الصفحة السابقة

الصفحة التالية

طائفة: تامر بالاستقبال بالذبيحة الى القبلة مطلقا، كصحيح محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) «قال: سالته عن الذبيحة فقال: استقبل بذبيحتك القبلة» . ومثله صحيحه الاخر «اذا اردت ان تذبح فاستقبل بذبيحتك القبلة» ((51)).

وهناك روايتان معتبرتان ايضا دلتا على نفس المضمون، هما صحيح الحلبي((52)) وموثق معاوية بن عمار((53)). الا انهما واردتان في الاضحية والذبح بمنى، فيحتمل فيهما ان يكون ذلك من آداب او شرائط الاضحية.

وطائفة اخرى من الروايات: تقيد ذلك بصورة العمد وتنفي الباس عن اكل ذبيحة لم يستقبل بها القبلة اذا لم يكن عن عمد، كصحيح محمد بن مسلم ايضا «قال:سالت ابا عبد اللّه(ع) عن ذبيحة ذبحت لغير القبلة فقال: كل ولا باس بذلك ما لم يتعمده» ((54)).

ومثله صحيح الحلبي ومعتبرة علي بن جعفر في كتابه((55)).

وطائفة ثالثة: جمع فيها الامر والنهي معا، وهي صحيح محمد بن مسلم «قال: سالت ابا جعفر (ع) عن رجل ذبح ذبيحة فجهل ان يوجهها الى القبلة قال: كل منها.فقلت له: فانه لم يوجهها؟ قال: فلا تاكل منها، ولا تاكل من ذبيحة ما لم يذكر اسم اللّه عليها»((56)).

والمشهور قيدوا اطلاق الطائفة الاولى بالثانية، وحملوا الرواية الثالثة على ان المراد بالنهي فيها صورة عدم توجيه الذبيحة الى القبلة عمدا، بينما المراد بالاباحة والامر بالاكل في صدرها صورة الجهل، كما هو فرض السائل فيها. فتكون النتيجة اشتراط الاستقبال في صورة العلم وامكان الاستقبال، فلو جهل بالقبلة او جهل بالشرطية او كان لا يمكن ذلك ولو من جهة خوف موت الذبيحة لم يقدح في التذكية، لعدم تحقق العمد في تمام هذه الموارد، والمدار على صدقه بمقتضى الجمع بين الروايات المذكورة.

مناقشة النراقي(ره) للمشهور:

وقد ناقش في الاستدلال بالروايات على شرطية الاستقبال المحقق النراقي((57)): بان مفادها غير ظاهر في ذلك، اذ الامر بالاستقبال في مثل قوله(ع)«استقبل بذبيحتك القبلة»، وكذلك نفي الباس في قوله (ع) في صحيح الحلبي «لا باس اذا لم يتعمد» يناسب التكليف النفسي بان يجب الاستقبال حين الذبح في نفسه من دون ان يلزم من عدمه حرمة الذبيحة وصيرورته ميتة. وما ورد في صحيح محمد بن مسلم من قوله(ع) «كل ولا باس بذلك ما لم يتعمده» مجمل من هذه الناحية، لان اسم الاشارة اذا كان راجعا الى الذبح لغير القبلة لا الى الذبيحة كان ظاهرا في نفي الباس تكليفا مع عدم التعمد، ومفهومه ثبوته كذلك مع التعمد.

رد هذه المناقشة:

وقد يناقش فيما افاده هذا المحقق:

اولا: ان الامر في مثل هذه  الموارد ارشاد الى الشرطية لا التكليف النفسي، لاستبعاده في نفسه عرفا ومتشرعيا، ولان المهم في باب الذبيحة والذي ينصرف النظراليه ارتكازا انما هو حكم اكل الذبيحة وتذكيتها، فاذا امر بشيء فيها كان ظاهره ان ذلك الغرض المهم لا يتحقق الا بما امر به، نظير حمل الامر بالغسل مرة او مرتين على الارشاد الى ان التطهير لا يتحقق الا بذلك لا الوجوب النفسي. الا ان هذا النقاش انما يتجه اذا فرض عدم تناسب الموضوع المنهي عنه مع التكليف او الاداب التكليفية، وهو ممنوع في المقام، اذ لا اشكال ان للذبح آدابا تكليفية كالنهي عن ايذاء الحيوان والامر بكون الشفرة حادة والامر بسقيه قبل الذبح، فليكن منهاالاستقبال للقبلة.

وثانيا: وجود قرائن في السنة الروايات تجعلها كالصريح في النظر الى حكم الذبيحة لا فعل الذبح، منها ورود السؤال عن الذبيحة حيث قيل في اكثرها «سالته عن الذبيحة تذبح لغير القبلة» مما يدل على ان النظر الى حكم الذبيحة لا حكم الذبح تكليفا.

ومنها ورود الامر بالاكل في جواب الامام في اكثرها مما يعني ان النظر الى حلية الذبيحة لا الحكم التكليفي للاستقبال. وما ذكره المحقق النراقي(ره) من احتمال رجوع اسم الاشارة الى الذبح خلاف الظاهر جدا، لان لازمه ان ذيل جواب الامام اجنبي عن صدره، وان المراد من الامر بالاكل حلية الذبيحة، بينما المراد من نفي الباس عن ذلك جواز فعل الذبح لغير القبلة في نفسه، وهذا ليس عرفيا، اذ العرف يرى ان الجملتين في قوله(ع) «كل، ولا باس بذلك» لبيان مطلب واحدوان الثاني تعليل للاول، لا مطلبان مستقلا ن احدهما غير الاخر.

وفي صحيح علي بن جعفر ورد الامر بالاكل بعد التعبير بنفي الباس. وفي صحيح محمد بن مسلم الاخر ورد التصريح بالنهي عن الاكل.

ومنها التعبير بقوله(ع) «اذا لم يتعمد» او «ما لم يتعمد» فانه ايضا يناسب النظر الى حكم الذبيحة لا فعل الذبح، اذ لو كان النظر الى فعل الذبح لغير القبلة وحرمته تكليفا كان ما فيه باس قد وقع، غاية الامر قد يكون معذورا مع عدم العمد، فلا يناسب التعبير عنه ب «لا باس اذا لم يتعمد»، كما يظهر بملاحظة ادلة المحرمات النفسية التكليفية. وان شئت قلت: ان هذا القيد يناسب النظر الى ما يترتب على الفعل من الاثار والنتائج الوضعية الاخرى لا حكم نفس الفعل الذي فرض وقوعه كذلك.

وثالثا: لو سلمنا اجمال الروايات الواردة في الاستقبال مع ذلك كانت النتيجة حرمة اكل الذبيحة التي لم يستقبل بها القبلة، وذلك لتشكل علم اجمالي اما بحرمة اكلها لكونها غير مذكاة بناء على استفادة الشرطية او حرمة عمل الذبح الى غير القبلة بناء على النفسية وهذا علم اجمالي منجز يوجب الاحتياط باجتناب طرفيه، بل تكفي اصالة عدم التذكية حينئذ لاثبات الحرمة، بناء على ما هو الصحيح من جريانها لاثبات الحرمة والمانعية وان قلنا بعدم جريانها لاثبات النجاسة.

