئيسية التي تم التركيز عليها
والانطلاق
منها هي مقولة «شمولية الاسلام»، وهي المقولة
الفعالة
في مواجهة ما تعرضت له المنطقة من تجزئة وتقسيم،
وما
تعرض له الفكر الاسلامي من اشكاليات حاولت الفصل
بين الدين والدولة والشريعة والحياة.
هذا الدور الفكري البارز من طرف الاسلاميين
المصريين لم
يستمر على النسق نفسه وفي وتيرة متصاعدة، فقد
تعرض لنكسات وتصادمات حدت من فاعليته وتقدمه، بعد
اغتيال القائد المؤسس لجماعة الاخوان المسلمين
الشيخ
«حسن البنا» (1324 1368 ه 1906 1949م) واعدام المفكر
القانوني «عبد القادر عودة» سنة 1954م، والذي اشتهر
بكتابه «التشريع الجنائي في الاسلام مقارنا
بالتشريع الوضعي»،
وكان اعدامه نتيجة التباينات الثقافية التي كانت ورا
الصدام والتعارض بين جماعة الاخوان المسلمين
وحكومة
«جمال عبد الناصر»، وفي سنة 1966م اعدم الشهيد «سيد
قطب»(1324 1386 ه 1906 1966م)، احد اكثر المفكرين
الاسلاميين تاثيرا في الحياة الفكرية، العربية
والاسلامية.
هذه الاحداث كان لها اعمق الاثر على بنية جماعة
الاخوان
وتكوينها وعلى مساراتها والاوضاع التي وصلت اليها.
ما نخلص اليه هو ان الدولة العربية الحديثة لم تكن
لها
اسهامات حقيقية في تطور الفكر الاسلامي، ليس هذا
فقط،
بل كان دورها عكسيا، فقد اسهمت في تراجع حركية هذا
الفكر
وتوقفها، بعد ان قطعت صلتها به معرفيا ومرجعيا الا
في نطاقات محدودة ولحاجات توظيفية وشكلانية.
فالدولة،
بمؤسساتها واجهزتها، كانت المؤثر الاكبر على
مجريات الامور،
اذ انها فتحت المجال امام نشاط النخب العلمانية
التي تعاظم
دورها، لذلك وجد الفكر الاسلامي نفسه مدفوعا
لحماية ثغوره
الفكرية، والتشدد تجاه مسالة الهوية، وبتعبير
الدكتور «محمد
محمد حسين»، في عنوان كتابه سنة 1966م: «حصوننا
مهددة
من داخلها». ومعظم كتابات الاسلاميين آنذاك كانت
متاثرة
بتلك السياقات، وكانت تغلب عليها النزعة الدفاعية
التي
تستشعر الخطر والت آمر الداخلي والخارجي،
والتاكيد على
مبدا الثقة بالاسلام بوصفه خياراحضاريا شاملا، او
بوصفه
عقيدة وحياة كما درجت على ذلك العديد من الكتابات
الاسلامية. والتقويمات تكاد تتوافق حول تلك
المرحلة والوضع
الذي كان عليه الفكر الاسلامي خلالها، وذلك لشدة
وضوحها
والتعبير المتزايد عنها في ادبيات الاسلاميين.
في ظل تلك الوضعيات، جات كتابات السيد «محمد باقر
الصدر» (1353 1400 ه 1935 1980م)، التي كانت حدثا
فكريا بارزا استوقف انتباه مختلف النخب المتعارضة
في رؤيتها
الفكرية والثقافية، بالمستوى العلمي
والمنهجي الذي كانت
عليه، وبقوة المنطق والبرهان والتحليل والنقد،
وبالسمات
الشاخصة بوضوح كبير على تلك الكتابات. فمنذصدور
كتاب
«فلسفتنا» سنة 1959م، الذي تلاه كتاب «اقتصادنا» سنة
1961م،
وكتاب «البنك اللاربوي في الاسلام» سنة 1969م الى
كتاب
«الاسس المنطقية للاستقرا» سنة 1972م، والانظار
تتوجه
باهتمام كبير نحو هذه الكتابات، وقد تعززهذا
الاهتمام بتلاحق
هذه المؤلفات وتنوع موضوعاتها، وهي من الموضوعات
الدقيقة
والمعقدة والصعبة حسب تصنيفها العلمي، وقد توقف،
او تراجع،
الابداع والابتكار العلمي فيها في الكتابات
الاسلامية المعاصرة،
وبالذات خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فلم
تكن هناك
تراكمات معرفية تسهم في بنا لبنات هذه العلوم وفي
تطورها
العلمي والمنهجي، بحيث نعدها متصلة بكتابات السيد
«الصدر»،
او من ارضيات التاسيس والتكوين المعرفي والمنهجي.
ففي حقل الفلسفة، هناك تراجعات كبيرة في دراسات
الاسلاميين لهذا الحقل الذي يعد من اقدم حقول
المعرفة.