ولا يتوهم محكوميتها للعمومات المتقدمة، اذ المفروض اجمالها باجمال المخصص لها، وهو الروايات المذكورة، لان تلك العمومات كما تنفي الوجوب الشرط ي للاستقبال حين الذبح كذلك تنفي ولو باطلاق مقامي فيها الوجوب النفسي التكليفي له، والا لكان ينبغي ذكره، لانه تكليف تعبدي يغفل عنه العرف، فيكون المقام من موارد اجمال المخصص ودورانه بين المتباينين، الذي يسري اجماله الى العام اذا كان متصلا به، ويوجب تعارض اطلاقيه اذا كان منفصلا. وعلى كلاالتقديرين لا يصح الرجوع الى العام لنفي شرطية الاستقبال في حلية الذبيحة، كما هو مقرر في سائر موارد المخصص للمجمل الدائر بين المتباينين.

نعم، لا يتم الاطلاق المقامي في بعض الايات من قبيل قوله تعالى: (قل لا اجد فيما اوحي الي...)((58)).

وهكذا يتضح ان ما استشكل به المحقق النراقي(ره) على المشهور قابل للدفع.

مناقشة المشهور:

واما ما صنعه المشهور في فهم الروايات حيث فسروا العمد فيها بما يقابل السهو وما يقابل الجهل ولو بالحكم ولو عن تقصير فهذا خلاف الظاهر ومغاير مع مامشوا عليه في سائر الابواب، اذ العمد معناه القصد، والعمد الى فعل لا يتوقف على العلم بحكمه، فلو قصد الاكل مثلا كان متعمدا سواء علم بحرمته ام لا، ومن قصد الذبح لغير القبلة كان متعمدا سواء علم بشرطية الاستقبال ام لا. نعم، الجاهل بالموضوع، اي بعنوان الفعل لا يكون متعمدا، لان القصد والعمد الى فعل فرع الالتفات والعلم او الاحتمال له على الاقل، كما ان الماخوذ لو كان عنوان تعمد مخالفة السنة او المعصية لم يصدق مع الجهل بالحكم، لان عنوان المخالفة والمعصية يكون مجهولا عندئذ، فيكون من الجهل بالموضوع، الا ان العمد اضيف في هذه الروايات الى نفس الذبح لغير القبلة. نعم، ورد في مرسلة الدعائم عنوان مخالفة السنة على ما سنشير اليه. وهذا يعني ان مقتضى الصناعة تقييد الطائفة الاولى بالثانية التي ورد فيها ان الباس ثابت في صورة العمد ويراد به صورة القصد الى الفعل وهو الذبح لغير القبلة، سواء علم بحكمه ام لا.

الا ان هذا على خلاف ما هو المسلم من حلية ذبائح المسلمين من سائر المذاهب مع صدق العمد الى الفعل في حقهم، بل وعلى خلاف صحيحة محمد ابن مسلم الاخيرة فانها صريحة بصدرها في جواز الاكل مع الجهل بالحكم، لان السؤال فيها عن حكم الجاهل بالحكم لا بالموضوع، حيث ذكر «فجهل ان يوجههاالى القبلة»، ولم يقل «وجهل القبلة» .

وما صنعه المشهور في تفسيرها من حمل صدرها على صورة عدم العمد وذيلها على صورة العمد واضح البطلان، اذ مضافا الى ما تقدم من ان الجهل بالحكم لايرفع العمد، صريح الرواية ان الفقرتين فيهما تسل عن فرضية واحدة لا فرضيتين. وعليه، فلو حملنا ذيلها على النهي عن الاكل لا الاخبار كان المتعين حمله على الكراهة والتنزه، لان الامر بالاكل في صدرها صريح في الحلية، بينما النهي ظاهر في الحرمة، فيحمل على التنزه لا محالة، فيكون مفاد الصحيحة الكراهة وعدم الحرمة، وعندئذ لا بد اما من تقييد روايات الطائفة الاولى والثانية بصورة العلم بالحكم، او حمل الامر فيها على الاستحباب.

ونحن لو لم نقل بتعين النحوالثاني للجمع اما لاستحالة التقييد بذلك، لانه يلزم اخذ العلم بالحكم في موضوعه، او لاستبعاده في نفسه وعدم عرفيته، او لانه يوجب الغاء عنوان العمد وارادة العلم منه، وهو ليس من التقييد بل مخالفة لظهور وضعي فلا اقل من تساوي الاحتمالين من حيث المؤونة العرفية، بحيث لامرجح لاحدهما على الاخر فيكون مجملا.

هذا، ويمكن ان يقال: ان عنوان تعمد الذبح لغير القبلة يساوق عرفا التعمد لحيثية الذبح لغير القبلة، وذلك بان يكون الذابح قاصدا مجانبة القبلة في الذبح، نظير ماورد في مسالة خلود من قتل مؤمنا متعمدا في النار من ان المراد منه من تعمد قتله بما هو مؤمن لحيثية ايمانه.

وان شئت قلت: ان عنوان العمد قد يضاف الى ذات المقيد بقيد، وقد يضاف الى المقيد بما هو مقيد، اي الى حيثية التقيد، وتشخيص ذلك يكون بالقرائن والمناسبات.

وفي المقام الظاهر هو الثاني، فليس المقصود اضافة العمد الى ذات الذبح لغير القبلة، بل المقصود من يتعمد مجانبة القبلة في الذبح بان يتقصد ان لا يذبح اليها،بل يذبح الى غيرها، وهذا لا يكون الا ممن في قلبه مرض كالكفار والمنافقين، اي من ليس بمسلم لبا وواقعا، كالكفار الذين يتعمدون الاهلال بذبائحهم لغير اللّهمن الاصنام ونحوها، والا فهو لا يصدر عن المسلم الواقعي.

فخروج ذبائح المسلمين من ابناء المذاهب الاخرى عن عنوان العمد في الروايات ليس بملاك ان جهلهم بشرطية الاستقبال يجعلهم غير عامدين للذبح الى غيرالقبلة، ليقال بان الجهل بالحكم لا يرفع عنوان العمد الى الموضوع، بل لعدم قصدهم مجانبة القبلة، اي عدم عمدهم لحيثية القيد، فان هذا لا يكون عادة الا فيمن لا يعتقد باصل القبلة، لا المسلم فانه اذا ذبح لغير القبلة فلغرض له في ذات المقيد لا حيثية القيد، فلا يصدق عليه العمد بالمعنى المذكور.

وهذا يعني ان هذه الروايات ليست بحسب الحقيقة دالة على شرطية الاستقبال، بل على ان لا يكون الذابح متعمدا مجانبة القبلة في ذبحه، والذي قد يكشف عن عدم صحة اعتقاده وعدم اسلامه. وبهذا لا يكون مفاد هذه الروايات شرطا زائدا على اشتراط اسلام الذابح وحسن اعتقاده.