ولعل الكتاب الجدير بالذكر، في هذا المجال، والذي
يسبق
كتاب «فلسفتنا» هو كتاب «تمهيد لتاريخ الفلسفة
الاسلامية»
للشيخ «مصطفى عبد الرازق» ( 1302 1366 ه 1885
1946م)، الصادر سنة 1944م، وهو في الاصل محاضرات
دراسية القاها المؤلف في الجامعة المصرية اواخر
الثلاثينات،
الى جانب كتاب آخر صدر سنة 1947م للدكتور «ابراهيم
مدكور»عنوانه: «في الفلسفة الاسلامية: منهج
وتطبيق»، وقد
اختلف المنحى الموضوعي والمنهجي بين هذه المؤلفات،
فكتاب «عبد الرازق» كان القصد الاساسي منه
الدفاع عن اصالة
التفكير الفلسفي عند المسلمين، واسبقية النظر
العقلي
في الاسلام قبل تدخل العوامل الاجنبية، وذلك في
سياق نقد
آرا بعض المفكرين الغربيين في احكامهم على
الفلسفة الاسلامية منذ مطلع القرن التاسع عشر الى
اواخر
الثلاثينات من القرن العشرين. وهو المنحى الذي عكسه
«مدكور» في كتابه. فاذا كان الكتاب الاول اقرب الى
تاريخ
الفلسفة، والثاني دراسة في المنهج والتطبيق، فان
كتاب
«فلسفتنا» يبحث في صلب الفلسفة ومرتكزها الرئيسي،
اي في
نظرية المعرفة، وهي حسب السيد «الصدر» نقطة
الانطلاق
الفلسفي لاقامة فلسفة متماسكة عن الكون والعالم،
فما لم
تحدد مصادر الفكر البشري ومقاييسه وقيمه لا يمكن
القيام
باي دراسة مهماكان لونها، وهي القضية، كما يضيف
السيد
«الصدر»، التي تدور حولها «مناقشات فلسفية حادة
تحتل مركزا
رئيسيافي الفلسفة، وخاصة الفلسفة الحديثة» ((1)). الى
جانب
هذا الاختلاف المنهجي، هناك ايضا الاختلاف في
الدواعي والبواعث، فالكتابان الاولان كانت
بواعثهما تستجيب
لحاجات معرفية ذات علاقة بالارا والاحكام ووجهات
النظر،
اماكتاب «فلسفتنا» فكان يستجيب لحاجات موضوعية في
الدرجة الاساسية، نتيجة لتعاظم الافكار الشيوعية
والماركسية في العراق والعالم العربي خلال حقبة
الخمسينات،
وهذه النقطة هي كذلك من ملامح المفارقات، فقد كان
الكتاب الغربيون وافكارهم معنيين بالجدل والنقاش
في
الكتابين السابقين، وبالذات افكار المفكر الفرنسي
«ارنست
رينان»الاستفزازية والسجالية في تصوير العقل
العربي بالدونية
وعدم تفوقه في النظر العقلي والفلسفي، بينما كان
كتاب «فلسفتنا» سجالا نقديا ومعرفيا مع الشيوعيين
والماركسيين بصورة رئيسية.
اما كتاب «اقتصادنا» فالصورة حوله اوضح بكثير،
فالكتابات
الاسلامية، في هذا الحقل، لم يكن مشهودا لها
بالتفوق والتجديد والابتكار، قبل كتاب
«اقتصادنا» وبعده بما
يقارب العقدين من الزمن. فقبله كانت المساعي الاكثر
جدية،
كمايرى الدكتور «شبلي الملاط»، متمثلة بما خلفه
«ابن
خلدون» (732 808 ه 1332 1406م) من تراث يصفه
بالقهيب،ويستشهد على ذلك بكتاب «موسوعة الاقتصاد
الاسلامي» الذي صدر في مجلدين بالقاهرة سنة 1980م،
لمؤلفه «محمد عبد المنعم الجميل»، حيث اطال
الحديث عن
مقدمة «ابن خلدون»، مع ان جهوده في هذا المجال،
كما
يضيف «الملاط»، ليست فريدة او جديدة، اذ سبقه في
الاستفادة
من تلك المقدمة العالم القانوني «صبحي
المحمصاني»
في اطروحته للدكتوراه عن «الارا الاقتصادية لابن
خلدون»،
وقد قدمها في العشرينات من القرن الاخير. اما بعده،
فقدصدرت اعداد كبيرة من الكتب والمقالات حول
الاقتصاد
الاسلامي في الانكليزية كما في العربية، لكن
الكثير
منها،حسب راي «الملاط»، يميل الى العموميات
ويفتقر الى
الدقة، الامر الذي يحول دون صدور بحوث جدية
ومنهجية،
لهذاالسبب، والكلام للملاط، تتسم كتابات «محمد
باقر الصدر»
في الاقتصاد والحقل المصرفي باهمية بارزة. فقبالة
خلفية كلاسيكية لم يكن فيها وجود لعلم الاقتصاد،
يقصد
بذلك عصر «ابن خلدون»، وعالم اسلامي لم يخرج مع
حلول
عام 1960م باي فكرة متساوقة ومتماسكة في هذا المجال،
اعد
«الصدر» كتابين جديين ومطولين عن الموضوع
هما:«اقتصادنا»
و«البنك اللاربوي في الاسلام» ((2)).
?/|\ |
|---|