وقد يؤيده ما نجده في ذيل صحيح محمد بن مسلم الاخير، حيث عطف على النهي عن اكل ذلك بقوله(ع): «ولا تاكل من ذبيحة ما لم يذكر اسم اللّه عليها» فان بيان هذه الكبرى الكلية عقيب ذلك مع انه لم يرد سؤال عنه لعله لبيان نكتة ذلك النهي، وان من يتعمد ان لا يوجه الذبيحة الى القبلة بالمعنى المتقدم حيث يشك في اعتقاده واسلامه يشك في تسميته واهلاله بالذبيحة للّه ايضا.

ومما يمكن ان يستدل او يستانس به على الاقل لما ذكرناه عدم ورود هذا الشرط في شيء من عمومات الكتاب والسنة، حتى المتعرضة لتفاصيل الذبح وآدابه،كقوله(ع): «ولا ينخع ولا يكسر الرقبة حتى تبرد الذبيحة» ((59)) فلو كان الاستقبال شرطا ايضا فلماذا لم يذكر؟! وهذه وان كانت عمومات قابلة للتقييد في نفسها، الا ان خلو مجموعها عن ذكر هذا الشرط خصوصا ما يتعرض فيها لذكر الشروط والاداب المستحبة او غير الموجبة لحرمة الذبيحة قد يشكل دلالة قوية على نفي الشرطية بحيث تجعلها كالمعارض مع الروايات الدالة على الشرطية.

وان شئت قلت: ان التقييد في مثل المقام قد يكون اكثر مؤونة من حمل الروايات الامرة بالاستقبال على الاستحباب، وانه سنة وادب اسلامي في مقام الذبح والاهلال بالذبيحة للّه عزوجل كما صرحت بذلك رواية الدعائم «عن ابي جعفر وابي عبد اللّه(ع): انهما قالا فيمن ذبح لغير القبلة ان كان اخطا او نسي او جهل فلاشيء عليه وتؤكل ذبيحته، وان تعمد ذلك فقد اساء ولا يجب [ولا نحب] ان تؤكل ذبيحته تلك اذا تعمد خلاف السنة» ((60)) وظاهرها عدم الوجوب كمالا يخفى، كما انها اضافت التعمد الى مخالفة السنة، وهو الحكم الشرعي، لا مجرد الفعل الخارجي.

هذا كله مضافا الى استبعاد مثل هذه الشرطية اللزومية في نفسها بان يكون الاستقبال شرطا في التذكية ولكن ترتفع شرطيته بالجهل ولو بالحكم ولو عن تقصير،بحيث تكون شرطيته خاصة بالشيعي العالم بالحكم، فان هذا يناسب الاحكام التكليفية لا الوضعية كالطهارة والتذكية ونحو ذلك.

وهذه المناسبة قد تشكل قرينة لبية ايضا لصرف مفاد الروايات الى التكليف النفسي في مقام الذبح او الى ما ذكرناه من الكاشفية عن حسن اسلام الذابح واهلاله بالذبيحة للّه حقيقة وجدا.

ثم ان عبارة الشيخ (ره) في الخلاف((61)) في مسالة الاستقبال قد تدل على عدم اجماع في المسالة، والا كان يصرح به ويستدل به، فقد ذكر في المسالة(11) من كتاب الاضحية «لا يجوز اكل ذبيحة تذبح لغير القبلة مع العمد والامكان، وقال جميع الفقهاء: ان ذلك مستحب، وروي عن ابن عمر انه قال:

اكره ذبيحة تذبح لغير القبلة. دليلنا: ان ما اعتبرناه مجمع على جواز التذكية به، وليس على ما قالوه دليل، وايضا روى جابر قال: ضحى رسول اللّه (ص) بكبشين اقرنين فلماوجههما قرا وجهت وجهي، الايتين» .

ومما قد يدل على ذلك ايضا انه لم يذكره في كتاب الصيد والذباحة وشرائطهما، بل ذكره في كتاب الضحايا ومستحباتها.

كما ان عبائر السيد المرتضى (ره) في الانتصار((62)) قد توحي بعدم وجود اجماع واضح في المسالة، حيث انه استدل على ذلك بالاصل العملي، فراجع كلماته.

واما كلام المفيد (ره) في المقنعة((63)) فقد ذكر فيه الاستقبال في سياق غيره من الشروط المستحبة او الواجبة نفسيا اي غير الموجبة لحرمة الذبيحة، كعدم قطع راس الذبيحة وعدم سلخها حتى تبرد، فراجع وتامل.

هذا كله في اصل شرطية الاستقبال كبرويا.

ثانيا ( البحث الصغروي ):

ثم لو فرغنا عن الشرطية، فهل الشرط استقبال الذابح او الذبيحة او كلاهما؟ وجوه والمشهور الثاني منهما. وقد استدلوا عليه بان ظاهر الدليل ذلك، حيث ورد«استقبل بذبيحتك القبلة»، والباء للتعدية، نظير قوله تعالى: (ذهب اللّه بنورهم)((64)) اي اذهب اللّه نورهم، فيكون ظاهره جعل الذبيحة مستقبلة للقبلة.نعم، ورد في مرسل الدعائم عن ابي جعفر (ع) «اذا اردت ان تذبح ذبيحة فلا تعذب الذبيحة احد الشفرة واستقبل القبلة» ((65))، ولكنه مع ارساله لا ظهورفيه على الخلاف، لاحتمال ارادة الاستقبال بالبهيمة((66)).

ولكن الظاهر ان الباء في مثل هذه الموارد وان افادت التعدية، الا ان ذلك ليس بمعنى سلخ الفاعل عن اسناد الفعل اليه، بل هو مع بقاء الفعل مسندا الى فاعله،فقولنا: «ذهبت بزيد» معناه انني ذهبت واذهبت معي زيدا، وكذلك معنى «استقبل بذبيحتك القبلة» ان تستقبل انت القبلة وتجعل ذبيحتك كذلك معك، فيكون ظاهر هذا اللسان اشتراط استقبال الذابح ايضا حين الذبح وعدم كفاية استقبال الذبيحة وحدها.

الا ان هذا الظهور يمكن رفع اليد عنه بما ورد في سائر الروايات من التعبير بقوله «لم يوجهها»((67)) او التعبير بقوله: «تذبح لغير القبلة» ((68)) مماظاهره ان ما هو شرط ان تكون الذبيحة الى جهة القبلة، وظاهر هذا العنوان كفاية ان يكون مذبحها حين الذبح مواجها للقبلة، فانه ذبح لجهة القبلة، فلا يشترط ان تكون جميع مقاديمها الى القبلة، فضلا عن ان تكون مضطجعة على يمينها او شمالها، فان كل هذا منفي بالاطلاق.

لا يقال: ظاهر الامر بالاستقبال بالذبيحة الى القبلة وكذلك توجيه الذبيحة اليها حين الذبح ان تكون مقاديم الذبيحة اليها.

فانه يقال: بل ظاهره توجيه الذبيحة والاستقبال بها بما هي ذبيحة، اي بلحاظ حيثية ذبحها، والا فوجه الذبيحة لا يمكن ان يكون الى القبلة حال الذبح فتكون المواجهة والاستقبال بلحاظ محل الذبح، وهو مذبحها، لا الامور الاخرى.

ثم لو فرض لزوم توجيه مقاديمها الى القبلة حين الذبح، فلا ينبغي الاشكال في عدم اشتراط ان يكون ذلك في حال الاضطجاع.

بل لو كان يذبح بشكل عمودي الى القبلة، كما في ذبح الدجاجة بالماكنة حيث تعلق من رجليها ايضا كان الاستقبال محفوظا، فلا ينبغي الاشكال من هذه الناحية.

وبالامكان في الذبح بالماكنة التخلص عن مشكلة الاستقبال بجعل من لا يرى وجوب الاستقبال عليها من سائر المذاهب الاسلامية، فتكون الذبيحة محللة، لماتقدم من عدم الشك في حلية ذبيحتهم لنا، وقد استفدناه من صحيح ابن مسلم، واستفاده المشهور ايضا من روايات عدم التعمد، فمن ناحية الاستقبال لا مشكلة في الذبح بالمكائن.

الامر الرابع: ( كون آلة الذبح حديدا ):

وقد يستشكل في الذبح بالماكنة وغيرها من ناحية آلة الذبح، حيث ادعي اشتراط ان يكون الذبح بالحديد، ففي النهاية «ولا يجوز الذباحة الا بالحديد فان لم توجد حديدة وخيف فوت الذبيحة او اضطر الى ذباحتها جاز له ان يذبح بما يفري الاوداج من ليطة او قصبة او زجاجة او حجارة حادة الاطراف» ((69)).

وذكر الشيخ(ره) في الخلاف (كتاب الصيد والذباحة): «لا تحل التذكية بالسن ولا بالظفر، سواء كان متصلا او منفصلا بلا خلاف، وان خالف وذبح به لم يحل اكله،وبه قال الشافعي، وقال ابو حنيفة ان كان الظفر والسن متصلين كما قلناه، وان كانا منفصلين حل اكله. دليلنا: اجماع الفرقة واخبارهم وطريقة الاحتياط، وروى رافع بن خديج ان النبي (ص) قال: «ما انهر الدم وذكر اسم اللّه عليه فكلوا الا ما كان من سن او ظفر، وساحدثكم عن ذلك: اما السن فعظم من الانسان واما الظفرفمدى الحبشية» . ولم يفصل بين ان يكون متصلا او منفصلا»((70)).

وذكر في المبسوط «كل محدد يتاتى الذبح به ينظر فيه، فان كان من حديد او صفر او خشب او ليطة وهو القصب او مروة وهي الحجارة الحادة حلت الذكاة بكل هذا، الا ما كان من سن او ظفر، فانه لا يحل الذكاة بواحد منهما، فان خالف وفعل به لم يحل اكلهما، سواء كان متصلا او منفصلا. وقال بعضهم في السن والظفر المنفصلين ان خالف وفعل حل اكله وان كان متصلا لم يحل، والاول مذهبنا، غير انه لا يجوز عندنا ان يعدل عن الحديد الى غيره مع القدرة عليه» ((71)).

وقال القاضي في مهذبه: «والذباحة لا يجوز الا بالحديد فمن خاف من موت الذبيحة ولم يقدر على الحديد جاز ان يذبح بشيء له حدة مثل الزجاجة والحجرالحاد او القصب، والحديد افضل واولى من جميع ذلك» ((72)).

وفي الغنية: «مع التمكن من ذلك بالحديد او ما يقوم مقامه في القطع عند فقده من زجاج او حجر او قصب» ((73)).

وفي الوسيلة: «والذبح يجب ان يكون حالة الاختيار بالحديدة ويجوز حالة الضرورة بما يفري الاوداج من الليطة والمروة والخشبة» ((74)).

وفي الشرائع: «واما الالة فلا يصح التذكية الا بالحديد، ولو لم يوجد وخيف فوت الذبيحة جاز بما يفري اعضاء الذبح ولو كان ليطة او خشبة او مروة حادة اوزجاجة» ((75)).

وفي المختصر النافع: «ولا تصح الا بالحديد مع القدرة، ويجوز بغيره مما يفري الاوداج عند الضرورة ولو مروة او ليطة او زجاجة، وفي الظفر والسن مع الضرورة تردد»((76)).

وفي الجامع للشرائع: «ويحل الذكاة بكل محدد من حديد او صفر او خشب او مرو او زجاج مع تعذر الحديد، ويكره بالسن والظفر...»((77)).

وفي القواعد: «ولا يصح التذكية الا بالحديد، فان تعذر وخيف فوت الذبيحة جاز بكل ما يفري الاعضاء كالزجاجة والليطة والخشبة والمروة الحادة» ((78)).

وفي اللمعة: «ان يكون بالحديد، فان خيف فوت الذبيحة وتعذر الحديد جاز بما يفري الاعضاء من ليطة او مروة حادة او زجاجة، وفي السن والظفر للضرورة قول بالجواز»((79)).

وفي الجواهر: «واما الالة فلا تصح التذكية ذبحا او نحرا الا بالحديد مع القدرة عليه، وان كان من المعادن المنطبعة كالنحاس والصفر والرصاص والذهب وغيرها،بلا خلاف فيه بيننا كما في الرياض، بل في المسالك (عندنا) مشعرا بدعوى الاجماع عليه كما عن غيره، بل في كشف اللثام اتفاقا كما يظهر»((80)).

وقد جرى على الفتوى ذاتها الاعلام المتاخرون في رسائلهم العملية.

واستدلوا عليه بانه مقتضى الاصل وبالاجماع وبالروايات الخاصة، كصحيح محمد بن مسلم «سالت ابا جعفر (ع) عن الذبيحة بالليطة والمروة فقال: لا ذكاة الا بحديدة» ((81)).

وصحيح الحلبي عن ابي عبداللّه (ع) «سالته عن ذبيحة العود والحجر والقصبة فقال: قال علي (ع): لا يصلح الا بالحديدة» ((82)).

ومعتبرة الحضرمي عن ابي عبداللّه (ع) انه قال: «لا يؤكل ما لم يذبح بحديدة» ((83)).

ومعتبرة سماعة قال: «سالته عن الذكاة فقال: لا تذك الا بحديدة، نهى عن ذلك امير المؤمنين (ع)»((84)).

ويخرج عن اطلاق هذه الروايات خصوص صورة الضرورة، لما دل على حصول التذكية بغير الحديد فيها، وهي روايات عديدة ومعتبرة.

اما الاصل: فان اريد به اصالة عدم التذكية فهو صحيح في نفسه، ولكنه محكوم للمطلقات في بعض الروايات المتقدمة وروايات قادمة سنشير اليها.

واما الاجماع: فالمنقول منه ليس بحجة، والمحصل منه غير حاصل، فانه لايظهر من كلمات القدماء وجود اجماع في المسالة، بل لا نجد ذكر هذه الخصوصية حتى في مثل كتاب الانتصار بعنوان ما انفرد به الامامية، واما الفتاوى التي ذكرناها ونقلناها عن الكتب فهي متطابقة مع تعابير الروايات مما يوجب الاطمئنان بان الافتاء بها باعتبار ورودها في الروايات لا على اساس اجماع تعبدي في المسالة، ومن هنا يحتمل في اكثرها خصوصا كلمات القدماء منها ما سياتي في معنى الروايات.

واما الروايات الخاصة التي استدل بها على شرطية الحديد، فلا دلالة لها على ذلك، وذلك:

اما اولا: فلان الوارد في لسانها عنوان الحديدة، والحديدة هي القطعة من الفلز الصعب الذي غالبا يكون من جنس الحديد، والذي يحدد ويعد للقطع والذبح،فيكون المراد من الحديدة السكين والمدية والسيف والشفرة ونحوها، ويكون الملحوظ فيها كونها قطعة حادة معدة لذلك، لا جنسها وكونها من فلز الحديد في قبال سائر الفلزات المنطبعة كالنحاس والصفر، فيكون قوله(ع): «لا ذكاة الا بحديدة» بمعنى لا ذكاة الا بالسكين والسيف ونحوهما في قبال الذبح بالليطة والحجر والعود والقصبة مما ليس معدا لذلك.

وليس المراد اشتراط كون آلة الذبح من جنس الحديد لا من جنس آخر، فلو كان الحديد على شكل عصا او هراوة ايضا لا يصلح الذكاة به لانها ليست بحديدة بالمعنى المتقدم.

ومما يشهد على ارادة هذا المعنى ما نجده في هذه الروايات وغيرها من جعل المقابلة بين الحديدة وبين العود والحجر والقصبة والليطة، مع انه لو كان النظر الى خصوصية الجنس كان اللازم ان يجعل المقابلة بين الحديد وبين النحاس والصفر والذهب ونحوها من الاجناس الاخرى، في حين انه لم يرد ذلك في شيء من الروايات ولا اسئلة الرواة.

وايضا قد ورد في روايات اخرى التعبير بدلا عن الحديدة بالسكين، ففي صحيح عبدالرحمان بن الحجاج قال: «سالت ابا ابراهيم (ع) عن المروة والقصبة والعوديذبح بهن الانسان اذا لم يجد سكينا، فقال: ...» الخ((85)).

ومعتبرة زيد الشحام، قال: «سالت ابا عبداللّه (ع) عن رجل لم يكن بحضرته سكين ايذبح بقصبة؟ فقال: اذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبة والعود اذا لم تصب الحديدة» ((86)).

مع وضوح ان السؤال واحد في جميع هذه الروايات، فالمراد بالحديدة السكين ونحوه مما هو معد للقطع والذبح والقتل في قبال ما لم يعد لذلك كالحجر والعصاوالقصبة مما قد يمكن الذبح بها مع العناية والمشقة للمذبوح.

لا يقال: لا مانع من اخذ كلتا الخصوصيتين شرطا في آلة الذبح، اي كونها من جنس الحديد وان تكون محددة معدة للقطع والذبح كالسكين ونحوه، فيرادبالحديدة ما يكون سكينا من جنس الحديد.

فانه يقال: بين المعنيين تباين في المفهوم، فلا يصح اخذهما معا في مادة الحديد، اذ الحديد بمعنى الفلز المعروف غير الحديد بمعنى الحاد القاطع، كما ان بينهما عموم من وجه في الصدق، فالحديدة اما ان يراد بها القطعة الحادة المعدة للقطع والذبح كالسكين والمدية وان كان من غير جنس الحديد، واما ان يراد بهاالقطعة من الفلز المخصوص وان لم تكن حادة وقاطعة للحم.

اما الجمع بينهما فهو اشبه باستعمال المادة المشتق منها الكلمة في كلا المعنيين، وحيث ان الحيثية الثانية اعني المحددية والقاطعية ملحوظة هنا جزما بل هوالمعنى الاصلي للمادة فيتعين ارادة المعنى الثاني، بل قد عرفت تعين ارادة ذلك ايضا بالقرائن الداخلية والخارجية في لسان الروايات، فيتمسك باطلاقه من حيث كونه من جنس الحديد ام لا، فيكون مفاد الروايات اشتراط كون الذبح بالالة المحددة المعدة للذبح والقطع بحدها، فيكون الذبح بها بسهولة ويسر واراحة للمذبوح وان لم يكن من جنس الفلز المخصوص، في قبال ما لا يكون كذلك وان كان من جنس ذاك الفلز كالحجر والقصب والعصا.

ومما يشهد على ما ذكرناه مراجعة روايات الجمهور المنقولة عن النبي(ص) وفتاواهم((87))، فانه لم يرد فيها التعبير بالحديد، بل الذبح بالمدية والسكين في قبال الذبح بالعصا والقصب والليطة مما يكون ظهوره فيما ذكرناه اوضح، كما ان عنوان الحديد الوارد في كلمات فقهائهم ارادوا به ما يكون محددا يقطع ويخرق لا الفلز المخصوص، حيث ذكروا انه يشترط في آلة الذبح شرطان: ان تكون محددة تقطع او تخرق بحدها لا بثقلها، وان لا تكون سنا ولا ظفرا.

ولا شك ان رواياتنا الصادرة عن الائمة المعصومين(ع)، وكذلك كلمات فقهائنا القدامى لا بد وان نفهمها في ضوء الجو الفقهي السائد عند الجمهور والوارد في رواياتهم لا مفصولة عن ذلك، وهذه نكتة مهمة لا بد من مراعاتها في فهم الاخبار وكلمات الفقهاء.

ومما يمكن ان يؤيد هذا الفهم ايضا، ما ورد في رواياتنا ورواياتهم من التاكيد على لزوم تحديد الشفرة وهي السكين الحاد واراحة الذبيحة وعدم تعذيبها فى مقام الذبح وعدم نخعها او سلخها ونحو ذلك مما يؤيد ان المقصود من الامر بالذكاة بالحديدة المعنى الثاني لها لا الاول.

ثم ان رواية ابي بكر الحضرمي واردة في الكافي والتهذيب بلفظ «ما لم يذبح بحديدة» ((88)) ولكن الشيخ(ره) نقلها في الاستبصار بلفظ «ما لم يذبح بالحديد»((89))، الا ان المراد به نفس المعنى، على ان المطمان به صحة نسخة الكافي والتهذيب. وكذلك رواية الشحام واردة في الكافي بتعبير «اذا لم تصب الحديدة» ((90))، وفي التهذيب والاستبصار بتعبير:

«اذا لم تصب الحديد»((91)) وهو ايضا بنفس المعنى، خصوصا مع وقوع السؤال فيهاعمن ليس بحضرته سكين، بل قد عرفت ان المعنى الاصلي للحديد القطعة الحادة القاطعة، لا المعدن المخصوص، ولعله انما سمي بذلك لكونه حادا وصلبا.

ايضاح:

ان الحديدة مؤنث الحديد، وهو فعيل بمعنى فاعل، اي الحاد، وقد سمي المعدن المخصوص حديدا لصلابته ومنعته، كما ذكر ذلك ارباب اللغة، فان الحد في الاصل له معنيان:

1- المنع وطرف الشيء، وهذا يعني ان الحديد اصبح له معنيان معنى لغوي اشتقاقي هو الحاد ومؤنثه حديدة، اي القطعة الحادة القاطعة بحدتها، وقد شاع استعمالها في السلاح، اي آلة الذبح والقتل والقطع، وهي ما يعد ويصنع من المعادن الصلبة على شكل سكين او سيف او مدية او شفرة لذلك.

2- والمعنى الاخر المعدن الخاص المعروف، وهو معنى جامد، كما انه معنى ثانوي لا اصلي كما اشرنا، ومؤنثه حديدة ايضا، بمعنى قطعة من ذلك المعدن، وهذاالمعنى مباين مع الاول، من حيث الجمود والاشتقاق، ومن حيث عدم اخذ خصوصية المحددية في المعنى الثاني، بخلاف الاول فالحديدة بالمعنى الاول اعني مؤنث الحديد بمعنى الحاد قد لوحظ فيه خصوصية المحددية وجعل الشيء او المعدن محددا بحيث يستعمل للقطع والقتل والفري بحدته وهو السلاح، بينماالحديدة بالمعنى الثاني قطعة من المعدن باي شكل وكيفية كانت، وارادة كلا المعنيين من الحديدة الواردة في روايات «لا ذكاة الا بحديدة» غير صحيح جزما،لانه مستلزم لاستعمال اللفظ في المعنيين الجامد والمشتق، فيدور الامر بين ان يكون المراد المعنى الاول الذي هو المعنى الاصلي الاشتقاقي للكلمة او المعنى الثاني في الجامد.

وعلى الاول يدل قوله(ع): «لا ذكاة الا بحديدة» على ان آلة الذبح لا بد وان تكون سلاحا اي آلة محددة معدة للذبح بحدها، ولا يكفي مطلق ما يمكن ان يقطع الحلقوم او تفرى به الاوداج.

وعلى الثاني يدل على ان آلة الذبح لا بد وان تكون قطعة من الحديد اي من المعدن الخاص، فلا يصح الذبح بغير ذلك من الاجناس، ولا يمكن الجمع بين المعنيين كما هو ظاهر كلمات الاصحاب، الا اذا قلنا: بان الحديدة صارت خاصة بالالة المحددة المعدة للقطع والفري من جنس الحديد بالخصوص.

وهذه الدعوى مضافا الى انه لا شاهد عليها خلاف كلمات جملة من اللغويين، حيث ذكروا للحديدة معنيين، احدهما القطعة من معدن الحديد، والاخر مؤنث حديد بمعنى الحاد، بل من يراجع الاستعمالات يجد انه كان يطلق كثيرا على سيف الرجل ومديته ونحوهما انه حديدته بلحاظ كونه سلاحا ومحددا معدا للقتل والقطع، من دون فرق بين كونه من جنس معدن الحديد بالخصوص او من جنس آخر او مجموع جنسين.

فلا بد من ارادة احد المعنيين في استعمال كلمة الحديدة لا كليهما ولا مجمعهما، اذ الاول من الاستعمال في معنيين والثاني ليس معنى اللفظ. وعندئذ يقال:يتعين ارادة المعنى الاول لا الثاني، لانه مضافا الى انه المعنى الاصلي للكلمة، صراحة نظر الروايات الى حيثية المحددية، بقرينة المقابلة في الاسئلة والاجوبة معا بين الحديدة وبين العصا والعود والحجر مما ليس بحسب طبعه محددا ولا معدا للقطع والفري وان كان يمكن القطع بها ايضا مع العناية والمشقة، وبقرينة ذكر ذلك مقابل السكين والمدية كما في روايات الجمهور وبالقرائن الاخرى التي ذكرناها، بل قد عرفت ان الاصحاب ايضا فهموا دلالة هذه الروايات، بل نظروا الى حيثية المحددية ولم يستشكلوا في ذلك، وانما حاولوا استفادة مجمع الحيثيتين، والذي عرفت انه اما ممتنع او خلاف الظاهر.

لا يقال: يمكن استفادة اشتراط المحددية من فرض الذبح في الروايات، والذي لا يكون عادة الا بالشيء المحدد الذي يفري الاوداج، والا لم يكن يذبح به بل يقطع، واما اشتراط معدن الحديد وجنسه فيستفاد من قوله(ع): «لا ذكاة الا بحديدة» بارادة المعنى الجامد منها، فلا يلزم استعمال اللفظ في معنيين وتكون النتيجة ما ذهب اليه المشهور من الجمع بين الحيثيتين.

فانه يقال: ليس مفهوم الذبح الا قطع الحلقوم والاوداج، كما تشهد به معتبرة الشحام، فلا يمكن ان يستفاد من مجرد ذكر الذبح اشتراط المحددية، على ان الواردفي الروايات لا ذكاة الا بحديدة، ولم يرد لا ذبح الا بحديدة لكي يتوهم استفادة المحددية من الذبح، على انه من المقطوع به الواضح جدا ان الحديدة في الروايات قد لوحظ فيها جنبة المحددية جزما ولو بقرينة المقابلة مع العصا والقصبة والعود التي لا تكون كذلك عادة، بل لو كان المراد المعنى الجامد لجيءبالمذكر اي قيل:

الا بحديد، لا الحديدة، اذ لا دخالة لكون الحديد قطعة عندئذ في التذكية جزما، بخلاف الحديدة بالمعنى المشتق فانها تشبه اسم الالة، فحمل عنوان الحديدة في الروايات على ارادة القطعة من الحديد اعني المعدن المخصوص غير ممكن.

لا يقال: اذا كان المقصود اشتراط المحددية في آلة الذبح وارادة ذلك من عنوان الحديدة، فلماذا وقع النهي عن الذبح بالعصا والعود والحجر مطلقا، بل كان اللازم ان يقال: اذبح بها اذا كانت محددة.

فانه يقال: ليست الحديدة بمعنى كل محدد، بل خصوص السلاح المحدد، اي ما يصنع من الفلزات الصعبة عادة على شكل سيف او خنجر او سكين ليستعمل في القطع والقتل والفري بحدته، فاذا كانت الروايات تدل على الخصوصية، فالخصوصية في الحديدة بهذا المعنى، والتي تكون مقابل العصا والعود والقصبة وان كانت محددة.

فلا ينبغي الاشكال في ان روايات الحديدة تدل على اشتراط الحديد بهذا المعنى لا بالمعنى الجامد، فيمكن التمسك باطلاقها لما اذا كانت الحديدة مصنوعة من معدن آخر غير الحديد او من مجموع معدنين او اكثر، ويكفي الشك واحتمال ارادة هذا المعنى للاجمال والرجوع الى المطلقات.

واما ثانيا: ان مقتضى الصناعة حمل الروايات الناهية على صورة عدم خروج الدم او عدم فري الاوداج الذي لا اشكال في عدم التذكية فيه. وتوضيح ذلك: ان الروايات على طوائف اربع:

الطائفة الاولى: ما دل على النهي عن الذبح بغير الحديدة مطلقا، اي من غير تقييد بصورة الاختيار والاضطرار الى الذبح، وهي الروايات التي ذكرناها.

الطائفة الثانية: ما دل على الجواز مطلقا، وهي معتبرة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد(ع) عن ابيه(ع) عن علي(ع) انه كان يقول: «لا باس بذبيحة المروة والعود واشباههما ما خلا السن والعظم» ((92)).

الطائفة الثالثة: ما دل على التفصيل بين صورة عدم وجدان الحديدة فيجوز الذبح بغيرها وصورة وجدانها فلا، من قبيل صحيح ابن سنان عن ابي عبد اللّه(ع) قال:«لا باس ان تاكل ما ذبح بحجر اذا لم تجد حديدة» ((93))، ومعتبرة زيد الشحام قال: «سالت ابا عبد اللّه(ع) عن رجل لم يكن بحضرته سكين ايذبح بقصبة؟ فقال: اذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبة والعود اذا لم تصب الحديدة...» الخ((94))، وصحيح ابن الحجاج قال:

«سالت ابا ابراهيم(ع) عن المروة والقصبة والعود يذبح بهن الانسان اذا لم يجد سكينا فقال: اذا فرى الاوداج فلا باس» ((95)).

الطائفة الرابعة: ما دل على تقييد الجواز في صورة عدم وجدان السكين بما اذا كان مضطرا الى الذبح، وهي رواية محمد بن مسلم عن ابي جعفر(ع) في الذبيحة بغير حديدة قال: «اذا اضطررت اليها فان لم تجد حديدة فاذبحها بحجر» ((96)).

والطائفتان الاولى والثانية وان كانتا متعارضتين في نفسيهما، الا ان الطائفتين الثالثة والرابعة تكونان شاهدي جمع وتفصيل بينهما، والمشهور قد فصلوا بين صورة خوف موت الذبيحة وصورة عدمه فاجازوا الذبح بغير الحديدة في الاولى دون الثانية. الا انه من الواضح عدم ورود عنوان خوف موت الذبيحة في شيء من هذه الروايات، ومن هنا افتى جملة من المحققين بالتفصيل بين صورة القدرة على الذبح بالحديدة فلا يجوز بغيرها وصورة عدم القدرة فيجوز. والظاهر استفادة هذاالقيد من الطائفة الرابعة، فانها لكونها اخص من الثالثة تقيد جواز الذبح في صورة عدم وجود السكين بالاضطرار الى الذبيحة، فمن يكون مضطرا الى الذبح ان لم يجد سكينا يذبح بغيره، وهذا هو المقصود من عدم القدرة على السكين، فانه انما يصدق فيمن لا يجد سكينا مع لزوم اصل الذبح واضطراره اليه، فيقال: ان مقتضى الصناعة هذا التفصيل. ولعل من عبر من القدماء بفوت الذبيحة كالشيخ في النهاية((97)) والمحقق في الشرائع((98)) والعلا مة في القواعد((99)) اراد ذكر مصداق الاضطرار، ولهذا عطف الشيخ على ذلك في النهاية قوله: «او اضطر الى ذباحتها».

ولكن اصل هذا النحو من الجمع بين الروايات محل تامل، اذ توجد في روايات الطائفة الثالثة ما يكون ظاهرا في بيان ملاك الحكم بالحلية وضابطته، حيث وردفي معتبرة الشحام قوله (ع): «اذبح بالحجر وبالعظم والقصبة والعود اذا لم تصب الحديدة اذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا باس» .

ومن الواضح ان هذا الكلام مشتمل على شرطين مستقلين (اذبح بالحجر... اذا لم تصب الحديدة) و(اذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا باس)، فلو لم تكن الشرطية الثانية موجودة او لم تكن شرطية مستقلة، كما اذا لم تكن كلمة فلا باس موجودة وكانت هكذا (اذبح بالحجر.. اذا لم تصب الحديدة اذا قطع الحلقوم وخرج الدم) صح الاستظهار المذكور، لان ظاهرها عندئذ تقييد الحكم بالجواز في صورة عدم اصابة الحديدة بما اذا قطع الحلقوم وخرج الدم، واما حيث وردت هذه الشرطية بشكل تام وبنحو جملة مستقلة فظاهرها عندئذ بيان الضابطة الكلية وان الذبح بالحجر والعود او غيرهما لا خصوصية فيه، وانما الميزان ان يتحقق قطع الحلقوم وخروج الدم المتعارف، الامر الثابت لزومه في تحقق الذبح شرعا، ولعله عرفا ايضا.

والمعنى نفسه مستظهر من صحيح ابن الحجاح بدرجة اخف، حيث ان جواب الامام(ع) فيه ظاهر في اعطاء الضابطة والكبرى الكلية، وهي انه اذا فريت الاوداج فلا باس، فيكون ظاهر هاتين الروايتين ان الامر يدور مدار فري الاوداج وخروج الدم، وفي موارد الذبح بغير الحديدة من القصب والحجر والعود يخشى عدم تحقق ذلك، ويكون التقييد بالاضطرار الى الذبيحة في خبر محمد بن مسلم في الطائفة الرابعة محمولا على ارادة التحذير من الوقوع في محذور عدم فري الاوداج وعدم خروج الدم المتعارف، كما هو في معرض ذلك اذا لم تكن آلة الذبح حادة كالسكين ونحوه، لا تقييد الحكم بالتذكية بذلك.

وقد وقع هذا التعبير ذاته وجاء هذا القيد نفسه في روايات ذبيحة الصبي والمراة وانه لا باس بها اذا اضطر الى ذلك او اذا لم يكن غيرهما او خيف فوت الذبيحة((100))، مع ان المشهور لم يفهموا منها التقييد هناك، بل حملوا ذلك على الخشية من عدم قدرة الصبي او المراة على الذبح الصحيح وتسديده،فكذلك في المقام، فان ما جاء في روايتي الشحام وابن الحجاج مضافا الى مناسبة الحكم في نفسه يوجب ان يفهم العرف من التقييد بالاضطرار او عدم وجدان السكين او الحديدة هنا الخشية من عدم تحقق الذبح الصحيح، الذي يكون بخروج الدم المتعارف وفري الاوداج، لا ان ذلك تقييد زائد للذبح الصحيح.

وهذا المعنى ان استظهرناه من هذه الروايات المفصلة كانت دليلا على هذا التفصيل، اي حمل الطائفة الناهية عن الذبح بغير الحديدة على صورة عدم تحقق فري الاوداج او خروج الدم او احتمال ذلك، فانها مطلقة من هذه الناحية، كما تتقيد الطائفة الثانية المجوزة بما اذا حصل ذلك بالذبح بالقصبة والعود ونحوها.

وان لم نجزم بالاستظهار المذكور فلا اقل من احتماله احتمالا عرفيا لا يبقى معه ظهور في الروايات المفصلة فيما ذكره المشهور، اي لا يثبت كون الاضطرار وعدم القدرة على الحديدة قيدا في الذبح الصحيح، فلعله من باب احراز ما هو القيد الثابت في الذبح، وهو خروج الدم المتعارف وفري الاوداج، فلا يمكن ان نثبت بهاحرمة الذبيحة بغير الحديدة اذا خرج الدم المتعارف وفريت الاوداج.

نعم، في فرض عدم تحقق ذلك تكون الذبيحة محرمة، وهو ثابت في نفسه بادلة اخرى ايضا، فتبقى الطائفتان الاولى والثانية على حالهما من التعارض، وعندئذيتعين الجمع بينهما بتقييد الطائفة الثانية الدالة على نفي الباس بذبيحة المروة والعود واشباههما بصورة خروج الدم وفري الاوداج بهما، لان هذا ثابت بادلة اخرى وبنفس صحيح ابن الحجاج ومعتبرة الشحام، لانهما تدلا ن على كل حال على لزوم ذلك في حلية الذبيحة وشرطيته في الذبح الصحيح، وانما الشك والاجمال في دلالتهما على قيد زائد على ذلك، وهو كون ذلك بالحديدة لابغيرها، وبعد هذا التقييد تصبح الطائفة الثانية اخص مطلقا من الاولى، فتقيدها بصورة عدم احراز خروج الدم وفري الاوداج تطبيقا لمبنى انقلاب النسبة. هذا لو لم نقل بان الطائفة الثانية في نفسها لا اطلاق لها لصورة عدم تحقق فري الاوداج وخروج الدم المتعارف، والا كانت اخص بلا حاجة الى مبنى انقلاب النسبة، كما هو واضح.

والمتلخص من مجموع ما تقدم في هذا الامر الرابع: ان ما ذهب اليه المشهور من اشتراط كون الذبح بجنس الحديد لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لامرين:

1- ان المراد بالحديدة في الروايات ليس جنس الحديد في قبال غيره من الاجناس، بل القطعة الحادة المعدة للذبح والقطع السريع كالسكين والسيف والشفرة سواء كان مصنوعا من الفلز المخصوص المسمى بالحديد ام لا، فان هذا هو المعنى العرفي واللغوي للحديد، بل لعله انما سمي ذلك الفلز بالحديد لصلابته وحدته، فلو ثبت من الروايات تفصيل في الذبح بالالة، فلا بد ان يكون بين الذبح بالحديدة بهذا المعنى وغيره، لا بين معدن الحديد وغيره.

2- ان اصل التفصيل بين فرض القدرة على الحديدة وغيره في آلة الذبح لا يمكن اثباته بهذه الروايات، لان المستفاد منها ليس باكثر مما هو ثابت بروايات اخرى من اشتراط ان تكون كيفية الذبح بفري الاوداج وخروج الدم المتعارف، وان تقييد الذبح بغير الحديدة فيها بصورة الاضطرار الى الذبيحة او عدم وجدان السكين للتحرز عن الوقوع في خلاف ذلك، لان الذبح بمثل العصا والعود والقصبة واشباهها في معرض ذلك، نظير نفس التقييد الوارد في روايات ذبيحة الصبي والمراة،فراجع وتامل.

ويكفي لثبوت هذا التفصيل اجمال الروايات من هذه الناحية ايضا، بل مع سقوط رواية محمد بن مسلم سندا لا يبقى الا ما دل على التفصيل بين من يكون بحضرته سكين ومن لا يكون ولو لم يكن مضطرا الى اصل الذبح، ومن الواضح ان مثل هذا التفصيل لا يكون بحسب مناسبات الحكم والموضوع دخيلا في التذكية، وانما هو لتسهيل الذبح واجادته واتقانه.


بحث في قاعدة «لا تعاد»


البحث في قاعدة «لا تعاد» نورده ضمن مقدمة وفصلين وخاتمة:

اما المقدمة فنتعرض فيها الى امور ثلاثة:

الامر الاول:

لا اشكال في اختصاص القاعدة بباب الصلاة حيث انها واردة لتصحيح الصلاة ونفي لزوم اعادتها اذا كان الخلل الواقع فيها من ناحية غير الخمسة اي: الطهور،والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود كما انه لاشك في كونها قاعدة واقعية لا ظاهرية، لانها تصحح الصلاة وتنفي لزوم اعادتها واقعا مع العلم بوقوع الخلل فيها، لاظاهرا عند الشك في ذلك، فانه موضوع لقاعدة التجاوز او الفراغ الظاهرية.

نعم، هي قاعدة اثباتية لاثبوتية بمعنى انها مجرد تعبير جامع لموارد صحة الصلاة وعدم قدح الخلل الواقع فيها اذا كان في غير الاركان، فتكون ثبوتا نحو تقييد في دليل اعتبار ذلك الشرط او الجزء، لا قاعدة وجعلا مستقلا.

وان شئت قلت: ان القواعد الفقهية قد تكون ذات نكتة ثبوتية مستقلة فتكون قاعدة ثبوتية خطابا وملاكا، او ملاكا فقط بحيث يكون تقييد ادلة الاحكام الاخرى في موردها على اساس ذلك الملاك الوحداني والنكتة الواحدة الثبوتية سواء كانت قاعدة واقعية او ظاهرية كقاعدة الجب والضمان باليد والاتلاف او قاعدة التجاوزوالفراغ او غير ذلك، وقد لا يكون الا تعبيرا وحدانيا في مقام الاثبات بحيث لايعدو ان يكون مجرد لسان يكشف عن تقييد خطاب آخر كالامر بالصلاة من دون ان يكون وراء ذلك جعل مستقل او نكتة مستقلة ثبوتية للتقييد كما في سائر القواعد، حتى مثل قاعدة لاحرج ولا ضرر الكاشفة عن تقييد الاحكام الاولية فان لهاحيثية ونكتة ثبوتية مستقلة ولو ملاكا وهي رافعية الحرج او الضرر للاحكام الاولية واقتضاؤه لتقييد اطلاقاتها ورفع اقتضاءاتها، وهذا بخلاف المقام، فان قاعدة «لاتعاد» ليست الا لسانا اثباتيا لبيان عدم اطلاق الجزئية او الشرطية في حالات النسيان على حد سائر ادلة التقييد، غاية الامر قد جمع ذلك بلسان: «لاتعادالصلاة من غير الاركان»، نعم ما ورد في تعليلها بالفرض والسنة يمكن ان يكون نكتة مشتركة واحدة للتقييد.

وايا ماكان فلا ينبغي الشك في ان قاعدة «لاتعاد» من القواعد الفقهية لا الاصولية، لانها بنفسها حكم فرعي عملي، وقد بينا في موضعه ميزان الفرق بين القواعدالفقهية والاصولية، فلا نعيده في هذه الرسالة.

الامر الثاني: